بنوك تركيا المثقلة تحاول بيع ديونها لصناديق أميركية وأوروبية

«عودة الكابوس» مع دخول الليرة على مسار الانهيار

مكتب تبديل عملات في إسطنبول
مكتب تبديل عملات في إسطنبول
TT

بنوك تركيا المثقلة تحاول بيع ديونها لصناديق أميركية وأوروبية

مكتب تبديل عملات في إسطنبول
مكتب تبديل عملات في إسطنبول

فيما هبطت الليرة التركية إلى أدنى مستوياتها في 8 أشهر متأثرة بـ«أزمة انتخابات إسطنبول» السياسية التي قد تثير مزيدا من العواصف الاقتصادية، علق البنك المركزي التركي أمس مزادات الريبو لأجل أسبوع لفترة غير محددة، وذلك عقب تهاوي العملة المحلية. وقال البنك على موقعه الإلكتروني: «في ظل التطورات بالأسواق المالية، فقد تقرر وقف مزادات الريبو لأجل أسبوع لفترة من الوقت».
وتراجعت الليرة أمس أمام الدولار لتسجل 6.24. لتصل بذلك أدنى مستوى لها منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، وانتعشت الليرة بصورة طفيفة لتسجل 6.22 ليرة أمام الدولار بعد صدور بيان البنك المركزي.
وسوف يؤدي قرار البنك لارتفاع تكاليف الاقتراض للبنوك في تركيا. ويحاول البنك المركزي وقف تراجع الليرة بصورة أكبر من خلال تقييد مبالغ الليرة التي يمكن أن تشتريها البنوك. ويواجه البنك ضغوطا من أجل رفع معدل الفائدة، إلا أنه مع ذلك أبقى على معدلات الإقراض عند 24 في المائة. ومن المقرر أن يعقد مجلس السياسة النقدية للبنك اجتماعه المقبل في 12 يونيو (حزيران) القادم.
في غضون ذلك، بحثت مجموعة من المستثمرين الدوليين مع مسؤولي البنوك التركية شراء ديون متعثرة في إطار خطة حكومية تركية لتخليص البنوك من هذه الديون في اجتماع نظمته مؤسسة الاستشارات «برايس ووتر هاوس كوبرز» في إسطنبول أمس (الخميس).
ويعد الاجتماع هو الأول من نوعه منذ كشف وزير الخزانة والمالية التركي برات ألبيراق، منذ شهور عن خططه للتخلص من ديون قطاعي الطاقة والعقارات المشكوك في تحصيلها، حيث سيتم نقل هذه الديون إلى صندوقين تديرهما البنوك والمستثمرون الدوليون والمحليون.
وقالت وكالة «بلومبرغ» الأميركية إن ممثلين لبنكي الاستثمار الأميركيين «غولدمان ساكس»، و«باين كابيتال» إلى جانب ممثلين عن البنك الأوروبي للإعمار والتنمية، ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي تدرس شراء جزء من الديون المتعثرة من البنوك التركية. وأشارت الوكالة إلى أن محادثات الأمس هي محادثات أولية لمناقشة تفاصيل عمل الصندوقين وهيكلهما والمسؤولين عن إدارتهما. وأكدت متحدثة باسم البنك الأوروبي للإعمار والتنمية حضور البنك الاجتماع، في حين رفض متحدثان من «جولدمان ساكس»، و«باين كابيتال» التعليق.
وتضررت البنوك التركية، بشدة، من ارتفاع حجم الديون المتعثرة والمشكوك في تحصيلها وطلب الكثير من الشركات المدينة إعادة جدولة ديونها. وتلقت البنوك طلبات لإعادة جدولة ديون قيمتها 28 مليار دولار في أعقاب تراجع سعر الليرة التركية أمام الدولار بنسبة 30 في المائة في العام الماضي.
وارتفعت نسبة الديون المشكوك في تحصيلها في مارس (آذار) الماضي من 2.9 في المائة من إجمالي القروض المصرفية تركيا في بداية 2018، لتصل إلى 4.04 في المائة.
وذكرت «بلومبرغ» في تقرير لها أن المصارف التركية، المثقلة بالديون، تستعد لمزيد من الضغوط والأنباء السيئة؛ جراء الفوضى السياسية، وهبوط الليرة لأدنى مستوياتها منذ 8 أشهر.
وأضافت أنه علاوة على كومة هائلة من عمليات إعادة هيكلة الديون، يواجه المقرضون في تركيا الآن خطر ارتفاع أسعار الفائدة، وضعف مستويات رأس المال؛ لا سيما بعد قرار إعادة الانتخابات المحلية على رئاسة بلدية إسطنبول.
