«سيدات القمر» رواية بريئة من الغزل المزعوم بالقيم الأوروبية

«سيدات القمر» رواية بريئة من الغزل المزعوم بالقيم الأوروبية
TT

«سيدات القمر» رواية بريئة من الغزل المزعوم بالقيم الأوروبية

«سيدات القمر» رواية بريئة من الغزل المزعوم بالقيم الأوروبية

أثار فوز الروائية العُمانية جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر العالمية للرواية لعام 2019 عن رواية «سيدات القمر»، الصادرة عن «دار الآداب» ببيروت، التي ترجمت للإنجليزية بعنوان «أجرام سماوية»، ردود أفعال إيجابية في وسائل الإعلام المكتوبة على وجه التحديد. وقد حظيت الرواية بدراسات نقدية معقمة في الصحف والمجلات العربية إثر صدورها عام 2010، ثم تضاعف هذا الاهتمام بعد فوزها الناجز على 5 منافسين من مختلف أنحاء العالم. ورغم كل ما كُتب عنها من مقالات تقريظية، فإنّ هناك منْ يعترض، ويقف في الصف المناهض لمنح هذه الجائزة المرموقة لكاتبة عربية، مستندين إلى حجج واهية تقلل من أهمية الفائزة، وتدمغها بمختلف النعوت لأنها «غازلت» الغرب، وكتبت ما يلائم منظومتهم الفكرية والأخلاقية والثقافية. غير أنّ منْ يقرأ هذه الرواية التي ترجمتها مارلين بوث إلى الإنجليزية تحت عنوان «الأجرام السماوية» لا يجد فيها مثل هذا التحيّز أو الغزل المزعوم للقيم الأوروبية. فالتيمة الروائية للنص السردي تتمحور على مفهومي الحُب والحرية، وما بينهما من انتصارات وانكسارات، كما أنها تلمّح إلى سنوات الخلاف بين السلطان الذي يحكم المناطق الساحلية، والإمام الذي يبسط نفوذه على المناطق الداخلية، أي أنّ الزمن الروائي يمتد إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ويمر بمرحلة الاستعمار البريطاني، والتمرّد الشيوعي في ظفار، ومرحلة التحول الاقتصادي بعد إنتاج النفط في سبعينات القرن الماضي، والنهضة التي قادها السلطان قابوس بن سعيد، وغيّرت وجه البلد الذي بدأ يستجيب لاشتراطات الحداثة، والتقدم العمراني الذي زحف حتى على القرى النائية وغيّر ملامحها، كما هو الحال في قرية «العوافي» التي يدور فيها الجزء الأكبر من أحداث الرواية التي تفحص التاريخ العُماني وتتمثله جيداً، من دون أن تقع في فخاخه المموّهة.
الرواية سلسة الأسلوب، متدفقة الأحداث، والشخصيات الرئيسة فيها تنمو باضطراد، وتتغير تبعاً للتغيير الذي يحدث في أورقة المجتمع العُماني، فلم تعد التقاليد الموروثة قادرة على الوقوف بوجه التغييرات الجذرية التي طالت عموم المدن والقرى والبوادي النائية.
تركّز جوخة الحارثي على الأُسَر المتنفِّذة في قرية «العوافي»، مثل أسرة الشيخ مسعود، والتاجر سليمان، وعزّان وأسرته التي ستكون بؤرة الرواية وعمودها الفقري الذي يمتد من الجملة الاستهلالية حتى الجملة الختامية من هذا النص السردي الذي ينطوي على لغة متوهجة لا تجد حرجاً في التعالق مع الأقوال المأثورة والأمثال الشعبية والمحكية العُمانية. كما تُطعّم الكاتبة روايتها ببعض القصائد الغزلية لكبار الشعراء العرب، أمثال المتنبي وابن الرومي وقيس بن الملوّح وأبي مسلم البهلاني، وثمة تلاقحات كثيرة مع التصوّف والدين والفلسفة، وقد انتظمت هذه المحاولات كلها ضمن أنساق سردية منسابة تشابكت مع نسيج النص، وأصبحت جزءاً من مادته الأولية التي يستمتع بها القارئ على اختلاف مستوياته الثقافية، فالرواية لا تقتصر على الحُب والخيانة والهجرة وحرية التعبير، وإنما تغوص في السحر والقصص الخرافية والفلكلور العُماني وقضية الرقّ والمتاجرة بالعبيد، وما إلى ذلك من موضوعات حسّاسة لم تغادرها بعض شرائح المجتمع العُماني حتى الوقت الحاضر.
