مدير عام {سكاي نيوز} العربية: نطمح لأن نكون الوجهة المفضلة للجمهور العربي

نارت يوسف بوران أكد لـ {الشرق الأوسط} تطلعها لأن تكون الأكثر تأثيرا في الشأن الدولي من خلال المنصات المتعددة

نارت بوران
نارت بوران
TT

مدير عام {سكاي نيوز} العربية: نطمح لأن نكون الوجهة المفضلة للجمهور العربي

نارت بوران
نارت بوران

عند سماع اسم قناة سكاي نيوز عربية قد يخيل للبعض أنها تجربة كتلك التجارب لإيجاد نسخة عربية من طريقة عمل القناة العالمية، كما فعلت قنوات أخرى، هنا ينفي نارت يوسف بوران هذا المفهوم، حيث يقول «هناك التباس لدى البعض حول هوية القناة، صحيح أننا نقلنا بعض الممارسات الإعلامية من شريكنا في بريطانيا إلا أننا مؤسسة بإدارة عربية مستقلة تعمل من الوطن العربي بكوادر وكفاءات عربية وإلى الوطن العربي، لسنا نسخة عربية عن وكالة أجنبية وغرفة الأخبار والاستوديوهات الخاصة بنا هنا من قلب الوطن العربي وللوطن العربي وليست في لندن أو واشنطن أو موسكو».
ويوضح من خلال هذا الحوار الذي أجري في مكتبه المطل على صالة التحرير للقناة «استفدنا وتعلمنا الكثير من سكاي نيوز البريطانية، واتفقنا على أمور كثيرة، وعلى دور الهيئة التحريرية المستقلة ومهاما في مراجعة الأداء وضمان تحقيق معايير الجودة والضوابط المهنية، كل هذه أمور أسهمت في تميزنا. ولولا وجود القنوات الأخرى لما تمكنا من تحقيق هذا التقدم السريع، لأننا نقارن ونحلل ونتعلم».
وكشف أن الكوادر الصحافية التي تشكل رأس مالهم الحقيقي كما وصفهم، «هي من خيرة الكفاءات العربية الخبيرة بالعمل الإعلامي في المنطقة وتلقت تدريبات مميزة لترتقي إلى أفضل المعايير والممارسات الدولية في العمل الصحافي، وأنا أزداد قناعة كل يوم بأن السوق الإعلامية ستستوعب طموحاتنا إلى أبعد مدى». كما أوضح ما تختلف فيه «سكاي نيوز عربية» عن القنوات العربية الأخرى وأمورا كثيرة من خلال الحوار التالي:
* دخلت قناة سكاي نيوز عربية في وقت مزدحم بوجود قنوات مسيطرة على الحصص الإعلامية في الوطن العربي، هل تغيرت الرؤية بعد دخولكم على أرض الواقع؟ وما استراتيجيتكم خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة؟
- رؤيتنا لم تتغير.. ازدحام الفضاء العربي واحتدام المنافسة بين كبرى المؤسسات الإعلامية، كان عاملا محفزا لنا من أجل أن نبني على المكتسبات التي جرى إنجازها لتطوير المشهد الإعلامي العربي. ودائما ما كان يتردد علي سؤال ما إذا كنا قد تأخرنا بالدخول إلى حلبة المنافسة؟ صحيح أننا ولدنا كمؤسسة منذ نحو 27 شهرا، ولكن الكوادر الصحافية التي تشكل رأس مالنا الحقيقي هي من خيرة الكفاءات العربية الخبيرة بالعمل الإعلامي في لمنطقة وتلقت تدريبات مميزة لترتقي إلى أفضل المعايير والممارسات الدولية في العمل الصحافي، وأنا أزداد قناعة كل يوم بأن السوق الإعلامية ستستوعب طموحاتنا إلى أبعد مدى.
