أعلن الزعيم الفنزويلي المعارض ليوبولدو لوبيز من مقرّ السفارة الإسبانية التي لجأ إليها فجر الأربعاء الماضي في كراكاس أنه «ستحصل عمليّات انشقاق وتمرّد في صفوف القوّات المسلّحة خلال الأيام القليلة المقبلة»، ودعا كل العسكريين والمدنيين إلى «المشاركة، كل من موقع مسؤوليته، لإنهاء اغتصاب السلطة الذي تعيشه فنزويلا». وكان لوبيز قد قرّر الانتقال من سفارة تشيلي التي لجأ إليها بعد أن أطلقت سراحه المجموعة العسكرية التي كانت تراقبه خلال وجوده تحت الإقامة الجبرية في منزله مند عامين، إلى منزل السفير الإسباني، لكنه لم يطلب اللجوء كما أكّد مصدر مسؤول في مدريد. وجاءت تصريحات لوبيز بعد ساعات قليلة من صدور أمر عن جهاز المخابرات باعتقاله وإعادته إلى السجن، وبعد أن أعلنت مدريد أنها لن تسلّمه إلى السلطات الفنزويلية وحذّرتها من انتهاك حرمة السفارة وحصانتها. وكان السفير الإسباني قد اجتمع بوزير الخارجية الفنزويلي خورخي آرّيازا وأعرب عن أمله بألا تتأثر العلاقات الثنائية بين البلدين جرّاء التطورات الأخيرة. وفي معلومات خاصّة «بالشرق الأوسط» فإن لجوء لوبيز، الذي يحمل الجنسية الإسبانية، إلى مقرّ السفارة الإسبانية في كراكاس شكّل مفاجأة لحكومة مدريد التي لم تكن على علم سابق بذلك، ولا تستبعد بعض الأوساط أن يكون والده، الذي يقيم حاليّاً في مدريد، وهو مرشّح على لائحة الحزب الشعبي اليميني للانتخابات الأوروبية، وراء هذه الخطوة لإحراج الحكومة الإسبانية ودفعها لاتخاذ موقف أكثر تشدّداً من نظام مادورو.
لكن تصريحات لوبيز، الذي كان العرّاب السياسي للرئيس المكلّف خوان غوايدو، لم تبدّد الغموض الذي يكتنف الوضع في فنزويلا منذ إطلاق سراحه ليل الثلاثاء الماضي والإعلان عن انشقاقات واسعة في القيادات العسكرية لم تحصل، وما تبع ذلك من مواجهات بين المتظاهرين والقوات الخاصة التابعة للشرطة. وقال لوبيز: «طوال ثلاثة أسابيع عقدت اجتماعات في منزلي، حيث كنت خاضعاً للإقامة الجبرية، مع قيادات عسكرية وممثلين عن القوات المسلحة وأجهزة الأمن والشرطة، وتعهدنا جميعاً بالمساهمة لإنهاء اغتصاب السلطة، وبوسعي الآن التأكيد أن هذه العملية التي بدأت لا عودة إلى الوراء فيها».
لكن الوضع الذي آلت إليه التطورات الأخيرة حتى الآن يكشف عن خطأ في حسابات المعارضة، وربما عن إفراط في الثقة والتفاؤل إزاء رد فعل القوات المسلّحة التي كانت واشنطن، بلسان وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، قد أعلنت أنها تتوقع انشقاقها سريعاً. وقال لوبيز: «ما حصل يوم الثلاثاء جزء من عملية، وبداية لشرخ سوف يتسّع في صفوف القوات المسلّحة حتى الانشقاق التام وإسقاط النظام»، وكشف أنه منذ خمس سنوات يجري «محادثات مع مسؤولين في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وأن كثيرين كانوا على علم بما حصل ليلة الثلاثاء الماضي... وأن ما حصل هو خطوة أولى للوصول إلى الهدف الأخير». وقال: «مادورو محاط، في حلقته الضيّقة، بأشخاص يريدون رحيله، وهو لم يعد يثق حتى بمن يقدّم له القهوة، وهو مضطر للمناورة والادعاء بأنه يسيطر على الوضع». وقال إنه ليس هناك ما يمنع اللجوء إلى الأدوات الدستورية والإجراءات القانونية لمحاولة الحصول على الحريّة؛ «لأن الحريّة في فنزويلا اليوم تقاس بأعداد القتلى والأطفال الذين يقعون كل يوم بسبب نقص التغذية، والمرضى في المستشفيات ضحايا القمع والإرهاب». ورغم عدم استبعاده طلب التدخّل العسكري الخارجي، شدّد على «أن العملية يجب أن تكون سلميّة، من غير اللجوء إلى العنف، وبقوة الشعب ودعم القوات المسلّحة».
وأكد لوبيز أن التطورات الأخيرة أظهرت «أن الشعب قد نزع عنه الخوف من النظام وأجهزته القمعية»، لكنه اعترف بأنه «لم يحصل كل ما كان متوقّعاً»، وقال: «هذا يجب ألا يثبط عزيمتنا، والأمل هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن نفقده في هذه المرحلة»، مؤكداً أن المسيرة مستمرّة «وأن المجتمع الدولي لن يتخلّى عنّا ويتركنا وحدنا».
ومن المتوقّع أن يكون إطلاق سراح لوبيز، رغم لجوئه إلى مقر السفارة الإسبانية، ممهّداً لعودته إلى الموقع الأوّل لقيادة المعارضة التي يتزّعمها خوان غوايدو منذ مطلع هذا العام بعد انتخابه رئيساً لمجلس النوّاب، ثم إعلانه تولّي رئاسة الجمهورية بالوكالة.
ومن بيروت، حيث يقوم بزيارة رسمية ضمن جولة إلى منطقة الشرق الأوسط، قال وزير الخارجية الإسباني جوزيب بورّيل إن مدريد سوف تفرض قيوداً على النشاط السياسي للقيادي الفنزويلي المعارض، مؤكداً أن «الحكومة الإسبانية لن تسمح بأن تتحوّل سفارتها إلى مركز للنشاط السياسي».
وأفادت مصادر الأمم المتحدة بأن خمسة أشخاص، على الأقل، قد قتلوا حتى الآن في الاشتباكات الأخيرة بين المتظاهرين وأجهزة الأمن والحرس الوطني، لكن مصادر المعارضة الفنزويلية تؤكد أن عدد القتلى أكثر بكثير وأن عمليات الدهم والقمع مستمرّة على أيدي الميليشيات الشعبية المسلّحة.
ودعا غوايدو مؤيديه إلى التظاهر، اليوم السبت، «بسلام» أمام القواعد العسكرية في البلاد لمطالبة الجيش بوقف دعمه لمادورو. وكتب غوايدو في تغريدة ليل الخميس - الجمعة «السبت الرابع: تعبئة وطنية للسلام باتجاه الوحدات العسكرية الكبرى لتنضم إلى دستورنا».
من جهته، أكد الرئيس الاشتراكي وبجانبه وزير الدفاع الجنرال فلاديمير بادرينو «نعم، نحن في خضمّ المعركة، والمعنويّات يجب أن تكون في أعلى مستوياتها لتجريد جميع الخونة من أسلحتهم، جميع الانقلابيين». وأضاف مخاطبا نحو 4500 عسكري تجمعوا في فورت تيونا أكبر ثكنة في البلاد: «ولاء دائم ولا خيانة البتّة». وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت أن وزير الخارجية مايك بومبيو اتهم موسكو في اتصال هاتفي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف الأربعاء «بزعزعة الاستقرار» في فنزويلا، ودعا روسيا مجددا إلى التوقف عن دعم مادورو. لكن وزارة الخارجية الروسية قالت في بيان إن لافروف أبلغ في هذا الاتصال الهاتفي نظيره الأميركي أن «تدخل واشنطن في الشؤون الفنزويلية يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي»، وأن «هذا التأثير المدمر لا علاقة له بتاتا بالديمقراطية».
وأعلن مسؤول أميركي الخميس أن بومبيو ولافروف سيناقشان الخلافات بين بلديهما بشأن الأزمة الفنزويلية عندما يلتقيان الأسبوع المقبل على هامش اجتماع مجلس بلدان القطب الشمالي الذي يبدأ الاثنين في مدينة روفانيمي بشمال فنلندا.
لجوء المعارض لوبيز للسفارة الإسبانية أحرج حكومة مدريد أمام كراكاس
غوايدو يدعو إلى التظاهر «بسلام» أمام ثكنات الجيش في فنزويلا
لوبيز يتحدث للصحافة من مسكن السفير الإسباني في كراكاس بعد أن لجأ إلى السفارة لكنه لم يطلب اللجوء السياسي (أ.ف.ب)
لجوء المعارض لوبيز للسفارة الإسبانية أحرج حكومة مدريد أمام كراكاس
لوبيز يتحدث للصحافة من مسكن السفير الإسباني في كراكاس بعد أن لجأ إلى السفارة لكنه لم يطلب اللجوء السياسي (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