تهيمن الشخصيات النسائية على النص السردي الذي يُروى بضمير الغائب تارة، وبضمير المتكلم تارة أخرى، سواء على لسان عبد الله أو بقية الشخصيات التي تصنع الأحداث، وتأخذها إلى الذروة قبل أن تنحدر بها إلى النهاية المنطقية التي تُقنع القارئ، وتترك له فرصة التأمل وإعمال الذهن في تيمة النص الذي قرأه. غير أن هذه الشخصيات لا تنجح في قصص الحب التي تتقد بينها وبين المُحبين، خصوصاً الشقيقتين ميّا وخولة، ويمكن أن نستثني هنا علاقة أسماء بالفنان التشكيلي خالد، كما لم ينجح والدهنّ غزّان في قصة حبه مع نجيّة البدوية، الملقبّة بـ«القمر»، مثلما تتعثر علاقة الطبيبة «لندن» بأحمد، الشاعر المثقف الذي بدأ يراقبها ويُحصي عليها أنفاسها.
ولكي نوضح الهيكل المعماري للرواية لا بد من الوقوف عند هذه القصص العاطفية الخمس التي تبدأ بميّا وعبد الله ابن التاجر سليمان الذي لم تكن تحبه لأنها كانت معجبة بعلي بن خلف الذي عاد من لندن بلا شهادة، وكانت تردد دائماً أنها لا تريد شيئاً سوى أن تراه! ومع ذلك، فقد تزوجت عبد الله، وأنجبت بنتاً سمتها «لندن»، خلافاً لكل الأسماء المتعارف عليها في «العوافي»، مثل مريم وزينب وصفية.
تُعدّ قصة أسماء مع خالد ناجحة، فهو خريج كلية الفنون الجميلة، ومولع برسم الخيول، وقد وافق على أن تكمل دراستها، فنالت دبلوم المعلّمات، وأصبحت «الزوجة الحرّة في حدود فلكه، وليس خارجه».
أما قصة الأخت الثالثة فهي الأكثر درامية، ربما لأنه كانت تحب ابن عمّها ناصر حُباً جماً، وقد رفضت كل العرسان الذين تقدّموا إليها، كما أنها شخصية مثقفة قارئة نهمة، وكانت تقرأ الكتب التراثية لأبيها، وتحتفظ لنفسها بالكتب والروايات الحديثة. وحين تزوجها ناصر، تركها بعد مدة قصيرة، عقب أن استولى على الإرث، وغادر إلى مونتريال، حيث تنتظره الزوجة الكندية التي آوته في بيتها عشر سنوات، قبل أن تطرده من منزلها وحياتها نهائياً. عندها، قرر العودة إلى بلده بعد أن أنجبت له أسماء خمسة أطفال، واطمأنت على مستقبلهم، فطلبت منه الطلاق، لتطرده هي الأخرى من حياتها.
تتقن جوخة الحارثي اللعبة السردية، وتضبط إيقاعها الهادئ الذي لا يلتزم بوحدة النص، ولا يضطر لاتباع الزمن الكرونولوجي، فلا غرابة أن تتداخل الأزمنة والأمكنة والأحداث، ثم تنتظم في فصول قصيرة لم تستعمل فيها الروائية الترقيم أو العناوين الداخلية، ومع ذلك فقد جاء النص الروائي شيقاً مرناً لا تعيقه العثرات السردية الناجمة عن تكرار بعض الأحداث أو جزء منها في المتن الروائي.
أما القصة الرابعة فهي قصة الطبيبة «لندن» التي أحبت أحمد، الشاعر المتمرد، قبل أن تكتشف خيانته، فقد أهانها أكثر من مرة، فقررت أن تفسخ خطوبتها، وتُبطل العقد الذي يربطهما، فهي امرأة شاعرية تحلم بأن تجلس فوق الغيم.
وتُعدّ قصة نجيّة البدوية مع عزّان أخطر القصص على الإطلاق لأنها تطعن في الموروث البدوي المتأصل في تلك المضارب، لكنها تتناغم مع الحسّ الإنساني لأي كائن بشري، بغض النظر عن جذره الاجتماعي، سواء أكان بدوياً أم قروياً أم مدينياً، فهو إنسان بالنتيجة، وله مطلق الحق في التعبير عن مشاعره ورغباته الداخلية. فنجيّة وقعت بطريقة غريبة في حُب عزّان، فهي تقول: «سيكون لي، ولن أكون له... سيأتيني حين أشاء، ويذهب حين أشاء». اختفت البدوية، فانتشرت الإشاعات التي تتحدث عن مرضها، أو استعانة زوجة عزّان بالسحر، أو قتلها على يد ابنها المنغولي الذي علموه استعمال المسدس. ورغم تعدد القصص الرئيسة، فإن جوخة الحارثي تؤثث المتن السردي بقصص جانبية كثيرة عن الاستعمار البريطاني والعبودية والهجرة إلى الكويت ومصر وكندا، والتحولات الكبرى التي شهدتها عُمان خلال السنوات التي أعقبت اكتشاف النفط وتصديره بكميات تجارية كبيرة غيّرت وجه البلاد وألسنة أهلها الذين بدأوا يتحدثون بالإنجليزية في المطاعم والفنادق الراقية. وقد أصدرت جوخة رواية «منامات» 2004، و«نارنجة» 2016، إضافة إلى سبعة كتب أخرى في القصة القصيرة، والنقد الأدبي، وأدب الأطفال.



لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

ميشيل سير
ميشيل سير
TT

لماذا كان فلاسفة فرنسا مرعوبين؟

ميشيل سير
ميشيل سير

هذا هو السؤال الذي طرحه ميشيل سير يوماً ما. والمذكور هو أحد أهم فلاسفة فرنسا في القرن العشرين وحتى وفاته عام 2018. والبعض يرى أنه أهم من كل أولئك الذين سيطروا على الساحة الباريسية أيام صرعات البنيوية وما بعد البنيوية من أمثال فوكو، ودريدا، وديلوز، وسواهم. ولكن الشهرة ذهبت إليهم أكثر مما ذهبت إليه. وربما كان السبب يعود إلى أنه أمضى معظم حياته التدريسية في جامعات أميركا لا جامعات فرنسا. ولكنه حظي بالشهرة العريضة لاحقاً بل وأصبح عضواً بارزاً في الأكاديمية الفرنسية. على أي حال المسألة ليست هنا. المسألة هي أن ميشيل سير بعد أن اطلع على تاريخ الفلسفة الفرنسية على مدار العصور اكتشف الحقيقة التالية: وهي أن قسماً كبيراً من فلاسفة فرنسا تعرضوا في أثناء حياتهم للقمع والمنع والملاحقات. لقد كتبوا في أجواء من الرعب والخوف بل وحتى التهديد بالقتل أحياناً. بمعنى آخر لقد خاطروا بحياتهم من أجل تدبيج مؤلفاتهم والتعبير عن حقيقتهم وأفكارهم. ولكنهم الآن أصبحوا يشكلون مجد الفكر الفرنسي وعظمته. وأكبر دليل على ذلك ديكارت نفسه: أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. ولكنه ليس الوحيد. في الواقع إن فلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر بل وحتى التاسع عشر كانوا يعيشون على حافة الخطر في معظم الأحيان ودون أي ضمانات مادية أو معنوية. ولكن بما أن الفيلسوف الفرنسي المعاصر ما عاد يعاني من أي مشكلة من هذا النوع فإننا نتوهم أن أسلافه كانوا دائماً هكذا. وهذا خطأ ما بعده خطأ. في الواقع إن فلاسفة فرنسا المعاصرين يتمتعون بكل أنواع الحريات الفكرية والضمانات المادية والمناصب الجامعية والرواتب المريحة، إلخ. ولا أحد يهددهم أو يخيفهم. وعلى هذه النعمة يحسدهم مثقفو عالم الجنوب.

