مسيحيو السودان في الخطوط الأمامية للحراك

«الهلال مع الصليب... السودان اليوم بيطيب» أحد شعارات ميدان الاعتصام

أقباط السودان شكلوا جزءاً أساسياً من الحراك (أ.ف.ب)
أقباط السودان شكلوا جزءاً أساسياً من الحراك (أ.ف.ب)
TT

مسيحيو السودان في الخطوط الأمامية للحراك

أقباط السودان شكلوا جزءاً أساسياً من الحراك (أ.ف.ب)
أقباط السودان شكلوا جزءاً أساسياً من الحراك (أ.ف.ب)

على مدى أكثر من أربعة عقود كاملة، كرّس المحامي القبطي السوداني نبيل أديب (76 عاماً) حياته «للدفاع عن المُهمشين» من دون اعتبار لمعتقداتهم الدينية أو انتماءاتهم السياسية، مدفوعاً «بقيم الحرية والعدالة التي ورثتها عن والده» الطبيب ذي الأصول المصرية الذي انتقل إلى السودان في القرن الثامن عشر.
وتحوّل مكتب أديب القانوني الواقع بحي العمارات في ولاية الخرطوم، لحاضنة للحقوقيين لسنوات، وملاذاً يلجأون إليه من أجل الدفاع عنهم أمام المحاكم، إلى جانب اضطلاعه بتوثيق انتهاكات حقوقية وتقديم المساعدة القانونية لضحايا سوء المعاملة الحكومية والدفاع عن الأقليات.
ويقول أديب لـ«الشرق الأوسط» إن «كل ما نحتاجه هو أن نُصِر على الانتصار للحق، فالدفاع عن المُظلومين، من داخل بلدي، هو شرف واختيار سياسي وإنساني كُنت واعياً بتبعاته ومرتضياً به حتى النهاية التي شاءت أن أشهد في نهاية حياتي أعظم حدث فيها وهو الثورة».
ورغم «العلاقات الطيبة» بين مسيحيي السودان ومسلميه، بحسب وصف أديب، فإن النظام (الحركة الإسلامية) بقيادة عمر البشير جعل المسيحيين هدفاً لحملات متكررة، تنوعت وسائلها بين هجوم الإعلام الحكومي عليهم، ونعتهم بأوصاف تحريضية، ومصادرة ممتلكات بعضهم بزعم «الدعوة لأفكار دينية منحرفة تخالف الإسلام»، ونقل رسائل إلى كثيرين منهم بطريقة غير مباشرة للهجرة.
ويوضح أديب: «علاقاتنا مع المواطنين أكثر من ممتازة. لم نتعرض لعنف أهلي، أو استهداف من جانبهم على أساس الهوية. كنا مجتمعاً واحداً، يدعمنا الكثيرون منهم في مطالبنا خصوصاً تجاه سياسة البشير في التمييز الطائفي والعرقي».
ولم يُكرس أديب عمله للدفاع عن الأقباط فحسب، بل دافع أمام المحاكم عن كثيرين استهدفهم النظام، بينهم رئيس «حزب الأمة» المعارض الصادق المهدي، ورئيس «حزب المؤتمر» ذي التوجه القومي إبراهيم الشيخ، والمُرشح الحالي من جانب «قوى إعلان الحرية والتغيير» لمنصب رئيس الوزراء مضوي إبراهيم، إضافة إلى صحافيين معارضين كثيرين عاقبهم النظام السابق بالسجن أو الاعتقال، بينهم الصحافية لبنى أحمد حسين التي اعتقلت بسبب ارتدائها بنطالاً.
وينتمي أديب إلى مسيحيي السودان من ذي الأصول المصرية، وهم في أوضاع ميسورة ويعمل أغلبهم في التجارة أو في مهن الطب والهندسة والمحاماة، بينما تزداد هذه الصعوبات عند القطاع الغالب من مسيحيي السودان الآخرين لظروفهم الاقتصادية «شديدة السوء».
وبين هؤلاء رأفت سمير (42 عاماً)، وهو رئيس لمجلس الطائفة الإنجيلية. وتكرر اعتقاله مرات كثيرة، كان آخرها قبل عام ونصف العام، وأبلغته أجهزة الأمن السودانية بعدم رغبتها في بقائه داخل البلد. ويقول رأفت لـ«الشرق الأوسط»: «قالوا لي: مش عاوزين أقباط تاني في البلد، وحاول تخلي الناس تسافر برة».
كان شقيق رأفت من بين هؤلاء الذين غادروا البلاد قسراً قبل خمسة أعوام، بعدما صودرت ممتلكاته. ويقول: «نظام البشير اتبع سياسة اعتقال عشوائي وتهديد بسحب الجنسية ومصادرة الممتلكات». وأشار إلى أن هاتفه كان لا تنقطع عنه «رسائل التهديد»، أو التحريض على الهجرة. ويتذكر مضمون واحدة من تلك الرسائل التي «تلقاها المسيحيون الإنجيليون كافة يوم انفصال الجنوب»، وكان نصها أن «المساحة الجديدة للسودان يسكنها نحو 97 في المائة من المسلمين، لذلك ما عليكم سوى الرحيل إلى الخارج».
