رئيس جيبوتي: استضافة السعودية «القمم الثلاث» تعزيز للوحدة والأمن والاستقرار

جيلة قال لـ «الشرق الأوسط» إن بلاده تأمل في ترسيم الحدود مع إريتريا قريباً بفضل الجهود السعودية المستمرة

الرئيس الجيبوتي عمر جيلة
الرئيس الجيبوتي عمر جيلة
TT

رئيس جيبوتي: استضافة السعودية «القمم الثلاث» تعزيز للوحدة والأمن والاستقرار

الرئيس الجيبوتي عمر جيلة
الرئيس الجيبوتي عمر جيلة

أكد الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة، أن استضافة السعودية للقمم الثلاث الخليجية والعربية والإسلامية، يعد استشعارا بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقها، مشيرا إلى أن هذه القمة، ستسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في هذا الظرف الدقيق الذي يحيط بالمنطقة.
وتطلع إلى أن تخرج القمة الإسلامية، بقرارات تسهم في حل الأزمات والحفاظ على الوحدة والتضامن بين الدول الإسلامية صونا للسلم والأمن وتحقيقا للاستقرار، مشيراً إلى أن السعودية «رأس العرب وقبلة الإسلام والمسلمين وأي عدوان يستهدفها يعني الأمتين العربية والإسلامية».
وقال الرئيس الجيبوتي في حوار مع الشرق الأوسط»، إن استهداف محطتي ضخ نفط بالسعودية، هي من أعمال الإرهاب التي تهدد أمن المنطقة وسلامة إمدادات الطاقة، مشدداً على ضرورة التكاتف الدولي لمواجهة هذه الأعمال الإجرامية. كما نوّه إلى أن التعدي على المياه الإقليمية بالخليج والبحر الأحمر يهدد الأمن والسلم الإقليميين والدوليين، وهو عمل مرفوض ومستنكر بشدة.
وبيّن جيلة أن الأزمات التي تعيشها المنطقة، حاليا وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والأوضاع في سوريا واليمن وليبيا والعراق وغيرها من البلاد العربية، ستكون أهم أجندة على طاولة القمم التي تستضيفها المملكة نهاية الشهر الحالي. وأكد أن بلاده تراقب تطورات الأحداث بالسودان، مبدياً استعداده لبذل كل ما يحفظ استقرارها.

