الأحزاب التونسية تفشل في تشكيل تحالفات سياسية عشية الانتخابات البرلمانية

عدد اللوائح المستقلة تجاوز «الائتلافية»

الأحزاب التونسية تفشل في تشكيل تحالفات سياسية عشية الانتخابات البرلمانية
TT

الأحزاب التونسية تفشل في تشكيل تحالفات سياسية عشية الانتخابات البرلمانية

الأحزاب التونسية تفشل في تشكيل تحالفات سياسية عشية الانتخابات البرلمانية

أفرزت عملية الإعلان عن اللوائح الانتخابية المرشحة لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة في تونس من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، عن حقيقة رافقت المشهد السياسي في البلاد منذ عقود، وتمثلت في فشل معظم التحالفات بين الأحزاب التونسية. وتأكد هذا الواقع من خلال وجود 151 لائحة انتخابية ائتلافية (مشكَّلة من حزبين سياسيين أو أكثر) فقط، مقابل توجه القيادات السياسية إلى الترشح في لوائح مستقلة بلغ عددها 459 لائحة، أي تقريبا 3 أضعاف اللوائح الائتلافية، أو لوائح تحت غطاء الأحزاب (890 لائحة).
ولم تنجح كثير من التحالفات السياسية في التقدم بترشحات انتخابية موحدة لمواجهة خصومها السياسيين، إذ انفرط عقد الاتحاد من أجل تونس بصفة مبكرة بعد تخلي حركة نداء تونس بقيادة الباجي قائد السبسي، وهو أبرز حزب سياسي يقود هذا الاتحاد، عن بقية الأحزاب، واتخاذ مكتبه السياسي خيار التقدم بلوائح انتخابية منفردة.
وفشل حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي (حركة التجديد سابقا) بدوره في الاستفادة من خروج حركة نداء تونس، وبالتالي قيادة بقية الأحزاب، وهي الحزب الاشتراكي اليساري بزعامة محمد الكيلاني، وحزب العمل الوطني الديمقراطي بزعامة عبد الرزاق الهمام إلى تحالف سياسي. وباءت المحاولة بالفشل، ولم تجد الصدى الكافي وأجهضت قبل أن تنطلق.
وبشأن فشل تلك التحالفات السياسية، أشار عالم الاجتماع التونسي المنصف وناس، في دراسات علمية نشرت بعد الثورة، إلى شخصية التونسي المتأثرة بمنهج الزعامة على طريقة الحبيب بورقيبة الزعيم التاريخي لتونس. وقال وناس إن كل تونسي زُرع بداخله «زعيم صغير»، وهو يردد بداخله في كل موقع سياسي أو اجتماعي يحتله أنه «الزعيم»، وهذا ما أفشل، على حد قوله، معظم التحالفات السياسية، سواء خلال انتخابات 2011 أو كذلك من خلال اللوائح الانتخابية المرشحة لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة.
ويتضح من خلال عدد اللوائح الانتخابية الحزبية (890 لائحة) أن معظم الأحزاب السياسية التونسية قررت خوض منافسات الانتخابات البرلمانية بصفة منفردة، وذلك على غرار حركة النهضة التي تبرأت من حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، بعد الحديث عن إمكانية عودة تحالف الترويكا الحكومي وتحوله إلى ترويكا انتخابية جديدة، إلا أن حسابات سياسية عدة فرقت بين الأحزاب الثلاثة التي عانت من ويلات حكمها، بزعامة حركة النهضة، إثر فوزها في انتخابات المجلس التأسيسي (البرلمان) التي جرت في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011.
واستعانت النهضة بوزرائها السابقين لترؤس معظم اللوائح الانتخابية، في محاولة لاستقطاب أصوات الناخبين، من خلال إشعاع قياداتها، والاعتماد على قاعدة انتخابية ثابتة.
وباستثناء تحالف الجبهة الشعبية، الذي فضل المنافسة ضمن لوائح موحدة، فقد غلب منطق الحسابات السياسية والمحاصصة بين الأطراف الممثلة للأحزاب السياسية داخل تلك الأحزاب التي تنشط بها، وهو ما يهدد (حسب متابعين للمشهد السياسي) العملية الانتخابية برمتها، ويعيد إليها أجواء انتخابات 2011، خاصة على مستوى تشتت الأصوات واستفادة الأحزاب الكبرى من هذا الوضع.
ويضم تحالف الجبهة الشعبية، الذي يتزعمه حمة الهمامي، 11 حزبا سياسيا موزعة بين اليسار والقوميين، ويسعى إلى التحول من قوة احتجاج اجتماعي إلى بديل سياسي واقتصادي مؤثر.
واتجهت عدة أحزاب، من بينها الحزب الجمهوري بزعامة أحمد نجيب الشابي، وحزب التحالف الديمقراطي الذي يرأسه محمد الحامدي، والتيار الديمقراطي بقيادة محمد عبو، نحو الاعتماد على وجوه سياسية جديدة وكفاءات ذات إشعاع وقبول على مستوى الجهات، باعتبار أن حسم الانتخابات البرلمانية يمر حتما عبر الجهات ذات الثقل السياسي والاجتماعي والانتخابي.
كما اعتمدت أحزاب أخرى على طاقات شابة وكفاءات نسائية في محاولة لاستمالة هذه الشرائح الاجتماعية وضمان مشاركتها في الانتخابات المقبلة. وقدرت نسبة التجديد في اللوائح الانتخابية لبعض الأحزاب السياسية في حدود 70%.
ومن المتوقع (حسب خبراء في القانون الدستوري ومحللين سياسيين متابعين للمشهد السياسي التونسي) أن تكون عملية إقناع الناخبين التونسيين أصعب بكثير مقارنة مع انتخابات المجلس التأسيسي لسنة 2011. بحكم أن الواقع السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي صعب للغاية، وهذا الأمر سيعسر مسؤولية الأحزاب السياسية، ويجعل برامجها تتسم بقدر كبير من الواقعية خشية رد فعل التونسيين تجاه الوعود التي لم تر النور خلال السنوات الماضية.
ومن المنتظر أن تنطلق الحملة الانتخابية المتعلقة بالانتخابات البرلمانية بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في ظل صراع سياسي قوي بين ثلاثة اتجاهات سياسية كبرى ممثلة في حركة النهضة، وحركة نداء تونس، وتحالف الجبهة الشعبية.
وقال جمال العرفاوي المحلل السياسي التونسي لـ«الشرق الأوسط» إن الصراع السياسي المقبل سيكون صراع برامج بامتياز، حيث سيقدم كل حزب من الأحزاب السياسية قراءته للواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في البلاد.
وتوقع العرفاوي أن تكون نسبة الإحجام عن التصويت والحضور في الموعد الانتخابي كبيرة، وذلك تماشيا مع حجم الإحباط الذي وسم معظم برامج التنمية والتشغيل، وارتباك الحكومات المتعاقبة وعدم حسمها لملفات كثيرة، على رأسها ملف الإرهاب.
وقال العرفاوي إنه من المخاطرة السياسية، خلال هذا الظرف، تقديم وعود عريضة مماثلة لما طرحته الأحزاب السياسية مباشرة بعد الثورة، وقال إن تلك الأحزاب ستضطر للنزول إلى الواقع تماشيا مع الظروف المتعثرة على أكثر من صعيد.
ورغم توضح الصورة لدى الأحزاب السياسية الكبرى التي تحاول المحافظة على التوازن على مستوى الدوائر الانتخابية البالغ عددها 27 دائرة انتخابية داخل الجمهورية، مع إضافة 6 دوائر انتخابية في الخارج، فإن جل المؤشرات تؤكد على اختلاف صورة المشهد السياسي المنتظر خلال ثاني انتخابات تجري في تونس بعد الثورة، فأصوات الناخبين لن تعطي بالطريقة نفسها التي كانت عليها خلال انتخابات 2011، حيث إن حركة النهضة استفادت مما يسمى بالتصويت العقابي للمؤسسات التي حكمت تونس، من خلال النظام السابق، كما شهدت تعاطف كثير من الفئات التونسية نتيجة المنافي والسجون التي تعرضت لها. إلا أن تجربة الحكم التي قادتها حركة النهضة بمعية حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية (حزب المنصف المرزوقي) والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات (حزب مصطفى بن جعفر)، وما أسفرت عنه من خروج قسري من سدة الحكم، وتحميلها مسؤولية عن تدهور الأوضاع السياسية والأمنية، وتنامي مظاهر الإرهاب، وتغول المجموعات المسلحة، وتدني القدرة الشرائية وغلاء المعيشة، وتعذر تحقيق نتائج إيجابية على مستوى التنمية والتشغيل، كل هذه الظروف قد تجعل النتائج مختلفة في الانتخابات البرلمانية التي ستجري يوم 26 أكتوبر المقبل.