ومع ذلك تظل فكرة الهجرة أو ترك البلد «مستحيلة» بالنسبة إلى أديب الذي اعتقل واقتُحم مكتبه أكثر من مرة. ويقول بصوت مشحون بالتأثر: «عمري ما أسيب البلد. هذه بلدي التي ولدت فيها، وسأدفن فيها إلى جانب أبي وجدي. لا يمكنني أن أعيش في غيرها. كان من السهل الحصول على جنسية أجنبية ورفضت، وما زلت مُصراً على عدم القبول بها».
شكلت المظالم الواقعة على عموم السودانيين دافعاً أساسياً لسمير وآلاف غيره للنزول في مسيرات احتجاجية تُطالب بإسقاط نظام البشير، وتقدم الخطوط الأمامية في الانتفاضة الأخيرة سعياً إلى حكم يلتزم بمعايير العدل والمساواة والنزاهة.
ويوضح أن «المشاركة في الثورة كانت وسيلة الأقباط لتحرير أنفسهم من هذا الاضطهاد المتكرر من جانب نظام البشير الحاكم، خصوصاً العنصر النسائي الذي شكل الفئة الغالبة بين المشاركين، كما لعبت بعضهن أدواراً في التحضير له».
الشابة السودانية سمر بولس واحدة من هؤلاء اللاتي انخرطن في الشأن العام السياسي بصفاتهن الوطنية، حين أسست قبل ستة أعوام مع نشطاء سياسيين مسلمين حركة احتجاجية حملت اسم «شباب التغيير» للتوعية بمساوئ النظام المعزول، وفضح محاولات لتزوير الانتخابات الرئاسية لصالح البشير.
وتقول سمر التي انضمت لاحقاً إلى «تجمع المهنيين السودانيين»، إن «الهدف هو توعية الناس بمساوئ نظام البشير، وتحفيزهم للمُشاركة والنقاش في القضايا العامة السياسية». كانت الغاية الأساسية من هذا النشاط هي «الثورة على الفساد والظلم»، وفقاً لسمر التي توضح أنه «لا مشكلة عندنا مع رجل الشارع. كان النظام هو المحرض الرئيسي علينا، وسبب كل تلك السياسات الطائفية».
صمدت سمر كثيراً أمام انفعالات زوجها في ضوء نشاطها السياسي «خوفاً على حياتي وحياة أولادي»، بعدما تلقت تهديدات بالتصفية مرات عدة إذا استمر عملها ضد حُكم البشير. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كانت المجموعة تلتقي في أماكن غير معروفة، ونستخدم هواتف محمولة بدائية بأرقام جديدة للتواصل، منعاً لاختراقها من جانب أجهزة الأمن التي كانت تراقبنا».
وتشدد على أن مشاركة المسيحيين في الانتفاضة الأخيرة «كانت بصفتهم مواطنين يشتركون مع المسلمين في قضاياهم تجاه هذا النظام من غياب العدل وانتشار الفساد والاستبداد السياسي». وتستشهد على ذلك بعدم وجود شعارات تحمل مطلباً خاصاً للأقباط، وكذلك الهتافات التي رددوها في ميادين الاعتصام.
«الهلال مع الصليب... السودان اليوم بيطيب»، هو أحد تلك الهتافات التي صدحت بها حناجر المحتجين في ميادين الاعتصام، حين اصطفت مجموعة من المسيحيين لحماية المسلمين من أشعة الشمس الحارقة وهم يصلون. تقول سمر: «مشينا نقف مع ثورتنا ونغطي على إخوتنا وهم بيصلوا، قاموا اخترعوا لنا هذا الهتاف. والله بكينا».
وأظهرت عشرات المقاطع المصورة من ميدان الاعتصام مسيحيي السودان يرنّمون في الاعتصامات أو يرفعون الصلوات هناك. كما دعا «تجمع المهنيين السودانيين»، قبل أسبوعين، مسيحيي السودان، للمشاركة في إقامة صلاة جماعية في الاعتصام.
ويغيب أي إحصاء رسمي لعدد المسيحيين السودانيين، بينما يُرجح أديب أن يُشكل عددهم في الداخل فقط نسبة 5 في المائة من إجمالي عدد السكان الحاليين.



تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

أثارت تعديلات الدستور الصومالي، بعد اعتمادها رسمياً في الرابع من مارس (آذار)، خلافات سياسية بين الحكومة التي قالت إن ذلك يترتب عليه مد عمل مؤسسات البلاد عاماً ما يعني تأجيل انتخابات 2026، والمعارضة التي ترفض إقرار الدستور على هذا النحو.

ذلك المشهد الذي ترى المعارضة الصومالية أنه يحمل «نذر اضطرابات سياسية وأمنية بالبلاد» المثقلة بهجمات «حركة الشباب» المتشددة، يعتقد خبراء في الشأن الأفريقي أنه يقود لانقسام سياسي عميق بلا أفق حل في المدى القريب.

وحذر ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، الاثنين، من أي «محاولة لتمديد ولاية مؤسسات الحكومة الفيدرالية في ظل التعديلات الأخيرة التي أُدخلت على الدستور الفيدرالي وجعلت مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات».

وقال المجلس المعارض في بيان إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026 فيما تنتهي ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في 15 مايو (أيار) من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

ولفت إلى أن الصومال «سبق أن شهد تداعيات سلبية نتيجة محاولات تمديد الولاية»، مشيراً إلى الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد عام 2021، عندما أدى مقترح لتمديد ولاية المؤسسات إلى مواجهات مسلحة بين فصائل من قوات الأمن في شوارع العاصمة مقديشو.

وأكد المجلس أن تلك التجربة تمثل تحذيراً واضحاً من العودة إلى مسار قد يقود إلى اضطرابات سياسية وأمنية جديدة في البلاد.

وكان رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، قد أعلن عقب إقرار الدستور قبل نحو أسبوع تمديد ولاية المؤسسات الدستورية لمدة عام بموجب الدستور الجديد المعتمد يوم الأربعاء الماضي.

وأوضح أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس، وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع.

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية ومدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، إنه رغم عدم صدور قرار رسمي من الرئاسة، فإن إعلان رئيس البرلمان تمديد فترة الرئاسة والبرلمان على حسب الدستور الذي تم إقراره يُعد تأكيداً رسمياً، معتقداً أن الخلافات الحالية ستثير «انقساماً وتباعداً أكبر بين الحكومة والمعارضة».

ويشير الخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، إلى أن الدستور الجديد يتضمن تعديلات جوهرية في بنية النظام السياسي في البلاد، مثل تعزيز صلاحيات الحكومة الفيدرالية المركزية على حساب بعض الصلاحيات التي كانت تتمتع بها الولايات الفيدرالية، وتقليص أو إلغاء بعض السلطات التي كانت بأيدي حكومات الولايات، إضافة إلى تمديد مدة الولاية الدستورية لكل من رئيس الجمهورية والبرلمان من أربع إلى خمس سنوات.

ونبه إلى أن «هذه التعديلات تمثل تحولاً مهماً في شكل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، كما تعكس توجهاً نحو مركزية أكبر في إدارة الدولة، وهو ما يكشف سبب الخلافات».

وفي حال استمرار هذا الخلاف السياسي من دون التوصل إلى تسوية، فإن ذلك قد ينعكس سلباً على العملية السياسية في البلاد، ومن أبرز السيناريوهات المحتملة أن تجد حكومة الرئيس حسن شيخ محمود مبرراً لتمديد ولايتها، وهو ما تخشاه قوى المعارضة، بحسب كلني، الذي لم يستبعد احتمال انقسام المعارضة نفسها مع مرور الوقت نتيجة طول أمد الأزمة.

وعقب إقرار الدستور، خاطب الرئيس الصومالي السياسيين المعارضين الذين أعربوا عن مخاوفهم من آلية مراجعة الدستور، داعياً إياهم إلى احترام النتائج والحفاظ على الدستور الجديد، مؤكداً أن أي تعديلات مستقبلية ستتم من خلال الإجراءات الدستورية المعتمدة.

وشدد شيخ محمود على حل أي نزاعات سياسية مستقبلية وفقاً للأطر الدستورية، بدلاً من اللجوء إلى اتفاقات سياسية خارج الدستور، مؤكداً أن الدستور هو اتفاق اجتماعي يحدد صلاحيات السياسيين ويضع قواعد إدارة الدولة.

وفي ضوء تمسك الحكومة والمعارضة بموقفيهما، لا يرى إبراهيم، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا»، بوادر أي تحرك دبلوماسي أو مبادرة لحل المشكلة، خاصة أن المعارضة هددت بالاجتماع في غاروى عاصمة بونتلاند في 10 أبريل، وهو موعد انتهاء عمل المؤسسات، للمشاورة واحتمال إجراء انتخابات موازية وتشكيل حكومة موازية.

في حين يرى كلني أن الحل الأكثر واقعية للأزمة يتمثل في التزام الحكومة الحالية بإنهاء ولايتها الدستورية في مايو القادم، والعمل على تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد دون تأجيل، وإرجاء تطبيق الدستور الجديد إلى عهد الحكومة القادمة التي ستنبثق عن الانتخابات.

ومن دون ذلك، فهناك احتمال حدوث اضطرابات أمنية وسياسية إذا تم اللجوء إلى التمديد أو استخدام القوة لقمع المعارضة، وفق تقديرات كلني.


احتجاز مشتبَه به من «حماس» في قبرص مطلوب لألمانيا

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)
عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)
TT

احتجاز مشتبَه به من «حماس» في قبرص مطلوب لألمانيا

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)
عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية-متداولة)

قال ‌ممثلو الادعاء الألمان، الثلاثاء، إن السلطات القبرصية احتجزت عضواً مشتبهاً ​به في حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية «حماس» مطلوباً في ألمانيا بتُهم تتعلق بشراء أسلحة وذخيرة لاستخدامها في هجمات على منشآت إسرائيلية أو يهودية.

وأضافوا، في بيان، أن المشتبه ‌به المولود ‌في لبنان، والذي ​لم ‌يجرِ الكشف عن ​هويته سوى باسم «كامل م.»، تماشياً مع قواعد الخصوصية الألمانية، جرى احتجازه في مطار لارنكا بقبرص، في السادس من مارس (آذار)، عند وصوله من لبنان.

وذكر ممثلو الادعاء أن ‌المشتبه به ‌مطلوب في قضية ​نقل 300 ‌طلقة ذخيرة حية. ولم يوضح البيان مصدرها أو وجهتها المحتملة. وأشاروا إلى أن«العملية كانت بمثابة استعداد (حماس) لتنفيذ هجمات قاتلة تستهدف مؤسسات ‌إسرائيلية أو يهودية في ألمانيا وأوروبا».

وفتشت الشرطة شقة المشتبه به في برلين. وأفاد البيان بأنه بمجرد تسليم «كامل م.» إلى ألمانيا، سيتولى القاضي تحديد ما إذا كان سيُحتجز على ذمة المحاكمة.


إجراءات يمنية لتنظيم تجارة الذهب ومكافحة غسل الأموال

يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)
يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)
TT

إجراءات يمنية لتنظيم تجارة الذهب ومكافحة غسل الأموال

يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)
يمني يحصل على معونة غذائية بمحافظة الحديدة حيث يعيش ملايين السكان تحت خط الفقر (أ.ف.ب)

وضعت السلطات اليمنية مجموعة من القواعد التنظيمية الجديدة لضبط تجارة الذهب والمجوهرات في البلاد، في إطار مساعٍ حكومية لتعزيز جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالتوازي مع خطوات مُوازية لمكافحة التهرب الضريبي والجمركي وتشديد الرقابة على المنافذ التجارية.

تأتي هذه الإجراءات ضِمن خطة أوسع لتقوية مؤسسات الدولة المالية والرقابية، وتحسين كفاءة إدارة الإيرادات العامة، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد منذ سنوات نتيجة الحرب والانقسام المالي والإداري.

ووفق مصادر حكومية، استكملت وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في البنك المركزي اليمني، بالتعاون مع الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، إعداد القواعد الرقابية النهائية الخاصة بتنظيم تجارة الذهب والأحجار الكريمة، وذلك بعد مراجعة فنية شاملة للمسوَّدة الأولية وإجراء نقاشات موسّعة مع الجهات المعنية.

وشهد اجتماع مشترك بين المسؤولين في المؤسستين الحكوميتين استعراض نتائج مراجعة الهيئة لمسوَّدة الضوابط التنظيمية الخاصة بتجارة الذهب والمجوهرات، حيث جرى إقرارها بصيغتها النهائية بعد إدخال تعديلات فنية تهدف إلى تعزيز الشفافية وتطوير آليات الرقابة على هذا القطاع الحيوي.

قيود يمنية جديدة على تراخيص محالّ بيع الذهب أو تجديدها (إعلام محلي)

وتتضمن القواعد الجديدة، وفق المصادر، إلزام تجار الذهب والمجوهرات بتعيين «مسؤول امتثال» ونائب له داخل كل منشأة تجارية، بوصف ذلك شرطاً أساسياً للحصول على ترخيص مزاولة النشاط أو تجديده. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان التزام التجار بالمعايير الرقابية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كما تشمل الضوابط اعتماد أنظمة إلكترونية لتوثيق جميع المعاملات التجارية المرتبطة ببيع وشراء الذهب والأحجار الكريمة، بما يسمح بتتبُّع العمليات المالية بشكل أكثر دقة ويعزّز قدرة الجهات الرقابية على مراجعة البيانات والتحقق من سلامة الإجراءات.

وتنص القواعد أيضاً على إنشاء وحدة اتصال فنية داخل الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة، تكون مهمتها تسهيل تبادل المعلومات والبلاغات مع وحدة جمع المعلومات المالية التابعة للبنك المركزي، بما يسهم في تحسين التنسيق بين الجهات المعنية وتعزيز فاعلية الرقابة.

ويرى مسؤولون حكوميون أن هذه الخطوات ستساعد في تنظيم سوق الذهب والمجوهرات، التي تُعد من القطاعات التجارية الحساسة؛ نظراً لإمكانية استخدامها في عمليات غسل الأموال بسبب سهولة تحويل الذهب إلى أصول مالية قابلة للنقل والتداول.

آليات تفتيش وعقوبات

تُعزز الضوابط اليمنية الجديدة الدور الرقابي للهيئة العامة للمواصفات والمقاييس، حيث خوّلتها ممارسة صلاحيات التحقق الميداني من التزام التجار بالقواعد التنظيمية، وإجراء عمليات تفتيش دورية على محالّ بيع الذهب والمجوهرات.