> تشاركون في القمة الإسلامية في الأيام القليلة المقبلة بجانب قمتين عربية وخليجية... ما أهم التحديات التي تواجهها؟
- هذه القمم المقررة في 25 و26 رمضان بمكة المكرمة، تتزامن مع ظروف حرجة وتحديات متشعبة يمر بها العالم الإسلامي، فكثير من الدول الإسلامية والعربية تشهد أوضاعاً مضطربة بينها اليمن وسوريا وليبيا والعراق والجزائر والسودان والصومال، وكذلك الانتهاكات المستمرة التي يقوم بها الاحتلال في الأراضي الفلسطينية والقدس الشريف، إلى جانب تنامي التطرف والإرهاب الذي يهدد الأمن العالمي، وكذلك مهددات المياه الاقتصادية في المنطقة.
وهي تحديات كبيرة تحتاج لجهد كبير لبحث المهددات الأمنية في المنطقة، وتحديدا حادث الفجيرة الأخير، وتدارس التطورات الإقليمية في إطار عربي وإسلامي موحد لبحث هذه الاعتداءات وتداعياتها على المنطقة.
> ما الثمرات المرجوة من القمم وأهم التوصيات التي تتطلعون إليها؟
- نأمل بأن تسلط القمة الضوء على مختلف المشاكل والأزمات التي تعصف بالعالم الإسلامي، وأن تخرج بقرارات مهمة من شأنها الإسهام في حل تلك الأزمات، والحفاظ على الوحدة والتضامن بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي وتطوير العلاقات فيما بينها، صونا للسلم والأمن، وتحقيقا للاستقرار والازدهار.
نحن متفائلون بانعقاد هذه القمم الطارئة بقيادة أخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في أقدس بقعة على وجه الأرض مكة المكرمة، وفي ليالي القدر، آملين لهذه القمم التوفيق والسداد وكسب بركة الزمان والمكان.
> إلى أي حد ستكون القضية الفلسطينية والأزمتان السورية واليمنية والوضع في ليبيا والعراق محوراً رئيسياً في هذه القمة؟
- القضية الفلسطينية هي القضية الإسلامية والعربية المركزية الأولى، ومن الطبيعي أن تحتل الصدارة في كل اجتماع عربي وإسلامي. ولا شك أن الأزمة السورية وكذلك الأزمة اليمنية وما تشهده ليبيا والعراق من أوضاع أمنية مضطربة، أمر يثير القلق.
وبخصوص الأزمة السورية فإننا لا نزال متمسكين بأن الحل الوحيد لهذه المأساة هو الحل السياسي الذي يحقق تطلعات الشعب السوري، ويعتمد على مقومات الحفاظ على وحدة البلاد ويصون استقلالها ويعيد لها الأمن والاستقرار.
وبالنسبة للأزمة اليمنية، فإننا نجدد دعوة الأشقاء إلى التكاتف من أجل دعم الشرعية الدستورية، والوقوف إلى جانب هذا البلد الشقيق وقيادته الشرعية، وإنهاء حالة الانقلاب الذي خلق الفوضى في اليمن، وأدى إلى ما آلت إليه الأمور، على أن يكون الحل السلمي والسياسي المبني على مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية هو المخرج من هذه الأزمة.
كما نجدد دعمنا للأشقاء في ليبيا، وندعو الأطراف الليبية إلى التكاتف وإنهاء الانقسام والصراع، بما يحقق تطلعات الشعب الليبي الشقيق للأمن والاستقرار والرخاء. وعلى الصعيد ذاته، نجدد دعمنا للعراق الشقيق في جهوده الرامية لتبيث الأمن والاستقرار والقضاء على العصابات الإرهابية.
> تتعرض المياه الإقليمية سواء في الخليج العربي أو البحر الأحمر وباب المندب إلى مهددات أمنية... ما تقييمكم لحجم هذه الأخطار ؟
- عادة ما ترتبط الخطورة الأمنية الشديدة بالأهمية الاستراتيجية العالية للموقع؛ ولهذا فإن ثمة مهددات متشعبة تحدق بالمياه الإقليمية العربية، ومن أبرزها: التطرف والإرهاب، والقرصنة البحرية، وإذكاء النعرات الطائفية، والتدخل السلبي من بعض القوى الدولية والإقليمية، وكلها عوامل تفرض حيطة وحذرا شديدين وتنسيقا دوليا عالي المستوى للحفاظ على الأمن والسلم العالميين.