فولتير

أما فلاسفة الماضي فشأن آخر. لنضرب على ذلك مثلاً شخصاً يدعى دولاميتري (1709-1751). وهو طبيب وفيلسوف مادي فرنسي. بمعنى أنه كان يعيش خارج إطار عقائد الكنيسة الكاثوليكية الجبارة المهيمنة على العقول آنذاك. ولذلك أدين كتابه «الإنسان الآلي» بعد نشره مباشرة من قبل كلية اللاهوت الكاثوليكي ورجال الدين. بل واضطر إلى الهرب من فرنسا آنذاك خوفاً من الاغتيال أو الاعتقال. لا ريب في أنه بالغ في التصور المادي والإلحادي للوجود ولذلك صدم عصره. وينبغي أن نتفهم ذلك. ماذا فعل هذا الفيلسوف عام 1749؟ لقد نشر كتاباً بعنوان: الإنسان الآلي. لقد راح يدرس الإنسان بصفته آلة بيولوجية وفيزيولوجية مؤلفة من وظائف عضوية مثله في ذلك مثل جميع الحيوانات والكائنات الحية. ولكن هذا التصور العلمي الفج كان سابقاً لأوانه. وكان يشكل صدمة كبيرة للوعي المسيحي الإيماني السائد. ولذلك ردوا عليه بعنف. فلم يكتفوا بحرق الكتاب علناً وإنما هموا باغتيال صاحبه. ولذلك هرب من فرنسا والتجأ إلى ملك بروسيا المستبد المستنير فريدريك الثاني الملقب بفردريك الكبير. ومعلوم أن هذا الملك الجبار كان متحرراً من العقائد التقليدية القديمة إلى حد كبير. ولهذا السبب كان يجمع حوله كل المفكرين الهاربين من القمع الأصولي الكاثوليكي الفرنسي أو المسيحي بشكل عام. ومعلوم أن فولتير ذاته لجأ عنده في فترة من الفترات. وكان معجباً بفولتير إلى أقصى الحدود ويعتبره أستاذه وقدوته. وهذا أكبر دليل على أن السلطة يمكن أن تكون معجبة بالمثقفين وبخاصة إذا كانت مستنيرة حتى ولو كانت مستبدة في تلك العصور. وهذا يعني أنه يوجد فرق كبير بين المستبد المستنير ملك ألمانيا والمستبد الظلامي لويس الخامس عشر ملك فرنسا.

وهناك أيضاً الفيلسوف دولباك صديق ديدرو والموسوعيين. وهو صاحب الصالون الباريسي الشهير الذي كان يجتمع فيه المثقفون وتدور فيه المناظرات والمناقشات الفلسفية الأكثر جرأة. وقد منعت أكثر كتبه أو حرقت على رؤوس الأشهاد من قبل الأصوليين العتاة الذين اتهموه بمعاداة الدين والخروج عليه كلياً. والواقع أن تصوره للعالم والتاريخ كان علمياً وفلسفياً محضاً ولا علاقة له بالتالي بالرؤية الدينية أو اللاهوت المسيحي المهيمن.

ونضرب على ذلك مثلاً ديكارت نفسه الذي لم يكن ملحداً قط على عكس البارون دولباك. وإنما كان مؤمناً بالله والقيم الدينية والأخلاقية العليا إيماناً قوياً لا يتزعزع. ومعلوم أنه أشهر فيلسوف أنجبته فرنسا على مدار تاريخها كله. ولكن على الرغم من كل إيمانه واحترامه للدين فإنه اضطر للعيش خارج فرنسا هرباً من ضغط الأصوليين المتشددين؛ وذلك لأن إيمان الفلاسفة غير إيمان عامة الشعب. لقد عاش معظم حياته في هولندا الليبرالية المتسامحة دينياً. وهناك نشر كتابه الشهير «مقال في المنهج» دون توقيع، خوفاً من ملاحقات رجال الكنيسة وكليات اللاهوت والشريعة.

ولا ينبغي أن ننسى ذلك المسكين جان جاك روسو الذي تآلبت عليه الظروف من كل النواحي وأقضت مضجعه. لقد لاحقوه حتى جننوه. ومعلوم أنه دبج مؤلفاته التنويرية والعبقرية الكبرى في جو من الرعب والوحدة الكاملة والعزلة المطلقة. كانوا ينظرون إليه شزرا من عدة جهات وكانت الظروف ضده والسكاكين تسن عليه وتتربص به. ومع ذلك فقد أتحفنا بروايته الخالدة: «هيلويز الجديدة» أي قصة مجنون ليلى الجديدة بشكل من الأشكال. كما أتحفنا بكتاب «التربية إميل»، وكتاب «العقد الاجتماعي»، وكتاب «الاعترافات» أو المذكرات الشهير الذي يبلى الزمن ولا يبلى. وكل ذلك تم في جو من الخوف والملاحقات البوليسية الضارية. وقد وصل بهم الأمر إلى حد أنهم رجموه بالحجارة وكسروا نافذة بيته، بل ووصلت الحجارة لحجرة كبيرة إلى جانب السرير الذي ينام عليه. وكل ذلك حصل لأنه يكتب شيئاً جديداً مخالفاً للأفكار الشائعة عن الدين والعقيدة والتربية والسياسة.

