الفلوجة.. 2500 سنة من الحروب والنزاعات

توجد فيها بقايا نظام صدام والمجموعات القبلية - العشائرية و{كتائب} الجهاديين الأجانب

مدينة الفلوجة
مدينة الفلوجة
TT

الفلوجة.. 2500 سنة من الحروب والنزاعات

مدينة الفلوجة
مدينة الفلوجة

شهد العراق خلال الفترة الماضية أضخم حشد عسكري لقواته منذ نهاية حكم صدام حسين. وتألف هذا الحشد العسكري من نحو 50.000 عسكري مدعومين بآلاف من قوات الشرطة شبه العسكرية، لكن الهدف هذه المرة ما كان صد عدوان خارجي على الأراضي العراقية، بل مهاجمة مدينة الفلوجة الواقعة على بعد نحو 58 كم (40 ميلا) إلى الغرب من بغداد، في الجزء الشرقي من محافظة الأنبار.
رئيس الوزراء نوري المالكي ادعى أن المدينة التي صدت القوات الحكومية تخضع الآن لسيطرة تنظيم «القاعدة». وقد حذر مساعدوه من أن الجيش العراقي الجديد تلقى أوامر بتحرير المدينة باستراتيجية «اضرب واقتل»، إذ نقل عن موفق الربيعي، مستشار المالكي، قوله «لن نأخذ أسرى»، في دلالة واضحة على النيات خلف هذه الاستراتيجية. وهكذا، عن طريق التلويح بشبح «القاعدة» تمكن المالكي من إقناع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بتسريع عملية تسليم الأسلحة، بما في ذلك الطائرات من دون طيار التي تحمل وتستخدم صواريخ «هيلفاير»، للقوات الحكومية العراقية. غير أن صورة «الأبيض والأسود» التي رسمها رئيس الوزراء العراقي لا تنقل الصورة كاملة.

بادئ ذي بدء، على الرغم من تورط المنظمات الإسلامية المتشددة في الأزمة الحالية التي تكتنف الفلوجة، ربما يكون من الخطأ وصف جميع المتجمعين ضد المالكي بأنهم أعضاء في «القاعدة». ولا شك أن عناصر «القاعدة» التي تعمل تحت راية «داعش» (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، حاضرة في الفلوجة وموجودة بنسبة أقل في مدينة الرمادي، عاصمة الأنبار، لكن التمرد الذي تمكن من إخراج الفلوجة من قبضة المالكي اجتذب أيضا القبائل والعشائر السنية العربية المسلحة التي كانت ساعدت في طرد «القاعدة» من المدينة قبل عقد تقريبا. بل لقد جاءت المجموعات المتشددة المسلحة هذه المرة إلى الفلوجة من سوريا، حيث عانت فيها أخيرا من سلسلة من الهزائم على يد مجموعات إسلامية منافسة. وفي بعض الحالات كان المالكي نفسه من دفعهم إلى فرض سيطرة مباشرة عبر شن عمليات على ما يسمى تقاطع «الكيلومتر 90»، حيث تلتقي حدود العراق مع الأردن وسوريا، والذي يعد المعبر الرئيس للمتشددين الإسلاميين الذين يحاربون ضد الأسد في سوريا.
قبل ما يقرب من عقد من الحرب، شكل الموقف الاستقطابي الديني المتشدد، بالإضافة إلى حادثة مؤسفة وقعت هناك، مكونات للمزيج القاتل الذي حوّل الفلوجة إلى «عاصمة» للتمرد في العراق و«ساحة» للمعركة الرئيسة الوحيدة التي كان قد خاضها التحالف الذي قادته الولايات المتحدة للسيطرة على البلاد. والحقيقة أن ربع عدد قتلى الجنود الأميركيين في العراق، البالغ 4.000 جندي سقطوا في المعارك، إنما سقطوا في الفلوجة والمدن المجاورة لها.