ومعلوم أن معظم السواحل العربية تشرف على ممرات ملاحية بالغة الحساسية مثل مضيقي باب المندب في البحر الأحمر، وهرمز في الخليج العربي، وكلاهما في غاية الأهمية من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية؛ فالبحر الأحمر يتميز بمميزات استراتيجية هائلة منها طول سواحله، وتوسطه للقارات الثلاث: أفريقيا وآسيا وأوروبا، إضافة إلى أن أكثر من 13 في المائة من التجارة حول العالم تمر عبر مضيق باب المندب ذي الأهمية الشديدة. وكذلك الحال في مضيق هرمز الذي يعد شريان نفط الخليج العربي، وتمر عبره نحو 30 في المائة من الخام والسوائل النفطية المشحونة بحرا في العالم، و90 في المائة من المنتجات النفطية الخليجية.
> تعرضت الإمارات لهجوم على 4 سفن... ما خطورة ذلك ومن المستفيد منه؟
- التعرض للملاحة العالمية وتهديد السلم والأمن الدوليين عمل مرفوض ومستنكر بشدة، وعليه فإننا ندين بأقسى العبارات العملية الإرهابية التي استهدفت مؤخرا أربع سفن تجارية مدنية قرب إمارة الفجيرة وفي المياه الاقتصادية لدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، وأياً كان المستفيد من هذا الحادث فإنه يضاعف المسؤوليات للتنبه إلى خطر محتمل على هذه المنطقة الحيوية.
> إلى أي حد يشكل التدخل الإيراني في دول المنطقة واستهداف السعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة تهديداً لأمن واستقرار المنطقة العربية والخليجية؟ وما تطلعاتكم لكبح جماح أطماعها بالمنطقة؟
- السعودية هي الشقيقة الكبرى ورأس العرب وقبلة الإسلام والمسلمين، وأي عدوان يستهدفها فهو يستهدفنا جميعا، ومن هنا نجدد الإدانة والتنديد بالاعتداء الأخير على محطتي ضخ نفط في الداودمي وعفيف بمنطقة الرياض، باستخدام طائرات دون طيار، ومن قبله الصواريخ الباليستية التي استهدفت أكثر من موقع في المملكة. ومؤخرا استهداف مدينة جدة في منطقة مكة المكرمة قبلة المسلمين حيث الكعبة المشرفة.
ونؤكد أن هذه الأعمال الإرهابية تشكل تهديداً خطيراً لأمن المنطقة، وسلامة إمدادات الطاقة، كما نجدد تضامننا المطلق مع المملكة حكومة وشعبا في مواجهة هذه التهديدات الأمنية وكل ما من شأنه النيل من أمن واستقرار بلاد الحرمين الشريفين، ونشدد على ضرورة التكاتف الدولي لمواجهة هذه الأعمال الإجرامية.
> كيف تقيّمون مستوى العلاقات السعودية - الجيبوتية على المستوى السياسي والاقتصادي؟
- العلاقات الجيبوتية السعودية تضرب جذورها في أعماق التاريخ وتمتد إلى ما قبل نيل جيبوتي الاستقلال عام 1977؛ إذ كان للمملكة دور بارز في دعم شقيقتها جيبوتي للحصول على الاستقلال. أؤكد مرة أخرى أن علاقات أخوية تاريخية متينة تربطنا بالمملكة الشقيقة تقوم على أسس راسخة من الثقة والتفاهم والتنسيق العالي على المستويات كافة، ما يعكس توافقا تاما وتناغما في الرؤى السياسية في كثير من الملفات والأزمات الدولية والإقليمية.
ومنذ زيارتي الرسمية ولقائي بأخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، فإن علاقاتنا مع المملكة شهدت نقلة نوعية كبيرة، كما أنها تزداد قوة ومتانة يوما بعد يوم، وأصبحت استراتيجية. وأنا على تواصل دائم بأخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وكذلك ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
وعلى صعيد التعاون والتنسيق المستمر، هناك اللجنة الجيبوتية السعودية المشتركة التي تمثل إطارا عاما يندرج تحته التعاون الثنائي بين البلدين في مختلف المجالات، وعقدت أواخر أبريل (نيسان) الماضي دورتها الثالثة بنجاح في جيبوتي، إضافة إلى وجود مجلس مشترك لرجال الأعمال الجيبوتيين والسعوديين، انعقدت دورته الثانية أيضا أواخر أبريل الماضي في جيبوتي. يضاف إلى ذلك اللجنة العسكرية المشتركة التي تختص بالتعاون العسكري بين البلدين، واللجنة الأمنية المشتركة التي تختص بالتعاون الأمني.
> ما موقفكم مما آل إليه الوضع في السودان؟ وإلى أي حد مستعدون للإسهام في خلق شكل من التوافق السياسي؟
