مدير عام {سكاي نيوز} العربية: نطمح لأن نكون الوجهة المفضلة للجمهور العربي

نارت يوسف بوران أكد لـ {الشرق الأوسط} تطلعها لأن تكون الأكثر تأثيرا في الشأن الدولي من خلال المنصات المتعددة

نارت بوران
نارت بوران
TT

مدير عام {سكاي نيوز} العربية: نطمح لأن نكون الوجهة المفضلة للجمهور العربي

نارت بوران
نارت بوران

عند سماع اسم قناة سكاي نيوز عربية قد يخيل للبعض أنها تجربة كتلك التجارب لإيجاد نسخة عربية من طريقة عمل القناة العالمية، كما فعلت قنوات أخرى، هنا ينفي نارت يوسف بوران هذا المفهوم، حيث يقول «هناك التباس لدى البعض حول هوية القناة، صحيح أننا نقلنا بعض الممارسات الإعلامية من شريكنا في بريطانيا إلا أننا مؤسسة بإدارة عربية مستقلة تعمل من الوطن العربي بكوادر وكفاءات عربية وإلى الوطن العربي، لسنا نسخة عربية عن وكالة أجنبية وغرفة الأخبار والاستوديوهات الخاصة بنا هنا من قلب الوطن العربي وللوطن العربي وليست في لندن أو واشنطن أو موسكو».
ويوضح من خلال هذا الحوار الذي أجري في مكتبه المطل على صالة التحرير للقناة «استفدنا وتعلمنا الكثير من سكاي نيوز البريطانية، واتفقنا على أمور كثيرة، وعلى دور الهيئة التحريرية المستقلة ومهاما في مراجعة الأداء وضمان تحقيق معايير الجودة والضوابط المهنية، كل هذه أمور أسهمت في تميزنا. ولولا وجود القنوات الأخرى لما تمكنا من تحقيق هذا التقدم السريع، لأننا نقارن ونحلل ونتعلم».
وكشف أن الكوادر الصحافية التي تشكل رأس مالهم الحقيقي كما وصفهم، «هي من خيرة الكفاءات العربية الخبيرة بالعمل الإعلامي في المنطقة وتلقت تدريبات مميزة لترتقي إلى أفضل المعايير والممارسات الدولية في العمل الصحافي، وأنا أزداد قناعة كل يوم بأن السوق الإعلامية ستستوعب طموحاتنا إلى أبعد مدى». كما أوضح ما تختلف فيه «سكاي نيوز عربية» عن القنوات العربية الأخرى وأمورا كثيرة من خلال الحوار التالي:
* دخلت قناة سكاي نيوز عربية في وقت مزدحم بوجود قنوات مسيطرة على الحصص الإعلامية في الوطن العربي، هل تغيرت الرؤية بعد دخولكم على أرض الواقع؟ وما استراتيجيتكم خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة؟
- رؤيتنا لم تتغير.. ازدحام الفضاء العربي واحتدام المنافسة بين كبرى المؤسسات الإعلامية، كان عاملا محفزا لنا من أجل أن نبني على المكتسبات التي جرى إنجازها لتطوير المشهد الإعلامي العربي. ودائما ما كان يتردد علي سؤال ما إذا كنا قد تأخرنا بالدخول إلى حلبة المنافسة؟ صحيح أننا ولدنا كمؤسسة منذ نحو 27 شهرا، ولكن الكوادر الصحافية التي تشكل رأس مالنا الحقيقي هي من خيرة الكفاءات العربية الخبيرة بالعمل الإعلامي في لمنطقة وتلقت تدريبات مميزة لترتقي إلى أفضل المعايير والممارسات الدولية في العمل الصحافي، وأنا أزداد قناعة كل يوم بأن السوق الإعلامية ستستوعب طموحاتنا إلى أبعد مدى.