كما تتضمن الإجراءات وضع آليات واضحة لاتخاذ تدابير إدارية وقانونية بحق المخالفين، قد تشمل تعليق أو سحب التراخيص التجارية، إضافة إلى إحالة القضايا التي تنطوي على شُبهات جنائية إلى الجهات القضائية المختصة.

وأقرّ المسؤولون استكمال الإجراءات القانونية للمصادقة النهائية على هذه القواعد، إلى جانب تطوير آليات الرقابة على عمليات الاستيراد والتصدير المرتبطة بتجارة الذهب والأحجار الكريمة، مع تنفيذ برامج تدريب وتأهيل للكوادر الفنية في هيئة المواصفات ووحدة مكافحة غسل الأموال؛ لضمان التطبيق الفعلي لهذه الإجراءات في السوق المحلية.

التزام يمني بمكافحة التهرب الجمركي والضريبي وتشديد الرقابة على المنافذ (إعلام حكومي)

وترى الحكومة أن هذه الخطوة ستسهم في تعزيز قدرة مؤسسات الدولة على تنظيم القطاع التجاري وحماية حقوق التجار والمستهلكين، فضلاً عن الحد من الممارسات غير المشروعة التي قد تؤثر سلباً على الاستقرار الاقتصادي.

حملة مكثفة

بالتوازي مع تنظيم قطاع الذهب، كثّفت الحكومة اليمنية جهودها لمكافحة التهريب والتهرب الجمركي والضريبي، حيث ترأس رئيس الحكومة شائع الزنداني اجتماعاً للجنة العليا لمكافحة التهريب خُصص لمراجعة الإجراءات المتخَذة لتعزيز الرقابة على المنافذ البرية والبحرية.

وتناول الاجتماع، وفق الإعلام الحكومي، تنفيذ خطة للتدوير الوظيفي للقيادات والموظفين العاملين بالمنافذ الجمركية، في خطوةٍ تهدف إلى الحد من مظاهر الفساد وتعزيز النزاهة في إدارة هذه المواقع الحيوية.

انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران تسبَّب في تدمير الاقتصاد اليمني (رويترز)

كما ناقش المسؤولون الإجراءات الرامية إلى تصحيح أوضاع المنافذ التجارية، وتعزيز سُلطة الدولة فيها، إضافة إلى رفع مستوى التنسيق بين الجهات الأمنية والجمركية والرقابية؛ لضمان تنفيذ القوانين والأنظمة بصورة فعالة.

وأكد رئيس الحكومة ضرورة تفعيل التشريعات المتعلقة بمكافحة التهريب وتطبيقها بصرامة، مشدداً على أهمية مضاعفة الجهود لمواجهة ما وصفه بـ«الآفة» التي تلحق أضراراً كبيرة بالاقتصاد الوطني والأمن القومي وصحة المواطنين والبيئة.

وتندرج هذه الخطوات ضمن أولويات البرنامج الحكومي الذي يهدف إلى تحسين إيرادات الدولة ومنع الجبايات غير القانونية، وإنهاء الازدواجية التي كانت قائمة في تحصيل الرسوم والضرائب، خلال السنوات الماضية.

البنك المركزي اليمني يواصل تعزيز قبضته على مكافحة غسيل الأموال (إعلام حكومي)

ويقول مسؤولون حكوميون إن جزءاً كبيراً من الإيرادات العامة كان يتجه، خلال السنوات الماضية، إلى جهات غير قانونية نتيجة الانقسام الإداري وتعدد نقاط الجباية، وهو ما أسهم في انتشار الرسوم غير الرسمية على البضائع خلال تنقلها بين المحافظات.

وتعهدت الحكومة بتطبيق الإجراءات القانونية بصرامة لمنع هذه الممارسات، إلى جانب تعزيز جهود مكافحة الفساد في مختلف المؤسسات، في خطوة تهدف إلى استعادة ثقة المستثمرين والتجار وتحسين بيئة الأعمال بالبلاد.