ونضرب على ذلك مثلاً «لامارك» مكتشف نظرية التطور حتى قبل داروين. فقد حاصره منافسوه وحساده المدعومون من قبل السلطة. وقد شاهده أحدهم وهو يشهق بالبكاء أمام نابليون طالباً العفو والمغفرة. لقد أذلوه وسحقوه بسبب عبقريته المتفجرة التي لم يستطيعوا تحملها. ألم يقل المتنبي:

أزل حسد الحساد عني بكبتهم

فأنت الذي صيرتهم لي حسدا

ودع كل صوت غير صوتي فإنني

أنا الطائر المحكي والآخر الصدى

وأما عن أوغست كونت فحدث ولا حرج. فمؤسس الفلسفة العلمية الوضعية التي سيطرت على فرنسا لاحقاً لم يعش حياة هادئة على عكس ما نتوهم. فقد طردوه من مدرسة البوليتكنيك الباريسية الشهيرة فعاد مقهوراً ومدحوراً إلى مدينته الأصلية في مونبلييه على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. ومن كثرة ما لاحقوه واضطهدوه بعدئذ أوصلوه إلى حافة الجنون. بل ودخل مستشفى الأمراض العقلية لفترة قبل أن يصحو ويسترد توازنه وعافيته. ولكن كل هذا لم يمنعه من تأليف كتبه الأساسية وبخاصة مؤلفه الكبير: دروس في الفلسفة الوضعية.

والقائمة طويلة: قائمة المثقفين المنبوذين والملاحقين والمضطهدين لسبب أو لآخر. ولا نستطيع تعدادهم جميعاً هنا. ولكن سوف نتوقف مع ميشيل سير عند هذه الملاحظة القيمة. يقول الفيلسوف الكبير ما يلي: إن أبناء العائلات والذوات لا يمكن أن يصبحوا فلاسفة أو عباقرة إلا فيما ندر. لماذا؟ لأنهم يعيشون في بحبوحة من العيش ولا يعانون من عراقيل الحياة وصعوباتها ومشقاتها. وحدهم أولئك الذين عركتهم الحياة وصهرتهم في أتونها مرشحون لإنجاز الأعمال الفلسفية الكبرى. كيف يمكن لشخص لم يعرف من الحياة إلا وجهها السهل المريح أن يصبح فيلسوفاً؟ كيف يمكن لشخص لم يمت ألف موتة قبل أن يكتب حرفاً واحداً أن يصبح مفكراً عبقرياً؟


الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

جناح السعودية في المعرض (واس)
جناح السعودية في المعرض (واس)
TT

الجزائر: «سيلا 2026» يحتفي ببريق الورق في زمن الشاشات

جناح السعودية في المعرض (واس)
جناح السعودية في المعرض (واس)

يشهد «الصالون الدولي للكتاب بالجزائر»، المقام بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، إقبالاً كبيراً منذ افتتاحه الأربعاء الماضي، بمشاركة مميزة للمملكة العربية السعودية ضيفَ شرف. ويسعى القائمون على هذه التظاهرة الثقافية، في دورتها التاسعة والعشرين، إلى استعادة رسالتها الأساسية المتمثلة في جعل الكتاب فضاءً للحوار والتواصل، وهي الفكرة التي اختُصرت في شعار «الغد بين دفتَي كتاب».

بات الصالون، المعروف اختصاراً بـ«سيلا»، موعداً سنوياً بارزاً؛ إذ يوفر فضاءً لاكتشاف الكتب والكتّاب، وتنظيم لقاءات معهم. ويمكن للزوار التجول بين أجنحة دور النشر، واكتشاف الإصدارات الجديدة، والتعرف على مختلف الفاعلين في عالم الأدب. كما تسهم اللقاءات والندوات والنقاشات وجلسات التوقيع والأنشطة الثقافية في جعل الصالون فضاءً حيوياً تتلاقى فيه الأفكار والأجيال والاهتمامات المختلفة.

وبعيداً عن تنوع المؤلفات المعروضة، يذكّر الصالون بالدور الأساسي الذي تؤديه القراءة في المجتمع؛ إذ يشجع على الفضول المعرفي، ويدعم الإبداع الأدبي، ويعزز التبادل بين المهنيين والعاملين في قطاعَي النشر والكتاب.

