«حوثنة» التعليم العالي في اليمن... فساد وتمويل للمجهود الانقلابي

أكاديميون لـ «الشرق الأوسط»: الميليشيات تتحكم في المساقات الدراسية والتسجيل والفعاليات

يمنيون في المدينة القديمة بصنعاء (أ.ف.ب)
يمنيون في المدينة القديمة بصنعاء (أ.ف.ب)
TT

«حوثنة» التعليم العالي في اليمن... فساد وتمويل للمجهود الانقلابي

يمنيون في المدينة القديمة بصنعاء (أ.ف.ب)
يمنيون في المدينة القديمة بصنعاء (أ.ف.ب)

تتردد يسرى ناصر رفقة أمها الطاعنة في السن على وزارة التعليم العالي الخاضعة لسيطرة ميليشيات الحوثي في صنعاء منذ ثلاثة أشهر من أجل الحصول على توجيه لاستكمال دراستها الجامعية، لكنها اصطدمت بصلف المسؤولين الحوثيين.
تقول يسرى لـ«الشرق الأوسط»: «أوقفت دراستي بالجامعة لمدة سنتين لظروف قاهرة، وعندما أردت العودة لإكمال دراستي قالوا لي بالجامعة لا بد من توجيه من الوزارة، وها أنذا أذرع الأرض جيئة وذهاباً منذ ثلاثة أشهر لمجرد السماح باستكمال دراستي وليس للحصول على منحة داخلية من المنح التي باتت لأتباع الجماعة فقط».
ويوضح أكاديميون بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بأن «الجامعات الحكومية والخاصة الواقعة تحت قبضة الميليشيات الحوثية تعاني من ابتزاز ونهب منظم؛ إذ تتحكم الميليشيات بعملية التسجيل وإقرار المساقات الدراسية والإشراف على الأنشطة والفعاليات عبر وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات».
وأوجدت هيمنة الميليشيات على الجامعات - بحسب الأكاديميين - حالة من التلاعب «ساهمت في انتشار الوساطات والمحسوبيات وزيادة الضغوط الاجتماعية، ونهب المال العام وابتزاز الجامعات الخاصة بإتاوات دون وجه حق واستغلال العملية التعليمية برمتها لخدمة الميليشيات».
ويؤكد عيبان القدسي، في مالية الوزارة «أن إيرادات وزارة التعليم العالي تزيد على خمسة مليارات ريال يمني (الدولار يساوي نحو 500 ريال) من الجامعات الحكومية والخاصة والتي تزيد على 20 جامعة، في حين تبلغ الإيرادات من جامعة صنعاء وحدها فقط ثلاثة مليارات ريال في السنة ما بين رسوم امتحان قبول، ورسوم تسجيل وقيمة البطاقة، وكذلك رسوم المسجلين في نظام التعليم الموازي التي تدفع بالعملة الصعبة».
وتضم جامعة صنعاء على سبيل المثال أكثر من 124 تخصصاً، وهي تخصصات متوزعة في 14 كلية في المقر الرئيسي بصنعاء، و10 كليات فرعية، ويصل عدد الطلاب فيها إلى 150 ألف طالب وطالبة.
ويستغرب محمد الشرفي، وهو موظف في رئاسة الجامعة، من عدم صرف جماعة الحوثي رواتب الأكاديميين في الوقت الذي يبلغ دخل الوزارة من الجامعات الحكومية مليارات الريالات، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «إيرادات الجامعة تكفي لتغطية رواتب الهيئة التدريسية والموظفين، لكن نفاجأ بعدم صرفها، وحتى النفقات التشغيلية تم إيقافها، فأين يذهبون بكل هذه الأموال؟!».