لقد تبنت سكاي نيوز عربية استراتيجية مرنة تستطيع مواكبة مختلف المتغيرات، ونطمح بأن نكون الوجهة الإعلامية المفضلة والموثوقة للجمهور العربي من خلال منصاتنا المتعددة، نقدم الأخبار كما هي لحظة وقوعها بشكل مستقل ومتوازن، شكلت المعايير الصحافية والضوابط المهنية التي تحكم جودة منتجنا عاملا داعما لمنتجنا الإعلامي، وذلك بفضل الشراكة شراكة بين مؤسسة أبوظبي للاستثمار الإعلامي وشركة سكاي نيوز البريطانية الجهات المالكة لسكاي نيوز عربية. هذا بالإضافة إلى دور الهيئة التحريرية المستقلة التي اختارها مجلس إدارة المؤسسة من خيرة الكفاءات، والتي تعمل على مراجعة الأداء وضمان تطبيق أرقى الضوابط المهنية، أعتقد أننا وصلنا اليوم إلى مكانة متقدمة لننافس على المراتب الأولى ولقد استفدنا من القدرة المتنامية للجمهور على تمييز المنتج الإعلامي الجيد، فنحن لا نتميز بجودة الشكل فقط وإنما بمضموننا الذي يسعى إلى التوازن في طرح الكثير من القضايا والمواضيع الأبرز في المنطقة والعالم.
* كيف يمكن المحافظة على التوازن في التغطية وضمان الحياد؟
- الحياد نسبي، وضمان التوازن يجري من خلال المحافظة على المهنية، ولكن بعض الأحداث تفرض نفسها فتحظى على سبيل المثال بحظ أوفر من التغطية، خصوصا الأعمال الإرهابية والقضايا المخلة بالأخلاق والعرف الإنساني. لا يمكن لنا أن نعمل كمجرد ناقل للخبر عندما يكون الحدث نفسه غير متوازن. ولكننا نحافظ على توازننا في الملفات الإعلامية السياسية والعامة، ولا بد لنا من أخذ مختلف وجهات النظر حول المواضيع المطروحة.
* دخول سكاي نيوز عربية كان في وقت يشهد الإعلام العربي الفضائي منافسة شرسة، ما خططكم لأخذ موقع بين المحطات العربية القيادية والتي لها ارتباط شعبي والتي تستحوذ على النسبة الأكبر من المشاهدة؟
- خلال السنوات الثلاث الماضية، انكشفت الكثير من الأجندات الإعلامية، وبات من السهل على المشاهد العادي أن يميز بين الرأي والخبر، وبين الموقف والمعلومة، ونحن ننافس في هذه المساحة، الآخذة في الاتساع، المنافسون الحاليون أقوياء، ولا أعتقد أن وضعهم مرشح للتغير السريع في الوضع الحالي، البعض يحقق نسب نمو بطيئة والبعض يحقق نسب تراجع سريعة، وكلاهما بحاجة إلى وقت. أما بالنسبة لنا، فمن الطبيعي لأي مشروع إعلامي أن يمر بمراحل تطور رئيسة إلا أن الظروف والملفات الإعلامية الإقليمية قد ساعدتنا، وعملنا من دولة الإمارات خدمنا كموقع استراتيجي في قلب العالم العربي وكذلك البنية التحتية المتطورة التي أتاحت لنا استقطاب أفضل الكفاءات، وكذلك وفرت لنا كفاءة أكبر في عملية إدارة فرق العمل وكذلك انتشار 18 مكتبا إقليميا ومكتبين دوليين بأعلى كفاءة، هذه الظروف سمحت لسكاي نيوز عربية أن يكون لها صوت ودور أكبر وأسرع من المتوقع، بالإضافة إلى طبيعة عملنا كمؤسسة تقدم الأخبار العاجلة وبالسرعة الممكنة، وتوسعنا بعدد من الفقرات والبرامج التي تناسب فئات متخصصة. لدينا من المرونة ما يسمح لنا «بفتح البث المباشر» أياما متواصلة لتغطية أحداث ميدانية كبرى لتلبية متابعة المشاهد، هذا بالتكامل مع استراتيجيتنا الرقمية التي تفوقت على الحضور الرقمي لمؤسسات وجدت قبل بسنوات طويلة لنصل إلى جمهورنا ونتفاعل معه على كل المنصات والتطبيقات المتطورة، ليس لدينا إحصائيات دقيقة، ولكن كل المؤشرات تدل على أن لدينا قبولا وانتشارا كبيرين بين الأجيال الشابة.
* هل تعتقد أن وجود مواقع التواصل الاجتماعي أضعف من قدرة القنوات التلفزيونية للحصول على الخبر؟