ولدى إلقاء نظرة على تاريخ الفلوجة نجد أن المدينة كانت مسرحا للعديد من المعارك خلال 2500 سنة. إذ فتح كورش الكبير مؤسس الإمبراطورية في إيران، خلال القرن السادس قبل الميلاد، الطريق إلى البحر الأبيض المتوسط أمام الأخمينيين الذي تمكنوا من اجتياح سوريا وصحراء سيناء ومهاجمة مصر. وأطلق عليها مسمى «هوكست ديزه» (أي «الحصن البعيد»)، وحملته وعرفت به إلى أن استولى عليها الرومان في القرن الثالث بعد الميلاد، وبعده غير اسمها إلى مسيتش (أي «المدينة الوسطى») لأنها كانت تتوسط بساتين النخيل، ويحيط بها نهر الفرات من أغلب الجهات، مما يجعلها تبدو وكأنها شبه الجزيرة. وخلال فتوحات القائد الروماني الشهير مرقس أنطونيوس («مارك أنتوني» أو «أنطونيو» الذي أحب ملكة مصر كليوباترا)، استولى لصوص الصحراء على أمتعة القوات الرومانية عند وصولها إلى الفلوجة، مما أجبرها على التقهقر على عجل بعيدا عن البلدة.
وفي أبريل (نيسان) من عام 224م وقعت الفلوجة في أيدي محتلين آخرين بعد معركة مريرة أقدم خلالها الفرس بقيادة الملك سابور (شابور) الأول الساساني على ذبح الإمبراطور الروماني غورديانوس الثالث. ويومذاك حفر الملك الفارسي نبأ انتصاره على الرومان بثلاث لغات في سفح جبل بالقرب من مدينة شيراز عاصمة فارس. كما غيّر سابور الأول اسم البلدة إلى بيروز - شابور (أو سابور المنتصر). وبمرور الوقت، تعززت قوة البلدة ومنعتها بحيث أصحبت الحامية الرئيسة للفرس في منطقة الفرات الأوسط، وأرست تقليدا عسكريا للدفاع عن النفس ظل قائما منذ ذلك الحين.
وهكذا، على امتداد ستة قرون، ظلت بيروز - شابور (أو سابور المنتصر) «الجائزة» التي كان لا بد من الظفر بها خلال الحروب الفارسية - الرومانية. وبالفعل تمكن الإمبراطور يوليانوس (جوليان) إعادة السيطرة الرومانية على البلدة، غير أنه قتل في معركة أخرى ضد الفرس سمحت لهم باستعادة وجودهم في جميع بلاد الشام. وفي ما بعد شيد الملك الساساني بهرام الخامس قصرا على مقربة من البلدة، وألحق به حديقة تضم العديد من حيوانات الصحراء والزهور الغريبة الموجودة في الحدائق الفارسية. وفي القصيدة الملحمية المسماة بـ«القباب السبع»، التي ألفها النظامي الكنجوي، تمثل البلدة القصر الذي تسكنه أميرة ترتدي ملابس خضراء.
ومع أن البلدة سقطت مرة أخرى في يد الرومان بعد ذلك بقليل، فإن الفرس استعادوها مجددا عن طريق كسرى أبرويز (خسرو برويز) الملك الساساني، الذي كان منهمكا بالمرح والعبث، وكان معاصرا للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم). وفي البلدة شيد كسرى أبرويز معبدا مجوسيا ظلت بقاياه من بين أهم المواقع الأثرية في بلاد ما بين النهرين على مدى عدة عقود.
الفتح العربي الإسلامي لبلاد ما بين النهرين في القرن السابع الميلادي شكل بداية مرحلة تراجع للفلوجة لم تتعاف منها في الواقع إلا في أربعينات القرن الماضي. إذ اجتاح الفاتحون البلدة وأحرقوا مبانيها ومتاجرها، كما دمروا الحدائق وأتلفوا بساتينها، مع العلم بأن مدينة الأنبار القديمة، عاصمة العباسيين الأولى قبل تشييد أبي جعفر المنصور عاصمته بغداد، قامت في مكان قريب جدا منها إلى الغرب، وآثارها اليوم ماثلة بينها وبين بلدة الصقلاوية. وبمرور الوقت بدأ اسم الفلوجة، الذي يعني الأرض الصالحة أو المصلّحة للزرع، في الظهور. ومن ثم، بفضل موقعها، كان لا بد من عودة الفلوجة إلى سابق عهدها كبلدة استراتيجية لأنها كانت المكان الرئيس الذي تتوقف عنده القوافل المتجهة من مناطق الصحراء العربية في طريقها إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ولأنها كانت غنية بالموارد المائية، غدت أرضها موقعا مثاليا لممارسة النشاط الزراعي.