- كنّا على مر التاريخ - وما زلنا - متضامنين مع السودان الشقيق، انطلاقاً من عمق ومتانة العلاقات التي تربطنا به. وكما عرفت جيبوتي بأدوارها المشرّفة في رعاية السلام والمصالحات في القرن الأفريقي، فإنها أسهمت بجهود تصالحية للتقريب بين فرقاء السودان في مراحل سابقة، ومن ذلك اتفاق السلام الشامل الذي رعيناه أواخر عام 1999 بين الحكومة السودانية وحزب الأمة المعارض، بحضور الرئيس السابق للسودان عمر حسن البشير ورئيس حزب الأمة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي، وأسهم ذلك الاتفاق في حلحلة كثير من المشكلات والصراعات التي كانت قائمة آنذاك، كما وضع الفرقاء على طريق التعايش السلمي وتغليب المصلحة العليا.
وفي المرحلة الحالية، فإن جمهورية جيبوتي تراقب تطورات الأحداث التي يمر بها السودان الشقيق، وتبدي استعدادها التام من خلال عضويتها في كثير من المنظمات القارية والإقليمية لبذل كل ما يحفظ استقرار السودان الحبيب ووحدته، ويحقق مصلحة شعبه الشقيق.
> لا يزال الصومال يعاني الفوضى بسبب نشاط الجماعات المسلحة فضلا عن نشاط القرصنة وغيره... ما الدور الذي تضطلع به جيبوتي تجاه هذا الأمر؟
- انطلاقاً من العلاقات المتينة بين جيبوتي والصومال، والتداخل الإنساني الكبير بين البلدين الشقيقين، فإن جيبوتي كانت - وما زالت - إلى جانب شقيقتها الصومال لدعمها ومساندتها في كل ما تواجهه من أزمات ومشاكل. وعلى سبيل الاختصار، يمكن إلقاء الضوء على ذلك من خلال عدة نقاط منها استقبال لاجئي الحروب الأهلية في الصومال مطلع التسعينات عقب انهيار الدولة المركزية، وتنظيم كثير من المؤتمرات الرامية إلى تحقيق مصالحة وطنية وبناء حكومة ائتلافية، حتى انتقل الصومال من مرحلة الحكومات الانتقالية إلى نمط الحكومة الفيدرالية الحالي.
ومعلوم أن جيبوتي رعت أكثر من مبادرة ومؤتمر لإعادة بناء الصومال وإنهاء الانقسام بين الفرقاء فيه على مدى أكثر من عقدين، أشهرها مؤتمر عرتا للمصالحة الذي أقيم في مايو (أيار) 2000 بمحافظة عرتا في جيبوتي، وكان ذلك المؤتمر أساسا للمصالحات القبلية والسياسية وقاعدة بعد ذلك لوضع الميثاق والدستور. وجدير بالذكر أيضاً أن أول مؤتمرين للمصالحة الصومالية عُقدا في جيبوتي.
وكذلك المشاركة العسكرية الميدانية ضمن قوات حفظ السلام الأفريقية «أميصوم» لإعادة الأمن والاستقرار، إذ إن جيبوتي تشارك بأكثر من ألفي جندي ضمن قوات أميصوم المتمركزة في الصومال.
وسبق أن أكدنا في أكثر من مناسبة أن الصومال بدأ في السنوات الأخيرة، يستعيد عافيته بعد أن بنى مؤسساته الدستورية بنفسه وخاض أكثر من تجربة انتخابية ديمقراطية رغم التحديات الأمنية الجسيمة، مما يقودنا مرة أخرى إلى التأكيد على أن الصومال بحاجة إلى مساندة قوية من الدول الإسلامية والعربية، وإلى دعم عاجل يمكّنه من تجاوز الأزمات التي طال أمدها، بما يحفظ وحدة أراضيه واستقلاله ويصون كرامته.
> ما التطورات على صعيد العلاقات الجيبوتية الإريترية بعد المصالحة التي قادتها السعودية في جدة مؤخراً؟
- أتت جهود حلحلة الأزمة الجيبوتية الإريترية، ضمن حراك دبلوماسي نشط شهده القرن الأفريقي خلال النصف الثاني من العام الماضي، وتم تتويجه بالمصالحة التاريخية في جدة التي رعاها أخي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، بحضوري الشخصي ورئيس إريتريا آسياسي أفورقي. وكانت هذه المصالحة التاريخية إيذاناً بطي صفحة القطيعة بيننا وبين الجارة إريتريا واستعادة الثقة بين الجانبين، وفي الطريق إلى وضع حل نهائي لأسباب الخلاف بالوصول إلى ترسيم الحدود المرضي لكلا الطرفين، ليكون حلاً أبدياً لكل الأجيال المقبلة. ونأمل بأن يتم ذلك قريباً باستمرار الجهود السعودية في هذا الصدد.



العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو إلى «اغتنام التحولات» لاستعادة الدولة اليمنية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي مواطنيه إلى استثمار ما وصفه بالتحولات الجديدة التي تشهدها البلاد، والانحياز إلى منطق الدولة وتغليب استحقاقات المستقبل، في خطاب بمناسبة حلول شهر رمضان حمل رسائل داخلية وخارجية بشأن مسار الصراع ومستقبل التسوية في اليمن.

وقال العليمي إن المرحلة الحالية تمثّل لحظة مفصلية بين سنوات من الصراع وبداية مسار لاستعادة التوازن السياسي والمؤسسي، مؤكداً أن الهدف يتمثل في بناء دولة «تتسع للجميع، وتحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال المقبلة».

وجاء الخطاب في سياق تحركات سياسية واقتصادية تسعى الحكومة الجديدة من خلالها إلى تعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، بالتوازي مع جهود تقودها السعودية لإعادة تنشيط المسار السياسي واحتواء الفوضى التي تسبب بها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في المحافظات الجنوبية والشرقية.

العليمي كثف لقاءاته على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ركز العليمي في خطابه الذي ألقاه بالنيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد الشيخ تركي الوادعي على توصيف المواجهة مع الجماعة الحوثية بعدّها صراعاً حول طبيعة الدولة وليس مجرد مواجهة عسكرية، قائلاً إن المعركة «ليست فقط مع مشروع انقلاب مسلح، بل مع كل ما يهدد فكرة الدولة»، في إشارة إلى الفوضى والسلاح خارج المؤسسات الرسمية واستنزاف الموارد العامة.

استعادة صنعاء

اتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قوى الانقلاب الحوثية بمحاولة تحويل الدولة إلى كيان ميليشياوي واختزال الوطن في جماعة واحدة، مؤكداً أن اليمنيين واجهوا خلال السنوات الماضية مشاريع عنف سعت لفرض واقع سياسي قائم على القوة خارج القانون.

وفي رسالة موجهة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، شدد العليمي على أن الدولة «لن تتخلى عن مواطنيها في كل شبر من هذا الوطن»، مؤكداً أن استعادة صنعاء ستظل هدفاً مركزياً للمشروع الوطني، مهما طال أمد الصراع.

كما دعا إلى تهدئة الخطاب السياسي ونبذ التحريض داخل معسكر الشرعية، ورأى أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب توحيد الجبهة الداخلية والتركيز على ما وصفه بالمعركة الوطنية الكبرى لاستعادة مؤسسات الدولة.

جانب من لقاء العليمي في ميونيخ مع وزير الخارجية الألماني (سبأ)

وأبرز خطاب العليمي البعد الاقتصادي بوصفه محوراً أساسياً للاستقرار، حيث عبّر عن ثقته بالحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، مشيراً إلى أنها مطالبة باتخاذ خطوات عملية لتعزيز هيبة الدولة وضبط الموارد العامة.

وأكد أن الإصلاحات الاقتصادية تمثل مساراً إلزامياً رغم صعوبته، لأن الاستقرار المعيشي والخدمي - بما يشمل انتظام الرواتب وحماية العملة الوطنية وتحسين الخدمات - يعد جزءاً من معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشار إلى تحسن نسبي في انتظام عمل المؤسسات والخدمات خلال الأسابيع الأخيرة، وقال إن هذه التطورات ما تزال في بدايتها لكنها تمثل فرصة سياسية نادرة «لا يرحم التاريخ من يفرّط بها».

القضية الجنوبية والدعم السعودي

جدد العليمي التأكيد على الاعتراف بالقضية الجنوبية بعدّها جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية شاملة، داعياً إلى حوار شامل برعاية سعودية يضم مختلف المكونات ويؤسس لشراكة سياسية «لا غالب فيها ولا مغلوب».