ويفرض مركز تقنية المعلومات (البوابة الإلكترونية) الخاضعة للميليشيات في صنعاء على كل طالب 1000 ريال رسوم تسجيل لكل عام جديد، وكذلك 500 ريال لمجلس الاعتماد الأكاديمي على كل طالب في كل عام، إلى جانب الرسوم المعتمدة.
ويقول قاسم سرور، وهو موظف في نيابة شؤون الطلاب بجامعة أروى: «لا تعترف الوزارة بالرسوم التي تدفع لمركز المعلومات (البوابة الإلكترونية)، ولا تريد التعامل بها وتريد التسجيل يدوياً، وتفرض رسوم قيمة استمارة تسجيل بألف ريال على كل طالب، والاستمارة تعتبر خاصة بالوزارة».
ويضيف سرور: «قامت الوزارة التابعة للانقلابيين بإخضاع الجامعات الخاصة عبر التهديد بسحب الترخيص، كما تطلب مبالغ مالية إلى جانب فرض توظيف 5 في المائة من الكادر بالجامعة من الميليشيات».
من جهته، يؤكد إسماعيل السنافي، وهو مسؤول مالي بجامعة أروى «أن المبالغ التي تقوم بصرفها الجامعات للوزارة في متابعة وتسهيلات للمعاملات هي أضعاف مبالغ الرسوم الرسمية التي تدفع للوزارة».
ويسترسل السنافي: «فرضت ميليشيات الحوثي الانقلابية تخصيص المنح الدراسية الداخلية لأبناء وبنات القيادات السلالية مجاناً، علاوة على فرض مبالغ مالية كبيرة دعماً لمجهودها الحربي».
أمين السياغي، الموظف بجامعة العلوم الحديثة، يقول: «تفرض الوزارة الحوثية على الجامعات منحاً مجانية إلى جانب فرضها 5 في المائة من المنح المعتمدة لموظفي الوزارة، ومع ذلك لا يتم الالتزام بالنسبة المقررة، بل يتم فرض أكثر من 35 في المائة من الطلاب منحاً، ويتم احتسابهم من الطاقة الاستيعابية المعتمدة للجامعة في الوزارة».
ويضيف السياغي: «لا نستطيع أن نأخذ من الطلبة الحوثيين رسوم الوزارة أو البوابة الإلكترونية أو رسوم الاعتماد الأكاديمي، وقد تم إرسالهم إلينا بمنح تحت مسميات عدة، منها المجاهدون أو أبناء الشهداء أو النازحون».
ويرى الدكتور محمد إسحاق «أن هذا الابتزاز من قبل ميليشيات الحوثي الانقلابية أدى إلى تحويل أعلى هرم تعليمي (الجامعات) بمختلف تخصصاتها إلى منصات طائفية ومكان لأساليب النهب وللحشد والتعبئة إلى الجبهات عبر جماعات طلابية ومشرفين ودكاترة، من السلالة تفرضهم الميليشيات».
ووفق إسحاق «تلزم ميليشيات الحوثي الجامعات اليمنية بإدخال مواد تعليمية جديدة وتدرسيها في جميع الكليات والجامعات الخاضعة لسيطرتها مثل مقرر (الثقافة الإسلامية) المعدل طائفياً، ومواد تربوية وأخرى تاريخية وأدبية تمحو وتزيف كل تاريخ القرن العشرين، حيث تتضمن مواد فكرية ومنهجية حوثية مستوردة من إيران».
وينتقد عبد الله القيسي، موظف في العلاقات العامة برئاسة جامعة صنعاء، ما وصلت إليه حال الجامعة قائلاً: «يواجه الدكتور أو الموظف الجامعي القمع والاعتداءات والملاحقات وقطع الراتب، وصولاً إلى الاختطاف أو القتل في حالة اعترض على بعض الممارسات أو طالب براتبه».
ويضيف القيسي: «كذلك هو وضع الطالب الجامعي فنصيبه من الانتهاكات الحوثية لا يقل عن المدرس؛ إذ تعرض العشرات منهم إلى الضرب والملاحقات والتحقيقات، والاختطافات للطلاب والطالبات على السواء».
وفي ظاهرة مخزية تتنافى مع عادات وتقاليد المجتمع اليمني، تعرض سكن الطالبات التابع لجامعة صنعاء إلى اقتحامات عدة من قبل (نسوة الميليشيات الانقلابية)، وقمن بتفتيش غرف الطالبات والعبث بأغراضهن الشخصية، وتهديدهن بالاختطاف في حال قمن بأي انتقاد.
ويوضح الدكتور سامي الشوافي «تتعامل ميليشيات الحوثي الانقلابية مع الجامعات الحكومية بإقصاء الكوادر الوطنية في قيادة الجامعات والكليات ورؤساء الأقسام وجميع الموظفين في المواقع المهمة بآخرين من أتباعها».
ويكشف عامر يحيى، المعيد بكلية التربية «تعمد الميليشيات الحوثية في الجامعات الحكومية إلى التحكم في كونترول الكلية، وممارسة التزوير في نتائج الطلبة الراسبين من عناصرها».
ويضيف يحيى «تم تغيير المسؤولين الماليين والمحصلين في كل الكليات، واستبدالهم بأشخاص من جماعة الحوثي حتى لو كان غير موظف في الجامعة؛ إذ يورد كل ما يتم تحصيله إلى الميليشيات وتحصيل أموال من الطلبة تحت اسم أنشطة ومساهمات ومشاركة، وتحصيلها بسندات مزورة». ويردف «قامت جماعة الحوثي بتغيير أسماء القاعات إلى أسماء مقاتليهم وقادتهم السلاليين».
وكان قد صرح حسين حازب، المعين من قبل الميليشيات وزيراً للتعليم العالي، لوسائل إعلام محلية الشهر الماضي (أبريل/نيسان)، بأن بعض الجامعات الأهلية عمرها أكثر من 20 سنة ولا يوجد لديها تصريح قانوني ولم ترتب أوضاعها، وتوعد بأنه لن يتم الاعتراف بها ولا بوثائق مخرجاتها، في تلميح لعملية ابتزاز قادمة سوف تتم عبر مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي الخاضع للجماعة.
ويصف حسن الرضي، وهو موظف في جامعة صنعاء، إعلان الميليشيات الحوثية اعتماد 2020 عاماً للاعتماد العالمي للشهادات الجامعية، بأنه إعلان أجوف هدفه استغلال التعليم العالي والطالب والعملية التعليمية برمتها، وإيجاد مصادر مالية للجماعة تدعم بها المجهود الحربي وتمول أنشطتها الطائفية.
ويشير محمد الشرع، وهو موظف بجامعة المستقبل، إلى معاناة الجامعات الخاصة من الوزارة الحوثية، بقوله «نحن نعاني من الوزارة؛ إذ يولد الصراع والانقسام الحاصل بين المسؤولين الحوثيين ازدواجية في القرارات والتوجيهات حتى وصل الأمر إلى أن الجامعات الأهلية تتلقى قرارين وتوجيهين، كل واحد يناقض الآخر وينفيه فنصاب بالحيرة».
وعند فتح تخصص جديد في الجامعات الأهلية تقول الدكتورة أسماء المغلس «يصدر الوزير الحوثي قراراً بفتح تخصصات جديدة لبعض الجامعات بعد استكمال الإجراءات القانونية ونزول لجان للتقييم والموافقة وتسديد الرسوم المستحقة لذلك، لكن نفاجأ بأن الوكيل الحوثي في الوزارة نفسها يرفض الإجراء ويلغي القرار».
وينفي حامد العودي وجود أي إدارة مؤهلة بوزارة التعليم الحوثية تلبي متطلبات واحتياجات الجامعات حتى بأقل المعايير. ويقول: «توجد شهية مفتوحة لابتزاز الجامعات ونهبها»، ويسترسل العودي: «تعاني الجامعات الخاصة من انتهازية الوزارة؛ إذ تكلف لجاناً للنزول كل شهر للجامعات، ولا يوجد مبرر قانوني لهذه اللجان وكل فترة تحت أي مسمى حتى أصبحت الجامعات الخاصة لا تبحث عن التطوير العلمي والجودة، وإنما عن رضا الوزارة الحوثية والنافذين فيها».
ويفصح مراد المقدم، وهو مندوب الجامعة اللبنانية لدى الوزارة «كل غالبية مسميات اللجان متكررة والهدف نفسه والوثائق نفسها، وتختلف مطالب كل لجنة عن تابعتها، فبعضها تستعلم عن الأنشطة والأخرى عن الطلاب الذين يحضرون ومرة يريدون مقاعد إضافية لأبناء القتلى، وكل هذه اللجان تريد مبالغ مالية».
ويضيف «مع كل هذا الابتزاز لا تستطيع الجامعة أن ترفض؛ فسيتم ابتزازها بالكثير من الأساليب منها إنزال لجان أو حذف تخصصاتها من البوابة الإلكترونية ولا تستطيع تسجيل أي طالب أو يتم إصدار قرار بإغلاقها أو التشهير بها عبر وسائل الإعلام».
أم أنور، مسؤولة الأنشطة بجامعة العلوم والتكنولوجيا للبنات، تقول: «يتم إلزام الجامعات بتحمل نفقات الأنشطة والفعاليات التي تسعى إلى حشد الطلاب، ومن ثم الدفع بهم نحو الجبهات، وتتم تسمية الفعاليات تحت شعار تطوير جودة التعليم، وتشمل ندوات فكرية وثقافية وإقامة الكثير من المحاضرات والتجمعات والمنتديات الطلابية».
وتتهم الجامعة التي لا ترعى أنشطة الميليشيات - وفق أم أنور - بأنها «تمارس أنشطة مشبوهة في الداخل لتدريس الفكر التكفيري».
ويقول سيف الطيب، أحد موظفي وزارة التعليم العالي: «إن معايير تصنيف معايير الجودة قائمة على مقدار المال الذي تدفع الجامعة إما للوزارة أو لدعم المجهود الحربي، بالإضافة إلى احتساب عدد الملتحقين بالجبهات من هذه الجامعة وعدد الشهداء في الجامعة، سواء أكانوا طلاباً أو مدرسين، إلى جانب حجم الأنشطة التي تسخّرها الجامعة لعملية حشد الطلاب».
ويؤكد ناصر حميد، موظف بكلية الآداب «أن الحوثي عمد لهدم التعليم؛ لأنه يعتبر العمود الفقري في داخل المجتمعات، ويريد إعادة اليمن إلى عصور الظلام والفتن والجهل لتكون مواقع سيطرة الحوثيين منطلقاً للإرهاب في كل أنحاء المعمورة، بعد أن سيطر على كل وسائل الإعلام وكمّم أفواه المنصفين ونشر أفكاره التدميرية».
ويضيف «إن سحب عملية التنسيق والقبول في الجامعات الحكومية والخاصة إلى التعليم العالي هدفه الاستحواذ على العائد من التسجيل وإيجاد قواعد بيانات ومعلومات عن جميع الطلاب المسجلين لتسهيل القبض على بعضهم واتهامهم بأنهم مرتزقة (موالون للشرعية)».


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لجنة إدارة غزة... لماذا تأخر استلام المهام؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
TT

لجنة إدارة غزة... لماذا تأخر استلام المهام؟

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة (الخارجية المصرية)

مرّ نحو 3 أشهر منذ تشكيل «لجنة إدارة قطاع غزة» من القاهرة، دون أن يستطيع أعضاؤها عبور معبر رفح الحدودي بين مصر والقطاع لبدء عملهم، وتسلم المسؤولية من حركة «حماس»، كما ينصّ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بالرغم من فتح معبر رفح خلال تلك الفترة.

وبحسب مصادر فلسطينية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن هناك 4 أسباب رئيسية تعرقل وصولها إلى القطاع، في مقدمتها المنع الإسرائيلي المتواصل حتى الآن، وعدم وجود آلية نهائية مع «حماس» بشأن التسليم، وعدم وجود موازنة مالية لدعم عمل اللجنة، أو وجود قوات دولية خارج القطاع أو شرطية داخله تدعم عمل اللجنة.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، عقب تشكيل «لجنة إدارة غزة»، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عن مصادر، أن حكومة بنيامين نتنياهو ترفض السماح لأعضائها بدخول قطاع غزة، لافتة إلى أنهم يواصلون اجتماعاتهم في القاهرة، ويعمل ممثلو الوسطاء، وخاصة مصر، مع الولايات المتحدة للموافقة على دخول اللجنة إلى غزة بحلول نهاية الشهر ذاته.

اجتماع للجنة إدارة غزة في القاهرة (أرشيفية - هيئة الاستعلامات المصرية)

ولم تتغير قاعدة المنع الإسرائيلية بحق اللجنة، واتهمت وسائل إعلام فلسطينية، الممثل الأعلى للقطاع في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، بالوقوف خلف عرقلة دخول اللجنة التي يرأسها الدكتور علي شعث إلى قطاع غزة، ومنعها من أداء مهامها الإنسانية، بحسب تقرير نقلته وكالة «شهاب»، الخميس.

وعقب زيارة للقاهرة، كشفت «حماس» قبل نحو أسبوع، أن وفد الحركة والفصائل الفلسطينية عقد لقاءً مع ميلادنوف بحضور الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، في إطار جهود استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وفقاً لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومواصلة معالجة تداعيات الحرب على القطاع.

«المشكلة في الإسرائيليين»

وشرح مصدران فلسطينيان لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، أن الاجتماعات في القاهرة عادة ما تشهد نقاشات بشأن واقع اللجنة ومساعي تسلمها مهامها، وستكون المحادثات المرتقبة بالقاهرة تحمل قدراً هاماً من الأهمية، خاصة أنها تأتي في فترة هدنة حرب طهران وواشنطن، وقد تعزز مساعي حلحلة بعض أزمات اتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها عمل اللجنة.

وأوضح أحد المصدرين أن المشكلة الرئيسية في الإسرائيليين، وليس ملادينوف كما يثار، ويواصلون رفض مرورهم حتى الآن، مؤكداً أن نتنياهو لا يعنيه «مجلس السلام» ولا خطة ترمب، متوقعاً أنه «حال تم تشكيل الشرطة الفلسطينية في القطاع قد تسمح إسرائيل تحت ضغوط أميركية بدخول اللجنة، خاصة أن اللجنة لن تنجح دون ذراع على الأرض تنفذ قراراتها وتضمن نجاحها».

ومع تشكيل اللجنة مطلع هذا العام، قالت «حماس»، في بيان، إن الجهات الحكومية في غزة شرعت باتخاذ إجراءات لتسهيل عمل اللجنة الوطنية وتسليمها مقاليد الأمور، مؤكدة أنها لا تضع أي اشتراطات مسبقة لضمان بدء عملها.

«لجنة إدارة غزة» ما زالت في القاهرة بعد 3 أشهر على قرار تشكيلها (الخارجية المصرية)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن هناك 3 أسباب رئيسية في تأخر تسلم اللجنة مهامها، الأول أنه لم يتم الحسم مع «حماس» بآليات التسليم ومهام تسليم السلاح وترتيب العمل، والثاني يتمثل في عدم وجود موازنات مالية، خاصة أنه مطلوب منها تقديم إغاثة وخطط طوارئ إنسانية، وبالتالي لا يمكن للجنة أن تتحمل المسؤولية في غزة دون أن تكون لديها الأدوات اللازمة للعمل.

ويعتقد مطاوع أن عدم دخول قوات دولية يمكن عدّه سبباً ثالثاً في تأخر دخول اللجنة للقطاع، باعتبار أن اللجنة ترى في هذه القوات عاملاً مساعداً للاستقرار ومنع إسرائيل من أي خروقات.

ولا يحمّل مطاوع إسرائيل مسؤولية تأخير عمل اللجنة وحدها، بل يحمّل «حماس» أيضاً المسؤولية، وقال: «رغم ما تعلنه (حماس) باستمرار من أنها مستعدة لتسليم اللجنة مهامها، فإنها في الواقع لم تتخذ إجراءات تتوافق مع ذلك، بل نرى أن الحركة تعيد السيطرة على مفاصل القطاع بطريقة غير مباشرة، بما يجعل قبضتها هي الأقوى، وتحول اللجنة إلى جهة تعمل لدى الحركة».

ويؤكد مطاوع على «أهمية اجتماع القاهرة المرتقب، خاصة أنه يمكن أن يسهم في حلحلة أزمة لجنة إدارة قطاع غزة حال كانت هناك إرادة أميركية، وتوفر أموال لعمل اللجنة، واقتنعت (حماس) أن مسار الحل يجب أن تقدمه في تنازلات حقيقية».


رئاسية جيبوتي... غيله يقترب من ولاية سادسة وسط تحديات

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
TT

رئاسية جيبوتي... غيله يقترب من ولاية سادسة وسط تحديات

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)
رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع عدد من أنصاره (وكالة الأنباء الجيبوتية)

تشهد جيبوتي، الجمعة، انتخابات رئاسية يتصدرها الرئيس الحالي مرشح حزب «التجمع الشعبي من أجل التقدم»، إسماعيل غيله، في مواجهة محمد فرح سماتر من حزب «المركز الديمقراطي الموحد»، المرشح الوحيد المنافس في السباق وسط غياب أصوات معارضة بارزة.

ويرأس غيله (78عاماً) البلاد منذ 1999، وقد ألغى تحديد الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة عند 75 عاماً، وكذلك الحد الأقصى للفترتين.

وحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإنه الأوفر حظاً للفوز بولاية سادسة في ظل غياب المنافسة القوية والمعارضة البارزة، غير أنه يواجه تحديات متعلقة بسنّه وتحديد خليفته.

تتمتع جيبوتي، التي يبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة، بموقع استراتيجي مطل على البحر الأحمر وخليج عدن، يُعد بالغ الأهمية في منطقة القرن الأفريقي، إضافةً إلى استضافة قواعد عسكرية أجنبية.

رئيس جيبوتي المنتهية ولايته إسماعيل غيله مع أنصاره في منطقة بلبالا (وكالة الأنباء الجيبوتية)

حراك انتخابي

وقبيل انطلاق السباق الرئاسي، استقبل غيله، الأربعاء، في قصر الجمهورية رؤساء وفود المراقبين الدوليين للانتخابات الرئاسية، وبحث معهم قدرة الانتخابات في جيبوتي على الامتثال لمعايير التصويت الدولية، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية.

ومن المتوقع مشاركة 67 مراقباً منتدبين من أربع منظمات، هي: الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، ومنظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية.

وفي آخر تجمع انتخابي له، الأربعاء، أعرب غيله عن ثقته بنجاحه، لافتاً إلى الجهود التي بذلها خلال فتراته الرئاسية الخمس.

أما منافسه سماتر، فقد تعهد في مؤتمر انتخابي قبل أيام بإعطاء الأولوية لتعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية، واتخاذ تدابير لتعزيز توظيف الشباب.

يبلغ عدد الناخبين المسجلين 256467 ناخباً، حسب وكالة الأنباء الرسمية، وتضم مدينة جيبوتي الجزء الأكبر من الناخبين بواقع 162833 ناخباً مسجلاً، فيما تُجرى الانتخابات في 712 مركز اقتراع في أنحاء البلاد.

ويرجح الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، أن يفوز غيله «ليس من خلال توافق ديمقراطي واسع النطاق، بل من خلال استخدام سردية قوية للأمن والاستقرار، مدعومة من حزبه الحاكم، اتحاد الأغلبية الرئاسية، ومن خلال السيطرة الصارمة على أجهزة الدولة، مع مقاطعة قطاعات من المعارضة».

بلا منازع منذ 1999

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلن غيله ترشحه لولاية سادسة في الانتخابات، وفقاً لبيان صادر عن الرئاسة.

وجاء ترشحه بعد أيام من تصويت البرلمان على إلغاء البند الدستوري الذي يحدد الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة عند 75 عاماً، وذلك بعد 15 عاماً من تعديل الدستور في 2010 بإلغاء الحد الأقصى للفترتين.

وفاز غيله في آخر انتخابات رئاسية، التي أُجريت في أبريل (نيسان) 2021، بنسبة تزيد على 97 في المائة من الأصوات. ويحتل ائتلافه السياسي موقعاً مهيمناً في البرلمان.

وقبل غيله، كان يتولى الرئاسة حسن جوليد أبتيدون، مؤسس استقلال جيبوتي. وفي عام 1999، خَلَفه غيله بعد أن شغل منصب رئيس ديوانه لمدة 22 عاماً.

ويقاطع حزبا المعارضة الرئيسيان، «حركة التجديد الديمقراطي والتنمية» و«التحالف الجمهوري من أجل الديمقراطية»، الانتخابات منذ عام 2016 اعتراضاً على مسار الانتخابات.

ويعتقد إبراهيم أن «العمر وإعداد خليفة هما أبرز التحديات التي تواجه غيله، خصوصاً أنه يتردد أنه يُعد ابن زوجته، الأمين العام لمكتب رئيس الوزراء نجيب عبد الله كامل (61 عاماً) لتولي مناصب قيادية».

وأشار إلى أن نجيب، وهو ابن رئيس الوزراء السابق عبد الله كامل، ينتمى إلى قومية الدناكل عفر، وهذا يثير تحديات من قومية الصومال التي ينتمي إليها غيله، «مما يُثير تكهنات حول أزمة خلافة محتملة».

ويخلص إبراهيم إلى أن الانتخابات ما هي إلا «توطيد للسلطة أكثر من كونها منافسة حقيقية، لكنها تُخفي مستقبلاً غير مستقر في ضوء عدم حسم تلك التحديات».


غروندبرغ يشدد على تجنيب اليمن الانجرار نحو التصعيد الإقليمي

المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
TT

غروندبرغ يشدد على تجنيب اليمن الانجرار نحو التصعيد الإقليمي

المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)
المبعوث الأممي خلال لقائه الفريق الصبيحي بـ«قصر معاشيق» في عدن (إعلام حكومي)

اختتم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة المؤقتة عدن، ركزت على بحث مسارَي السلام والاستقرار في ظل تعقيدات المشهدَين الإقليمي والداخلي، حيث شدد على ضرورة تجنيب اليمن الانجرار إلى دوامة التصعيد الإقليمي، والحفاظ على زخم العملية السياسية، بالتوازي مع دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز فرص التعافي، بما يهيئ الأرضية لحل شامل ومستدام للأزمة اليمنية.

وشكّلت هذه الزيارة محطة جديدة ضمن مساعي الأمم المتحدة للحفاظ على زخم الوساطة، في ظل بيئة إقليمية متوترة تلقي بظلالها على المشهد اليمني، وتفرض على مختلف الأطراف ضرورة تجنب الانزلاق إلى تصعيد جديد قد يقوض ما تحقق من هدوء نسبي خلال الفترة الماضية.

ووفق بيانات أممية ويمنية، فقد ناقش المبعوث غروندبرغ مع عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق محمود الصبيحي، ورئيس الوزراء وزير الخارجية الدكتور شائع الزنداني، تطورات الأوضاع على الساحة الوطنية، والتداعيات المباشرة للتصعيد الإقليمي على فرص السلام في اليمن. وجرى التأكيد على أهمية تحييد الملف اليمني عن التوترات الإقليمية، والعمل على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة بين مختلف الأطراف.

واستعرض غروندبرغ نتائج تحركاته الأخيرة، بما في ذلك الجهود الرامية إلى استئناف العملية السياسية، والتقدم المحرز في ملف تبادل المحتجزين، الذي يُعدّ من أبرز الملفات الإنسانية المرتبطة بالنزاع.

من جهته، جدد الفريق الصبيحي دعم مجلس القيادة الرئاسي الكامل جهود الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة تحقيق سلام عادل ودائم يستند إلى المرجعيات المتفق عليها، وفي مقدمتها «المبادرة الخليجية»، ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن الدولي، لا سيما القرار «2216».

كما عبّر المسؤولون اليمنيون عن تقديرهم الدور الإقليمي والدولي، خصوصاً من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، مؤكدين أهمية استمرار هذا الدور في مختلف المسارات، بما يعزز فرص الاستقرار ويهيئ الأرضية لحل سياسي شامل.

أولوية الاستقرار الاقتصادي

اقتصادياً، حظيت ملفات الاستقرار المالي والنقدي بحيز واسع من نقاشات المبعوث الأممي مع المسؤولين اليمنيين، حيث التقى وزير المالية، مروان بن غانم، ووزير النفط والمعادن، محمد بامقاء، إلى جانب محافظ «البنك المركزي»، أحمد غالب. وتركزت المباحثات على التحديات التي تواجه المالية العامة، وأولويات الحكومة بشأن إقرار ميزانية عام 2026، وتحسين الإيرادات، وتعزيز كفاءة الإنفاق.

غروندبرغ التقى في عدن رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني (إعلام حكومي)

كما ناقش الجانبان أهمية استئناف إنتاج وتصدير النفط والغاز، بصفتهما ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني، وتوفير موارد مستدامة تسهم في تخفيف الأزمة الإنسانية. وجرى التطرق كذلك إلى فرص تنفيذ إصلاحات اقتصادية أوسع، من شأنها تعزيز ثقة المجتمع الدولي، وجذب الدعم اللازم لعملية التعافي.

وأكد رئيس الوزراء اليمني، شائع الزنداني، حرص الحكومة على «مواصلة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، بما يعالج اختلالات المالية العامة، ويعزز الاستقرار النقدي، ويفتح المجال أمام شراكات دولية أوسع لدعم الاقتصاد اليمني».

تعزيز الشمولية

في سياق دعم الشمولية، التقى المبعوث الأممي وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، حيث جرى التأكيد على «أهمية تعزيز مشاركة المرأة في عمليات صنع القرار السياسي والعام، بوصفها عنصراً أساسياً في تحقيق سلام مستدام». كما ناقش اللقاء «سبل التمكين الاقتصادي للمرأة، وتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية لها في ظل التحديات الراهنة».

وامتدت لقاءات غروندبرغ لتشمل محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، حيث «جرى بحث الديناميكيات المحلية، والجهود المبذولة لتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الاستقرار في المدينة، التي تمثل مركزاً سياسياً واقتصادياً مهماً».

المبعوث الأممي إلى اليمن لدى وصوله لمطار عدن (الأمم المتحدة)

كما حرص المبعوث الأممي على لقاء ممثلين عن المجتمع المدني ووسائل الإعلام، «في إطار توجه الأمم المتحدة إلى تعزيز الشمولية وإشراك مختلف الفاعلين في جهود السلام، بما يعكس تنوع الرؤى ويعزز فرص الوصول إلى حلول توافقية».

وفي ختام زيارته، شدد غروندبرغ على «ضرورة الحفاظ على مساحة للعملية السياسية، وتكثيف الجهود لتجنيب اليمن تداعيات التصعيد الإقليمي»، مؤكداً أن تحقيق السلام يتطلب تضافر الجهود المحلية والإقليمية والدولية، والعمل على مسارات متوازية تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية.