فكتوار دي كاستيلان لـ «الشرق الأوسط»: أؤمن بالتجديد ما دام يتضمن قصة ملهمة

مجموعة «آرشي ديور».. تحية لمصمم كان يحلم بأن يكون مهندسا

سوار يجسد كل جماليات جاكيت «البار» بخصره المحدد وتفاصيله الأنثوية  -  تصميم «البار» كما رسمه كريستيان ديور من مجموعة «كورول» لربيع وصيف 2014  -  رسمة لفستان «مارلي» من خط «ترومب لوي» Trompe L›oeil (ربيع وصيف 1949)
سوار يجسد كل جماليات جاكيت «البار» بخصره المحدد وتفاصيله الأنثوية - تصميم «البار» كما رسمه كريستيان ديور من مجموعة «كورول» لربيع وصيف 2014 - رسمة لفستان «مارلي» من خط «ترومب لوي» Trompe L›oeil (ربيع وصيف 1949)
TT

فكتوار دي كاستيلان لـ «الشرق الأوسط»: أؤمن بالتجديد ما دام يتضمن قصة ملهمة

سوار يجسد كل جماليات جاكيت «البار» بخصره المحدد وتفاصيله الأنثوية  -  تصميم «البار» كما رسمه كريستيان ديور من مجموعة «كورول» لربيع وصيف 2014  -  رسمة لفستان «مارلي» من خط «ترومب لوي» Trompe L›oeil (ربيع وصيف 1949)
سوار يجسد كل جماليات جاكيت «البار» بخصره المحدد وتفاصيله الأنثوية - تصميم «البار» كما رسمه كريستيان ديور من مجموعة «كورول» لربيع وصيف 2014 - رسمة لفستان «مارلي» من خط «ترومب لوي» Trompe L›oeil (ربيع وصيف 1949)

أسبوع الأزياء الراقية بباريس يختتم فعالياته دائما بيوم خاص بالجواهر، لكنه هذه المرة لم يكتفِ بيوم واحد. فقد فتحت معظم بيوت الأزياء ودور الجواهر أبوابها لوسائل الإعلام والزبائن على مدى الأسبوع تقريبا، من خلال مواعيد خاصة ومحددة، لإعطاء فكرة مسبقة عما ستعرضه في بينالي باريس في آخر أواخر هذا الشهر. ونظرا لأهمية المعرض، فإن الإصدارات كانت بمجملها تلعب على صفاء وألوان الأحجار وعلى التصاميم المبتكرة والجديدة حتى تضمن شد الأنفاس من جهة، وتكون في مستوى المنافسة التي ستكون شرسة بين كل دور الجواهر، من جهة ثانية. من هؤلاء، نذكر ديور، التي غاصت مصممتها فكتوار دي كاستيلان في أرشيف الدار واستلهمت من 11 فستانا فخما من موسم الـ«هوت كوتير» 44 قطعة جواهر، تتحدى معايير التصميم بتقنياتها العالية وأشكالها الهندسية الجديدة، لا سيما بالنسبة لمصممة عودتنا على أسلوب رومانسي أقرب إلى الفانتازيا منه إلى الواقع. المجموعة بعنوان «أرشي ديور» (Archi Dior)، وهي تصغير لكلمة هندسة باللغة الفرنسية، لأنها تحية لكريستيان ديور، الذي كان يحلم في شبابه أن يكون مهندسا، إلا أن تدخل أهله حال دون ذلك. رغم ذلك انعكس حبه على أسلوبه الذي يتميز بالأحجام الضخمة، والطيات المتعددة وانسدال الأقمشة بكميات سخية وغيرها. فروح المهندس بداخله، لم تفارقه إلى أن مات بصورة مفاجئة في عام 1957. تعترف فكتوار دي كاستيلان في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن مجموعة «ذي آرشي ديور» فعلا مستلهمة من السيد ديور وحلمه أن يصبح مهندسا، مؤكدة أنه، وعلى الرغم من عدم تحقيقه هذا الحلم واتجاهه إلى تصميم الأزياء في المقابل، تظهر المعالم الهندسية جليا في كل ما يجود به خياله، لأنه كان يصممها بنفس منطق بناء البنايات الضخمة. وتشير: «تصميم الجواهر أيضا، يخضع لنفس المعايير تقريبا، إذ تخضع كل قطعة لما يشبه عملية البناء، من حيث رص وتجميع الأحجار الثمينة مع بعض بعناية وبنسب متفاوتة لكن دائما متناغمة».
ثاني ما يلفت انتباهك في هذه المجموعة، بعد تصميمها المتميز والمبتكر، أن كل قطعة فيها تستوحي شكلها من فستان أيقوني، مثل «كورول» أو«فيرتيكال» أو«زيغ زاغ» أو«إيليه» وغيرها من التصاميم التي تفخر بها الدار وتبرز حرفيتها، بطياتها أو أحجامها أو ألوانها، إضافة إلى الخدع البصرية واللعب على التناقضات. فتصميم الأزياء، حسب قول فكتوار، يعتمد على مفهوم البناء، كذلك تصميم وصياغة الجواهر، مما دفعها إلى دراسة كل حركة وكل طية أو كسرة وصياغتها بالأحجار، حتى تحاكي مرونة هذه الفساتين حين تتحرك المرأة ويظهر التبطين من أسفلها أو تتمايل هذه الطيات كاشفة عن تفاصيل أخرى. من القطع الأيقونية التي أبدعت فيها المصممة، جاكيت «البار» الذي شكل ثورة في عام 1947 حين طرحه كريستيان ديور أول مرة، ليحدد ما أصبح يعرف في لغة الموضة بـ«ذي نيو لوك». جاء تصميم الجاكيت بشكل محدد عند الخصر وتم تنسيقه مع تنورة مستديرة من صوف الكريب بطيات سخية تبرز جمال الجسد وتضاريسه الأنثوية. عرف الجاكيت نجاحا منقطع النظير بمجرد أن وقعت عليه عيون المرأة ولا يزال من القطع الأيقونية التي تميز ديور عن غيرها. فكتوار أخذت هذه القطعة وترجمتها بالمعادن والأحجار الكريمة في سوار جد مثير يراعي أهمية هذا الرمز ويحتفي به. أخذت أيضا فستان «جينون» الذي صمم في عام 1949 ويتميز بتنورة تتفتح مثل بتلات الأزهار لتجسده في أقراط أذن رائعة، وهكذا. كانت الخيارات كثيرة أمامها، لكنها في الأخير كان عليها أن تعطي الأولوية لما راق لها «من ناحية التفاصيل مثل الكشاكش، والطيات والكسرات، وما حفز بداخلي تحديا لكي أترجمه بالمعادن والأحجار»، حسب ما تقوله.
التحدي الكبير بالنسبة لها كان إيجاد طريقة لترويض المعادن وجعلها مرنة وطيعة مثل الأقمشة، رغم أنها لا تتمتع بنفس الوزن والخفة والحركة، وأن تجعل كل العناصر تتناغم مع بعض من دون أن يتغلب جانب على آخر. ركزت مثلا على ألوان الأساسية للأحجار الثمينة الأربعة، ولعبت على درجاتها، ما أضفى عليها أسلوبا كلاسيكيا، من حيث الألوان على الأقل. فالماس مثلا جاء بالأبيض والأصفر والبرتقالي، والزفير بالأزرق والوردي، كما استعملت الزمرد، وفي بعض الأحيان التورمالين وتزافوريت والعقيق، لكن دائما بدرجات متقاربة ومتناغمة.
عندما أقول لها إن اهتمام كريستيان ديور بالهندسة لا يخفى على العارفين والمهتمين بالموضة، سواء من قرأوا سيرته الذاتية، أو يقرأون ميوله بين طيات الفساتين التي صممها وأحجامها، وبأن الجديد يكمن فيها، إذ تبدو وكأنها غيرت جلدها، وخصوصا أنه لم تظهر عليها أي ميول هندسية من قبل، وكانت إلى الأمس القريب مسكونة بأجواء الطبيعة، ترد شبه مدافعة: «أعشق أن أضع لنفسي تحديات جديدة.. تحديات قد تكون أقرب إلى التمارين، باقتراح أفكار مبتكرة في كل مرة. خذي الألوان هنا مثلا، فهي أكثر هدوءا مقارنة بالمجموعتين اللتين طرحتهما في الموسمين الأخيرين (شير ديور) Cher Dior و)دير ديور) Dear Dior، ومع ذلك فإن (آرشي ديور) Archi Dior هي الأكثر اعتمادا على ظلال الألوان والدرجات المتراكبة. أحيانا هناك لون واحد، بدرجتين أو ثلاث، بينما استعملت في السابق ألوانا متنوعة ومتضاربة. السبب أنها أكثر هندسية وتجريدية، وبالتالي لم أرد أن أشوش عليها بالكثير من الألوان، التي ارتأيت أن ألجأ إليها للضرورة فقط».
بحثها عن الجديد لا يتناقض مع احترامها لإرث الدار الفرنسية العريقة. فمنذ أن التحقت بها وهي تهدف إلى تجسيد أفكارها ورموزها الرئيسة وتجسيدها في أعمالها، مثل حديقة كريستيان ديور، التي ظهرت في مجموعة «ميلي لا فوري» مثلا، أو فساتين السهرة الفخمة والدرامية، وطبعا الهوت كوتير، التي تعتبر من أسس الدار. لكنها تشير إلى أن «هذه الأفكار والرموز، كانت ولا تزال، مجرد نقطة انطلاق بالنسبة لي، لأني أضيف إليها الكثير من أفكاري الخاصة. وهي أفكار أستمدها من الفن، المعارض، الأفلام، الصور الفوتوغرافية الشارع، عالم المرأة، الحب، التحليل النفسي. أي أنني استمدها من الحياة وكل ما يدور حولي، من دون أن أنسى إرث كريستيان ديور الغني. فهو يلهمني بنفس القدر، وخصوصا أنه منبع لا ينضب، وعندما أمزجه مع اهتماماتي الحياتية، فإن التجربة تزيد متعة». ما تؤكد عليه فكتوار أن أي مجموعة تصوغها تعكس تطلعاتها وميولها، كما أنها تعتبرها بمثابة فصل جديد من نفس القصة.. «أنا أومن بالتجديد ما دام استكمالا لنفس القصة، فكل مجموعة تؤدي إلى أخرى. وبما أنني أعشق فكرة تكسير الحدود والبحث الدائم للوصول إلى مكان غير متوقع لم أصل إليه من قبل، فإن تصاميمي تأتي أيضا بأشكال غير متوقعة. قد ينبع هذا من كوني أكره الملل والروتين، فهما يشعرانني بالتعاسة، لهذا احتاج دائما إلى ابتكار ما يشغلني ويرفه عني».
ولا شك أن فكرة هذه المجموعة كانت مثيرة وممتعة بالنسبة لها. ولدت فكرتها منذ عامين ونصف العام تقريبا، واستنفدت الكثير من الجهد أيضا، نظرا للتقنيات التي كانت تتطلبها حتى تأتي بالشكل المطلوب، وهو ما تؤكده قائلة إنها «تشمل 23 قطعة كل واحدة منها فريدة من نوعها، إضافة إلى 21 قطعة من الجواهر الراقية، استغرق تنفيذ كل قطعة فيها ما بين 18 و24 شهرا. كمثال على ذلك، استغرق تنفيذ قلادة (كورول) 2500 ساعة، إذ كان من الضروري تقطيعها إلى 160 جزءا لكي نتمكن من ترصيعها بأكثر من 300 ماسة بتقطيع (باغيت)، وتطلب سوار الـ(بار) 560 ساعة لترصيعه بـ4500 حجر. فالدقة والأحجام المتفاوتة التي تم تقطيع كل حجر بها كان ضروريا لخلق خلق التناغم من رحم التناقض». وتشير فكتوار إلى أن هذا أمر مترسخ في ثقافة وتقنيات الـ«هوت كوتير» أيضا، التي تحتاج فيها معظم الفساتين إلى ما لا يقل عن 500 متر من الحرير، وهو ما يعادل حجر من 80 قيراطا في عالم الجواهر.



«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».