- سؤال ممتاز، والجواب السريع «لا»، مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا منا رضينا أم أبينا، وأي مؤسسة إعلامية تحاول محاربة تلك الفكرة ستكون الخاسرة، فالمشاهد لم يعد مشاهدا فقط ولكنه بات مستخدما وجزءا من الحدث، حتى الذي يشاهد التلفزيون أصبح مستخدما، التبدل في أنماط الاستهلاك الإعلامي لم يعد موضع خلاف. لا بد لأي وسيلة إعلامية أن تكون جزءا من المنظومة، التي تراعي طبيعة احتياجات الجمهور وتتوافق معها، وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن شبكات التواصل الاجتماعي هي وسيلة لتوزيع الأخبار والتفاعل مع الجمهور وتحسس الآراء والمواقف، وقد تكون مصدرا للأخبار ولكن يجب أن يتوافر لدى وسيلة الإعلام المهارة اللازمة للتأكد من مصداقية الأخبار، في ظل التحول الحاصل في القطاع الإعلامي العالمي والعربي نجد أن هناك ترابطا وثيقا ومهما بين القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي، والمحتوى الجيد هو العامل الحاسم، فقبل التفكير في الاستثمار بالتكنولوجيا ووسائل الإلكترونية المتعددة يجب أن تستثمر في الأساس وهو الصحافي القادر على تقديم محتوى جيد، الصحافي هو رأس مال المؤسسة الحقيقي، بالإضافة إلى أهمية تعزيز المصادر وتنويعها، أما كيفية تقديم المعلومة فهي مسؤولية أخرى.
* كيف استطعت أن توظف كوادر قادرة على التعامل وإيصال المعلومة بشكل يتقبله المتلقي في المنطقة ويوصل الرسالة التي تتطلعون لها؟
- سكاي نيوز عربة قناة شابة، وتعمل في مجتمع عربي يشكل فيه الشباب الغالبية العظمى، وهذا قد يعطيك فكرة عن نوعية المهارات المتوفرة لدى هذا الكادر الحالي الذي يتفاعل ويتعامل مع الوسائط الجديد بأفضل شكل ممكن. وأيضا لدى هذه الجيل القدرة على استخدام اللغة العصرية التي تستطيع مخاطبة قناعات الجمهور وتلبي احتياجاتهم المعلوماتية والإخبارية، هناك الكثير من العناصر التي ساهمت باستقطاب أفضل الكوادر الشابة في سكاي نيوز عربية، من بينها المكانة المرموقة التي تحظى بها سكاي نيوز البريطانية الأم بين المؤسسات الإعلامية، ومقرنا في أبوظبي والشراكة مع شركة أبوظبي للاستثمار الإعلامي أضافت بعدا بالغ الأهمية، وقدرتنا على تدريب وتأهيل الكوادر وفق أحدث معايير العمل الصحافي.
* باعتقادك ما هي القيمة المضافة التي تملكها سكاي نيوز عربية عن ما يملكه المنافسون؟
- هذا سؤال مهم، وباعتبارك صحافيا ومتابعا، لا بد وأنك لاحظت كيف استجاب المنافسون لوجود سكاي نيوز عربية وسرعة تطور منصاتها، وكيف انعكس ذلك على أدائهم ورغبة بعضهم بتقديم نموذج مشابه يجمع بين الأخبار العاجلة والفقرات المتخصصة وبجودة عالية. صحيح أننا تعلمنا من المنافسين الذين بنينا على تجاربهم ومكتسباتهم، بل وبدأنا في بعض المجالات من حيث انتهى بعضهم. ولكن تجربتنا تميزت بأخبار سريعة، دقيقة وذات مصداقية، ولا أنتقص هنا من أهمية المنتج الإعلامي لغيرنا، ولكني أحاول التركيز على رسالتنا نحن، وطموحنا بأن نكون الوجهة المفضلة للأخبار باللغة العربية والأكثر تأثيرا في الشأن الدولي، وأن نقدم تحليلات معمقة تسهم في إيصال صورة أشمل للجمهور بتوازن ودقة ومصداقية. المهم أن يثق بنا المشاهد، ويعرف أن الخبر الذي نقدمه هو خبر سليم، مع المثابرة للوجود في كل مكان ولحظة وقوع الخبر.
* ما التحديات التي تواجهكم منذ بداية إنشاء المحطة والمستقبلية؟
