بنوك تركيا المثقلة تحاول بيع ديونها لصناديق أميركية وأوروبية

«عودة الكابوس» مع دخول الليرة على مسار الانهيار

مكتب تبديل عملات في إسطنبول
مكتب تبديل عملات في إسطنبول
TT

بنوك تركيا المثقلة تحاول بيع ديونها لصناديق أميركية وأوروبية

مكتب تبديل عملات في إسطنبول
مكتب تبديل عملات في إسطنبول

فيما هبطت الليرة التركية إلى أدنى مستوياتها في 8 أشهر متأثرة بـ«أزمة انتخابات إسطنبول» السياسية التي قد تثير مزيدا من العواصف الاقتصادية، علق البنك المركزي التركي أمس مزادات الريبو لأجل أسبوع لفترة غير محددة، وذلك عقب تهاوي العملة المحلية. وقال البنك على موقعه الإلكتروني: «في ظل التطورات بالأسواق المالية، فقد تقرر وقف مزادات الريبو لأجل أسبوع لفترة من الوقت».
وتراجعت الليرة أمس أمام الدولار لتسجل 6.24. لتصل بذلك أدنى مستوى لها منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، وانتعشت الليرة بصورة طفيفة لتسجل 6.22 ليرة أمام الدولار بعد صدور بيان البنك المركزي.
وسوف يؤدي قرار البنك لارتفاع تكاليف الاقتراض للبنوك في تركيا. ويحاول البنك المركزي وقف تراجع الليرة بصورة أكبر من خلال تقييد مبالغ الليرة التي يمكن أن تشتريها البنوك. ويواجه البنك ضغوطا من أجل رفع معدل الفائدة، إلا أنه مع ذلك أبقى على معدلات الإقراض عند 24 في المائة. ومن المقرر أن يعقد مجلس السياسة النقدية للبنك اجتماعه المقبل في 12 يونيو (حزيران) القادم.
في غضون ذلك، بحثت مجموعة من المستثمرين الدوليين مع مسؤولي البنوك التركية شراء ديون متعثرة في إطار خطة حكومية تركية لتخليص البنوك من هذه الديون في اجتماع نظمته مؤسسة الاستشارات «برايس ووتر هاوس كوبرز» في إسطنبول أمس (الخميس).
ويعد الاجتماع هو الأول من نوعه منذ كشف وزير الخزانة والمالية التركي برات ألبيراق، منذ شهور عن خططه للتخلص من ديون قطاعي الطاقة والعقارات المشكوك في تحصيلها، حيث سيتم نقل هذه الديون إلى صندوقين تديرهما البنوك والمستثمرون الدوليون والمحليون.
وقالت وكالة «بلومبرغ» الأميركية إن ممثلين لبنكي الاستثمار الأميركيين «غولدمان ساكس»، و«باين كابيتال» إلى جانب ممثلين عن البنك الأوروبي للإعمار والتنمية، ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي تدرس شراء جزء من الديون المتعثرة من البنوك التركية. وأشارت الوكالة إلى أن محادثات الأمس هي محادثات أولية لمناقشة تفاصيل عمل الصندوقين وهيكلهما والمسؤولين عن إدارتهما. وأكدت متحدثة باسم البنك الأوروبي للإعمار والتنمية حضور البنك الاجتماع، في حين رفض متحدثان من «جولدمان ساكس»، و«باين كابيتال» التعليق.
وتضررت البنوك التركية، بشدة، من ارتفاع حجم الديون المتعثرة والمشكوك في تحصيلها وطلب الكثير من الشركات المدينة إعادة جدولة ديونها. وتلقت البنوك طلبات لإعادة جدولة ديون قيمتها 28 مليار دولار في أعقاب تراجع سعر الليرة التركية أمام الدولار بنسبة 30 في المائة في العام الماضي.
وارتفعت نسبة الديون المشكوك في تحصيلها في مارس (آذار) الماضي من 2.9 في المائة من إجمالي القروض المصرفية تركيا في بداية 2018، لتصل إلى 4.04 في المائة.
وذكرت «بلومبرغ» في تقرير لها أن المصارف التركية، المثقلة بالديون، تستعد لمزيد من الضغوط والأنباء السيئة؛ جراء الفوضى السياسية، وهبوط الليرة لأدنى مستوياتها منذ 8 أشهر.
وأضافت أنه علاوة على كومة هائلة من عمليات إعادة هيكلة الديون، يواجه المقرضون في تركيا الآن خطر ارتفاع أسعار الفائدة، وضعف مستويات رأس المال؛ لا سيما بعد قرار إعادة الانتخابات المحلية على رئاسة بلدية إسطنبول.
