البرهان... جنرال «شغوف بالعسكرية» يواجه اختبار السياسة

من حرس الحدود إلى قيادة السودان

البرهان... جنرال «شغوف بالعسكرية» يواجه اختبار السياسة
TT

البرهان... جنرال «شغوف بالعسكرية» يواجه اختبار السياسة

البرهان... جنرال «شغوف بالعسكرية» يواجه اختبار السياسة

حين حاولت أجهزة نظام الرئيس المعزول عمر البشير فض الاعتصام أمام وزارة الدفاع في الخرطوم بقوة السلاح في الساعات العصيبة التي سبقت سقوطه، تردد اسم الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في محيط ساحة الاعتصام، باعتباره أحد رهانات الشعب الرابحة في الجيش. أقدمية البرهان وسيرته في صفوف جنود القوات المسلحة وضباطها، دفعتاه ليقود البلاد في فترة حرجة عقب الرفض الواسع لتولي نائب البشير الفريق عوض ابن عوف قيادة المجلس العسكري. ولد عبد الفتاح البرهان في قرية قندتو الصغيرة قرب مدينة شندي (شمال السودان) في عام 1960، وتلقى تعليمه الأولي في مدارس القرية قبل أن يتخرج في مدرسة شندي الثانوية، ليلتحق بالكلية الحربية السودانية في مطلع الثمانينات، ويتخرج ضمن دفعتها الحادية والثلاثين.
ينتمي رئيس المجلس العسكري الانتقالي إلى أسرة سودانية عُرفت بنزعتها الدينية الصوفية، إذ تنتمي إلى «سجادة الطريقة الختمية»، أكبر الطرق الصوفية في البلاد التي يرعاها محمد عثمان الميرغني. جده الأكبر من جهة الأم الشيخ الحفيان راعي أشهر خلوات تحفيظ القرآن في تلك المنطقة، وهو متزوج من إحدى قريباته، وله منها خمسة أبناء، هم: منذر ومحمد وروى ووئام وليم.
تميز البرهان وسطع نجمه بين ضباط دفعته وكان في مقدمة رفاقه، وظل يتنقل منذ تخرجه برتبة الملازم في مناطق العمليات بأطراف السودان في ذروة الحرب المشتعلة والنزاعات؛ إذ عمل بعد تخرجه في قوات حرس الحدود ثم تنقل في وحدات قتالية بولايتي أعالي النيل والاستوائية في جنوب السودان قبل الانفصال، ثم انتقل إلى القيادة الغربية للقوات البرية بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور إبان اشتداد الصراع المسلح.
ولم يستقر به المقام في القيادة العامة للجيش إلا بعد أن بلغ رتبة رفيعة، تدرج بعدها ليدخل زمرة كبار قادة القوات المسلحة. وتلقى البرهان دورات عسكرية في عدد من دول العالم، منها سوريا والأردن، وقاد عدداً من وحدات القوات المسلحة قبل تعيينه قائداً للقوات البرية ثم مفتشاً عاماً للقوات المسلحة السودانية. وظل في هذا الموقع حتى أُطيح بالبشير.
من أبرز المحطات الخارجية لرئيس المجلس العسكري الانتقالي عمله لسنوات عدة ملحقاً عسكرياً للسودان لدى جمهورية الصين الشعبية، التي تُعد من الدول التي تربطها علاقات متميزة مع الخرطوم.
وأشرف على مشاركة الجيش السوداني ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن، وكُلّف بتنسيق عمل القوات هناك. وأتاحت هذه المهمة تقارباً كبيراً بينه وبين قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دلقو الشهير بـ«حميدتي»، الذي أصبح لاحقاً نائبه في المجلس العسكري الانتقالي.
ويقول عنه الرئيس السابق لهيئة الأركان سابقاً الفريق أول عثمان بلية، إن «البرهان من أكفأ الضباط في الجيش السوداني. عُرف عنه تميز في الأداء إلى جانب الصدق والأمانة». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «البرهان أفضل من يقود البلاد في هذه المرحلة»، مشيراً إلى أن الرجل «حرّك الجيش انحيازاً لخيار الشارع السوداني، لذلك هو الضامن الأجدر حتى إكمال عملية الانتقال إلى الحكم المدني». ولفت إلى أن «الانضباط الصارم وحسن الإدارة ميزة يمكن أن تساعد في تجاوز هذه المرحلة المعقدة، خصوصاً إذا تم التوافق مع المدنيين من أجل قيادة مشتركة».
وتقول مصادر عسكرية شهدت اللحظات العصيبة بعد سقوط البشير داخل القيادة العامة للجيش، إن «البرهان أجرى مشاورات واسعة مع قادة وحدات الجيش، وهو مَن أبلغ رئيس المجلس العسكري السابق عوض ابن عوف ونائبه كمال عبد المعروف برفضهما من المعتصمين، باعتبارهما من كبار مساعدي الرئيس المخلوع وبسبب مشاركتهما في محاولات فض الاعتصام بالقوة».
وتشير المصادر التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط» إلى أن قيادة البرهان للجيش وتدخله في هذا الوقت «أملتهما الجماهير، ثم مكنته الكاريزما الخاصة به، من ترتيب الأوضاع داخل وحدات الجيش نحو موقف موحد وداعم للثورة».
الرائد المتقاعد أحمد بابكر التجاني، وهو من الدفعة الحادية والثلاثين في الكلية الحربية، قال في وقت سابق لـ«الشرق الأوسط» إن البرهان كان من الأوائل في تلك الدفعة، ويحظى بحب عساكره ومرؤوسيه واحترامهم. وأوضح أنه «لا ينتمي إلى الإخوان المسلمين أو يميل إليهم، وترقى في الجيش لكفاءته ومهنيته العالية. لذلك من الطبيعي أن يقبل به الضباط والجنود لقيادة الجيش في هذه المرحلة». في بادئ الأمر، وجد البرهان ارتياحاً وقبولاً في ساحة الاعتصام بعد أن تسلم القيادة من ابن عوف، إلا أنه سرعان ما وجد نفسه في عين عاصفة أخرى من الغضب بعد تعثر التفاوض بين المجلس العسكري الانتقالي الذي يقوده و«قوى الحرية والتغيير» التي قادت الحراك الشعبي حتى إسقاط البشير.
تتسم شخصية البرهان بـ«الاعتدال»، بحسب أحد أقاربه من الدرجة الأولى... «يُوصَف بالمرح وبالمستمع الجيد قليل الكلام، ولا يُعرف عنه خوض في السياسة بشكل مباشر»، رغم وجوده في مؤسسة عُرف عنها تاريخياً الغرق في السياسة وشؤون الحكم. ويضيف قريبه أنه «لا ميول سياسية للبرهان. لديه فقط شغف بالعسكرية»، مشيراً إلى أن «انصراف الرجل عن السياسية وزهده في مخالطة قيادات النظام السابق السياسية وانخراطه بشكل واضح في شؤون الجيش والمهام التي كُلف بها، جعلته بعيداً عن حالة الاستقطاب الحادة التي طالت المؤسسة العسكرية وقادتها الكبار».
لكن التأكيدات القاطعة بعدم وجود انتماءات ذات طبيعة سياسية للبرهان لم تمنع البعض من إثارة الشكوك حول وصوله إلى هذه الرتبة العسكرية الرفيعة في ظل هيمنة الإسلاميين على الجيش. ويعود قريبه ليعزو الترقي إلى أن «تميزه العسكري والكاريزما الخاصة به وسط الضباط والجنود هي ما قادته إلى هذا الموقع الرفيع في الجيش».
اللواء المتقاعد عبد الرحمن عبد الحميد، من دفعة البرهان في الكلية الحربية، يقول إن «الرجل مرتَّب ويتمتع بالحكمة والذكاء، ولا يعرف الحقد». وأضاف أن «البرهان لا يضيق بالنقد ويتقبل الرأي الآخر. لكنه في الوقت نفسه كتوم، ويبادل من يتعاملون معه الثقة». ويضيف أنه «ليس كل ضباط الجيش لهم علاقة بتنظيم الإسلاميين. وأنا ورئيس المجلس العسكري كنا كذلك لا صلة لنا بهم. فقط هنالك بعض المتسلقين من الضباط انتموا إلى حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك».
وفي أول ظهور تلفزيوني لرئيس المجلس العسكري الانتقالي، حاول الرجل أن يعطي انطباعاً بالثقة في قدرته على الإمساك بالملفات المعقدة لعملية انتقال السلطة. لكن يأخذ عليه منتقدوه عدم الإسراع بتفكيك مفاصل النظام السابق التي ما زالت تسيطر على أجهزة الدولة، ما قد يتيح الفرصة لعودة النظام السابق عبر «ثورة مضادة».
غير أن وجهات النظر تتباين حول البرهان بين «قوى التغيير»، فبينما يرى بعضها أن الرجل «مقبول ومؤتمن على تسليم السلطة للمدنيين»، ترفض أطراف أخرى مبدأ قيادة العسكريين للمرحلة الانتقالية بغض النظر عمن يتقدم منهم لقيادة المجلس العسكري، وتصف انحيازهم إلى الشعب بـ«الطبيعي»، لكنها تعتبر «التباطؤ» في تسليم السلطة للمدنيين بمثابة «انقلاب عسكري وسرقة للثورة». ويقول محمد فاروق، رئيس المكتب التنفيذي لـ«حزب التحالف الوطني»، أحد فصائل «قوى الحرية والتغيير»، إن «البرهان يلعب الآن الدور نفسه الذي لعبته قيادة الجيش السوداني إبان انتفاضة 1985 الذي تمخض عن تسليم السلطة للمدنيين رغم اختلاف الظروف». وأوضح أن «أخطر دور ملقى على عاتق البرهان في هذه المرحلة هو الحفاظ على وحدة الجيش وعدم التعامل بوصاية مع السياسيين المدنيين». وينظر محمد وداعة، القيادي بحزب «البعث» السوداني، إلى البرهان باعتباره «رجلاً ذكياً وشجاعاً». ويقول: «كان من أبرز الفاعلين في تصحيح موقف الجيش من الثورة وتأكيد انحيازه لها». وأضاف أن «تفاصيل اللحظات الحاسمة توضح بجلاء أن البرهان مارس ضغوطاً كبيرة من أجل ضمان انحياز الجيش مرتين لمطالب الشعب؛ الأولى عندما كان من الداعمين لعزل البشير، والأخرى عندما أطاح ابن عوف المرفوض من الشارع».
وبشأن التخوفات من «أطماع» قد تكون لدى المجلس العسكري للاستمرار في السلطة وعدم تسليمها للمدنيين، يرى وداعة أن «التخوفات قائمة، لكن السودان ودّع عهد الانقلابات العسكرية. الآن أمام البرهان مسؤولية التوافق مع الكيانات السياسية التي قادت عملية التغيير لعبور البلاد هذه المرحلة».
ومع تباطؤ عملية التفاوض بين المجلس العسكري و«الحرية والتغيير» بشأن مؤسسات الحكم الانتقالية، تزداد في ساحة الاعتصام الهتافات الموحية التي يسمعها حتماً الرجل من مكتبه القريب داخل أسوار القيادة، وأبرزها: «برهن برهن يا برهان، ولا حتمشي أنت كمان».
ويبقى المحدد الأبرز لاستمرار البرهان على رأس المشهد السوداني مدى نجاحه في اختبار قدرته على إدارة ذلك التوازن الدقيق بين مطالب الشارع وأولويات المؤسسات.



الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
TT

الحدود العراقية ــ السورية... وذكريات صيف 2014

شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)
شاحنات ومعدّات عسكرية عراقية تتحرك عند الحدود مع سوريا (آ ف ب)

شأن معظم دول المنطقة والإقليم، تسببت الأزمة السورية المتصاعدة في تراجع الاهتمام الرسمي والشعبي العراقي بالحرب التي تشنّها إسرائيل على غزة ولبنان، بعد أن كانت تحظى بأولوية قصوى، خصوصاً بعد التهديدات الإسرائيلية بتوجيه ضربات عسكرية ضد الفصائل المسلحة العراقية التي استهدفتها بأكثر من 200 هجمة صاروخية خلال الأشهر الماضية. وأظهر رئيس الوزراء محمد شيّاع السوداني، موقفاً داعماً للحكومة السورية في ظروفها الحالية منذ اليوم الأول للهجوم الذي شنَّته الفصائل السورية المسلحة وتمكّنت من السيطرة على محافظة حلب ومدن أخرى، إذ أجرى اتصالاً بالرئيس السوري بشار الأسد وكذلك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأكد دعمه لدمشق.

أعلن رئيس الحكومة العراقي محمد شيّاع السوداني، يوم الثلاثاء الماضي، موقفاً أكثر وضوحاً بالنسبة لدعم نظام دمشق، وذلك خلال اتصال - مماثل لاتصاليه مع القيادتين السورية والإيرانية - أجراه مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

ومما قاله السوداني إن «العراق لن يقف متفرجاً على التداعيات الخطيرة الحاصلة في سوريا، خصوصاً عمليات التطهير العرقي للمكوّنات والمذاهب هناك»، طبقاً لبيان حكومي.

كذلك شدّد الزعيم العراقي على أنه سبق لبلاده أن «تضرّرت من الإرهاب ونتائج سيطرة التنظيمات المتطرّفة على مناطق في سوريا، ولن يُسمَح بتكرار ذلك»، مؤكداً «أهمية احترام وحدة سوريا وسيادتها، وأن العراق سيبذل كل الجهود من أجل الحفاظ على أمنه وأمن سوريا».

محمد شياع السوداني (آ ف ب)

السوداني كان قد انهمك بسلسلة اتصالات خلال الأيام القليلة الماضية مع عدد من قادة الدول، بخصوص الوضع في سوريا؛ من «أجل دعم الاستقرار في المنطقة، وعدم حصول أي تداعيات فيها، خصوصاً مع ما تشهده من حرب إجرامية صهيونية مستمرة منذ أكثر من عام» بحسب بيان حكومي.

وأظهرت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية موقفاً مماثلاً وداعماً لحكومة السوداني في مواقفها حيال سوريا، لكنها أعربت خلال اجتماع، الثلاثاء الماضي أيضاً، عن قلقها جراء الأوضاع في سوريا بعد «احتلال الإرهابيين مناطق مهمة» طبقاً لبيان صدر عن الاجتماع. وعدّت «أمن سوريا امتداداً للأمن القومي العراقي للجوار الجغرافي بين البلدين، والامتدادات المختلفة لذلك الجوار».

الحدود المشتركة مؤمّنة

للعلم، مع الشرارة الأولى لاندلاع الأزمة السورية، اتخذت السلطات العراقية على المستوى الأمني إجراءات عديدة «لتأمين» حدودها الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر مع سوريا. وصدرت بيانات كثيرة حول جاهزية القوات العراقية وقدرتها على التصدّي لأي محاولة توغّل داخل الأراضي العراقية من قبل الفصائل المسلحة من الجانب السوري، مثلما حدث صيف عام 2014، حين تمكَّنت تلك الجماعات من كسر الحدود المشتركة والسيطرة على مساحات واسعة من العراق.

اللواء يحيى رسول، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، أوضح (الثلاثاء) أبرز الإجراءات المُتَّخذة لتحصين الحدود مع سوريا. وقال في تصريحات صحافية إن «الحدود مؤمَنة ومُحكمة بشكل كبير من تحكيمات وتحصينات، وهناك وجود لقوات الحدود على خط الصفر الذي يربطنا مع الجارة سوريا مدعومة بالأسلحة الساندة والجهد الفني، المتمثل بالكاميرات الحرارية وأبراج المراقبة المحصّنة». وأضاف رسول: «لا خوف على الحدود العراقية، فهي مؤمّنة ومحكمة ومحصّنة، وأبطالنا منتشرون على طولها»، مشيراً إلى أنه «تم تعزيز الحدود بقطاعات من الألوية المدرعة وهي موجودة أيضاً عند الحدود».

أيضاً، وصل وفد أمني برئاسة الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يارالله، رئيس أركان الجيش، يوم الأربعاء، إلى الشريط الحدودي العراقي - السوري. وذكر بيان عسكري أن «هدف الزيارة جاء لمتابعة انتشار القطعات الأمنية وانفتاح خطوط الصد».

غموض في الموقف

إلا أنه حتى مع المواقف الحكومية الداعمة لدمشق في أزمتها الراهنة، يبدو جلياً «الالتباس» بالنسبة لكثرة من المراقبين، وبالأخص لجهة شكل ذلك الدعم وطبيعته، وما إذا كانت السلطات الحكومية العراقية ستنخرط بقوة لمساعدة نظام الأسد عسكرياً، أم أنها ستبقى عند منطقة الدعم السياسي والدبلوماسي، تاركة أمر الانخراط والمساعدة الميدانية للفصائل المسلحة.

وهنا يلاحظ إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، وجود «التباس واضح حيال الموقف من الحدث السوري، وهذا الالتباس نختبره منذ سنوات، وليس هناك تمييز واضح بين العراق الرسمي وغير الرسمي». وتابع العنبر لـ«الشرق الأوسط» أن «مستويات تفعيل المساهمة العراقية في الحرب غير واضحة، وإذا ما قررت الحكومة البقاء على المستوى الدبلوماسي بالنسبة لقضة دعم سوريا، أم أن هناك مشاركة عسكرية».

غير أن إحسان الشمري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، يعتقد بأن «العراق الرسمي عبَر عتبة التردّد، وبات منخرطاً في الأزمة السورية». وفي لقاء مع «الشرق الأوسط» بنى الشمري فرضيته على مجمل المواقف الرسمية التي صدرت عن رئيس الوزراء، والناطق الرسمي، وزعماء «الإطار التنسيقي»، وشرح قائلاً إن «هذه المواقف بمجملها كسرت مبدأ الحياد وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى الذي يتمسّك به العراق، إلى جانب كونها انخراطاً رسمياً عراقياً بالأزمة السورية».

نتنياهو غير مضمون

ولكن، بعيداً عن الانشغال الراهن بالأزمة السورية، ما زالت التهديدات الإسرائيلية بين أهم القضايا التي تشغل الرأي العام ببعدَيه السياسي والشعبي. وحتى مع الترحيب العراقي بقرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله»، ما زالت مخاوف البلاد من ضربة إسرائيلية محتملة قائمةً.

ولقد قال الناطق باسم الحكومة باسم العوادي، الأربعاء قبل الماضي، في تصريحات صحافية، إنه «مع عملية وقف إطلاق النار في لبنان، نحن أنهينا الجزء الأسهل، فالمعركة انتهت والحرب لم تنتهِ، فالأصعب أنك ستدخل بالمخططات غير المعلومة. ونحن (العراق) واقعون في المنطقة الحرام، لكن السياسة العقلانية المتوازنة استطاعت أن تجنبنا الضرر».

وأجاب، من ثم، عن طبيعة الرد العراقي إذا ما هاجمت إسرائيل أراضيه، بالقول: «إلى حد أيام قليلة كانت تأتي نتائج جيدة من المعادلات التي اشتغل عليها رئيس الوزراء، لكن رغم ذلك فلا أحد يضمن ما الذي يدور في بال حكومة نتنياهو، وما هو القادم مع الإدارة الأميركية الجديدة، وكيف سيتصرف نتنياهو».

وتابع العوادي، أن «الإسرائيليين عملوا على تفكيك الساحات، وتوجيه ضربات إلى اليمن وسوريا، لكن الطرف العراقي هو الوحيد الذي لم يستطيعوا الوصول إليه بفضل المعادلة... وقد يكونون وضعونا للحظات الأخيرة أو الأيام الأخيرة بنوع ما، وهذا وارد جداً، وتتعامل الحكومة العراقية مع ذلك».

شبح هجوم إسرائيلي

وحقاً، لا يزال شبح هجوم إسرائيلي واسع يخيم على بغداد، إذ تناقلت أوساط حزبية تحذيرات جدية من شنِّ ضربات جوية على العراق. وفي وقت سابق، قال مصدر مقرّب من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، لـ«الشرق الأوسط»، إنَّ «مخاوف الأحزاب الشيعية من جدية التهديد دفعتها إلى مطالبة رئيس الحكومة للقيام بما يلزم لمنع الهجمات». وأكَّد المصدر أنَّ «فصائل عراقية مسلّحة لجأت أخيراً إلى التحرك في أجواء من التكتم والسرية، وقد جرى بشكل مؤكد إبدال معظم المواقع العسكرية التابعة لها».

وفي سياق متصل، تتحدَّث مصادر صحافية عمَّا وصفتها بـ«التقديرات الحكومية» التي تشير إلى إمكانية تعرّض البلاد لـ«300 هجوم إسرائيلي». وفي مطلع الأسبوع الماضي، شدَّدت وزارة الخارجية العراقية، في رسالة إلى مجلس الأمن، على أهمية «تدخل المجتمع الدولي لوقف هذه السلوكيات العدوانية لإسرائيل».

كما أنَّه حيال التهديدات الجدية والخشية الحقيقية من عمل عسكري إسرائيل ضد البلاد، اهتدت بعض الشخصيات والأجواء المقرّبة من الحكومة والفصائل إلى «رمي الكرة» في الملعب الأميركي، مستندين بذلك إلى اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» المُوقَّعة منذ عام 2011، بين بغداد وواشنطن، وهو العام الذي خرجت فيه القوات الأميركية من العراق.

التهديدات الإسرائيلية من أهم القضايا التي تشغل الرأي العام العراقي

هادي العامري (رووداو)

العامري يلوم واشنطن

أيضاً، وجد هادي العامري، زعيم منظمة «بدر»، بنهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الفرصة ليحمّل واشنطن مسؤولية حماية الأجواء العراقية، بعدما شنَّت إسرائيل هجوماً عسكرياً ضد إيران، مستخدمةً الأجواء العراقية في هجماتها. ويومذاك، حمّل العامري الجانب الأميركي «المسؤولية الكاملة» على انتهاك إسرائيل سيادة الأجواء العراقية في طريقها لضرب إيران. وقال، إن «الجانب الأميركي أثبت مجدّداً إصراره على الهيمنة على الأجواء العراقية، وعمله بالضد من مصالح العراق وشعبه وسيادته، بل سعيه لخدمة الكيان الصهيوني وإمداده بكل ما يحتاج إليه لممارسة أساليبه العدوانية، وتهديده للسلام والاستقرار في المنطقة».

وأضاف العامري: «لهذا باتت الحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لإنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق بأشكاله كافة». وللعلم، فإن منظمة «بدر» - التي يقودها العامري - وردت ضمن لائحة المنظمات التي اتهمتها إسرائيل بشنِّ هجمات ضدها خلال الشكوى التي قدمتها إلى مجلس الأمن في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وبناءً على تصريحات العامري السالفة، وتصريحات أخرى لشخصيات مقرّبة من الفصائل المسلحة وقوى «الإطار التنسيقي» الشيعية، تبلورت خلال الأسبوع الأخير، قناعة داخل أوساط هذه القوى مفادها، بأن واشنطن «ملزمة وبشكل مباشر بحماية الأجواء العراقية» من أي هجوم محتمل من إسرائيل أو غيرها، أخذاً في الاعتبار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة و«سيطرتها على الأجواء العراقية».

وبالتوازي، سبق أن حمّل فادي الشمري، المستشار السياسي لرئيس الوزراء، الولايات المتحدة، أيضاً وفقاً لـ«اتفاقية الإطار الاستراتيجي والاتفاقية الأمنية»، مسؤولية «الردع، والرد على أي هجمات خارجية تمسّ الأمن الداخلي العراقي».

الرد الأميركي قاطع

في المقابل، تخلي واشنطن مسؤوليتها حيال هذا الأمر. ورداً على المزاعم العراقية المتعلقة بـ«الحماية الأميركية»، قالت ألينا رومانوسكي، السفيرة الأميركية في بغداد، صراحةً إن بلادها غير معنية بذلك. وأردفت رومانوسكي، خلال مقابلة تلفزيونية سابقة، أن التحالف الدولي دُعي إلى العراق لـ«محاربة (داعش) قبل 10 سنوات، وقد حققنا إنجازات على مستوى هزيمة هذا التنظيم، لكنه ما زال يمثل بعض التهديد، ودعوة الحكومة العراقية لنا تتعلق بهذا الجانب حصراً. أما اتفاقية الإطار الاستراتيجي فتلزمنا ببناء القدرات العسكرية العراقية، لكنها لا تتطرق لمسألة حماية الأجواء والدفاع بالنيابة». ونفت السفيرة أن تكون بلادها قد «فرضت سيطرتها على سماء العراق».

والاثنين قبل الماضي، قالت رومانوسكي، خلال لقاء «طاولة مستديرة» لعدد من وسائل الإعلام: «أود أن أكون واضحة جداً، ومنذ البداية، بأن الإسرائيليين وجّهوا تحذيرات ردع للميليشيات المدعومة إيرانياً والموجودة هنا في العراق، التي تعتدي على إسرائيل». وأضافت: «هذه الميليشيات هي التي بدأت الاعتداء على إسرائيل. ولأكون واضحة جداً في هذه النقطة، فإن الإسرائيليين حذّروا حكومة العراق بأن يوقف هذه الميليشيات عن اعتداءاتها المتكررة والمستمرة على إسرائيل... إن رسالتنا إلى حكومة العراق هي أن تسيطر على هذه الميليشيات المنفلتة، والتي لا تعتد بأوامر الحكومة وأوامر القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء. إن إسرائيل دولة لها سيادتها، وهي سترد على أي اعتداء من أي مكان ضدها».

جدعون ساعر (آ ف ب)

 

حقائق

قلق عراقي جدّي من التهديدات الإسرائيلية مع مطالبة واشنطن بالتدخّل

خلال الأسبوع قبل الماضي، بعث وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر رسالةً إلى مجلس الأمن تكلّم فيها عمّا أسماه بـ«حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وحمّل فيها الحكومة العراقية المسؤولية عن الهجمات التي تشنها الفصائل العراقية عليها، داعياً مجلس الأمن للتحرك والتأكد من أن الحكومة العراقية تفي بالتزاماتها. ساعر اتّهم بالتحديد «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«ألوية بدر» وحركة «النُّجباء» و«أنصار الله الأوفياء» و«كتائب سيد الشهداء»، بمهاجمة إسرائيل، ومعظم هذه الفصائل مشاركة في الحكومة العراقية الحالية ولها نفوذ كبير داخلها. هنا، تجدر الإشارة إلى أنه سبق لرئاسة الوزراء العراقية توجيه وزارة الخارجية لمتابعة ملف التهديدات الإسرائيلية في المحافل الأممية والدولية وأمام هيئات منظمة الأمم المتحدة، واتخاذ كل الخطوات اللازمة، وفق مبادئ القانون الدولي، لحفظ حقوق العراق وردع تهديدات إسرائيل العدوانية. كذلك طالبت رئاسة الوزراء بـ«دعوة جامعة الدول العربية إلى اتخاذ موقف حازم وموحّد ضد تهديدات سلطات الكيان المحتل، يتضمن إجراءات عملية تستند إلى وحدة المصير والدفاع المشترك». وهذا بجانب «مطالبة مجلس الأمن الدولي بالنظر في الشكاوى المقدمة من جمهورية العراق ضد سلطات الكيان المحتل، واتخاذ إجراءات رادعة تكفل تحقيق الاستقرار والسِّلم الإقليمي والدولي»، وباتخاذ الولايات المتحدة مع العراق، من خلال الحوارات الأمنية والعسكرية ضمن إطار القسم الثالث من «اتفاقية الإطار الاستراتيجي»، خطوات فعالة «لردع سلطات الكيان المحتل» مع دعوة «التحالف الدولي والدول الأعضاء فيه إلى كبح هذه التهديدات والحدّ من اتساع رقعة الحرب».