«سواد»... محاولة لتدوين الأحلام والكوابيس

سعد هادي انتقل من عالم الرسم والنحت والسينما إلى القصة القصيرة

«سواد»... محاولة لتدوين الأحلام والكوابيس
TT

«سواد»... محاولة لتدوين الأحلام والكوابيس

«سواد»... محاولة لتدوين الأحلام والكوابيس

تشكّل «سواد»، المجموعة القصصية الجديدة الصادرة عن دار «نينوى» بدمشق، انعطافة في تجربة القاص والروائي العراقي سعد هادي الذي وَفَد إلى الفضاء السردي من عالم الرسم والنحت والسينما وتاريخ الفن، فلا غرابة أن تشتبك جملته السردية باللقطة السينمائية، أو تتلاقح مع أحد العناصر التشكيلية التي تُثري النص القصصي، وتُضفي عليه أبعاداً جمالية قد لا نألفها في القصص القارّة المُكتفية بفضائها السردي.
تتضمن المجموعة ثماني قصص غريبة شكلاً ومضموناً، ولو تأمّلها القارئ جيداً لوجدها محصورة بين أنا الراوي وقرينه أو مثيله، فكلنا لدينا أنداد ونظراء متعددون يظهرون لنا من حيث لا نحتسب، ويأخذوننا إلى المنطقة الرمادية أو الحدّ الفاصل بين الحقيقة والوهم، ذلك الحيّز الغامض الذي يضطّرنا لأن نقبل بنظرية «الواقع الخيالي» أو «الخيال الواقعي» الذي ينطوي على مستويات متعددة تُقنع القارئ، ولا تقف حائلاً أمام تجلياته وشطحاته الذهنية الخلاّقة. فكل الرواة في هذه القصص يواجهون أندادهم من دون أن يعرفوا ذلك، وهذا هو سرّ اللعبة الفنية التي أتقنها سعد هادي، وكرّرها علينا ثماني مرّات من دون أن تفقد بريقها، أو تتخلى عن قدرتها على الإبهار. أما الثيمات فهي عجائبية في مجملها يتداخل فيها الواقع بالخيال، ويمتزج فيها المرئي باللامرئي، ولا تخضع لقوانين العقل واشتراطاته المعروفة. ولو شئنا التعميم لقلنا إنّ الرواة في هذه القصص الثماني يحاولون تدوين أحلامهم وكوابيسهم.
تحتاج قصة «مبكى الغرباء» لإعادة ترتيب الأحداث بغية إزالة الغموض الذي يكتنفها، فالراوي هنا «ساردٌ غير عليم»، ويعاني من فقدان الذاكرة (amnesia)، ولا يستطيع أن يتذكّر تلك النزوة التي راودته ذات يوم في أن يكون ممثلاً، وكانت السبب الرئيس في تدمير حياة الأسرة برمتها. ثمة أحداث ووقائع مختلفة تشير بالدليل القاطع إلى المناخ الجهنمي الذي يسيطر على شخصيات القصة، فالراوي لا يتذكر الأحداث المفجعة التي أصابت أفراد أسرته وهزّته من الأعماق، كما لا يتذكر زوجته أو منزله أو صورته في فيلم «مبكى الغرباء» الذي اشترك فيه. غير أن الطامة الكبرى تحدث عندما يرى المشاهدون أنفسهم في صورته، والكل يصرخ: «هذا أنا!»، وحينما تظهر زوجته يصيح أكثر من مُشاهِد «هذه زوجتي!»، ويدعي أنها كانت تعيش معه، وقد هربتْ منه، وتركتهُ وحيداً. إنّ هذا التماهي مع شخصية البطل الضائع، والوحيد، والفاقد للذاكرة يشي بأننا «معشر النظّارة كُنّا وسنظلُ متشابهين في التعاسة ولا جدوى الوجود».
توحي قصة «أنا ذئبك يا صاحبي» بنَفَسها البوليسي أول الأمر، لكنها سرعان ما تنتظم في ثنائية «الأنا ومثيله»، ولو أعدنا تجميع العناصر المتفرقة لهذه القصة «السوداوية»، لبرز لنا الراوي الفاقد للذاكرة بفعل صدمات حرب الثماني سنوات التي خلقت من مقاتليها ذئاباً بشرية. أقسى ما يتذكّره الراوي هي تلك الدورية القتالية التي قُتل فيها صديقه، وقد دوّن في إفادته الرسمية أنّ ذئباً انقضّ عليه، وسقط معه إلى الهاوية، وظل أحدهما يأكل لحم الآخر حتى تحوّلا إلى كائن مُلتبس في زمن أهوج صنعته الحروب والعقول المريضة الفاسدة التي أفضت بنا إلى اليأس، والخراب العميم.