شركتان أميركية وسعودية لتسليم كوكبة الأقمار الاصطناعية «SAR» لرصد الأرض

رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
TT

شركتان أميركية وسعودية لتسليم كوكبة الأقمار الاصطناعية «SAR» لرصد الأرض

رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)
رؤساء 3 شركات يوقعون على هامش معرض الرياض للدفاع اتفاقية لتسليم أقمار لرصد الأرض (الشرق الأوسط)

وقعت شركة «Antaris»، الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي للفضاء، وشركة «SARsatX™»، المتخصصة في الفضاء التجارية السعودية، على هامش معرض الرياض الدولي للدفاع، مذكرة اتفاقية، تستهدف تعزيز تطوير وتنفيذ وتسليم مجموعة الأقمار الاصطناعية ذات الفتحة الاصطناعية «(SAR) EO»، للمملكة.

وبموجب الاتفاقية، ستتعاون كل من «SARsatX»، التي تطوّر حمولة رادار ذات فتحة اصطناعية (SAR) متقدمة ومملوكة لها، و«Antaris»، التي توفر أحدث منصات الأقمار الاصطناعية والقطاع الأرضي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وتشمل المنصات الرقمية، كلاً من «TrueTwin™» الرقمي التوأم وقدرات «Full Mission Virtualization™» معاً لدعم النشر الموثوق، وفي الوقت المناسب لكوكبة أقمار «SAR» الاصطناعية لتحقيق أهداف التنمية السعودية.

ومن المتوقع أيضاً أن تتيح الشراكة زيادة توطين المنتجات والخدمات الفضائية، فضلاً عن تطوير الخبرة الفنية ورأس المال البشري داخل الدولة لإدارة وتشغيل الأبراج المعقدة متعددة الأقمار الاصطناعية.

ويتوقع الطرفان تسليم القمر الاصطناعي الأول في غضون 12 شهراً، تليها الأقمار الاصطناعية المتبقية وفقاً لجدول زمني مرحلي، مع هدف طويل المدى يتمثل في إنشاء قدرات تصنيع محلية، بوصفها جزءاً من برنامج كوكبة الأقمار الاصطناعية المخطط له.

وقال توم بارتون، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «Antaris»، توضح الشراكة مع «SARsatX» في هذه الكوكبة كيف يمكن لمنصة «Antaris Intelligence™» تسريع الوقت للحصول على ذكاء قابل للتنفيذ من خلال دعم العملاء أثناء قيامهم بتوسيع قدراتهم التصنيعية والتشغيلية.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن رؤيتنا في «Antaris» تتمثل في جعل المهام الفضائية أسرع وأبسط وأكثر فاعلية من حيث التكلفة.

من ناحيته، قال الدكتور عمرو العمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في «SARsatX»: «تلتزم (SARsatX) ببناء القدرات الوطنية في مجال تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية، وتتيح لنا الشراكة مع (Antaris) تسريع خريطة طريقنا».

وتابع العمودي: «ستعمل الشراكة على تطوير المواهب المحلية، وإظهار النجاح المبكر مع إطلاقنا الأول، وإرساء الأساس للتصنيع المستقبلي في المملكة العربية السعودية، بما يتماشى مع خطتنا الأوسع لإنشاء ونشر قدرات متعددة الوسائط في السنوات المقبلة».

من جهته، قال كارثيك جوفينداسامي، المدير التنفيذي للتكنولوجيا والمؤسس المشارك لشركة «Antaris»: «تُظهر هذه المهمة قدرة منصة (Antaris Intelligence™) على تقليل الوقت اللازم للوصول إلى المدار ووقت الرؤية بشكل كبير».

وتابع: «من خلال نمذجة القطاع الفضائي والأرضي بالكامل ضمن (Antaris Intelligence™)، يمكن لـ(SarsatX) إزالة مخاطر البرنامج، وخفض التكاليف، وتسريع تقديم رؤى قابلة للتنفيذ للعملاء».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» في السياق نفسه، قال عبد الله زيد المليحي، رئيس مجلس إدارة «الشركة السعودية للتميز»، الوسيط المسهل للاتفاقية والشراكة: «إن الدعم الذي توفره القيادة السعودية يعزز نشاط المبادرات القوية لتنمية قطاع الفضاء».

وأضاف المليحي: «من خلال شراكتنا مع (Antaris) و(SarsatX) نستهدف العمل معاً لدفع الابتكار والتنمية الاقتصادية وتعظيم المنافع المجتمعية، ليس فقط في المملكة العربية السعودية، بل أيضاً لصالح الشركات الأميركية والعالمية العاملة في المنطقة. كما سنعمل على توفير وظائف عالية المهارات في المملكة وتنفيذ مشروعات تكنولوجية متقدمة تُسهم في خلق فرص عمل جديدة ومجزية».


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.