وبالنسبة إلى القراء الشباب وعشاق الأدب على حد سواء، يشكّل الصالون فرصة لاكتشاف إصدارات جديدة وتقاسم متعة القراءة. وبذلك يرسّخ «الصالون الدولي للكتاب» مكانته باعتباره محطة بارزة في الحياة الثقافية الجزائرية، ودعوة متجددة إلى القراءة والحوار والاحتفاء بغنى الكلمة.

ملصق المعرض

يقول أحد المنظمين، الذي التقيناه في «جناح فلسطين»: «على الرغم من الحضور المتزايد للشاشات في حياتنا اليومية، لا يزال الكتاب يحتفظ بسحره ومكانته. فبينما تتيح الأجهزة الرقمية قراءة الكتب في أي وقت، تظل القراءة من كتاب ورقي تجربة لها خصوصيتها ومتعتها اللتان لا تضاهيهما أي شاشة». ويوضح أن الكتاب «يمنح قارئه فرصة للابتعاد عن إيقاع الحياة المتسارع والتفاعل مع النص على مهل. فعلى عكس المحتوى الرقمي الذي يتدفق باستمرار ويزاحم الانتباه، تتيح القراءة الورقية التوقف عند فكرة تستحق التأمل، أو إعادة قراءة عبارة لافتة، أو استعادة مقطع سابق، وهو ما يعزز التركيز ويمنح القارئ فرصة للانغماس في عوالم القصص والأفكار والمعارف بعيداً عن المشتتات».

وخلال مراسم الافتتاح، التي جرت بحضور رئيسة «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى للبرلمان)، خليدة بوفدش، وعدد من أعضاء الحكومة، ألقى عزوز ناصري، رئيس «مجلس الأمة» (الغرفة العليا للبرلمان)، كلمة بالمناسبة، أكد فيها أن الكتاب «سيظل الجسر الذي يربط الأجيال بالمستقبل»، مشدداً على أن «(الصالون الدولي للكتاب بالجزائر) أصبح واحداً من أكبر المواعيد الأدبية والنشرية في أفريقيا والعالم العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط، كما يؤدي دوراً أساسياً في الارتقاء بمستوى القراءة، ودعم صناعة الكتاب، وتعزيز الدبلوماسية الثقافية».

وتفتح الجزائر أبواب صالونها الدولي للكتاب لعام 2026 أمام المملكة العربية السعودية، التي تحل ضيفَ شرف في مقام يليق بمكانتها، من خلال وفد ثقافي رفيع يقوده وزير الثقافة، الأمير بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان آل سعود.

وتأتي المشاركة السعودية بتمثيل رفيع المستوى، يضم نخبة من الكتّاب والأدباء والناشرين والمفكرين، بما يعكس أهمية هذه التظاهرة الثقافية ومكانتها. كما يتضمن برنامج المشاركة عرض مجموعة من أحدث الإصدارات الأدبية والفكرية السعودية، إلى جانب تنظيم ندوات فكرية وأمسيات شعرية وعروض فلكلورية وتراثية، تسلط الضوء على ثراء الثقافة السعودية وتنوع مكوناتها، وتتيح للزوار فرصة التعرف على جوانب مختلفة من الموروث الثقافي للمملكة وإبداعاتها المعاصرة.

ولا تقتصر هذه المشاركة على عرض الكتب والإصدارات، بل تتجاوز ذلك لتشكل فرصة لتعزيز التبادل الثقافي وتطوير صناعة النشر، من خلال فتح قنوات التواصل بين دور النشر الجزائرية والسعودية، واستكشاف فرص التعاون وتأسيس شراكات ثقافية مستدامة، وهو ما يمنح حضور المملكة بُعداً يتجاوز المشاركة الرمزية، ليجعل منه مناسبة لتقريب المبدعين والناشرين، وتبادل الخبرات والتجارب.

وتكتسب المشاركة السعودية أهمية إضافية بالنظر إلى حجم هذه الدورة من الصالون، التي تعرف حضور أكثر من 1567 عارضاً، وتضم ما يزيد على 285 ألف عنوان، في أرقام تعكس اتساع التظاهرة ومكانتها ضمن أبرز المواعيد الثقافية في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يشكّل حضور المملكة ضيفَ شرف أحد أبرز محاور البرنامج الثقافي المصاحب، بما يحمله من تنوع في الأنشطة والفعاليات، وما يتيحه من فرص لتعميق التقارب الثقافي.


تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.