لقد تبنت سكاي نيوز عربية استراتيجية مرنة تستطيع مواكبة مختلف المتغيرات، ونطمح بأن نكون الوجهة الإعلامية المفضلة والموثوقة للجمهور العربي من خلال منصاتنا المتعددة، نقدم الأخبار كما هي لحظة وقوعها بشكل مستقل ومتوازن، شكلت المعايير الصحافية والضوابط المهنية التي تحكم جودة منتجنا عاملا داعما لمنتجنا الإعلامي، وذلك بفضل الشراكة شراكة بين مؤسسة أبوظبي للاستثمار الإعلامي وشركة سكاي نيوز البريطانية الجهات المالكة لسكاي نيوز عربية. هذا بالإضافة إلى دور الهيئة التحريرية المستقلة التي اختارها مجلس إدارة المؤسسة من خيرة الكفاءات، والتي تعمل على مراجعة الأداء وضمان تطبيق أرقى الضوابط المهنية، أعتقد أننا وصلنا اليوم إلى مكانة متقدمة لننافس على المراتب الأولى ولقد استفدنا من القدرة المتنامية للجمهور على تمييز المنتج الإعلامي الجيد، فنحن لا نتميز بجودة الشكل فقط وإنما بمضموننا الذي يسعى إلى التوازن في طرح الكثير من القضايا والمواضيع الأبرز في المنطقة والعالم.
* كيف يمكن المحافظة على التوازن في التغطية وضمان الحياد؟
- الحياد نسبي، وضمان التوازن يجري من خلال المحافظة على المهنية، ولكن بعض الأحداث تفرض نفسها فتحظى على سبيل المثال بحظ أوفر من التغطية، خصوصا الأعمال الإرهابية والقضايا المخلة بالأخلاق والعرف الإنساني. لا يمكن لنا أن نعمل كمجرد ناقل للخبر عندما يكون الحدث نفسه غير متوازن. ولكننا نحافظ على توازننا في الملفات الإعلامية السياسية والعامة، ولا بد لنا من أخذ مختلف وجهات النظر حول المواضيع المطروحة.
* دخول سكاي نيوز عربية كان في وقت يشهد الإعلام العربي الفضائي منافسة شرسة، ما خططكم لأخذ موقع بين المحطات العربية القيادية والتي لها ارتباط شعبي والتي تستحوذ على النسبة الأكبر من المشاهدة؟
- خلال السنوات الثلاث الماضية، انكشفت الكثير من الأجندات الإعلامية، وبات من السهل على المشاهد العادي أن يميز بين الرأي والخبر، وبين الموقف والمعلومة، ونحن ننافس في هذه المساحة، الآخذة في الاتساع، المنافسون الحاليون أقوياء، ولا أعتقد أن وضعهم مرشح للتغير السريع في الوضع الحالي، البعض يحقق نسب نمو بطيئة والبعض يحقق نسب تراجع سريعة، وكلاهما بحاجة إلى وقت. أما بالنسبة لنا، فمن الطبيعي لأي مشروع إعلامي أن يمر بمراحل تطور رئيسة إلا أن الظروف والملفات الإعلامية الإقليمية قد ساعدتنا، وعملنا من دولة الإمارات خدمنا كموقع استراتيجي في قلب العالم العربي وكذلك البنية التحتية المتطورة التي أتاحت لنا استقطاب أفضل الكفاءات، وكذلك وفرت لنا كفاءة أكبر في عملية إدارة فرق العمل وكذلك انتشار 18 مكتبا إقليميا ومكتبين دوليين بأعلى كفاءة، هذه الظروف سمحت لسكاي نيوز عربية أن يكون لها صوت ودور أكبر وأسرع من المتوقع، بالإضافة إلى طبيعة عملنا كمؤسسة تقدم الأخبار العاجلة وبالسرعة الممكنة، وتوسعنا بعدد من الفقرات والبرامج التي تناسب فئات متخصصة. لدينا من المرونة ما يسمح لنا «بفتح البث المباشر» أياما متواصلة لتغطية أحداث ميدانية كبرى لتلبية متابعة المشاهد، هذا بالتكامل مع استراتيجيتنا الرقمية التي تفوقت على الحضور الرقمي لمؤسسات وجدت قبل بسنوات طويلة لنصل إلى جمهورنا ونتفاعل معه على كل المنصات والتطبيقات المتطورة، ليس لدينا إحصائيات دقيقة، ولكن كل المؤشرات تدل على أن لدينا قبولا وانتشارا كبيرين بين الأجيال الشابة.
