أهداف متضاربة لموسكو وواشنطن في الأزمة الفنزويلية

المشترك في حسابات الطرفين هو أن سقوط نظام كراكاس سيؤدي إلى سقوط النظام في كوبا

أهداف متضاربة لموسكو وواشنطن في الأزمة الفنزويلية
TT

أهداف متضاربة لموسكو وواشنطن في الأزمة الفنزويلية

أهداف متضاربة لموسكو وواشنطن في الأزمة الفنزويلية

تسعى الدبلوماسية الإسبانية منذ ليل الثلاثاء الماضي إلى إقناع المفوّضية الأوروبية وعدد من الشركاء الرئيسيين في الاتحاد، ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، للتحرّك بسرعة وعلى أعلى المستويات من أجل وقف تدهور الأوضاع في فنزويلا بعد التصعيد الأخير الذي «وضع البلاد على شفا حرب أهلية من شأنها، إذا اندلعت، أن تؤدي إلى تدخّل عسكري خارجي يستحيل التكّهن بعواقبه»، كما ذكر مسؤول رسمي إسباني مكلّف تنسيق الموقف الأوروبي من الأزمة.
وقال المسؤول إن «حرب الاتهامات المباشرة بين واشنطن وموسكو تصبّ الزيت على النار في الوقت الذي تقترب المواجهات بين النظام والمعارضة من مواجهة دامية مفتوحة»، وأعرب عن شكوكه في أن يساعد استمرار الاتصالات بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي حول الأزمة إلى تنفيس الاحتقان «لأن أهداف الطرفين متضاربة على كل المستويات».
وتفيد معلومات خاصّة «بالشرق الأوسط» بأن المفوّضة الأوروبية السامية لشؤون السياسة الخارجية فيديريكا موغيريني تبحث مع معاونيها في اقتراح إسباني لعقد قمّة أوروبية مصغّرة حول الأزمة الفنزويلية، بمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، على أن يُدعى إليها أيضا في مرحلة ثانية ممثلون عن النظام الفنزويلي والمعارضة.

وفي معلومات الأوروبيين وتحليلاتهم أن الإدارة الأميركية، التي تلوّح باللجوء إلى التدخّل العسكري منذ بداية الأزمة أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي، تدفع باتجاه تصعيد المواجهة بين الأجهزة الأمنية للنظام والمعارضة واستخدامها كذريعة لتبرير التدخّل الخارجي بعد أن أيقنت بعدم جدوى المراهنة على انشقاق القوات المسلّحة لإسقاط مادورو، على حد قول مسؤول أوروبي قال أيضا إن «موسكو لن تتخلّى بسهولة عن موقع النفوذ الوحيد المتبقّي لها في أميركا اللاتينية إلى جانب كوبا التي تراجع دورها كثيراً بعد نهاية الكاسترية».
ويعتبر الأوروبيّون أن القاسم المشترك الوحيد في حسابات الطرفين الأميركي والروسي، هو أن سقوط النظام الفنزويلي سيؤدي حتماً إلى سقوط النظام في كوبا، نظراً للترابط الاقتصادي والعسكري الوثيق بينهما منذ أيّام فيديل كاسترو وهوغو تشافيز. وتشكّل فنزويلا، رغم الأزمة الطاحنة التي تعاني منها منذ سنوات، الشريان الاقتصادي الرئيسي لكوبا التي بدورها تمدّ النظام الفنزويلي بالدعم التقني والعسكري الذي يوفّر لمادورو عناصر البقاء في السلطة.
وأكدت كوبا مجددا أنها ليست لها قوات في فنزويلا، ووصفت المزاعم الأميركية في هذا الصدد بأنها «أكاذيب». وقالت جوانا تابلادا المسؤولة في الخارجية الكوبية: «لا يمكنك سحب قوات ليست موجودة بالأساس من فنزويلا». ونقل موقع «كوباديبيت» الإلكتروني عن تابلادا «كوبا لها قوات قوامها 20 ألف عسكري في فنزويلا، وإننا نتدخل في شؤونها الداخلية، هو أمر تعلم الحكومة الأميركية تماما أنه غير صحيح». وتوعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب كوبا مجددا أمس الأربعاء بعقوبات قاسية ما لم تتوقف عن دعم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وفي هذا الصدد ترجّح واشنطن أن القيادات العسكرية التي قالت إنها سبق وأعربت عن استعدادها لتأييد مغادرة مادورو السلطة، قد عادت عن موقفها تحت الضغوط أو التهديدات التي تعرّضت لها على يد أجهزة المخابرات العسكرية التي يسيطر عليها الكوبيون. وكان مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون قد أعلن يوم الأربعاء أن وزير الدفاع ورئيس المحكمة العليا وقائد الحرس الوطني على استعداد لدعم خطة إزاحة مادورو، لكن وبعد مرور الوقت من غير أن يصدر عنهم أي موقف مؤيد للمعارضة علّق المبعوث الأميركي الخاصة لفنزويلا إليوت برامز بقوله: «حاولنا الاتصال بهم مرّات عدّة، لكن هواتفهم كانت مقفلة».
ويسود إحباط في الأوساط الدبلوماسية الأوروبية من امتناع واشنطن عن التنسيق مع حلفائها الأوروبيين حول الأزمة الفنزويلية، وليس معروفاً بعد ما هي الخطوط الحمر التي وضعتها الإدارة الأميركية للتدخل عسكريّاً كما تلوّح منذ فترة. ويخشى المراقبون في بروكسل أن تكون ساعة الصفر قد اقتربت بعد إعلان وزير الدفاع الأميركي المؤقت باتريك شاناهان إلغاء جولته الأوروبية لمتابعة الأزمة الفنزويلية.
ويعتبر الأوروبيّون أن التدخّل العسكري الخارجي سيؤدي إلى انهيار الجبهة الدولية العريضة التي أيّدت حتى الآن زعيم المعارضة خوان غوايدو الذي يطالب برحيل مادورو.
ويذكر أن الاتحاد الأوروبي وكندا وبلدانا أخرى سبق وأوضحت أنها تعارض كلّياً أي تدخّل عسكري خارجي في الأزمة الفنزويلية، وليس مستبعداً أن ترفض دول مجموعة ليما أيضا هذا التدخّل إذا تعرّضت للضغط من واشنطن.
في غضون ذلك تتضارب الأنباء الواردة من كاراكاس حول الإصابات التي أسفرت عنها المواجهات الدامية بين المتظاهرين وقوات الشرطة والجيش والميليشيات الشعبية المسلّحة من النظام، فيما تستمرّ المظاهرات التي دعت إليها المعارضة في معظم أنحاء البلاد لإسقاط النظام. وفي تسجيل صوتي خاص «بالشرق الأوسط» وصفت القيادية المعارضة دلسا سولورزانو الوضع الراهن في العاصمة الفنزويلية على النحو التالي «القمع بلغ مرتبة الإرهاب منذ ساعات في العاصمة، ولا سبيل لمعرفة عدد القتلى لأنه لا توجد معلومات رسمية عن ذلك. وفي فنزويلا عدد كبير من الأشخاص الذين يعيشون وحدهم بعد تشتت العائلات والهجرة الكثيفة.
والمستشفيات لا تعطي معلومات عن الإصابات والقتلى، كما أن الأطباء يخشون الاعتقال إذا كشفوا عن مثل هذه المعلومات. ليلة البارحة كانت ليلة رعب طويلة تخللتها مداهمات لمئات المنازل على يد المجموعات الشعبية المسلّحة التي كانت تطلق النيران على المباني والأحياء السكنية، مما أدّى إلى وقوع إصابات كثيرة من بينها صحافيون بعضهم في حالة خطرة... صحيح أن مادورو يفتقر إلى الشرعية والتأييد الشعبي، لكنه يسيطر على السلاح. قلّة هم الذين يؤيدونه، حتى في صفوف القوات المسلّحة، لكنه يستخدم سلاح الدولة ضد المواطنين... والشعب يملأ الشوارع، في كل المدن. بإمكانك أن تتابع على حسابي في (تويتر) صور المظاهرات الحاشدة والمؤثرة، حيث يتدافع الناس بجرأة وإصرار على المطالبة برحيل النظام. لكن المتظاهرين المدنيين، المسالمين والعُزل، يواجهون مجموعات من المجرمين المسلّحين.
ونعرف من مصادر موثوقة أنه بعد انشقاق الكثيرين من أفراد القوات المسلحة سلّم النظام ملابس عسكرية للميليشيات وأطلق يدها في قمع المظاهرات والمعارضة... إنها ساعات رهيبة التي نعيشها منذ الثلاثاء. المجتمع الدولي يؤيدنا، لكن عليه أن يعرف أن البيانات الدبلوماسية لن تنقذ الأرواح، ولا أفهم كيف أن مجلس حقوق الإنسان قد أصدر بياناً بالأمس يطالب الأطراف بخفض مستوى العنف! كيف لي أن أخفّض مستوى العنف وأنا المتظاهرة انتعل حذاء رياضيّاً وأحمل علم بلادي بيدي في مواجهة السيارات المصفّحة والبنادق والرشاشات؟ العنف له مصدر واحد في فنزويلا: الديكتاتورية، ونحن لا نملك سوى الرغبة في الحريّة».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».