- التحديات جميعها ترتبط بالإبقاء على النجاح، والمحافظة عليه والبناء على مكتسباته، والتحدي الرئيس ليس بالوصول إلى المشاهدين فقط وإنما بالمحافظة عليهم في ظل ازدحام الفضاء العربي بالخيارات. لدينا ثقة بالمنتج الإعلامي الذي نقدمه، ونحن في حالة نقاش داخلي مستمر ما إذا كان يجب علينا أن نفرض هذا التوسع أم نتركه أن يتطور بشكل طبيعي. أنا مع فكرة أن تبني سمعتك الجيدة بشكل تلقائي وعفوي دون أن تفرضها من خلال الترويج المبالغ به، وإذا كان المنتج الذي تقدمه جيدا، فحتما ستحصل على صيت وسمعة جيدة مع الوقت. وأكبر دليل على ذلك كان تجربتنا الأخيرة في السوق المصرية، فلم نقم بعمل أي حملات ترويجية فيها بينما تمكنا من تحقيق انتشار وحضور مميزين لدى المشاهدين من خلال تقديم محتوى عالي الجودة روج نفسه بنفسه.
* النموذج الذي قدم في سكاي نيوز عربية مختلف عن النماذج الأخرى للقنوات العالمية كالبي بي سي عربية وروسيا اليوم، ما الفرق بينكم وبين تلك القنوات؟
- هناك التباس لدى البعض حول هوية القناة، صحيح أننا نقلنا بعض الممارسات الإعلامية من شريكنا في بريطانيا إلا أننا مؤسسة بإدارة عربية مستقلة تعمل من الوطن العربي بكادر وكفاءات عربية وإلى الوطن العربي، لسنا نسخة عربية عن وكالة أجنبية، وغرفة الأخبار والاستوديوهات الخاصة بنا هنا من قلب الوطن العربي وللوطن العربي وليست في لندن أو واشنطن أو موسكو. استفدنا وتعلمنا الكثير من سكاي نيوز البريطانية، واتفقنا على أمور كثيرة، وعلى دور الهيئة التحريرية المستقلة ومهامها في مراجعة الأداء وضمان تحقيق معايير الجودة والضوابط المهنية، كل هذه أمور أسهمت في تميزنا. ولولا وجود القنوات الأخرى لما تمكنا من تحقيق هذا التقدم السريع، لأننا نقارن ونحلل ونتعلم، ونستثمر بعلاقتنا الحيوية مع سكاي نيوز الشقيقة في الأمور الفنية والتقنية. وهذا الفرق ساهم بصعودنا إلى رأس الهرم لننافس مع القنوات الكبرى.
* هل يملي عليك أي من الملاك توجهات معينة تتبعها في تغطيتك للأخبار أو الأحداث؟
- الشراكة بين شركة أبوظبي للاستثمار الإعلامي وسكاي نيوز البريطانية - وهي قناة عالمية مرموقة ومعروفة - منحتنا هامشا كبيرا من الاستقلالية، هذه العلاقة المحكومة بأرقى الضوابط والمعايير المهنية بين الشريك المحلي والعالمي لها دور كبير في تعزيز الاستقلالية وتطوير الأداء، بالإضافة إلى الهيئة التحريرية التي تشرف على عملنا، والتي تضم أسماء مرموقة من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، لا شك أن موقعنا الجغرافي وأجندتنا التحريرية يفرضان علينا الاهتمام بالملفات الإعلامية الإماراتية والدول الخليجية والعربية المجاورة، وليس بإملاء من أحد، ونهجنا التحريري واضح، نحن منصة إعلامية إقليمية ودولية شاملة لكل الجمهور العربي ومصدر رئيس للأخبار لمختلف دول العالم.
* كيف يمكن توفير موارد ذاتية للقناة؟
- هذه القضية تعد واحدة من القضايا التي نفكر فيها ضمن خطتنا الاستراتيجية قصيرة وطويلة المدى، فهناك رؤية واضحة للسنوات الثلاث الأولى ومن ثم خمس سنوات وعشر وهكذا، في هذه المرحلة لا يمكننا الاعتماد على الموارد الإعلانية بشكل كامل، ولكننا نطور أساليب جديدة للتمويل الذاتي، من خلال استقطاب جهات شريكة ومعلنة جديدة، ولو نظرت إلى شاشتنا وموقعنا الإلكتروني ستجد أن أعداد المعلنين تضاعفت وهي تحقق نسبة نمو واعدة. واستقطاب المعلنين يعد مؤشرا على الاستقلالية والحياد وعلى مزيد من القدرة على الانتشار والتأثير.