وتطرق خطاب العليمي إلى الدور الإقليمي، مشيداً بالدعم السعودي، واصفاً العلاقة مع الرياض بأنها شراكة استراتيجية ترتبط بالأمن والجغرافيا والمصير المشترك، وليست تحالفاً مؤقتاً.

وأشار إلى جهود الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان ووزير الدفاع خالد بن سلمان في دعم استقرار اليمن، مشيراً إلى أن هذا الدعم يفتح نافذة للانتقال من إدارة الحرب إلى إعادة الإعمار والتنمية.

كما أعلن توجيهات بالإفراج عن السجناء الذين استوفوا الشروط القانونية — باستثناء القضايا الخطيرة — وإغلاق السجون غير الشرعية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الثقة بمؤسسات العدالة.

واختتم العليمي خطابه بالدعوة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي خلال رمضان، وحث القطاع الخاص ورجال الأعمال على دعم الأسر المتضررة، مؤكداً أن المجتمعات التي تتماسك اجتماعياً تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات.


فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
TT

فرحة رمضانية مسلوبة في مناطق السيطرة الحوثية

سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)
سكان صنعاء يستقبلون رمضان وسط اتساع رقعة الفقر وتدهور المعيشة (إ.ب.أ)

حلّ شهر رمضان هذا العام ثقيلاً على ملايين اليمنيين القاطنين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والإنسانية والأمنية لتصنع واقعاً معيشياً هو الأقسى منذ سنوات، فبدلاً من أن يكون الشهر موسماً للسكينة والتكافل الاجتماعي، بات لدى كثير من الأسر مرادفاً للقلق والخوف والمزيد من الجوع.

وتكشف مظاهر الحياة اليومية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة عن حجم التحول القاسي الذي أصاب المجتمع اليمني، إذ لم تعد الأسواق تعكس أجواء الاستعداد المعتادة للشهر الكريم، بل تبدو الحركة التجارية محدودة، نتيجة تآكل القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتشهد الأسواق مع حلول رمضان ارتفاعات حادة ومفاجئة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي وضع معظم السكان أمام معادلة صعبة بين الاحتياجات الأساسية والدخل شبه المعدوم.

ويؤكد مواطنون أن استقبال الشهر الكريم لم يعد مرتبطاً بالتحضيرات والبهجة كما في السابق، بل أصبح موسماً للضغوط النفسية والقلق المستمر.

سوق شعبية وسط العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتقول أم محمد، وهي أم لأربعة أطفال تسكن أحد الأحياء الشعبية جنوب صنعاء، إن رمضان فقد معناه بالنسبة لعائلتها، بعدما كانت المساعدات الغذائية والنقدية تساعدهم سابقاً على تجاوز الظروف الصعبة، أما اليوم، فتكتفي الأسرة بوجبات بسيطة لا تتجاوز الخبز والشاي، في محاولة للصمود أمام واقع اقتصادي قاسٍ.

ولا تختلف معاناة الموظفين الحكوميين كثيراً، إذ يؤكد عبد الله، وهو موظف في القطاع التربوي، أن انقطاع الرواتب منذ سنوات جعل آلاف العائلات عاجزة عن تلبية أبسط متطلبات الحياة. ويضيف أن استمرار فرض الالتزامات المالية والجبايات رغم غياب الرواتب فاقم الأعباء، محولاً رمضان من موسم للعبادة والطمأنينة إلى فترة اختبار يومي للبقاء.

هذا الواقع أدى إلى تراجع واضح في مظاهر الحياة الاجتماعية المرتبطة بالشهر الفضيل، مثل الولائم العائلية وتبادل الزيارات، حيث باتت الأولوية لدى الأسر تتركز على تأمين وجبة الإفطار فقط.

الجبايات والقيود

لا تقتصر الأزمة على السكان فحسب، بل تمتد إلى التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يواجهون ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة فرض جبايات متعددة بمسميات مختلفة. ويقول أبو ياسر، وهو صاحب متجر في صنعاء، إن التجار يجدون أنفسهم مضطرين لرفع الأسعار لتغطية التكاليف الإضافية، ما ينعكس مباشرة على المستهلك الذي يتحمل العبء الأكبر.

ويتهم عاملون في المجال الإنساني الجماعة الحوثية بالمساهمة في تعميق الأزمة الاقتصادية عبر فرض رسوم غير قانونية على الأنشطة التجارية، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم الأسعار وتقليص حركة السوق.

باعة ومارة في إحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

كما يشيرون إلى أن القيود المفروضة على المبادرات الخيرية والتطوعية في رمضان حدّت من قدرة المجتمع على تعويض جزء من النقص الغذائي عبر التكافل الاجتماعي.

وترافق هذه الضغوط الاقتصادية إجراءات أمنية مشددة، حيث تتزايد الرقابة على الأنشطة المجتمعية والخيرية، ما خلق بيئة من الخوف والحذر لدى السكان والمتطوعين، وأضعف شبكات الدعم التقليدية التي كانت تلعب دوراً مهماً خلال شهر رمضان.

اليمن ضمن بؤر الجوع

تتزامن هذه الظروف القاسية في مناطق سيطرة الحوثيين مع تحذيرات دولية متصاعدة بشأن الوضع الإنساني، إذ كشف تقرير عالمي حديث أن اليمن بات ضمن 10 دول تواجه أسوأ أزمات الجوع في العالم خلال العام الحالي، مع معاناة أكثر من نصف السكان من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وبحسب تقرير «منظمة العمل ضد الجوع» حول بؤر الجوع لعام 2026، يتركز اثنان من كل ثلاثة أشخاص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عالمياً في 10 دول فقط، من بينها اليمن الذي يحتل المرتبة السادسة، حيث يعاني نحو 16.7 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء.

يمنيات يتجمعن لطلب المساعدة من أحد المتاجر في صنعاء (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه الأرقام حجم التدهور الذي وصل إليه الوضع الإنساني، إذ لم تعد المعاناة مقتصرة على الفئات الأشد فقراً، بل امتدت إلى شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي المستمر.

كما تشير تقارير إغاثية إلى تزايد مظاهر الفقر في الشوارع، مع ارتفاع أعداد المتسولين وانتشار الباعة المتجولين من النساء والأطفال، في مشهد يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي تعيشها البلاد.

ومع غياب حلول سياسية واقتصادية قريبة، يخشى اليمنيون أن يتحول رمضان هذا العام إلى محطة جديدة من المعاناة الممتدة، حيث تتراكم الأزمات دون بوادر انفراج حقيقية، بينما يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف في صراع طويل أنهك المجتمع وأفقده كثيراً من مقومات الحياة الكريمة.


استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
TT

استنفار حوثي لمواجهة الموظفين المطالبين بصرف الرواتب

عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)
عناصر حوثيون خلال تجمع لهم أمام مبنى السفارة الأميركية في صنعاء (رويترز)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن حالة غير مسبوقة من التوتر الاجتماعي والاقتصادي، مع اتساع رقعة الجوع وازدياد الاحتقان الشعبي بالتزامن مع شهر رمضان، في ظل استمرار توقف رواتب عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين للعام التاسع على التوالي.

وتقول مصادر محلية وسكان قدموا حديثاً إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً إن الجماعة رفعت من مستوى الاستنفار الأمني والإعلامي لمواجهة تصاعد المطالب الشعبية بصرف المرتبات، في مؤشر يعكس مخاوف متنامية من انفجار شعبي محتمل.

وحسب إفادات السكان، فإن الأزمة المعيشية بلغت مستويات حرجة نتيجة انهيار القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إضافة إلى تراجع الأنشطة الإنسانية عقب اقتحام مكاتب منظمات دولية ونهب أصولها، ما أدى إلى تقليص المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

ويؤكد شهود عيان أن المزاج العام في المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين تغيّر بشكل ملحوظ، إذ أصبح المواطنون أكثر جرأة في التعبير عن غضبهم وانتقادهم العلني للسلطات، سواء في الأسواق أو وسائل النقل أو التجمعات العامة، وهو أمر لم يكن مألوفاً خلال السنوات الماضية بسبب القبضة الأمنية المشددة.