وأشارت إلى أن انخفاض الليرة يجعل سداد القروض بالعملات الأجنبية أكثر تكلفة للشركات، وربما يعرقل الجهود الرامية إلى إخراج الاقتصاد من الركود، وهو أمر أساسي لهذه التسديدات.
وأوضحت أن المقرضين يواجهون ضغوطا جديدة، بعد أن أمرت السلطات التركية هذا الأسبوع بإعادة الانتخابات البلدية في العاصمة التجارية إسطنبول، ما يزيد من خطر الاضطرابات السياسية المتصاعدة.
ولفتت إلى أن نسب رأسمال البنوك تتعرض للضغط بالفعل بعد أن طلبت الشركات نحو 28 مليار دولار من إعادة هيكلة الديون بعد انخفاض بنسبة 30 في المائة في الليرة مقابل الدولار في العام الماضي.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة ضغطت على المقرضين المملوكين للدولة (بنوك الدولة) من أجل تقديم المزيد من الائتمان قبل الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) الماضي حيث تراجع أقرانهم التجاريون والدوليين.
وبلغت التزامات قطاع النقد الأجنبي في قطاع الشركات 315 مليار دولار في نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهو ما يقترب من 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وأظهرت بيانات البنك المركزي التركي أن العجز يبلغ 197 مليار دولار، حتى عندما يحسب الصافي مقابل أصول العملات الأجنبية.
وقال الخبير الاقتصادي في «نومورا إنترناشيونال» ومقرها في لندن، إينان ديمير إنه «بعد فترة من الهدوء النسبي منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) التي أعطت المقرضين فرصة لالتقاط الأنفاس، عاد الكابوس... لأن الليرة تسير مجددا على طريق الضعف».
وأضاف أنه إذا ضعفت العملة أكثر ستواجه المزيد من الشركات صعوبات في خدمة ديون العملات الأجنبية، ما يزيد الضغط على البنوك لإعادة هيكلة المزيد من القروض، ما يقوض ربحيتها وربما رؤوس أموالها.
ويستعد المستثمرون بالفعل لمواجهة المزيد من الصعوبات للمقرضين في تركيا، حيث خسر مؤشر بورصة إسطنبول 18 في المائة على مدار الـ12 شهرا الماضية، مقارنة بانخفاض 9.3 في المائة في العام الأسبق، بينما تتداول البنوك حاليا بنصف القيمة الدفترية تقريبا.
وقال توماس نويتزيل، المحلل في «بلومبرغ إنتليجنس»، إنه «بدافع من تصاعد الفوضى السياسية في تركيا وتصاعد المخاوف من حرب تجارية أميركية صينية، من غير المرجح أن تختفي الضغوط المتجددة على الليرة في أي وقت قريب». وأضاف: «هذا يشكل تهديدا كبيرا لرأس المال لدى المقرضين المحليين، نظرا لأن نحو 40 في المائة من القروض البالغة 460 مليار دولار في تركيا غير مقيدة بالليرة».
وسجلت الليرة التركية أسوأ أداء لها منذ 24 سبتمبر الماضي متجاوزة مستوى 6.24 مقابل الدولار في تعاملات أمس (الخميس)، وهو أضعف مستوى في 8 أشهر بسبب القلق بشأن إعادة انتخابات رئيس بلدية إسطنبول والتوترات قبيل محادثات تجارة أميركية صينية.
وبعد تقديم طعون على مدى أسابيع من حزب الرئيس رجب طيب إردوغان (العدالة والتنمية) وحليفه حزب الحركة القومية، قضت اللجنة العليا للانتخابات يوم الاثنين الماضي بإعادة انتخابات رئيس بلدية إسطنبول التي فازت فيها المعارضة بهامش ضئيل.
وقال حزب المعارضة الرئيسي (الشعب الجمهوري) في تركيا، أمس، إنه طلب رسميا إلغاء تفويض إردوغان لأن المخالفات ذاتها التي يزعم حزب العدالة والتنمية أنها حدثت في انتخابات بلدية المدينة في 31 مارس شابت الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة التي أجريت في 24 يونيو 2018.
ويخشى المستثمرون من أن قرار إعادة انتخابات رئيس بلدية إسطنبول في 23 يونيو سيتسبب في شهرين إضافيين من عدم اليقين بشأن خطة تركيا لإعادة التوازن والاستقرار إلى الاقتصاد.



مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».