الغذامي: المثقف أصبح قيمة ظرفية ولم يعد ذا قيمة فاعلة

يرى أن عنوان التحولات في المنطقة العربية هو سقوط النخبة وبروز الشعب

د. عبد الله الغذامي
د. عبد الله الغذامي
TT

الغذامي: المثقف أصبح قيمة ظرفية ولم يعد ذا قيمة فاعلة

د. عبد الله الغذامي
د. عبد الله الغذامي

الفلاسفة العرب المسلمون - كابن خلدون مثلا - حين نظروا إلى الفروقات بين الشعوب وجدوا أنّها خصائص ناتجة من ظروف معيشية وبيئية وليست جوهرا إنسانيا.. هذا ما يذهب إليه المفكر السعودي الدكتور عبد الله الغذامي في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، في الرياض.
ولكن الغذامي اتخذ من ذلك منطلقا لتفسير محاولة بعض المثقفين الانخراط في التحليلات السياسية للأوضاع التي تعيشها المنطقة حاليا وأفرزت معها واقعا جعلت المثقف يعيش حالة من التردد والتحوّل. ولهذا السبب لا يعترف الغذامي بمساهمة المثقف في صناعة التحول الذي انتظم المنطقة العربية، وإننا «إذا أردنا أن نتحدث عن هذا التحول لا بد لنا أن نستبعد المثقف من الصورة، لأنه لا يمثل عاملا أساسيا أو عنصرا فعالا بها، وأي إقحام لمصطلح المثقف هنا، سيكون خارج إطار قراءة الحدث، لأن العنوان الأصلي هو سقوط النخبة وبروز الشعب».
هنا نص الحوار مع الغذامي:

* لوحظ في الآونة الأخيرة أن السياسة غلبت على الثقافة والإنتاج الثقافي وتحوّل عدد من المثقفين إلى محللين سياسيين.. برأيك إلى أي حد يمكن أن نصف مثل هذا المسار العام.. هل هو نتاج ثقافة التغيير أم تغيير الثقافة؟
- عبارة ثقافة متغيرة هي الأقرب إلى مفهوم هذا الوضع وهي النقطة الأساسية وليست نتيجة لما سبق ولكن ما سبق أشعلها وأنضجها لأن هناك ظروفا مرت على العالم العربي منذ عقود، وأنضجت لحظة من لحظات الغربة في التغيير، فالذي حدث ليس سياسة كما أنه ليس تاريخا مجردا وإنما هو تحوّل في علاقة الإنسان مع محيطه، إذ كان الإنسان في السابق يميل إلى الاستجابة لمحيطه ويسعى قدر الإمكان للتأقلم معه، غير أن هذه الظروف يبدو أنها بلغت درجة من الحرارة، بحيث أنتجت هذه الرغبة العارمة للتغيير، مع إقراري بأن ذلك له ثمنه، ولكن هذه حقيقة المسألة. إنها لحظة من لحظات التغيير النوعي في علاقة الإنسان مع ظروفه.
* أنت تتحدث عن الإنسان بشكل عام ولكن لو تحدثنا عن المثقف تحديدا.. إلى أي حد كان متجاوبا مع هذا التحوّل، وهل هو صانع أم مستجيب أم متلق، وأين يقف الآن في ظل ما يحدّث من تحول في المنطقة العربية؟
- (مقاطعا) لا.. إذا أردنا أن نتحدث عن هذا التحول لا بد لنا أن نستبعد المثقف من الصورة، لأنه لا يمثل عاملا أساسيا أو عنصرا فعالا بها، وأي إقحام لمصطلح المثقف هنا، سيكون خارج إطار قراءة الحدث، لأن العنوان الأصلي هو سقوط النخبة وبروز الشعب، ولذلك استعادة المثقف مرة أخرى ولو على المستوى الافتراضي والذهني سيضلل التحليل والنظرة، وبالتالي لن نصل إلى شيء، لأن التغير الذي صار حاليا هو تغير مضاد للظروف كلها ومن بينها المثقف بوصفه ظرفا، حيث إنه صار الآن قيمة ظرفية ولم يعد ذا قيمة فاعلة.
* هناك سجال حول إسهام العرب والمسلمين في بناء حضارة العالم من ناحية تقدمية وأمنية ومستقبلية.. كيف تقرأ مثل هذا السجال وهل هذا مفيد لشباب وسائط التواصل اليوم؟
- الإنسان العربي لكي يدخل في هذه الحضارة ويكون فاعلا بها، ومنفعلا معها أو يكون خارجها، هذه كلها تعود إلى شيء واحد فقط، وهو أن تعمل ولذلك مجرد أن يعمل الإنسان فهو يبني حضارة، وفكرة أن يعمل الإنسان العربي إحدى أهم إفرازات مفهوم الربيع العربي، إذ هذا المصطلح جرى تداوله عالميا، وأصبح منتجا رمزيا وذهنيا عربيا، وهذا المنتج مثله مثل أي منتج، إذ لا تنتج السيارة مثلا وتنساها بل تظل تتابعها في كل المراحل منذ تسويقها وتوفير قطع غيارها والضمان عليها إلى ما إلى ذلك، بمعنى أن مصطلح الربيع العربي الذي تحوّل إلى منتج معقد، لا بد من أن نتابعه بصيانته ومعالجته وإعطائه حقوقه بتسويقه على أنفسنا وعلى التاريخ، لأنه يمثل لحظة تحد بما أنه إنتاج. ولذلك إذا أتقنا هذه الصناعة التي تدعى الربيع العربي، فمعنى ذلك أننا دخلنا الحضارة. وإذا فرطنا به وأهدرناه فسنكون مجرد حدث في التاريخ وانتهى الأمر. ولذلك، وفي إجابة سابقة قلت لك، إنه ليس مجرد حدث تاريخي، لأنه لو صار مجرد حدث تاريخي فسيبقى مجرد فصل من فصول كتاب ويوميات التاريخ، وينتهي هنا أمره. أما إذ حولناه وهذا هو حقه علينا فسيصير معنى يمثل الإنسان العربي في هذه المرحلة وهذا ممكن جدا، ذلك أن الذي صنع الربيع العربي بمقدوره العمل على حفظه وصيانته وتحقيقه عمليا وإنجازيا، وكان بالإمكان أن يكون أمام كل الدول التي أنتج فيها ربيع عربي، أمل بأن يكون مستقبلها ربيعا عربيا وليس فقط في العامين الماضيين فقط. أنت كعربي تنتظر هذا المستقبل الذي يكون يانعا ربيعيا غير أن له في حقيقة الأمر ثمنا لأنه ما من أمر مهم في حياة الإنسان يأتي على طبق من ذهب، إذ أن حتى الورد يحمي نفسه بالأشواك على حدتها ومرارة لسعها وحتى الماء لا بد من تصفيته من الكدر لكي نشربه وملابسنا نغسلها من الدرن لنلبسها وهكذا دواليك، فالأفكار والمصطلحات لا بد لنا أن نعاملها كما نعامل كل تلك الحاجيات الضرورية اليومية، بحيث نعتني بها ونجليها لكي تكون صالحة للاستخدام.
* بين متطلبات التغيير الفكري وصناعة المستقبل تبرز الحاجة لإرساء ثقافة تغيير.. ما أهمية العمل على ذلك؟
- أعتقد أن أول المتطلبات يبدأ من صناعة العمل كأن تصنع شيئا مثل الربيع العربي، ولا بد أن تعطيه حقه ليظل ربيعا، وهذه منظومة كبيرة من الشروط الذهنية والعملية والسياسية وشروط التجربة وشروط الوقوع في الأخطاء ثم تصحيح الأخطاء، إذ التجربة العملية لم تنجح في تاريخ العلوم كلها، إلا باستثمارها لأخطائها وعبر تصحيح هذه الأخطاء، فهي منظومة من الأخطاء تنتهي أخيرا إلى استبعاد هذه الأخطاء والوصول إلى صواب، ولذلك لا بد لنا أن نمر عبر منظومة من الأخطاء مع أهمية ألاّ نتركها تكسر ظهورنا وأحلامنا، في ظل ملاحظة أن الناس عندما تشن مظاهرة أو أن شرطيا يقتل متظاهرا في بنغازي مثلا، لا ينبغي التسليم بأن الربيع العربي انتهى لأن هذا هو ثمن التغيير والتغيير الكبير مقابله ثمن كبير، إذ لا بد أن يكون لنا من الحيز ما يجعل الوسط الثقافي والحضاري صبورا وحكيما حتى نصنع من هذا الحدث قيمة، وإلا سينتكس إلى مجرد مناسبة كالتصفيق وهدف يحاول يسجله ناد رياضي من الأندية. علينا أن ننتظر النتيجة النهائية وهي سجال يحتمل الربح والخسارة ولكن من المهم أن نصيب الهدف الذي نرمي إليه.
* في القرن التاسع عشر قد برزت كتابات لمثقفين غربيين منها مقولة الشاعر البريطاني رديارد كيبلنغ الشهيرة «الشرق شرق والغرب غرب».. برأيك هل هذه المقولة تصنيفية وإلى أي تغلّب ثقافة الصراع على ثقافة الحوار؟
- لا أعتقد أن أحدا سيأخذ مقولة الشاعر البريطاني رديارد كيبلنغ الشهيرة «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا» مأخذ الجد الآن لأنها عديمة المعنى، إذ أن المعنى الصحيح أن الإنسان في صراع مستمر، فإن لم يصارع عدوه سيصارع نفسه. المسألة ليست أن الغرب يصارع الشرق، إذ أن الشرق يتصارع مع الشرق نفسه، وكذلك الغرب يتصارع مع الغرب، والمنتج الصناعي يتصارع مع المنتج الصناعي. من البداية أشار برتراند راسل إلى ثلاث خصائص تشبه الخلاصة للحضارات، الخاصية الأولى التنافسية والخاصية الثانية طلب المجد، والخاصية الثالثة طلب الشهرة، فالإنسان يبدو غريزيا أنه مدفوع بالعناصر الثلاثة، فهو كائن تنافسي بالضرورة، وهو راغب في المجد حتى على المستوى الشخصي، كما أن عنصر الشهرة، يعطي مفعولا كبيرا لدى الإنسان، لأنه يريد عندما يعمل عملا ما أن يعرف الناس ذلك مثله مثل الرياضي الذي يريد أن يصفق له المشجعون، تماما كما هو مفهوم الجوائز والأوسمة وشبيهاتهما، ولذلك لا نقول: «شمال شرق غرب جنوب» فهذه سهلة جدا، لأن كلا منّا يستطيع أن يذهب في الاتجاه المتقدم ويترك المتخلف وهي معادلة غير صحيحة، أما المعادلة الصحيحة فهي أن الإنسان كفرد هو كائن تنافسي وبالتالي تناحري في الوقت نفسه، فإما أن تحكمه عبارة «أنا أفضل منك أو أنت أفضل مني» أو يتبع أسلوب هابيل وقابيل وأحدهما يقتل الثاني، فيمتد من نقطة بسيطة إلى نقطة قصوى. التاريخ كله كذلك في شتى أنحاء العالم، ولذلك المسألة ليست أن هناك فرقا بين هذا وذاك والفرق ليس عرقيا وليس عقليا وليس بالجينات، إذ أن الفرق بالعمل. وخير مثال على ذلك نمور آسيا وكلهم شرق ومع ذلك صاروا نمورا كما هو الحال في شرق الشرق (الصين واليابان)، والسؤال هل هي تنافس أميركا وأوروبا؟ نحن نعرف أن المنافسة الكبيرة بين كوريا الجنوبية وأميركا في بعض المنتجات وصلت إلى المحاكم والحروب القانونية وحاليا المنافسة الاقتصادية بين الصين وأميركا، فالقضية هي أن تعمل وإن عملت فستجد لك موقعا، ولذلك فالربيع العربي هو منتج إذا لم نعطه حقه سيضيع هذا المنتج وإن خدمناه سيكون منتجا عربيا فعليا ويضعنا في مراكز متقدمة في الثقافة الإنسانية.
*.. ولكن كيف نخدمه؟
- نعطيه حقه ونشتغل حتى يصير ربيعا فعلا، كأن ندخل العملية الانتخابية ونعزز الديمقراطية، وندخل بسياسة اقتصاد فاعلة إذ الشعب العربي ثار ضد الظلم.. فكيف يرفع الظلم عنه؟ هذا لا يكون إلا بسياسات واقتصاديات معرفية ناجحة. هذا ما يعنى به الربيع العربي، فإن لم تتحقق عبره هذه الخطى سيكون مجرد حدث تاريخي وانتهى الأمر.
* يعتقد البعض أن الفكرة الأحادية أدت إلى انشطار إنساني حضاري يواجه الثقافات والحضارات فإما مسار صراع وإما مسار حوار.. كيف تفسر ذلك؟
- لا يوجد حوار في الكون بل هناك صراع، ولذلك دعنا نعود إلى العنوان الأساسي. إن هناك تنافسية، وداخل التنافسية هناك مائة مصطلح، منه ما يمكن حوله أن تحاور أو تصالح أو تهادن أو تناحر أو تقاتل وغيرها. ففي الحقيقة، لا أصل لمقولة الأخلاق الرياضية، بمعنى قبول الهزيمة، إذ أنه لا يوجد رياضي يقبل الهزيمة، ولكن يمكن أن يكون هناك أمل وتصوّر مثاليان، وإنما أن تجد إنسانا يقبل هزيمة، ولو وجد ذلك لكان أمرا عظيما غير أن ذلك من النوادر، وليس هو الذي يفسر حركة الشعوب، حيث إن هناك أفرادا يتسامون سموا عاليا وكبيرا جدا ولكن هؤلاء قلة في كل التاريخ سواء في الشرق أو الغرب. فإذا ذهبت إلى أثينا وأردت أن تتذكر من كان من سكانها فإنك لن تتذكر إلا أرسطو وأفلاطون فيما ذهب الباقون إلى مثواهم. عموما هناك نوادر ولكن ليست النمط لكل شيء. ومع إيماننا بالحوار إلا أن الواقع يقول بخلاف ذلك، فالناس يتحاورون طالما كانوا في حالة اطمئنان اقتصاديا ومعيشيا ونفسيا، ولكن أي خلل ما بين منظومة ومنظومة يحوّل الحوار إلى الصراع.
* الفلاسفة العرب المسلمون- كابن خلدون مثلا- حين نظروا إلى الفروقات بين الشعوب وجدوا أنّها خصائص ناتجة من ظروف معيشية وبيئية وليست جوهرا إنسانيا..
- (مقاطعا).. هذه حقيقة وكان ذلك واضحا بعد دخول العرب الأندلس والغرب وأميركا عموما، حيث كان هناك اعتقاد لدى البعض منهم بأنهم يمكنهم تغليب الثقافة العربية على غيرها من الثقافات، غير أن الطفرة التي مرت بها أوروبا وأميركا غلبت ثقافات أخرى، وعملت جديا على ذلك، إذ غلبت عليها الثقافة اليهودية والثقافة المسيحية، أي المتكئة على الدين.. وأعتقد أن ذلك كان نتاجا طبيعيا لإفرازات الظروف التي عاشتها الشعوب آنذاك وهي بالفعل ظروف بيئية ومعيشية وليست جوهرا إنسانيا كما ذكرت.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».