الحوثيون قطعوا رواتب عشرات الآلاف من الموظفين منذ تسعة أعوام (إعلام محلي)

وزادت حالة الاحتقان عقب تصريحات منسوبة لوزير المالية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، عبد الجبار الجرموزي، دعا فيها الموظفين المطالبين برواتبهم إلى التوجه للتحالف الداعم للحكومة الشرعية للحصول عليها، قائلاً إن «من يخلق المعدوم هو الله».

وقد أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من السخرية والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدّها ناشطون دليلاً على عجز السلطات عن معالجة الأزمة الاقتصادية.

ويرى حقوقيون أن استمرار قطع الرواتب، بالتزامن مع تصاعد الأعباء المعيشية، خلق حالة من الإحباط الجماعي، خصوصاً لدى الموظفين الذين فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي منذ سنوات، ما دفع كثيرين إلى الاعتماد على المساعدات أو الأعمال الهامشية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.

نظام رواتب غير متكافئ

وفق مصادر وظيفية وحقوقية، قامت سلطات الحوثيين بإعادة تصنيف الموظفين إلى ثلاث فئات متفاوتة الامتيازات. وتشمل الفئة الأولى القيادات الحوثية والعاملين ضمن الأجهزة الأمنية والمؤسسات التابعة للجماعة، حيث يحصلون على رواتب كاملة ومزايا شهرية. أما الفئة الثانية فتتقاضى نصف راتب، بينما تحصل الفئة الثالثة على ربع راتب فقط، في حين حُرم عدد كبير من الموظفين من أي مستحقات مالية.

في المقابل، يشتكي السكان من استمرار فرض الضرائب والزكوات والرسوم المختلفة دون مقابل خدمي ملموس. فالكهرباء، على سبيل المثال، تُشترى بأسعار مرتفعة من شركات خاصة أو عبر شبكات تجارية، بينما يعاني قطاع المياه والخدمات الطبية من تدهور واسع، ما يضاعف الأعباء المالية على الأسر.

رقعة الجوع تسيطر على أجزاء واسعة من مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

ويؤكد سكان أن الجبايات باتت تضم معظم الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك الباعة المتجولون وصغار التجار، الأمر الذي أدى إلى إنهاك الفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً. ويرى مراقبون أن هذا التناقض بين تحصيل الإيرادات وغياب الخدمات أسهم في تعميق الشعور بالظلم الاجتماعي وزيادة السخط الشعبي.

استنفار أمني

بالتوازي مع تصاعد المطالب المعيشية، أفادت مصادر سياسية في صنعاء بأن الجماعة كثفت تحركاتها الأمنية، ونفذت استعراضات مسلحة في عدد من المدن باستخدام عربات مدرعة، في محاولة لإظهار السيطرة وردع أي تحركات احتجاجية محتملة.

كما تحدثت المصادر عن توترات مع شخصيات قبلية بارزة، بعد نشر عناصر أمنية في محيط منزل الشيخ حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد، إضافة إلى حوادث احتكاك مع شخصيات اجتماعية، في خطوة عدها مراقبون محاولة لتحويل الأنظار بعيداً عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

جبايات الحوثيين أنهكت حتى الباعة المتجولين (إعلام محلي)

ويقول محمد، وهو طبيب في صنعاء، إن الإيرادات تُجبى من قطاعات متعددة تشمل الاتصالات والجمارك والضرائب والزكاة والخدمات الصحية وحتى تحويلات المنظمات الإنسانية، بمليارات الريالات سنوياً، بينما يواجه المواطن الذي انقطع راتبه سلسلة طويلة من الرسوم المفروضة. ويضيف: «النتيجة أن الناس تكافح يومياً من أجل تأمين لقمة العيش، فيما تتسع طوابير المحتاجين في الشوارع».

ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع دون حلول اقتصادية حقيقية قد يدفع نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي، خصوصاً مع حلول شهر رمضان الذي ترتفع فيه النفقات المعيشية، ما يجعل الأزمة الإنسانية أكثر تعقيداً.