وهذا واحد من الفروق الكبيرة بيننا وبين الكثير من الجهات المنافسة، فنحن لسنا ممولين من أي جهة حكومية بل من جهتين استثماريتين معروفتين، ونسير بخطى مدروسة نحو الاعتماد على أنفسنا من خلال استقطاب المزيد من الشركاء التجاريين، وطبعا دون التأثير على استقلاليتنا.
* وجودكم في المناطق الخطرة والحساسة، كيف يمكن حماية مراسليكم خاصة في ظل الأوضاع الحالية التي تهدد حياة الصحافيين في مناطق الحروب والاضطرابات؟
- كنت قد تحدثت عن أهمية المحتوى في وقت سابق خلال المقابلة، وهنا أريد الإشارة إلى أن المحتوى المستقل والجيد يتطلب نوعا من المغامرة، كتلك التي قام بها زملاؤنا وأبناؤنا المصور اللبناني سمير كساب والمراسل الصحافي الموريتاني إسحاق المختار ومرافقهما السائق السوري عدنان عجاج، والذين ذهبوا إلى الميدان في حلب شمالي سوريا لتغطية الأوضاع الإنسانية هناك، وفقدنا الاتصال معهم منذ 15 أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، ونبذل كل الجهود والاتصالات اللازمة مع كافة الأطراف المعنية لعودتهم إلى عائلاتهم ومحبيهم بأسرع وقت ممكن، لقد تغير عمل الصحافي الميداني خلال السنوات العشر الماضية، وبات الكل يعرف أن الصحافي ليس طرفا في النزاع، ونحن نخضع المراسلين لتدريب عملي للتعامل مع مختلف الظروف.
* كيف تنظر للإعلام العربي؟
- الإعلام هو مرآة للمجتمعات، وليس سوى انعكاس لصورته، وعلى الرغم من أن الوطن العربي قد قطع أشواطا كبيرة في تطوير صناعة الإعلام، وازدهر واستكشف الكثير من الكفاءات والمواهب، فإنني أعتقد أنه ما زال أمامنا الكثير لنقدمه لهذه المهنة، وصولا لإعلام احترافي مبني على أسس سليمة، قادر على خدمة قضايا المجتمعات العربية والنهوض بها، على أن نؤخذ بعين الاعتبار العمر الصغير نسبيا لمعظم المؤسسات الإعلامية العربية.



الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات


هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
TT

هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)

أثار تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 تساؤلات بشأن إمكانية تغيير طريقة عمل المؤسسات الإعلامية استجابةً لتغير نمط استهلاك الجمهور للأخبار. وفي حين رأى خبراء أن «الفترة المقبلة ستشهد نمواً في الاعتماد على الفيديو في تقديم الأخبار»، فإنهم شددوا على أن «ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام المكتوب».

حسب التقرير الذي أصدره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، الأسبوع الماضي، فإنه «للمرة الأولى على مدار 15 سنة من إعداد التقرير، يظهر اعتماد غالبية الجمهور على مشاهدة مقاطع الفيديو الإخبارية عبر الإنترنت في جميع الدول التي رصدها التقرير وعددها 48 دولة».

وأوضح أن «77 في المائة من الجمهور عالمياً يستهلكون الفيديوهات الإخبارية على الإنترنت أسبوعياً، ليتجاوز عدد من يشاهدون نشرات الأخبار التلفزيونية في نحو 45 دولة»، في حين تظل «ألمانيا والدنمارك وهولندا هي الدول الثلاث الوحيدة التي تتقدم فيها الأخبار التلفزيونية أو تتساوى مع مقاطع الفيديو على الإنترنت».

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، صرح لـ«الشرق الأوسط» بأن «تبنّي إنتاج الفيديوهات أثَّر بشكل عميق ومتسارع في طريقة عمل الإعلام»، مشيراً في هذا الصدد إلى «صعود المنصات الإخبارية الجديدة في العالم العربي، حيث باتت الفيديوهات تشكِّل العصب الأساس للعمل الإعلامي، بينما النصوص المكتوبة لا يعوَّل على انتشارها بشكل واسع بين المستخدمين على منصات التواصل».

وأردف غزيل أن «نسبة الـ77 في المائة في تقرير معهد رويترز ليست مجرد إحصائية عابرة، بل دلالة على استهلاك الفيديوهات والمقاطع المصورة، تبين أن التحقيقات المطولة المكتوبة لم تعد تحظى بنفس التأثير على المستخدمين»، قبل ان يضيف: «ولمن ما زالت التحقيقات مهمة، إلا أن تأثيرها أقل بكثير من الفيديوهات».

غزيل تابع أيضاً أن «التأثير الأكبر لمثل هذا التغير في نمط الاستهلاك سيكون في عملية اكتشاف المواد وتوزيعها، بحيث أن الدخول إلى المواقع الإلكترونية المباشرة للمؤسسات لن يكون بنفس أهمية طريقة عرض وتقديم الفيديوهات على منصات التواصل، سواء كان ذلك عبر (تيك توك) أو الريلز أو (يوتيوب)». وفي رأيه «يتوجب على المؤسسات الإعلامية أن تتأقلم مع متطلبات المنصات والتحديثات المستمرة في خوارزمية الانتشار، مما يعني التركيز على إنتاج المحتوى الأصلي حسب كل منصة، وليس مجرد إعادة نشر نفس المادة المصورة لكل المنصات... وأن هذا يعني على سبيل المثال، التركيز على المادة الجاذبة والترجمة والنص على الشاشة للفيديوهات القصيرة، في حين يتم التركيز على المحتوى الطويل والمسهب بالشرح لمنصة (يوتيوب)».

وأكد الخبير اللبناني أنه «ينبغي على وسائل الإعلام الحديثة أن تتقرب من المقابلات الشخصية الأكثر دفئاً والتركيز على محتوى وراء الكواليس أو محتوى البث المباشر».