وفي العقود الأخيرة، جذبت الفلوجة انتباه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين لعدد من الأسباب:
الأول، لأنها كانت تقع في ما يعرف باسم «المثلث السني» الذي هو عبارة على رقعة من أرض، في غرب العراق وشمال غربه، قدمت الجزء الأكبر من النخبة العسكرية العراقية منذ حكم العثمانيين. وإزاء اقتناعه بأنه لن يكسب مطلقا تأييد الشيعة العراقيين، بذل صدام حسين جهدا دؤوبا لإرضاء «المثلث السني» والإغداق عليه من أجل الحصول على دعمه. وحقا مثلت الفلوجة «الجناح الغربي» من منظومة القواعد العسكرية و«الحاميات المدنية» التي جرى تطويرها في عهد صدام، وكانت مدينة بعقوبة، عاصمة محافظة ديالى وتقع شمال شرقي بغداد، تمثل «الجناح الشرقي» من تلك المنظومة.
الفلوجة - كما سبقت الإشارة - تقع على بعد 58 كيلومترا فقط إلى الغرب من بغداد في منتصف المسافة تقريبا بينها وبين الرمادي، ودائما ما كانت تراود صدام حسين الشكوك إزاء احتمال تنفيذ انقلاب عسكري ضده داخل بغداد، لذلك كان يحتفظ بقوات في كل من الفلوجة وبعقوبة، الجناحين الغربي والشرقي الاستراتيجيين، لمواجهة أي انتفاضة تندلع في العاصمة.
كذلك أحب ابنا صدام، عدي وقصي، الفلوجة بسبب جمالها الطبيعي وقربها من كل من نهر الفرات والصحراء وبحيرة الحبانية إلى غربها. وأقدما على تشييد القصور فيها وفي محيطها، بما في ذلك بحيرة اصطناعية تتوسطها جزيرة اصطناعية، وبنوا ناديا للقوارب كانت تنظم فيه سباقات للقوارب وممارسة الرياضات المائية. وعام 1995، شيد صدام حسين، بنفسه، واحدا من قصوره الـ22 في المنطقة. ولقد سقطت القصور التي كانت يمتلكها الرئيس الأسبق وعائلته في أيدي الجيش الأميركي، وتحول القصر الذي كان يمتلكه قصي إلى مقر لوحدة العمليات النفسية 361 الأميركية، التي كانت مهمتها كسب تأييد أهل تلك المدينة المهمة. وكان قصر قصي يقع في قلب معسكر أورهارم (Camp Orharm)، الذي كان أحد مرافق القوات الأميركية المهمة في منطقة الفرات الأوسط.
وبسبب دور الفلوجة كحامية عسكرية بارزة وحيوية، صارت موطنا لعدد كبير من عائلات العسكريين. ووفق بعض التقديرات، كان أفراد الجيش العراقي يمثلون ما لا يقل عن ربع سكان المدينة البالغ عددهم نحو 400 ألف نسمة، بما في ذلك قوات الحرس الجمهوري والقوات شبه العسكرية التي أسسها صدام حسين وأبناؤه. كما اتخذ العدد الأكبر من عائلات الحرس الوطني، الذي شكله أعضاء حزب البعث في ستينات القرن الماضي، من الفلوجة موطنا لهم.
لقد أرسى تاريخ الفلوجة تقليدا عسكريا للدفاع عن النفس في المدينة، وقد شاركتها مدن عراقية قليلة ذلك التقليد. غير أنه ينبغي أن تُضاف إلى ذلك «التقليد» شخصية الفلوجة الدينية، إذ تعد المدينة أكبر نقطة تجمع للجماعات الأصولية السنية منذ القرن التاسع عشر. كذلك كانت الفلوجة هدفا مهما خلال القرن الثامن عشر من قبل دعاة نجد بوسط شبه الجزيرة العربية الذي كانوا يكرهون الطريقة التي يجل بها الشيعة في بلاد ما بين النهرين أئمتهم بصورة تقرب إلى التقديس. وعام 1802، أغار مسلحون نجديون في صفوفهم عدد من المتطوعين من بلدة الفلوجة على مدينتي كربلاء والنجف اللتين تتمتعان بمكانة رفيعة عند الشيعة، ودمروا خلال الإغارات العديد من الأضرحة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الفلوجة موطنا لمعظم رجال الدين الأصوليين المتشددين والمدارس الخاصة بهم في العراق.
