إيران وتركيا ترفضان تحرك ترمب لتصنيف «الإخوان» منظمة إرهابية

برلمانيون مصريون يرحبون ويترقبون «تنفيذاً عملياً»

TT

إيران وتركيا ترفضان تحرك ترمب لتصنيف «الإخوان» منظمة إرهابية

وجّهت تركيا وإيران، أمس الأربعاء، انتقادات شديدة للولايات المتحدة على خلفية سعي الرئيس دونالد ترمب إلى تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» منظمة إرهابية. وأعلنت أنقرة رفضها الخطوة الأميركية التي أكدها البيت الأبيض أول من أمس، معتبرة أن من شأنها تعزيز «معاداة الإسلام» في الغرب وحول العالم، فيما اتهم وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف واشنطن بدعم الإرهاب في المنطقة، مؤكداً أن طهران تعارض إدراج «الإخوان» على اللائحة الأميركية لـ«المنظمات الإرهابية».
وقال ظريف في تصريحات صحافية على هامش انعقاد منتدى في الدوحة، أمس، إن «الولايات المتحدة تدعم أكبر مصدر للإرهاب في منطقتنا وهو إسرائيل»، معتبراً أن واشنطن «ليست في موقع يسمح لها بمحاولة وضع آخرين في خانة الإرهاب»، بحسب ما أوردت وكالة «رويترز». وردّاً على سؤال حول قضية جماعة «الإخوان»، قال ظريف: «نحن نرفض أي محاولة من قبل الولايات المتحدة في هذا الاتجاه».
وقالت سارة ساندرز المتحدثة باسم البيت الأبيض يوم الثلاثاء: «تباحث الرئيس (ترمب) مع فريقه للأمن القومي وقادة المنطقة الذين يشاطرونه القلق (من تنظيم الإخوان)، ويجري درس الأمر طبقاً للمسار الداخلي» المتبع. وأشارت «رويترز» إلى أن إدراج «الإخوان» على اللائحة الأميركية يتيح فرض عقوبات على من يقيم علاقات مع الجماعة المصنفة إرهابية في عدد من الدول العربية.
ويأتي إعلان البيت الأبيض بعد ثلاثة أسابيع من زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لواشنطن. وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» التي كانت قد كشفت المعلومات عن سعي ترمب إلى تصنيف «الإخوان»، تواجه مبادرة الرئيس الأميركي اعتراضات شديدة خاصة داخل «البنتاغون».
وكانت جماعة «الإخوان» أصدرت أول من أمس بياناً أوردته «رويترز» قالت فيه إنها ستواصل «العمل السلمي» بغض النظر عن تحركات إدارة الرئيس ترمب لتصنيفها جماعة إرهابية.
ولم تعلّق مصر رسمياً على المسعى الأميركي ضد «الإخوان»، لكن برلمانيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، أبدوا ترحيباً مصحوباً بترقب لآلية تنفيذ إدارة ترمب للخطوة وتحويلها إلى «إجراءات عملية» بحق الجماعة.
وصنّفت السلطات المصرية «الإخوان» كيانا إرهابيا منذ ديسمبر (كانون الأول) 2013. وكان ذلك في أعقاب عملية استهدفت بسيارة مفخخة مديرية أمن الدقهلية (دلتا مصر) وأسفرت عن مقتل 16 شخصاً. وأصدرت مصر أيضاً في عام 2015 قانون «تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين»، والذي طال عدداً كبيراً من رموز الجماعة وقادتها.
وأشار عضو لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان وزير الخارجية السابق، محمد العرابي، إلى أن مستوى المناقشات بشأن تصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية يعتبر في مرحلة متقدمة بطرحه ضمن جدول أعمال الإدارة الأميركية، وكذلك «إذا ما قُورن بتوقف الأمر سابقاً عند حدود مطالبات من الأطراف العربية». ومع ذلك قال العرابي لـ«الشرق الأوسط» إن هناك ما يمكن اعتباره «ضغوطاً قد تواجهها إدارة ترمب سواء كان ذلك من أطراف ودول غربية تمنح بعض عناصر الإخوان لجوءاً سياسياً، وكذلك بعض الدول العربية التي تضم برلماناتها أو حكوماتها أعضاء بالجماعة أو أحزاباً على صلة بها».
وبشأن ردود الفعل التركية والإيرانية الرافضة للإجراء، قلل العرابي من حدود تأثير تحفظات طهران وقال إنها «ذات صلة بإثبات الموقف بعد تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية؛ لكن وعلى الجانب الآخر فإن رفض أنقرة للتصنيف سيأخذ مساحة من النقاش في الإدارة الأميركية في ظل تدخل الأولى في ملفات إقليمية مثل السودان وليبيا». وخفضت القاهرة وأنقرة علاقاتهما الدبلوماسية منذ عام 2013 بسبب موقف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، المناهض لـ«ثورة 30 يونيو (حزيران)» التي أطاحت حكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، بعد احتجاجات شعبية واسعة ضد استمراره في الحكم، وإطلاقه تصريحات اعتبرتها مصر عدائية.
واعتبر اللواء صلاح عقيل، وكيل لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان، أن «المسعى الأميركي يحتاج إلى الانتقال من مرحلة المناقشات إلى التنفيذ العملي»، مشيراً إلى أن ممارسات الجماعة والكيانات المرتبطة بها في داخل مصر وخارجها «أظهرت صلتهم بالعمليات الإرهابية» خلال السنوات الماضية. وقال عقيل: «لا شك أن تطورات المرحلة المقبلة ستفرض على إدارات غربية عدة أن تتخذ مثل هذه الخطوة، في ظل استمرار عناصر الجماعة في دعم وتنفيذ العمليات الإرهابية».
وفي أنقرة، أفيد بأن اللجنة المركزية لحزب العدالة والتنمية الحاكم ناقشت في اجتماع برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، القرار الأميركي المحتمل ضد «الإخوان». وقال المتحدث باسم الحزب عمر تشيليك في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع الذي استمر حتى ساعة متقدمة ليل الثلاثاء - الأربعاء، إن القرار الأميركي المحتمل «سيشكل ضربة كبيرة لمطالب التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط، وسيؤدي إلى تقديم الدعم الكامل للعناصر غير الديمقراطية، وهذا أيضاً يعتبر أكبر دعم يمكن تقديمه للدعاية لتنظيم (داعش) الإرهابي».
وأضاف أن هذه الخطوة ستكون لها نتائج «تعزز معاداة الإسلام» في أوروبا وأميركا، وتقوّي موقف اليمين المتطرف حول العالم، محذراً من أن «غلق سبل المشاركة» أمام من وصفهم بـ«الديمقراطيين» من شأنه «المساعدة في ظهور عدد من التنظيمات الإرهابية بشكل خفي».
وتابع أن القرار ستكون له نتائجه بالنسبة لأميركا والشرق الأوسط وأوروبا، قائلاً إنه «باستثناء مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، لم يخرج أي محلل سياسي بالولايات المتحدة أو مسؤول أمني رفيع المستوى؛ ليؤكد صحة تصنيف كهذا. بل على العكس من ذلك، جميعهم يقولون إن هذا القرار خطأ واضح، فجميع الخبراء الأمنيين يقولون إن هذا القرار الذي يقف وراءه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومستشاره للأمن القومي جون بولتون، ستكون له عواقب وخيمة».
ويعد الرئيس رجب طيب إردوغان داعما قوياً لـ«الإخوان» وتستضيف بلاده قيادات الجماعة الهاربين إليها ومنحتهم تسهيلات كبيرة في الإقامة وإطلاق منصات إعلامية للهجوم على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وحكومته.
وتوقع مراقبون أن يؤدي تبني الحكومة الأميركية لقرار تصنيف «الإخوان» منظمة إرهابية، بشكل رسمي، إلى رفع حدة التوتر في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، وزيادة الضغوط الداخلية على إردوغان، الذي تتهمه المعارضة في بلاده بدعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية والتدخل في شؤون دول ذات أهمية كبيرة بالنسبة لتركيا، كما أنه يقلص مساحة حركته على الساحتين الإقليمية والدولية.
واعتبر مراقبون أن إسراع حزب إردوغان إلى إعلان رفض القرار الأميركي المنتظر يعكس حجم المخاوف من اتهام تركيا بدعم الإرهاب وتعرضها للعقوبات، لا سيما في ظل وجود كثير من ملفات التوتر الأخرى في العلاقات مع واشنطن في مقدمتها صفقة الصواريخ الروسية «إس - 400» والوضع في شمال شرقي سوريا، والاتهامات الموجهة إلى تركيا بانتهاك حقوق الإنسان. وسيجبر القرار الأميركي المنتظر تركيا على وضع «الإخوان» على قوائم الإرهاب، ويفرض عليها تفكيك الجمعيات الاجتماعية، والخيرية، والمنابر الإعلامية وحظر أنشطتها الدعوية والتربوية.
وأجرى مستشار الرئيس التركي المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين اتصالا هاتفيا، ليل الثلاثاء - الأربعاء، مع مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، قالت مصادر الرئاسة التركية إنه ناقش آخر التطورات بخصوص صفقة منظومة الدفاع الروسية «إس - 400»، وتسليم تركيا مقاتلات «إف - 35» الأميركية، إضافة إلى جدول زيارة محتملة للرئيس الأميركي دونالد ترمب لتركيا، بموجب دعوة وجهها إليه إردوغان نهاية العام الماضي، رحب بها ترمب دون تحديد موعد. كما تم بحث التطورات على الساحة الليبية.
ولم تستبعد المصادر أن يكون قد تم التطرق إلى الإجراءات الأميركية الخاصة بإعلان الولايات المتحدة «الإخوان المسلمين» منظمة إرهابية.


مقالات ذات صلة

ترمب: مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية»

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز) p-circle

ترمب: مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية»

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إنّ المشتبه فيه الذي أُلقي القبض عليه بعد محاولته اقتحام عشاء «رابطة مراسلي البيت الأبيض»، كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)

واشنطن تتأرجح بين تصعيد العقوبات وتمديد الإعفاءات في حرب إيران

انتقد الديمقراطيون رفع العقوبات على النفط الإيراني والروسي، وطالبوا الإدارة بتوضيح استراتيجيتها الاقتصادية.

آلان رابيبورت (واشنطن) أفرات ليفني (واشنطن)
الاقتصاد تيليس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم جلسة استماع لجنة الخدمات المصرفية لتثبيت وارش (رويترز)

الضوء الأخضر لمرشح ترمب... تيليس ينهي «حصار» وارش بعد إغلاق ملف باول

أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس أنه سيتخلّى عن معارضته تثبيت مرشح الرئيس دونالد ترمب لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)

«الشرق الأوسط» تروي لحظات الرعب في «حفل واشنطن»

تروي «الشرق الأوسط» التي شاركت في حفل مراسلي البيت الأبيض، لحظات الرعب التي عاشها المدعوون بعد سماع إطلاق نار بين شخص مسلح وعناصر «الخدمة السرية».

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان

عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان، التي تقود الوساطة بين طهران وواشنطن، في زيارة جديدة ضمن مساعي إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...