وأشارت إلى أن انخفاض الليرة يجعل سداد القروض بالعملات الأجنبية أكثر تكلفة للشركات، وربما يعرقل الجهود الرامية إلى إخراج الاقتصاد من الركود، وهو أمر أساسي لهذه التسديدات.
وأوضحت أن المقرضين يواجهون ضغوطا جديدة، بعد أن أمرت السلطات التركية هذا الأسبوع بإعادة الانتخابات البلدية في العاصمة التجارية إسطنبول، ما يزيد من خطر الاضطرابات السياسية المتصاعدة.
ولفتت إلى أن نسب رأسمال البنوك تتعرض للضغط بالفعل بعد أن طلبت الشركات نحو 28 مليار دولار من إعادة هيكلة الديون بعد انخفاض بنسبة 30 في المائة في الليرة مقابل الدولار في العام الماضي.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة ضغطت على المقرضين المملوكين للدولة (بنوك الدولة) من أجل تقديم المزيد من الائتمان قبل الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) الماضي حيث تراجع أقرانهم التجاريون والدوليين.
وبلغت التزامات قطاع النقد الأجنبي في قطاع الشركات 315 مليار دولار في نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهو ما يقترب من 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وأظهرت بيانات البنك المركزي التركي أن العجز يبلغ 197 مليار دولار، حتى عندما يحسب الصافي مقابل أصول العملات الأجنبية.
وقال الخبير الاقتصادي في «نومورا إنترناشيونال» ومقرها في لندن، إينان ديمير إنه «بعد فترة من الهدوء النسبي منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) التي أعطت المقرضين فرصة لالتقاط الأنفاس، عاد الكابوس... لأن الليرة تسير مجددا على طريق الضعف».
وأضاف أنه إذا ضعفت العملة أكثر ستواجه المزيد من الشركات صعوبات في خدمة ديون العملات الأجنبية، ما يزيد الضغط على البنوك لإعادة هيكلة المزيد من القروض، ما يقوض ربحيتها وربما رؤوس أموالها.
ويستعد المستثمرون بالفعل لمواجهة المزيد من الصعوبات للمقرضين في تركيا، حيث خسر مؤشر بورصة إسطنبول 18 في المائة على مدار الـ12 شهرا الماضية، مقارنة بانخفاض 9.3 في المائة في العام الأسبق، بينما تتداول البنوك حاليا بنصف القيمة الدفترية تقريبا.
وقال توماس نويتزيل، المحلل في «بلومبرغ إنتليجنس»، إنه «بدافع من تصاعد الفوضى السياسية في تركيا وتصاعد المخاوف من حرب تجارية أميركية صينية، من غير المرجح أن تختفي الضغوط المتجددة على الليرة في أي وقت قريب». وأضاف: «هذا يشكل تهديدا كبيرا لرأس المال لدى المقرضين المحليين، نظرا لأن نحو 40 في المائة من القروض البالغة 460 مليار دولار في تركيا غير مقيدة بالليرة».
وسجلت الليرة التركية أسوأ أداء لها منذ 24 سبتمبر الماضي متجاوزة مستوى 6.24 مقابل الدولار في تعاملات أمس (الخميس)، وهو أضعف مستوى في 8 أشهر بسبب القلق بشأن إعادة انتخابات رئيس بلدية إسطنبول والتوترات قبيل محادثات تجارة أميركية صينية.
وبعد تقديم طعون على مدى أسابيع من حزب الرئيس رجب طيب إردوغان (العدالة والتنمية) وحليفه حزب الحركة القومية، قضت اللجنة العليا للانتخابات يوم الاثنين الماضي بإعادة انتخابات رئيس بلدية إسطنبول التي فازت فيها المعارضة بهامش ضئيل.
وقال حزب المعارضة الرئيسي (الشعب الجمهوري) في تركيا، أمس، إنه طلب رسميا إلغاء تفويض إردوغان لأن المخالفات ذاتها التي يزعم حزب العدالة والتنمية أنها حدثت في انتخابات بلدية المدينة في 31 مارس شابت الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة التي أجريت في 24 يونيو 2018.
ويخشى المستثمرون من أن قرار إعادة انتخابات رئيس بلدية إسطنبول في 23 يونيو سيتسبب في شهرين إضافيين من عدم اليقين بشأن خطة تركيا لإعادة التوازن والاستقرار إلى الاقتصاد.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.