كتابات تعمدت بالدم والنار

روايات وقصص عن الحرب العالمية الأولى لـ47 كاتبا من جنسيات مختلفة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

كتابات تعمدت بالدم والنار

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يحيي الغرب هذه الأيام الذكرى المئوية الأولى لنشوب الحرب العظمى (1914 - 1918). وفي هذه المناسبة صدر هذا العام عن دار نشر تسمى «ذيل الثعبان» بلندن مجلد في أكثر من 500 صفحة عنوانه: «الأرض الحرام: كتابات من عالم الحرب» (No Man’s Land: Writings from a World at War) حرره بيت آيرتون (Pete Ayrton) يقدم نماذج مما كتبه 47 كاتبا عن هذه الخبرة التي شكلت جزءا مهما من تاريخ القرن الـ20.
حرص الكتاب على أن يقدم أعمالا تمثل كل المشاركين في الحرب ما بين بريطانيين وفرنسيين وألمان وهنود وإيطاليين وروس وأميركيين ونمساويين وأستراليين ونيوزيلنديين وكنديين ويونانيين وتشيك وكروات ومجريين وأرمن وكتالونيين وأتراك وبولنديين. تنوع كبير يشير من ناحية إلى الأبعاد الكونية لهذه الحرب غير المسبوقة. ويتيح لنا من ناحية أخرى، أن نرى الصراع من عدة زوايا. فهنا نرى الحليف والعدو، الرجل والمرأة، الحدث والناضج، وقد التحموا جميعا في عناق مهلك، وتعمدوا بالدم والنار.
يقدم الكتاب مقتطفات من أعمال غدت الآن من الكلاسيكيات ودخلت التراث الأدبي الحديث: مثل رواية «القنغر» للروائي الإنجليزي د.. لورانس، و«رحلة إلى نهاية الليل» للروائي الفرنسي لوي فردينان سيلين، و«كل شيء هادئ في الميدان الغربي» للروائي الألماني إريك ماريا ريمارك. ويقدم أيضا أعمالا لا يعرفها إلا قلائل مثل كتابات عمر سيف الدين (من تركيا) وجوزيف بلا القطالوني الإسباني. وفيما بين هؤلاء وأولئك نلتقي بأسماء لا يمكن إغفالها في مثل هذا السياق، بل في أي سياق: مثل ويليام فولكنر وويلا كاثر من أميركا، وهنري باربوس وجول رومان وجان جيونو من فرنسا، وجون غولز ورذي وريتشارد أولدنجتون من بريطانيا، وإرنست يونجر من ألمانيا، وياروسلاف هاشيك من تشيكوسلوفاكيا وإسحاق بابل من روسيا.
مسرح هذه الكتابات هو الميدان الغربي، والبلقان، والجبهة الإيطالية، وغماليبولي في تركيا، والمعارك البحرية. إنه يسجل ذكريات رجال شاركوا في القتال، ورجال ونساء بقوا وراء الخطوط يشاركون بطرق أخرى في المجهود الحربي، وجنود عادوا إلى الوطن بعد انتهاء الحرب، ولكنهم لم يتمكنوا قط من أن ينسوا ما مروا به من تجارب.
ما الدوافع التي كانت تحرك هؤلاء جميعا؟ الفرنسيين والبريطانيين والألمان، فقد كانت دوافعهم واضحة وبسيطة، فهم يدينون بالولاء لأوطانهم، ويحاربون من أجلها. وأما المحاربون من سائر البلدان فكانت دوافعهم أقل وضوحا، على الأقل لأنهم من بلاد حديثة العهد بالقومية أو بتكوين إمبراطورية خارج الحدود. إن إيطاليا مثلا لم تغد أمة موحدة إلا في 1861، ولم يكن الشعور بالقومية الإيطالية قد تبلور بعد، وكان بعض المحاربين الإيطاليين من أنصار النظام الملكي، بينما البعض الآخر من أنصار النظام الجمهوري. وكثير من الأفارقة والهنود الذين جندوا في القتال لم يكونوا يشعرون بأي التزام وطني نحو الجيوش البريطانية أو الفرنسية التي تستخدمهم، فلا هذه الحرب حربهم، ولا هؤلاء الأوروبيون قومهم. وكان البعض مرتزقة يتطلع إلى الراتب الذي ستعود عليه به الحرب (وهو ما نجده مثلا في رواية الأديب الهندي مولك راج آنند «عبر المياه السوداء»)، وهناك من يطمحون أن تحفظ أوروبا لهم الجميل فتمنح بلادهم الاستقلال بعد نهاية الحرب.
ويوضح الكتاب أن صدمة الحرب جعلت البعض غير قادر على التكيف مع الحياة المدنية عند عودته. في رواية الكاتبة الويلزية هيلين زينا سميث «ليس بهذا الهدوء: ربيبات الحرب» (1930) تقول البطلة التي كانت سائقة عربة إسعاف أثناء الحرب:
«البيت، البيت.. لست آبه.
لست آبه. إني راكدة. عجوز. إني في الواحدة والعشرين، ولكني قديمة قدم التلال. جف مني الوجدان. لقد جففت الحرب كل مشاعري. ضاع مني شيء لن يعود قط. لست أريد أن أعود إلى البيت».
وهناك من رأوا في الحرب دليلا على أن النظام الاجتماعي بحاجة إلى تغيير، وأنه لا بد أن ينشأ نظام دولي جديد تنتفي معه الفوارق بين الأمم والطبقات. وقد كانت فترة ما بعد الحرب، فعلا، فترة حماسة ثورية في بعض البلدان، وإصلاحات ديمقراطية في بلدان أخرى.
يبدأ كتاب آخر بوصف كيف تلقى الناس إعلان الحرب. في رواية هنري باربوس «تحت النار» (1916) نقرأ:
«إنها الثورة الفرنسية وقد قامت من جديد».
ويتمتم آخر: «حذارِ أيتها الرؤوس المتوجة!».
ويضيف ثالث: «ربما كانت هذه هي الحرب التي ستنهي كل الحروب».
وقفة هنا. ويهتز جبين البعض، وما زالوا شاحبين من المأساة الكئيبة لليلة من الأرق الذي يرفض عرقا».
«نهاية للحروب! أيمكن أن يكون هذا؟ إن محنة العالم لا شفاء منها».
وينتهي الكتاب – من وجهة النظر الألمانية – براوي إريك ماريا ريمارك في «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» (1929)، وهو يقول، على نحو لا يخلو من بارقة أمل في تجاوز المحنة:
«غير أنه ربما كانت أفكاري هذه كلها مجرد كآبة وارتباك، سيتطايران كالتراب عندما أقف تحت شجر الحور مرة أخرى، وأستمع إلى خشخشة أوراقه. لا يمكن أن تكون قد اختفت كلية: تلك الرقة التي تقلق دمنا، اللايقين، الهم، كل الأشياء القادمة، أوجه المستقبل الألف، موسيقى الأحلام والكتب، الخشخشة والتفكير في النساء. لا يمكن لهذا كله أن يكون قد تساقط في غمرة القصف، والقنوط، ومواخير الجيش. إن الأشجار هنا تتوهج ساطعة ذهبا، وثمار الدردار الجبلي حمراء إزاء الأوراق، ودروب الريف البيضاء تجري نحو الأفق. وفي مقصف الجنود طنين كخلايا النحل عن إشاعات السلام».
ومن مزايا الكتاب أنه يقدم الحرب من منظور المرأة، إلى جانب منظور الرجل. هناك مثلا ماري بوردن، وهي روائية أميركية المولد كتبت مجموعتها القصصية «المنطقة المحرمة» (1929) من واقع عملها ممرضة في أحد المستشفيات الميدانية في إنجلترا. وهناك أيرين راثبون، وهي كاتبة إنجليزية عملت ممرضة في إنجلترا وفرنسا، وكتبت رواية أوتوبيوغرافية عنوانها «نحن الذين كنا شبابا» (1930) صورت فيها كيف أن الحرب كانت زمن مأساة، ولكنها كانت أيضا – وهنا المفارقة – زمن تغير منعش:
«تمتمت مولي: لا بد أنك كنت تلعنين الحرب.
أجل. أجل. ولكني حين أنظر إلى الوراء الآن أظن أننا كنا نحبها أيضا. أواه. كم أن هذا يصعب شرحه. لقد كانت حربنا، كما ترين. ورغم أنها كانت حدثا يوميا وقتها، وكانت نفوسنا تغثى منها، فإنها تبدو الآن ذات سحر أخاذ مروع».
وهناك كاتبة بريطانية أخرى هي فيرا بريتن صاحبة المذكرات التي تسمى «عهد الشباب» (1933) تصور - من منظور المرأة التي بقيت وراء خطوط القتال – مشاعر القنوط التي ولدتها الحرب في نفوس كثير من النساء، حتى إن إحداهن نشرت إعلانا في إحدى الصحف في باب «القلوب المعذبة» نصه:
«سيدة قتل خطيبها (في الحرب) على استعداد أن تقترن – عن طيب خاطر – بضابط فقد البصر تماما، أو مقعد من جراء الحرب بأي صورة». وتتأمل فيرا بريتن قائلة: «للوهلة الأولى يبدو هذا باعثا على الدهشة. ولكن بعد حين تحس بالمأساة المتضمنة هنا: إن السيدة (الغالب أنها قد تقدمت بها السن، وإلا لكانت أشارت إلى نفسها بكلمة «شابة») لا تتمتع بملكات أو مؤهلات كما هو واضح. إنها لا تريد أن تواجه وحشة مستقبل بلا شاغل ولا روابط. لكن الرجل الوحيد الذي أحبته قد مات. وكل الرجال الآن سواء في نظرها، ولم يعد يهم من الذي ستتزوجه، ومن ثم فهي تعتقد أنها ستتزوج رجلا يحتاج إليها حقا. إن رجلا فقد بصره أو شوه بدنه – باقي حياته – ليس أمامه كبير فرصة لأن يقع في حب أحد. وحتى لو أحب فلن يجرؤ على البوح بذلك. لكنه سيكون بحاجة إلى ممرضة دائمة. وإذا هي اقترنت به فستؤدي له أكثر مما تؤديه الممرضة، وربما وجدت عزاء عن حزنها في تكريس حياتها لأحد. ومن هنا كان الإعلان. أتراه سيتلقى ردا؟ إنه ترتيب عملي صرف، ولكنه يتضمن عنصرا من التضحية بالذات يستحق الاحترام.
تكشف هذه الكتابات عن الوحشية التي يمكن أن ينحدر إليها الإنسان. كما تكشف – على نحو مدهش – عن قدرته على التضامن والتعاطف في قلب ظروف بالغة القسوة. وهي تلقي الضوء على حقبة تغيرات مهمة في الأبنية الاجتماعية والسياسية والفنية. لقد عاصر هؤلاء الكتاب فنانين من طراز سترافنسكي وفبرن في الموسيقى، وبول كلي وليجيه في فن التصوير، وفرانك لويد رايت في العمارة – ولكن هذه قصة أخرى.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.