ومن ثم، كان لا بد لهذا الطابع الديني للفلوجة من الاصطدام مع شخصيتها كواحدة من المراكز العسكرية المهمة. وبالفعل حدث الصدام الأول في منتصف ثمانينات القرن الماضي عندما أمرت الحكومة بأن يرفع الدعاء في نهاية جميع خطب المساجد لصدام حسين، ورفض رجال الدين في الفلوجة تلك الأوامر، فانتهى الأمر بزج كثيرين منهم في غياهب السجون. كذلك حاصر صدام المدينة ماليا عندما قطع الدعم الحكومي عن المدارس الدينية في الفلوجة، لكن هذا الإجراء لم يفت كثيرا في عضد المدينة، التي كانت تعتمد على بشكل جزئي على التبرعات والتحويلات التي كانت تأتيها من دول الخليج الغنية، التي تعج بالهيئات والجمعيات الخيرية الإسلامية النافذة. كذلك شيدت عدة دول خليجية المستشفيات ودور الأيتام والمرافق الاجتماعية الأخرى في الفلوجة كنوع من التقدير لطبيعتها المتدينة.
في حرب غزو العراق عام 2003، ما كان هناك مبرر أمام أهل الفلوجة للوقوف بجانب صدام حسين، غير أنه وقع بعد ذلك عدد من الحوادث المؤسفة في البلدة. إذ وقع أول تلك الأحداث في مارس (آذار) 2003 عندما أطلقت إحدى القاذفات البريطانية أربعة صواريخ موجهة بالليزر على جسر فوق نهر الفرات جنوب المدينة، ومع أن ثلاثة من الصواريخ أخطأت أهدافها وسقطت في النهر، فإن الرابع ضل طريقه وأصاب سوقا مفتوحة داخل الفلوجة، مما أسفر عن مقتل نحو 150 من المدنيين الأبرياء. ولقد استغل الأصوليون وبقايا جيش صدام والحرس الجمهوري في الفلوجة تلك الحادثة لإثارة الكراهية ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة. وخوفا من أن تكون قوات الائتلاف بمثل وحشية صدام حسين، بدأت المظاهرات صغيرة واقتصر تنظيمها على الميدان الرئيس في المدينة. ولكن سرعان ما أدرك زعماء الفلوجة أن التحالف لا يمكن أن يدخل المدينة ويُعمل فيها القتل كما كان يفعل صدام حسين، فضلا عن أن وجود المئات من الصحافيين الأجانب وكاميرات التلفزيون وفر لهم الحماية اللازمة لتنظيم مثل تلك المظاهرات. وهكذا غدت الفلوجة مسرحا للمظاهرات شبه اليومية، واكتسبت شهرة واسعة كمركز المعارضة الرئيس لقوات التحالف.
أيضا، ارتكبت قوات التحالف ما وصفته بخطأ غير مقصود جعل الأمور تتدهور أكثر، إذ استولت القوات الأميركية على الوحدات السكنية، التي كانت قد بنيت للحرس الجمهوري وأسرهم، وحولتها إلى مساكن لإيواء عسكرييها. وكان جرى إخلاء تلك المنازل قبل بداية الحرب، عندما أرسل الحرس الجمهوري أفراد أسرهم إلى أماكن بعيدة أكثر أمنا بعيدا عن بغداد. ولكن هذه الأسر اكتشفت عندما عادت إلى المدينة بعد سقوط صدام حسين في أبريل أن منازلها يحتلها الأميركيون.
في السياسة يُقال الأخطاء لا تأتي فرادى، إذ تفاقم الوضع أكثر عندما قرر السفير الأميركي بول بريمر، رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة، تفكيك الجيش العراقي وقوات الحرس الجمهوري. وأدت هذا الخطوة إلى أن وجد آلاف العراقيين أنفسهم فجأة مشردين من دون مأوى أو عمل، فضلا عن أنهم صاروا موضوعا للسخرية من قبل المواطنين في بلادهم الذين أخذوا يصفونهم بـ«الجبناء» الذين ولوا هاربين وقت الضربة العسكرية الأميركية. وهكذا، قرر هؤلاء أن حمل السلاح ضد القوات الغازية بات السبيل الوحيد الذي سيوفر لهم عملا يعتمدون عليه في إعالة عائلاتهم، فضلا عن أنه يمثل مبررا منطقيا لصمودهم واستعادة كرامتهم، وبالفعل، مثل كل ذلك وصفة مثالية للاقتتال والاحتراب.
في المقابل، جعل الموقع الجغرافي للفلوجة منها مكانا مثاليا لأعضاء مجموعات حروب العصابات لاختباء. فالمدينة تغطي مساحة صغيرة نسبيا لا تتعدى 3×3.5 كيلومتر مربع، تحيط بها بساتين نخيل كثيفة، مما يمكّن أي شخص أن يظل متواريا عن الأنظار كما يريد. ثم إن المدينة بنيت على ضفتي نهر الفرات، مما يوفر فرصا كبيرة لإمكانية الدخول والخروج منها عن طريق النهر. أضف إلى ذلك أن المزارع الكثيفة، التي تحيط بالفلوجة في شكل حلقة عظيمة، تعمل كحائط صد دفاعي آخر، بالإضافة إلى كونها ممرا مثاليا للهروب خارج بساتين النخيل. وأخيرا وليس آخرا هناك الطبيعة الطينية لأرض المدينة التي تجعل من الصعب على المعدات العسكرية الدخول إليها.
من جهة ثانية، نظرا لضيق مساحة الفلوجة فإنها تتصدر مدن العراق من حيث الكثافة السكانية، وهي تحتوي على متاهات من الأزقة والشوارع الضيقة التي تعج بأعداد هائلة من الناس الذين يعيشون في مساكن صغيرة نسبيا، مع أن بعض الشوارع القليلة الواسعة تخترقها وتكفي لتحرك المدرعات العسكرية فيها. ولقد استطاعت قوات التحالف السيطرة على الفلوجة عندما قررت مجموعات «الصحوات»، التي نظمتها القبائل والعشائر السنية، طرد الأصوليين الجهاديين الأجانب من مدينتهم.
اليوم تقدّر بعض المصادر أنه بعد اندلاع القتال الأخير في الفلوجة لم يبق بها أكثر من ربع أو ثلث سكانها، ويذكر أنه في وقت سابق من الشهر الحالي ناشد رئيس الوزراء نوري المالكي جميع سكان الفلوجة مغادرة المدينة. غير أن تقارير أخرى واردة من المدينة تقول إن غالبية سكان المدينة، حيث تتورط ثلاث مجموعات مختلفة على الأقل في المعارك الحالية، قرروا البقاء رافضين المغادرة.
وتتكون إحدى تلك المجموعات من بقايا جيش صدام حسين، ويعتقد أعضاء هذه المجموعة أنهم إذا ما استطاعوا منع إقامة نظام جديد في بغداد، فإنهم سيتمكنون من استعادة النظام القديم، واسترجاع جزء ولو بسيط من الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها في يوم من الأيام. بينما تتكون المجموعة الثانية من المسلحين الأصوليين المحليين المدعومين من قبل بعض العناصر القبلية والعشائرية، الذين يرون - على الرغم من سعادتهم بسقوط نظام صدام حسين - أن المالكي يريد احتكار السلطة من أجل الشيعة، ومن ثم يحرم السنة العراقيين من حقوقهم المشروعة في السلطة والرخاء. وعلى الرغم من أن العرب السنة العراقيين يمثلون 25 في المائة على الأقل من مجموع السكان في العراق، فإن الاستثمارات الحكومية الجاري تنفيذها في المحافظات الثلاث الرئيسة التي يتمركزون فيها تقل عن 10 في المائة من مجموع استثمارات القطاع العام في البلاد. كذلك يسمع السنة العراقيون كثيرا عن الازدهار غير المسبوق الذي تحظى به المحافظات الكردية الثلاث، التي تتمتع بحكم ذاتي، والرخاء الذي تتمتع به المناطق الجنوبية الشيعية، ويشعرون بأن المالكي قد خذلهم. ولمن يزور العراق اليوم يكتشف أنه في حين تزدهر أربيل والنجف، تبدو الفلوجة والرمادي في طريقهما إلى التراجع والخراب.
أما المجموعة الثالثة فتتكون، كما جرت الإشارة إليها في البداية، من المتشددين المرتبطين بتنظيم «القاعدة»، وهم في الغالب جهاديون أجانب أتوا من مختلف الدول العربية. ويتميز هؤلاء بجملة من المهارات التي يفتقر إليها الثوار المحليون، بما في ذلك التفجيرات الانتحارية وتقطيع الرؤوس. غير أنه ينبغي الإشارة مرة أخرى إلى أن الود المتبادل ليس كبيرا إطلاقا بين الجهاديين الأجانب والمتمردين المحليين في الفلوجة، غير أن الفريقين يشعران، مؤقتا، بأن كليهما بحاجة إلى الآخر، بينما يهدد المالكي بالقضاء عليهم جميعا.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.