في المقابل، قال غزيل إن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني بالضرورة التخلي عن الطرق التقليدية في معالجة المحتوى؛ بل تطويرها وتأقلمها وتكاملها مع المتطلبات الحديثة... وبالتالي، فالنصوص والمواد المكتوبة تبقى أساسية، للعمق أو التوثيق وأرشفة المواد أو التحقيقات المعقدة؛ ولكنها لن تكون الطريقة الرئيسية للوصول إلى القراء والمتابعين». ولفت في هذا الصدد إلى «تجارب لمؤسسات عربية تكتب تقارير طويلة غنية بالمعلومات، ولكن تدعمها بفيديوهات قصيرة ممتعة تُنشر على المنصات». واختتم كلامه بتأكيد أنه «حال أصرت الوسيلة على الطريقة التقليدية فقط، من نص طويل أو تقرير إخباري مثل التلفزيون، ستواجه الوسيلة الإعلامية تآكلاً مستمراً في شريحة الجمهور المستهدف، أما من يستثمر في فيديو مع الحفاظ على الجودة الصحافية، فسيجد فرصاً جديدة للوصول والتأثير، خصوصاً بين الشباب».

من جهة ثانية، أشار تقرير «معهد رويترز» إلى أن «المؤسسات الإخبارية التقليدية تشهد تراجعاً في مشاهدة الفيديو على مواقعها وتطبيقاتها». وفي رأي الصحافي المصري معتز نادي، المتخصص في الإعلام الرقمي، فإن «تصاعد استهلاك الأخبار عبر الفيديو سيؤثر في طريقة عمل الإعلام تأثيراً عميقاً، لأن الفيديو أصبح بوابة رئيسة يصل منها الجمهور إلى الخبر، خصوصاً عبر المنصات الاجتماعية التي أصبحت المصدر الأكثر استخداماً للأخبار عالمياً بنسبة 54 في المائة».

وقال نادي لـ«الشرق الأوسط» إن «غرف الأخبار ستتوجه بكل جدية إلى التفكير بالصورة والصوت والإيقاع منذ بداية التغطية التي تقدمها لمتابعيها... وأن نشر خبر مكتوب فقط لم يعد كافياً، فالفيديو سيصبح هو بطل الحكاية لغرف الأخبار، والتحدي في طريقة تقديمه لجمهور المتابعين بشكل واضح وسريع يناسب إيقاع الخوارزميات وعالم الريلز».

أيضاً ذكر نادي أن الفترة المقبلة «ستشهد زيادة في أهمية الفيديو التفسيري القصير، والمراسل القادر على الشرح أمام الكاميرا، والبث المباشر، والرسوم البصرية التي تبسّط الملفات المعقدة، وأن ثمة تجارب لمنصات حديثة تدخل المشهد حالياً يُترك تقييمها للزمن والجمهور لقياس مدى نجاحها».

في الوقت نفسه أكد الصحافي المصري أن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني التخلي عن الأشكال التقليدية». وأضاف: «المقال والتحقيق والتقرير التلفزيوني الطويل وغيرها ستظل ضرورية لتقديم السياق، والكشف عن التفاصيل، وتوثيق المعلومات... وبينما سيصبح الفيديو مدخل القصة، تبقى المادة الأصلية مرجعاً للفهم الأعمق، فالتوثيق المكتوب لا غنى عنه وسط فوران المحتوى الرقمي في (زحام) المنصات بما لها أو عليها». واختتم مشدداً على ضرورة «ألا تعمد المؤسسة الإعلامية إلى مطاردة الفيديو من أجل المشاهدات فقط، دون اهتمام بجودة المحتوى... إذ لا بد من تقديم محتوى مهني دون التذرع بحجة الجمهور ونوعياته الجديدة من (زد) و(ألفا). فالنجاح المهني هو تقديم فيديو سريع وجذاب، من دون اختزال الوقائع أو خلط الخبر بالرأي أو التضحية بالدقة من أجل الانتشار ودغدغة مشاعر المتابعين».


مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد