كتابات تعمدت بالدم والنار

روايات وقصص عن الحرب العالمية الأولى لـ47 كاتبا من جنسيات مختلفة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

كتابات تعمدت بالدم والنار

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يحيي الغرب هذه الأيام الذكرى المئوية الأولى لنشوب الحرب العظمى (1914 - 1918). وفي هذه المناسبة صدر هذا العام عن دار نشر تسمى «ذيل الثعبان» بلندن مجلد في أكثر من 500 صفحة عنوانه: «الأرض الحرام: كتابات من عالم الحرب» (No Man’s Land: Writings from a World at War) حرره بيت آيرتون (Pete Ayrton) يقدم نماذج مما كتبه 47 كاتبا عن هذه الخبرة التي شكلت جزءا مهما من تاريخ القرن الـ20.
حرص الكتاب على أن يقدم أعمالا تمثل كل المشاركين في الحرب ما بين بريطانيين وفرنسيين وألمان وهنود وإيطاليين وروس وأميركيين ونمساويين وأستراليين ونيوزيلنديين وكنديين ويونانيين وتشيك وكروات ومجريين وأرمن وكتالونيين وأتراك وبولنديين. تنوع كبير يشير من ناحية إلى الأبعاد الكونية لهذه الحرب غير المسبوقة. ويتيح لنا من ناحية أخرى، أن نرى الصراع من عدة زوايا. فهنا نرى الحليف والعدو، الرجل والمرأة، الحدث والناضج، وقد التحموا جميعا في عناق مهلك، وتعمدوا بالدم والنار.
يقدم الكتاب مقتطفات من أعمال غدت الآن من الكلاسيكيات ودخلت التراث الأدبي الحديث: مثل رواية «القنغر» للروائي الإنجليزي د.. لورانس، و«رحلة إلى نهاية الليل» للروائي الفرنسي لوي فردينان سيلين، و«كل شيء هادئ في الميدان الغربي» للروائي الألماني إريك ماريا ريمارك. ويقدم أيضا أعمالا لا يعرفها إلا قلائل مثل كتابات عمر سيف الدين (من تركيا) وجوزيف بلا القطالوني الإسباني. وفيما بين هؤلاء وأولئك نلتقي بأسماء لا يمكن إغفالها في مثل هذا السياق، بل في أي سياق: مثل ويليام فولكنر وويلا كاثر من أميركا، وهنري باربوس وجول رومان وجان جيونو من فرنسا، وجون غولز ورذي وريتشارد أولدنجتون من بريطانيا، وإرنست يونجر من ألمانيا، وياروسلاف هاشيك من تشيكوسلوفاكيا وإسحاق بابل من روسيا.
مسرح هذه الكتابات هو الميدان الغربي، والبلقان، والجبهة الإيطالية، وغماليبولي في تركيا، والمعارك البحرية. إنه يسجل ذكريات رجال شاركوا في القتال، ورجال ونساء بقوا وراء الخطوط يشاركون بطرق أخرى في المجهود الحربي، وجنود عادوا إلى الوطن بعد انتهاء الحرب، ولكنهم لم يتمكنوا قط من أن ينسوا ما مروا به من تجارب.
ما الدوافع التي كانت تحرك هؤلاء جميعا؟ الفرنسيين والبريطانيين والألمان، فقد كانت دوافعهم واضحة وبسيطة، فهم يدينون بالولاء لأوطانهم، ويحاربون من أجلها. وأما المحاربون من سائر البلدان فكانت دوافعهم أقل وضوحا، على الأقل لأنهم من بلاد حديثة العهد بالقومية أو بتكوين إمبراطورية خارج الحدود. إن إيطاليا مثلا لم تغد أمة موحدة إلا في 1861، ولم يكن الشعور بالقومية الإيطالية قد تبلور بعد، وكان بعض المحاربين الإيطاليين من أنصار النظام الملكي، بينما البعض الآخر من أنصار النظام الجمهوري. وكثير من الأفارقة والهنود الذين جندوا في القتال لم يكونوا يشعرون بأي التزام وطني نحو الجيوش البريطانية أو الفرنسية التي تستخدمهم، فلا هذه الحرب حربهم، ولا هؤلاء الأوروبيون قومهم. وكان البعض مرتزقة يتطلع إلى الراتب الذي ستعود عليه به الحرب (وهو ما نجده مثلا في رواية الأديب الهندي مولك راج آنند «عبر المياه السوداء»)، وهناك من يطمحون أن تحفظ أوروبا لهم الجميل فتمنح بلادهم الاستقلال بعد نهاية الحرب.
ويوضح الكتاب أن صدمة الحرب جعلت البعض غير قادر على التكيف مع الحياة المدنية عند عودته. في رواية الكاتبة الويلزية هيلين زينا سميث «ليس بهذا الهدوء: ربيبات الحرب» (1930) تقول البطلة التي كانت سائقة عربة إسعاف أثناء الحرب:
«البيت، البيت.. لست آبه.
لست آبه. إني راكدة. عجوز. إني في الواحدة والعشرين، ولكني قديمة قدم التلال. جف مني الوجدان. لقد جففت الحرب كل مشاعري. ضاع مني شيء لن يعود قط. لست أريد أن أعود إلى البيت».
وهناك من رأوا في الحرب دليلا على أن النظام الاجتماعي بحاجة إلى تغيير، وأنه لا بد أن ينشأ نظام دولي جديد تنتفي معه الفوارق بين الأمم والطبقات. وقد كانت فترة ما بعد الحرب، فعلا، فترة حماسة ثورية في بعض البلدان، وإصلاحات ديمقراطية في بلدان أخرى.
يبدأ كتاب آخر بوصف كيف تلقى الناس إعلان الحرب. في رواية هنري باربوس «تحت النار» (1916) نقرأ:
«إنها الثورة الفرنسية وقد قامت من جديد».
ويتمتم آخر: «حذارِ أيتها الرؤوس المتوجة!».
ويضيف ثالث: «ربما كانت هذه هي الحرب التي ستنهي كل الحروب».
وقفة هنا. ويهتز جبين البعض، وما زالوا شاحبين من المأساة الكئيبة لليلة من الأرق الذي يرفض عرقا».
«نهاية للحروب! أيمكن أن يكون هذا؟ إن محنة العالم لا شفاء منها».
وينتهي الكتاب – من وجهة النظر الألمانية – براوي إريك ماريا ريمارك في «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» (1929)، وهو يقول، على نحو لا يخلو من بارقة أمل في تجاوز المحنة:
«غير أنه ربما كانت أفكاري هذه كلها مجرد كآبة وارتباك، سيتطايران كالتراب عندما أقف تحت شجر الحور مرة أخرى، وأستمع إلى خشخشة أوراقه. لا يمكن أن تكون قد اختفت كلية: تلك الرقة التي تقلق دمنا، اللايقين، الهم، كل الأشياء القادمة، أوجه المستقبل الألف، موسيقى الأحلام والكتب، الخشخشة والتفكير في النساء. لا يمكن لهذا كله أن يكون قد تساقط في غمرة القصف، والقنوط، ومواخير الجيش. إن الأشجار هنا تتوهج ساطعة ذهبا، وثمار الدردار الجبلي حمراء إزاء الأوراق، ودروب الريف البيضاء تجري نحو الأفق. وفي مقصف الجنود طنين كخلايا النحل عن إشاعات السلام».
ومن مزايا الكتاب أنه يقدم الحرب من منظور المرأة، إلى جانب منظور الرجل. هناك مثلا ماري بوردن، وهي روائية أميركية المولد كتبت مجموعتها القصصية «المنطقة المحرمة» (1929) من واقع عملها ممرضة في أحد المستشفيات الميدانية في إنجلترا. وهناك أيرين راثبون، وهي كاتبة إنجليزية عملت ممرضة في إنجلترا وفرنسا، وكتبت رواية أوتوبيوغرافية عنوانها «نحن الذين كنا شبابا» (1930) صورت فيها كيف أن الحرب كانت زمن مأساة، ولكنها كانت أيضا – وهنا المفارقة – زمن تغير منعش:
«تمتمت مولي: لا بد أنك كنت تلعنين الحرب.
أجل. أجل. ولكني حين أنظر إلى الوراء الآن أظن أننا كنا نحبها أيضا. أواه. كم أن هذا يصعب شرحه. لقد كانت حربنا، كما ترين. ورغم أنها كانت حدثا يوميا وقتها، وكانت نفوسنا تغثى منها، فإنها تبدو الآن ذات سحر أخاذ مروع».
وهناك كاتبة بريطانية أخرى هي فيرا بريتن صاحبة المذكرات التي تسمى «عهد الشباب» (1933) تصور - من منظور المرأة التي بقيت وراء خطوط القتال – مشاعر القنوط التي ولدتها الحرب في نفوس كثير من النساء، حتى إن إحداهن نشرت إعلانا في إحدى الصحف في باب «القلوب المعذبة» نصه:
«سيدة قتل خطيبها (في الحرب) على استعداد أن تقترن – عن طيب خاطر – بضابط فقد البصر تماما، أو مقعد من جراء الحرب بأي صورة». وتتأمل فيرا بريتن قائلة: «للوهلة الأولى يبدو هذا باعثا على الدهشة. ولكن بعد حين تحس بالمأساة المتضمنة هنا: إن السيدة (الغالب أنها قد تقدمت بها السن، وإلا لكانت أشارت إلى نفسها بكلمة «شابة») لا تتمتع بملكات أو مؤهلات كما هو واضح. إنها لا تريد أن تواجه وحشة مستقبل بلا شاغل ولا روابط. لكن الرجل الوحيد الذي أحبته قد مات. وكل الرجال الآن سواء في نظرها، ولم يعد يهم من الذي ستتزوجه، ومن ثم فهي تعتقد أنها ستتزوج رجلا يحتاج إليها حقا. إن رجلا فقد بصره أو شوه بدنه – باقي حياته – ليس أمامه كبير فرصة لأن يقع في حب أحد. وحتى لو أحب فلن يجرؤ على البوح بذلك. لكنه سيكون بحاجة إلى ممرضة دائمة. وإذا هي اقترنت به فستؤدي له أكثر مما تؤديه الممرضة، وربما وجدت عزاء عن حزنها في تكريس حياتها لأحد. ومن هنا كان الإعلان. أتراه سيتلقى ردا؟ إنه ترتيب عملي صرف، ولكنه يتضمن عنصرا من التضحية بالذات يستحق الاحترام.
تكشف هذه الكتابات عن الوحشية التي يمكن أن ينحدر إليها الإنسان. كما تكشف – على نحو مدهش – عن قدرته على التضامن والتعاطف في قلب ظروف بالغة القسوة. وهي تلقي الضوء على حقبة تغيرات مهمة في الأبنية الاجتماعية والسياسية والفنية. لقد عاصر هؤلاء الكتاب فنانين من طراز سترافنسكي وفبرن في الموسيقى، وبول كلي وليجيه في فن التصوير، وفرانك لويد رايت في العمارة – ولكن هذه قصة أخرى.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».