تأخذنا قصة «ماتريوشكا» إلى الفضاء العجائبي الذي تصنع فيه الراوية الرجل الذي تريده من مسحوق تقتنيه من آلة في البار، ثم تسكب عليه كأساً من الماء، وتحرّك مزيجه حتى يتخثر، ثم تضعه في الثلاجة لمدة 10 ساعات، بعدها يصبح رجلاً صغيراً تضعه إلى جوارها لتحظى منه بلمسة أو قبلة، أو ما هو أكثر من ذلك، شرط «أن تعرف المرأة كيف تحرّك غرائز مخلوقها».
تنطوي قصة «باص بوجه قط سمين» على مضمون كابوسي يتداخل فيه الواقع بالخيال، وبطل القصة هو موظف حكومي أُعطيت له صورة الرئيس حين شارك في مسيرة لتأييد أحد قراراته حتى تحولت الصورة إلى لعنة أبدية لا يستطيع إنزالها، أو التخلّص منها، إلى أن جاء رجل عجوز وأخبره بأنّ كل شيء قد تغيّر. في موقف الباص يلتقي برجل عجوز آخر يشبه الأول، ولا يملّ من الإصغاء وسماع التفاصيل، فيروي له حكايته الغريبة المبهمة، ويخبره العجوز أن الباص رقم صفر سيأتي بعد قليل، وقد دُمغَ بالرقم صفر «لأنه لا يذهب إلى أي مكان، يشبه آلة تنظيف تخرج في الليل لمسح أخطاء الماضي». أما النهاية المدروسة فتتجسد في الأسطر الأخيرة من هذه القصة الكابوسية التي أبدع سعد هادي في صياغة حدثها الختامي الذي يتمثل في انطفاء أضواء الباص، وإحساس الراوي بالهواء الثقيل المشبّع برائحة المطهِّر الطبي حين يقول: «رأيت نفسي بعد لحظات أدور وسط أسطوانة مسنّنة تتلاحق فيها وجوه أناس آخرين، ربما كانوا صوراً أو خيالات مجرّدة، أو لعلهم كانوا من التائهين بين الأزمنة والأمكنة مثلي».
تتكرر تقنية الشبيه في قصة «حديقة شيرازي البعيدة»، فالحوار الذي يدور بين الجندي الذي انتقلت وحدته من «رأس البيشة» والجندي الذي قدِمَ من تلال «الشيب»، يكشف عن وجود هذا الشبه الكبير، حيث يمضي الأخير باستذكاراته قائلاً: «كان معنا جندي غريب الأطوار... قُتل للأسف في ليلة الهجوم تلك... يواصل القراءة في ضوء شمعة ويردّد أشعاراً... كان يشبهك تماماً كأنه أنت».
في قصة «إيرينا» نقف أمام شخصيتين تحملان الاسم ذاته؛ إحداهما قادمة من الفردوس وأخرى منبثقة من أعماق الجحيم. وحينما توارت الأولى أصبح كحولياً، وبدأ يهدد بالانتحار إلى أن جاءت امرأة وجلست بجواره، فتبيّن أن اسمها إيرينا وهي روسية أيضاً. وبعد مدة قصيرة ترجلت من السيارة امرأة ضخمة فأخبرها الساقي: «لقد أَعادَ زوجك يا لاريسا قصة الملائكة من جديد، ولكنه جعل اسم المرأة التي يعشقها هذه المرة إيرينا، أتعرفينها؟»، حين تعود هذه المرأة الضخمة تشرب الكأس المتروكة على المائدة، وتتجشأ، ثم «تبدأ بسرد حكاية ما عن شياطين ورجال بلا أسماء وذكريات ملتبسة من ماضٍ بعيد».
تتحول الكتب في قصة «حياة مُستعمَلة» إلى قنافذ، وفراشات هلامية، وسكاكين، وأكواب، وملاعق لكن هذا المشهد العجائبي سرعان ما ينتهي حين ترفعه إحدى الأيادي، وتُلقي به من الباب المفتوح، بينما يستمر السائق في مواصلة الرحلة إلى غايتها المنشودة.
تصل الفانتازيا إلى ذروتها في قصة «سواد»، حيث يسرد الراوي حكاية درويش الذي يكتب قصائد رثاء للأشخاص الذين كانوا يقيمون في هذه العمارة، ورحلوا، أو فارقوا الحياة. كان درويش يتواطأ مع الراوي، ويتلذّذ بمشاركته إياه في أسراره، ويتيح له النظر من الكوّة إلى داخل الغرفة التي تجري فيها أحداث مروِّعة من القتل والحرق والإعدام، لكننا سنكتشف تباعاً عدم وجود هذه الكوّة، ولم يكن الراوي يشاهد سوى خيالات درويش وأحلامه وكوابيسه، وأنّ الإنسان بالنتيجة ليس سوى آلة لصنع الأحلام.
سبق لسعد هادي أن أنجز مجموعتين قصصيتين، وهما «طبيعة صامتة» 1990، و«الأسلاف في مكان ما» 2004. كما أصدر أربع روايات بين عامي 2005 و2014 وهي «ليلى والقرد» و«تجريد شخصي» و«عصافير المومس العرجاء» و«سلاطين الرماد».



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.