* هل تعتقد أن وجود مواقع التواصل الاجتماعي أضعف من قدرة القنوات التلفزيونية للحصول على الخبر؟
- سؤال ممتاز، والجواب السريع «لا»، مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا منا رضينا أم أبينا، وأي مؤسسة إعلامية تحاول محاربة تلك الفكرة ستكون الخاسرة، فالمشاهد لم يعد مشاهدا فقط ولكنه بات مستخدما وجزءا من الحدث، حتى الذي يشاهد التلفزيون أصبح مستخدما، التبدل في أنماط الاستهلاك الإعلامي لم يعد موضع خلاف. لا بد لأي وسيلة إعلامية أن تكون جزءا من المنظومة، التي تراعي طبيعة احتياجات الجمهور وتتوافق معها، وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن شبكات التواصل الاجتماعي هي وسيلة لتوزيع الأخبار والتفاعل مع الجمهور وتحسس الآراء والمواقف، وقد تكون مصدرا للأخبار ولكن يجب أن يتوافر لدى وسيلة الإعلام المهارة اللازمة للتأكد من مصداقية الأخبار، في ظل التحول الحاصل في القطاع الإعلامي العالمي والعربي نجد أن هناك ترابطا وثيقا ومهما بين القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي، والمحتوى الجيد هو العامل الحاسم، فقبل التفكير في الاستثمار بالتكنولوجيا ووسائل الإلكترونية المتعددة يجب أن تستثمر في الأساس وهو الصحافي القادر على تقديم محتوى جيد، الصحافي هو رأس مال المؤسسة الحقيقي، بالإضافة إلى أهمية تعزيز المصادر وتنويعها، أما كيفية تقديم المعلومة فهي مسؤولية أخرى.
* كيف استطعت أن توظف كوادر قادرة على التعامل وإيصال المعلومة بشكل يتقبله المتلقي في المنطقة ويوصل الرسالة التي تتطلعون لها؟
- سكاي نيوز عربة قناة شابة، وتعمل في مجتمع عربي يشكل فيه الشباب الغالبية العظمى، وهذا قد يعطيك فكرة عن نوعية المهارات المتوفرة لدى هذا الكادر الحالي الذي يتفاعل ويتعامل مع الوسائط الجديد بأفضل شكل ممكن. وأيضا لدى هذه الجيل القدرة على استخدام اللغة العصرية التي تستطيع مخاطبة قناعات الجمهور وتلبي احتياجاتهم المعلوماتية والإخبارية، هناك الكثير من العناصر التي ساهمت باستقطاب أفضل الكوادر الشابة في سكاي نيوز عربية، من بينها المكانة المرموقة التي تحظى بها سكاي نيوز البريطانية الأم بين المؤسسات الإعلامية، ومقرنا في أبوظبي والشراكة مع شركة أبوظبي للاستثمار الإعلامي أضافت بعدا بالغ الأهمية، وقدرتنا على تدريب وتأهيل الكوادر وفق أحدث معايير العمل الصحافي.
* باعتقادك ما هي القيمة المضافة التي تملكها سكاي نيوز عربية عن ما يملكه المنافسون؟
- هذا سؤال مهم، وباعتبارك صحافيا ومتابعا، لا بد وأنك لاحظت كيف استجاب المنافسون لوجود سكاي نيوز عربية وسرعة تطور منصاتها، وكيف انعكس ذلك على أدائهم ورغبة بعضهم بتقديم نموذج مشابه يجمع بين الأخبار العاجلة والفقرات المتخصصة وبجودة عالية. صحيح أننا تعلمنا من المنافسين الذين بنينا على تجاربهم ومكتسباتهم، بل وبدأنا في بعض المجالات من حيث انتهى بعضهم. ولكن تجربتنا تميزت بأخبار سريعة، دقيقة وذات مصداقية، ولا أنتقص هنا من أهمية المنتج الإعلامي لغيرنا، ولكني أحاول التركيز على رسالتنا نحن، وطموحنا بأن نكون الوجهة المفضلة للأخبار باللغة العربية والأكثر تأثيرا في الشأن الدولي، وأن نقدم تحليلات معمقة تسهم في إيصال صورة أشمل للجمهور بتوازن ودقة ومصداقية. المهم أن يثق بنا المشاهد، ويعرف أن الخبر الذي نقدمه هو خبر سليم، مع المثابرة للوجود في كل مكان ولحظة وقوع الخبر.
* ما التحديات التي تواجهكم منذ بداية إنشاء المحطة والمستقبلية؟
- التحديات جميعها ترتبط بالإبقاء على النجاح، والمحافظة عليه والبناء على مكتسباته، والتحدي الرئيس ليس بالوصول إلى المشاهدين فقط وإنما بالمحافظة عليهم في ظل ازدحام الفضاء العربي بالخيارات. لدينا ثقة بالمنتج الإعلامي الذي نقدمه، ونحن في حالة نقاش داخلي مستمر ما إذا كان يجب علينا أن نفرض هذا التوسع أم نتركه أن يتطور بشكل طبيعي. أنا مع فكرة أن تبني سمعتك الجيدة بشكل تلقائي وعفوي دون أن تفرضها من خلال الترويج المبالغ به، وإذا كان المنتج الذي تقدمه جيدا، فحتما ستحصل على صيت وسمعة جيدة مع الوقت. وأكبر دليل على ذلك كان تجربتنا الأخيرة في السوق المصرية، فلم نقم بعمل أي حملات ترويجية فيها بينما تمكنا من تحقيق انتشار وحضور مميزين لدى المشاهدين من خلال تقديم محتوى عالي الجودة روج نفسه بنفسه.
* النموذج الذي قدم في سكاي نيوز عربية مختلف عن النماذج الأخرى للقنوات العالمية كالبي بي سي عربية وروسيا اليوم، ما الفرق بينكم وبين تلك القنوات؟
- هناك التباس لدى البعض حول هوية القناة، صحيح أننا نقلنا بعض الممارسات الإعلامية من شريكنا في بريطانيا إلا أننا مؤسسة بإدارة عربية مستقلة تعمل من الوطن العربي بكادر وكفاءات عربية وإلى الوطن العربي، لسنا نسخة عربية عن وكالة أجنبية، وغرفة الأخبار والاستوديوهات الخاصة بنا هنا من قلب الوطن العربي وللوطن العربي وليست في لندن أو واشنطن أو موسكو. استفدنا وتعلمنا الكثير من سكاي نيوز البريطانية، واتفقنا على أمور كثيرة، وعلى دور الهيئة التحريرية المستقلة ومهامها في مراجعة الأداء وضمان تحقيق معايير الجودة والضوابط المهنية، كل هذه أمور أسهمت في تميزنا. ولولا وجود القنوات الأخرى لما تمكنا من تحقيق هذا التقدم السريع، لأننا نقارن ونحلل ونتعلم، ونستثمر بعلاقتنا الحيوية مع سكاي نيوز الشقيقة في الأمور الفنية والتقنية. وهذا الفرق ساهم بصعودنا إلى رأس الهرم لننافس مع القنوات الكبرى.
* هل يملي عليك أي من الملاك توجهات معينة تتبعها في تغطيتك للأخبار أو الأحداث؟
- الشراكة بين شركة أبوظبي للاستثمار الإعلامي وسكاي نيوز البريطانية - وهي قناة عالمية مرموقة ومعروفة - منحتنا هامشا كبيرا من الاستقلالية، هذه العلاقة المحكومة بأرقى الضوابط والمعايير المهنية بين الشريك المحلي والعالمي لها دور كبير في تعزيز الاستقلالية وتطوير الأداء، بالإضافة إلى الهيئة التحريرية التي تشرف على عملنا، والتي تضم أسماء مرموقة من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، لا شك أن موقعنا الجغرافي وأجندتنا التحريرية يفرضان علينا الاهتمام بالملفات الإعلامية الإماراتية والدول الخليجية والعربية المجاورة، وليس بإملاء من أحد، ونهجنا التحريري واضح، نحن منصة إعلامية إقليمية ودولية شاملة لكل الجمهور العربي ومصدر رئيس للأخبار لمختلف دول العالم.
* كيف يمكن توفير موارد ذاتية للقناة؟
- هذه القضية تعد واحدة من القضايا التي نفكر فيها ضمن خطتنا الاستراتيجية قصيرة وطويلة المدى، فهناك رؤية واضحة للسنوات الثلاث الأولى ومن ثم خمس سنوات وعشر وهكذا، في هذه المرحلة لا يمكننا الاعتماد على الموارد الإعلانية بشكل كامل، ولكننا نطور أساليب جديدة للتمويل الذاتي، من خلال استقطاب جهات شريكة ومعلنة جديدة، ولو نظرت إلى شاشتنا وموقعنا الإلكتروني ستجد أن أعداد المعلنين تضاعفت وهي تحقق نسبة نمو واعدة. واستقطاب المعلنين يعد مؤشرا على الاستقلالية والحياد وعلى مزيد من القدرة على الانتشار والتأثير.

وهذا واحد من الفروق الكبيرة بيننا وبين الكثير من الجهات المنافسة، فنحن لسنا ممولين من أي جهة حكومية بل من جهتين استثماريتين معروفتين، ونسير بخطى مدروسة نحو الاعتماد على أنفسنا من خلال استقطاب المزيد من الشركاء التجاريين، وطبعا دون التأثير على استقلاليتنا.
* وجودكم في المناطق الخطرة والحساسة، كيف يمكن حماية مراسليكم خاصة في ظل الأوضاع الحالية التي تهدد حياة الصحافيين في مناطق الحروب والاضطرابات؟
- كنت قد تحدثت عن أهمية المحتوى في وقت سابق خلال المقابلة، وهنا أريد الإشارة إلى أن المحتوى المستقل والجيد يتطلب نوعا من المغامرة، كتلك التي قام بها زملاؤنا وأبناؤنا المصور اللبناني سمير كساب والمراسل الصحافي الموريتاني إسحاق المختار ومرافقهما السائق السوري عدنان عجاج، والذين ذهبوا إلى الميدان في حلب شمالي سوريا لتغطية الأوضاع الإنسانية هناك، وفقدنا الاتصال معهم منذ 15 أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، ونبذل كل الجهود والاتصالات اللازمة مع كافة الأطراف المعنية لعودتهم إلى عائلاتهم ومحبيهم بأسرع وقت ممكن، لقد تغير عمل الصحافي الميداني خلال السنوات العشر الماضية، وبات الكل يعرف أن الصحافي ليس طرفا في النزاع، ونحن نخضع المراسلين لتدريب عملي للتعامل مع مختلف الظروف.
* كيف تنظر للإعلام العربي؟
- الإعلام هو مرآة للمجتمعات، وليس سوى انعكاس لصورته، وعلى الرغم من أن الوطن العربي قد قطع أشواطا كبيرة في تطوير صناعة الإعلام، وازدهر واستكشف الكثير من الكفاءات والمواهب، فإنني أعتقد أنه ما زال أمامنا الكثير لنقدمه لهذه المهنة، وصولا لإعلام احترافي مبني على أسس سليمة، قادر على خدمة قضايا المجتمعات العربية والنهوض بها، على أن نؤخذ بعين الاعتبار العمر الصغير نسبيا لمعظم المؤسسات الإعلامية العربية.



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».