مسيرات احتجاجية في عيد العمال... وبابا الفاتيكان يعتبر البطالة «مأساة عالمية»

الشرطة تمنع العمال في إسطنبول من الوصول إلى ميدان «تقسيم»

الشرطة تعتقل أحد المحتجين لدى وصولهم  إلى ميدان تقسيم بوسط إسطنبول (رويترز)
الشرطة تعتقل أحد المحتجين لدى وصولهم إلى ميدان تقسيم بوسط إسطنبول (رويترز)
TT

مسيرات احتجاجية في عيد العمال... وبابا الفاتيكان يعتبر البطالة «مأساة عالمية»

الشرطة تعتقل أحد المحتجين لدى وصولهم  إلى ميدان تقسيم بوسط إسطنبول (رويترز)
الشرطة تعتقل أحد المحتجين لدى وصولهم إلى ميدان تقسيم بوسط إسطنبول (رويترز)

نظمت النقابات العمالية في معظم دول العالم مظاهرات ومسيرات في الذكرى السنوية لعيد العمال التي حلت أمس. بعض الاحتجاجات تحولت إلى مواجهات مع قوات الأمن، كما حدث في تركيا، واتخذت قوات الشرطة في فرنسا احتياطاتها تحسباً لاندلاع أعمال الشغب بسبب ما يقوم به أصحاب السترات الصفراء كل سبت. كما نظمت مسيرات لعدة مجموعات يمينية وأحزاب، واحتجاجات مضادة في جنوب شرقي ألمانيا على وجه الخصوص. وفي مدينة كيمنيتس شارك رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني الشعبوي، ألكسندر غاولاند، في المظاهرة الرئيسية التي نظمت في المدينة.
وأكد بابا الفاتيكان فرنسيس مجدداً على أهمية العمل للإنسان، وأنه يتعين توزيع فرص العمل على نحو عادل. وذكر البابا في المناسبة أنه من دون توفير فرص العمل فإنه لن يمكن تحقيق الكرامة للجميع. ووصف بابا الفاتيكان البطالة بأنها «مأساة عالمية». ودعا خلال خطاب له في ميدان القديس بطرس في روما إلى الصلاة من أجل الذين فقدوا عملهم ولم يتمكنوا من العثور على عمل جديد. تجدر الإشارة إلى أن الكنيسة الكاثوليكية تُحيي ذكرى القديس «يوسف النجار» في الأول من مايو (أيار) الموافق لليوم العالمي للعمال.
ووضعت شرطة باريس، أمس (الأربعاء)، في حالة تأهب قصوى؛ للحيلولة دون وقوع أعمال عنف في المظاهرات التقليدية التي تنظمها النقابات العمالية بالمدينة، بمناسبة عيد العمال.
وحذر وزير الداخلية، كريستوف كاستانر من أن ألفي ناشط متطرف ربما يحاولون «نشر العنف وإشاعة الاضطراب» وربما ينضمون إلى متظاهرين متطرفين من حركة السترات الصفراء. وتم صدور أوامر بإغلاق الشركات على طول طريق المسيرة التي تنظمها النقابة العمالية الرئيسية بمنطقة «ليفت بنك» بالمدينة. يذكر أن عيد العمال شهد العام الماضي اشتباكات بين 1200 من المتظاهرين الملثمين وشرطة مكافحة الشغب. وأصبحت الاشتباكات أيضاً من الملامح الدائمة لمظاهرات «السترات الصفراء» الأسبوعية في باريس ومدن أخرى، ومن المتوقع أن تخرج الحركة التي ليس لها قيادة إلى حد كبير إلى الشوارع مرة أخرى في عيد العمال أيضاً. وفي ألمانيا دعت مجموعات يسارية متطرفة إلى الخروج في مظاهرات في برلين وهامبورغ تحت شعار «معاً ضد الاستغلال إلى الهجوم الثوري». ويقف وراء هذه المظاهرة منظمة «البناء الأحمر»، التي تصنفها هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) على أنها منظمة تتبنى العنف.
ودعا الاتحاد العام للنقابات العمالية في ألمانيا إلى المطالبة بوضع حد أدنى للأجور على مستوى أوروبا. وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية، دعا راينر هوفمان، رئيس الاتحاد العام للنقابات العمالية، العمال في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي إلى إظهار قوتهم في انتخابات البرلمان الأوروبي المقررة في وقت لاحق من الشهر الحالي. وأضاف هوفمان في المقابلة، أن «أوروبا تدعم السلام وتحقيق المزيد من الرخاء». وتابع القيادي العمالي: «في العصر الرقمي لن يكون العمل على المستوى الوطني، وإنما على المستوى الأوروبي والعالمي». يذكر أن العمال الألمان يتظاهرون في يوم أول مايو من كل عام للمطالبة بتحسين ظروف العمل والأجور.
في سياق متصل، احتفل عمال تركيا بالمناسبة، أمس، على وقع أزمة اقتصادية حادة تشهدها بلادهم، أبرز مظاهرها انهيار العملة وارتفاع التضخم إلى مستوى الـ20 في المائة ومعدل البطالة إلى 14.6 في المائة وتزايد حاد في حالات إفلاس الشركات. ونظم اتحادات ونقابات العمال مسيرات حاشدة في مختلف المدن والميادين، وسط تدابير أمنية مشددة، في حين واصلت الحكومة منع إقامة الاحتفالات في ميدان تقسيم في وسط إسطنبول الذي شهد في هذه المناسبة عام 1977 إطلاق نار على العمال المحتفلين؛ ما أدى إلى مقتل عدد منهم.
ولم تخل الاحتفالات من مواجهات بين الشرطة ومجموعات من العمال الذين حاولوا الوصول إلى ميدان تقسيم والاحتفال بداخله، وأوقفت قوات الشرطة عدداً منهم. وكانت السلطات التركية رفضت طلبات قدمت لها قبل أسبوع من اتحادات عمالية ونقابية مختلفة للاحتفال في الميدان لما يحمله من رمزية بالنسبة لهم. وأعلن اتحاد نقابات موظفي الدولة، أنه سيواصل مقاومته من أجل الحصول على حقوق العمال؛ وذلك في بيان ألقاه عضو به بعد وضعه إكليلاً من الزهور عند النصب التذكاري بميدان تقسيم رفقة عدد محدود جداً من الأشخاص سمحت لهم الشرطة بالدخول.
كما دخل ممثلون لاتحاد النقابات الشعبية الميدان وهم يحملون في أيديهم محافظ نقود خاوية قاموا بوضعها تحت النصب التذكاري الذي يتوسطهم وهم يرددون وسط تدابير أمنية مشددة: «الموظفون يزدادون فقراً كل يوم... ومحافظهم خاوية باستمرار». وتوجه أعضاء في نقابتي الخدمات الصحية والموظفين المدنيين إلى ميدان تقسيم؛ وبعد وقوفهم دقيقة حداداً على أرواح ضحايا عام 1977 تحدث أحدهم لعدد من الصحافيين مؤكداً أهمية هذه المناسبة بالنسبة لعمال تركيا، للمطالبة بحقوقهم المغتصبة. وردد أعضاء النقابتين هتافات، مثل: «نحن العمال سننتصر لأننا على حق». ودخل عدد من أعضاء نقابة عمال الإنشاءات والبناء الميدان وهم يحملون لافتات كتب عليها: «سنضع حداً للاستغلال وجرائم العمل». ورفع بعض أعضاء إحدى المبادرات النسائية لافتة كتب عليها «نحن السيدات الجامعيات في تمرد؛ سنقوم بتخليص الجامعات من سطوة الشرطة».
ونظراً لمنع السلطات التركية احتفال العمال في ميدان تقسيم؛ قرر الكثير من النقابات الاحتفال بهذه المناسبة في ميادين أخرى مثل ميدان بكيركوي، الذي تدفق عليه عشرات الآلاف من أعضاء اتحادات ونقابات العمال.
وفي ميدان بشيكتاش القريب من منطقة تقسيم احتشد أعضاء حزب استقلال الشعب؛ وعند توجههم إلى ميدان تقسيم القريب منهم تصدت لهم قوات الشرطة وقامت بتوقيف عدد كبير منهم. وبلغ عدد من تم توقيفهم نحو 100 شخص. وشاركت النقابات الصحافية التي أكدت في لافتاتها أن «الصحافة ليست جريمة».
وأقيمت احتفالات مهرجانية في ميدان أناضولو في العاصمة أنقرة وسط تدابير أمنية مشددة، ورفع المشاركون في الاحتفالات مطالب بتحسين أحوال العمال والموظفين.
وتعود بداية الاحتفال بعيد العمال في تركيا إلى عام 1911 في عهد الدولة العثمانية، وأول مدينة شهدت الاحتفالات بعيد العمال هي مدينة سالونيك، وهي مدينة متطورة من ناحية المنظمات العمالية، وبدأت إسطنبول الاحتفال بعيد العمال في عام 1912 وتم اعتماد الأول من مايو عيداً للعمال بشكل قانوني في تركيا في عام 1923 مع إعلان الجمهورية.
وبعد هذا التاريخ أصدرت تركيا قانوناً أطلق عليه «قانون تقرير السكون»، في عام 1925، حيث تم حظر الاحتفالات بعيد العمال، واستمر هذا القانون ساري المفعول حتى سنوات طويلة، وفي عام 1976 تم الاحتفال بهذا اليوم للمرة الأولى برعاية «اتحاد نقابات العمال الثورية في تركيا» وألغيت الاحتفالات بعد الأحداث الدامية عام 1977، عندما تعرض محتفلون لإطلاق نار من مبانٍ مجاورة. وفي عام 2009، صدر قانون أعلن بموجبه أول مايو من كل عام عيداً رسمياً في البلاد مرة أخرى، وأصبح عطلة رسمية أيضاً. في سياق متصل، شهدت مدينة شانلي أورفا جنوب البلاد حادث سير لقي فيه 5 أشخاص حتفهم، وأصيب 4 آخرون أثناء توجه مجموعات من أعضاء إحدى النقابات التجارية إلى أحد الميادين للاحتفال بعيد العمال.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...