الانتخابات الأوروبية واحدة من أكبر الممارسات الديمقراطية في العالم

يخوض الرئيس ماكرون (مع تيريزا ماي) الأحد الانتخابات الأوروبية كمدافع عن الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الشعبويين (أ.ب)
يخوض الرئيس ماكرون (مع تيريزا ماي) الأحد الانتخابات الأوروبية كمدافع عن الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الشعبويين (أ.ب)
TT

الانتخابات الأوروبية واحدة من أكبر الممارسات الديمقراطية في العالم

يخوض الرئيس ماكرون (مع تيريزا ماي) الأحد الانتخابات الأوروبية كمدافع عن الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الشعبويين (أ.ب)
يخوض الرئيس ماكرون (مع تيريزا ماي) الأحد الانتخابات الأوروبية كمدافع عن الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الشعبويين (أ.ب)

أكثر من 400 مليون ناخب أوروبي في 28 دولة يمارسون هذه الأيام حقهم الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية، التي بدأت الخميس في بريطانيا وهولندا وانتقلت في اليوم الثاني إلى آيرلندا وجمهورية التشيك، في واحدة من أكبر التجارب الديمقراطية في العالم، والتي ستؤدي إلى تغيير متوقع في قادة المؤسسات العليا بالتكتل. والسؤال الرئيسي هو ما إذا كان المجلس التشريعي للاتحاد الأوروبي، الذي سيطر عليه لفترة طويلة ائتلاف كبير من أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط، يمكن أن يصاب بالشلل بسبب زيادة التيار الشعبوي الذي ترك أثرا في دول مثل إيطاليا وفرنسا والمجر وألمانيا. وسيكون للبرلمان الجديد دور فعال في تعيين الأعضاء المقبلين في المفوضية الأوروبية، وهي الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي، قبل الشروع في العمل المنتظم لفحص المبادرات الجديدة والميزانية المستقبلية للتكتل. وتقوم الأحزاب الشعبوية عبر التكتل بحملة لإعادة بناء صورة الاتحاد الأوروبي وفق توجهاتها، وقد تزداد أعدادها بعد التصويت في نهاية هذا الأسبوع.
اعتبر الأميركي ستيف بانون أحد المهندسين الرئيسيين للمعسكر الشعبوي في مقابلة مع صحيفة «لو باريزيان» أن الانتخابات في فرنسا ستكون «الأكثر أهمية» للأوروبيين، مضيفا «أنها استفتاء عليه (الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون) وعلى رؤيته لأوروبا». وبدورها، تدرج مارين لوبن المرشحة الخاسرة في انتخابات 2017 الرئاسية، هذه المعركة في الإطار المذكور، علما بأنها اختارت على رأس قائمتها مرشحا أصغر سنا من ماكرون هو جوردان بارديلا (23 عاما). وطالبت الناخبين بعدم «منح (الرئيس) شيكا على بياض» فيما تسعى الأحزاب الأخرى إلى إسماع صوتها في ظل هذا الانقسام العمودي. ويرى سيباستيان مايار مدير معهد جاك دولور أن «خسارة شخص ما مؤيد لأوروبا الانتخابات الأوروبية في عقر داره تشكل مساسا بصدقيته».
وبعد عامين من انتخابه، يخوض الرئيس ماكرون الأحد الانتخابات الأوروبية كمدافع عن الديمقراطيات الليبرالية في مواجهة الشعبويين، رغم تراجع شعبيته في بلاده متأثرا باحتجاجات أصحاب «السترات الصفراء» خلال الستة شهور الماضية.
وضع ماكرون نفسه رأس حربة في الحملة، ما يعني أن أي خسارة له في مواجهة اليمين المتطرف قد تجبره على تغيير فريقه الحكومي وإعادة النظر في وتيرة إصلاحاته.
بعدما أظهرت استطلاعات الرأي لوقت طويل تقأربا كبيرا بين «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبن وحزب «الجمهورية إلى الأمام» الرئاسي، باتت قائمة اليمين المتطرف تتقدم بما يراوح بين 0.5 نقطة ونقطتين، وذلك في نهاية حملة اتخذت شكل صراع بين المعسكرين.
وأعلن الرئيس الفرنسي الثلاثاء العنوان العريض للانتخابات، مؤكدا أن الاتحاد الأوروبي يهدده «خطر وجودي» قد يفضي إلى «تفككه» تحت وطأة الموجة الشعبوية. وأعرب عن أمله في «بناء ائتلاف كبير من التقدميين» في مواجهة «من يريدون تدمير أوروبا عبر القومية».
وفي هذا السياق، لن يكون الرئيس الفرنسي مجبرا على اتخاذ خطوات في فرنسا فحسب، عبر تغيير حكومته على الأرجح، بل سيكون لهذا الأمر تأثير طويل المدى في أوروبا.
ويقول بريس تانتورييه المدير العام لمعهد ايبسوس لاستطلاعات الرأي إن «قدرته على أن يكون أحد أبرز القادة في أوروبا مستغلا قرب انتهاء المسيرة السياسية لأنجيلا ميركل وانقسامات في أماكن أخرى، سيلحق بها ضرر كبير في حال تعرض لخسارة قوية الأحد» وخصوصا أن الرئيس الفرنسي يواجه مرحلة حساسة مع المستشارة الألمانية، حليفته الأولى على المسرح الأوروبي والتي تناهض بدورها الحركات الشعبوية التي يجسدها الإيطالي ماتيو سالفيني والمجري فيكتور أوربان وحتى لوبن. والخلافات كثيرة، وبينها كيفية توزيع المناصب داخل المؤسسات الأوروبية. ويلاحظ مايار عدم ارتياح فرنسي إلى موقف ألمانيا التي لا تجاري ماكرون في نيته المضي قدما في تنفيذ أفكاره ومشاريعه على صعيد أوروبا. وعلى صعيد السياسة الداخلية، سيكون الرئيس الفرنسي مجبرا على الأرجح على تغيير حكومته وإعادة النظر في خطته الإصلاحية، علما بأنه يرغب في تطبيق «الفصل الثاني» من تلك الإصلاحات بعدما نفذ جزءا منها في مستهل ولايته، وأبرز عناوين هذا الفصل ما يتصل بقانون العمل.
ويقول وزير لم يشأ كشف هويته، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، «إذا تقدمت الجبهة الوطنية بشكل كبير فلا بد من تغيير حكومي. كيف يمكن للمرء أن يخسر الانتخابات» ولا يغير رئيس الوزراء مثلا. ويبدو أن ماكرون فاتح وزراءه بهذا الأمر في الكواليس، وتحديدا في 30 أبريل (نيسان)، حين لمح إلى تغييرات في الفريق الحكومي في حال هزيمته في الانتخابات الأوروبية.

- الاقتراع في أرقام
> دعي ناخبو الدول الأعضاء الـ28 في الاتحاد الأوروبي للإدلاء بأصواتهم للمرة التاسعة في التاريخ لانتخاب ممثلين لهم في البرلمان الأوروبي.
>يبلغ عدد الناخبين في سن المشاركة في عملية الاقتراع 427 مليونا.
>تحتلّ الانتخابات الأوروبية المرتبة الثانية في حجمها في العالم بعد الانتخابات التشريعية في الهند.
> ويُمنح حق الانتخاب إلى المواطنين الذي تتجاوز أعمارهم 18 سنة في غالبية الدول الأوروبية الأعضاء. إلا أن اليونان سمحت لناخبيها بالتصويت اعتباراً من عمر 17 سنة فيما يصوّت في النمسا ومالطا كل من هم فوق 16 سنة.
> بلغت نسبة المشاركة 42.6 في المائة في العام 2014 وهي الأدنى في التاريخ بالنسبة لانتخابات أوروبية.
> خلال عملية الاقتراع هذه، يتمّ انتخاب 751 نائباً. يتمّ توزيع المقاعد بناء على عدد السكان. وستشغل ألمانيا 96 مقعداً، وفرنسا 74، وكل من إيطاليا وبريطانيا 73. أما مالطا وقبرص ولوكسمبورغ فلن تشغل إلا ستة مقاعد.
> بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، سيصبح عدد المقاعد في البرلمان الأوروبي 705 نواب، إذ سيتمّ إلغاء جزء من المقاعد البريطانية على أن يُوزّع الجزء الآخر. وسيصبح لدى فرنسا وإيطاليا خمسة مقاعد إضافية وإيطاليا وهولندا ثلاثة.
ورغم الشكوك التي تلفّ موعد خروج بريطانيا من الاتحاد، ينبغي على الدول التي سيزيد عدد مقاعدها بعد بريكست انتخاب النواب الإضافيين الذين لن يحضروا جلسات البرلمان الأوروبي إلا بعد الانفصال بين لندن والاتحاد الأوروبي.
> بلغ متوسط عمر النواب أثناء انتخابات العام 2014.53 عاماً، وفق حسابات البرلمان الأوروبي. وفي أكثر من نصف عدد الدول الأعضاء، يمكن الترشح للانتخابات الأوروبية اعتباراً من عمر 18 سنة. لكن بعض الدول لديها قواعد أكثر صرامة: ففي إيطاليا واليونان، السنّ الأدنى للترشح هو 25 عاماً وفي رومانيا 23 عاماً.
> بلغت نسبة النساء المنتخبات في البرلمان الأوروبي في العام 2014، 36.9 في المائة وهي النسبة الأعلى في التاريخ. ولا يحترم التوازن في المقاعد بين الرجال والنساء، إلا في خمس دول أعضاء هي فنلندا وإيرلندا (6 من أصل 11) وكرواتيا (6 من أصل 11) ومالطا (3 من أصل 6) والسويد (10 من أصل 20). أما قبرص (1 من أصل 6) وبلغاريا (3 من أصل 17) وليتوانيا (2 من أصل 11) فهي الدول الأقلّ احتراماً لهذا التوازن.

- الاتحاد «أكبر منطقة تجارية في العالم»
> يعتبر الاتحاد وارثا للمجموعة الاقتصادية الأوروبية التي ضمت ستة بلدان وتأسست في 1958. وانبثق من معاهدة ماستريخت (1993) ليضم 28 عضوا. وتنوي المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروبي وتم تمديد موعد نهائي لذلك في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2019.
> حدث أكبر توسيع في 2004 لدى دخول عشرة بلدان: ثمانية من البلدان الشيوعية السابقة، بما فيها الجمهورية التشيكية والمجر وبولندا، وكذلك جزيرتا قبرص ومالطا في البحر المتوسط.
> يستخدم 19 من أعضائه اليورو الذي طرح للتداول في 1999. واختارت المملكة المتحدة والدنمارك والسويد الاحتفاظ بعملاتها الوطنية، بينما تستعد بلدان أخرى لتبني العملة الموحدة.
> يشكل أعضاء الاتحاد الأوروبي مجتمعين سوقا موحدة تتحرك فيها البضائع والأفراد ورؤوس الأموال والخدمات بحرية من دون عوائق على الحدود الداخلية. وتجعل هذه السوق الموحدة التي تأسست في 1993، من الاتحاد «أكبر منطقة تجارية في العالم» للسلع والخدمات المصنعة. ولا يزال إجمالي ناتجها المحلي الذي بلغ 17.200 مليار دولار (15.200 مليار يورو) في 2017، أقل من إجمالي ناتج الولايات المتحدة (19.300 مليار دولار)، لكنه يفوق الناتج المحلي للصين (12.200 مليار دولار)، كما يقول البنك الدولي.
> عبر عدد سكانه الذي يبلغ 513 مليون نسمة، يعد الاتحاد الأوروبي ثالث أكبر منطقة من حيث عدد السكان في العالم، متقدما على الولايات المتحدة، وبعد الصين والهند اللتين يفوق عدد سكان كل منهما مليار نسمة. وألمانيا هي الدولة العضو الأكبر من حيث عدد السكان (82 مليونا) في حين أن مالطا هي الأصغر (468 ألفا). وألغيت عمليات المراقبة المنهجية على الحدود بين اثنين وعشرين من بلدان الاتحاد الأوروبي، بصفتها أعضاء في منطقة شينغن.
> تعد لغاته الرسمية الـ24 بين اللغات الأكثر استخداما في العالم مثل الإنجليزية والفرنسية، والأقل استخداما مثل الآيرلندية والفنلندية والبلغارية.
> تساهم دوله الأعضاء بنسبة 1 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي في ميزانية الاتحاد الأوروبي، وتستفيد من مساعدات للزراعة وتأمين فرص عمل للمناطق المحرومة والتنمية الريفية وصيد السمك.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...