رحلة ملكية تعود بالزمن 200 عام

بريطانيا تستعد للاحتفال بذكرى ميلاد الملكة فيكتوريا «جدة القارة الأوروبية»

الكوخ الربيعي (الشرق الأوسط)
الكوخ الربيعي (الشرق الأوسط)
TT

رحلة ملكية تعود بالزمن 200 عام

الكوخ الربيعي (الشرق الأوسط)
الكوخ الربيعي (الشرق الأوسط)

رحلة ملكية، تأتيك من القرن التاسع عشر، برواياتها عن زمن ملوك وأمراء بريطانيا العظمى، تجذب اهتمامك، وتتمنّى لو تعود بك السنوات لساعات قليلة إلى الوراء، لتتعرّف على حياة شخصيات حفر التاريخ أسماءها في ذاكرته، وبقيت قصورها ومقتنياتها شاهداً حيّاً، حتى يومنا هذا.
الفرصة متاحة لكل عاشق للتاريخ لخوض هذه التجربة الملكية. وها هي بريطانيا تتحضّر اليوم، لاحتفالات الذكرى المئوية الثانية على ميلاد ملكتها ألكسندرا فيكتوريا، في 24 مايو (أيار) المقبل. مدن وفنادق عدّة تعرض على زوّارها عيش تجربة ترجع بهم 200 عام مضت.
من قلب لندن وقصورها تبدأ رحلة تلك الملكة التي تركت خلال سنوات حكمها الـ66، أثراً لا يمحوه الزّمن. وفي عصرها الذي أطلق عليه «العصر الفيكتوري»، شهدت البلاد ثورة صناعية وسياسية وعلمية وثقافية، وأهم ما يميّزه اتساع رقعة الإمبراطورية البريطانية. وقد لُقّبت الملكة بـ«جدة القارة الأوروبية»، فأبناؤها التسعة الذين أنجبتهم من زوجها الأمير ألبرت تزوّجوا من عائلات ملكية من جميع أنحاء أوروبا.
بدعوة من «فيزيت بريتن» كان لـ«الشرق الأوسط» فرصة الاطّلاع على التحضيرات التي تُعدّها هيئة القصور البريطانية، للاحتفاء بالمناسبة، فمرّت بأماكن أحبّتها الملكة وتركت آثارها بها، منذ ولادتها وحتى مماتها.

قصر كينسينغتون
تحت سقف هذا القصر ولدت الملكة فيكتوريا، وأمضت سنوات طفولتها الأولى. ينظّم القيّمون عليه، معرضاً مؤقتاً عن تلك الفترة، ليتمكن الزّوار من التعرف على نمط الحياة اليوميّة للملكة. وسيكون القصر متاحاً لهم، وستُفتح الغرف والمعرض في 24 مايو المقبل.
فيه، عاشت فيكتوريا حتّى ريعان شبابها تحت رعاية والدتها دوقة كينت. ووفق أبحاث القيّمين عليه، سيُعاد تخيّل الغرف، لتحمل زوّارها إلى تلك الفترة التي عاشتها الأميرة الصغيرة بين جدران القصر وفي حدائقه الغنّاء، لاكتشاف الجو العائلي الحميم الذي كان متوفّرا لها في طفولتها، وأسلوب حياتها العائلية وصداقاتها المقربة وطرق تعليمها، وصراعاتها المريرة، للتّعرف على كيفية تحوّل هذه الأميرة الصغيرة الحالمة إلى ملكة قوية ذاع اسمها في جميع أنحاء العالم. سيرى الزّوار فيه كتباً تعود لسنواتها الأولى. وفي معرض بيغوت المؤقت في القصر تحت عنوان: «فيكتوريا: المرأة خلف التاج، ستُكتشف شخصية فيكتوريا المرأة بعيداً عن اللقب». من هنا سيتابع الزائر رحلة الأميرة إلى التاج، وسيختبر كيف استطاعت التوفيق بين دورها كزوجة وأم ودورها كملكة لإمبراطورية متوسعة، وسيعيد النظر في مراحل حياتها الأخرى وإرثها الثقافي.
وسيتعرّف للمرّة الأولى على بعض من ملابسها التي ما زالت موجودة ليومنا هذا، من خزانتها الخاصة بالقصر، منها معطف قطني يعود إلى عام 1840، وحذاء طويل الرقبة فضي.
يقع القصر في حدائق كنسينغتون بالعاصمة لندن، وهي واحدة من الحدائق الملكية في العاصمة. تُشكّل المساحات الخضراء المفتوحة فيها وفي هايد بارك وغرين بارك وسانت جيمس بارك معاً، «الرئة الخضراء» في قلب لندن.
لزيارته أنت في حاجة إلى شراء تذكرة الدّخول، والإنترنت هو أفضل وسيلة للحصول عليها. ستتمكن من التجول داخل الغرف، وأماكن العرض وجميع المناطق العامة في القصر والحدائق. من المهم تحديد تاريخ الزيارة لدى شراء التذكرة.
يمكنك البقاء ما شئت، حتى وقت الإغلاق، كما يمكنك تناول الطّعام في المقهى الصغير في الطّابق الأرضي، أو في المطعم المطل على حدائقه. ومن المهم جداً انتعال حذاء مريح.
يفتح القصر أبوابه أمام الزّوار من السّاعة العاشرة صباحاً ولغاية السادسة مساءً طيلة أيام الأسبوع.

قصر باكنغهام
على عكس ما يعتقد كثيرون، لم يكن قصر باكنغهام المسكن الأول والدّائم للملكة فيكتوريا، فقد قرّرت الانتقال إليه من قصر كينسينغتون، بعد ثلاثة أسابيع على تسلّمها العرش. وقتها كان منزلاً كبيراً ولم يكن بناؤه قد اكتمل بعد.
رحلة في قاعات القصر الذي يعدّ أحد أعرق القصور عالمياً، ستُعرّفك على نموذج من فن العمارة القوطية، بأسقفها المنقوشة بالرّسومات وجدرانها المزيّنة باللوحات النادرة، وأثاثها الفخم القديم. فيه تُنظّم الحفلات وجميع الأحداث المتعلّقة بالعائلة المالكة.
يتألف القصر من خمسة طوابق، تحتوي على 775 غرفة. في كل زاوية من زواياه سيرى الزّائر كثيراً من التحف الفنية الأثرية. وفي أيام حكم الملكة فيكتوريا، لم يكن القصر للسكن والأعمال الدّولية والملكية فقط، بل استضاف فيه الزوجان الملكيان ثلاث حفلات تنكريّة رائعة.
يفتح القصر أبوابه للزّوار من 20 يوليو (تموز) ولغاية 29 سبتمبر (أيلول). ولا بدّ من حجز تذكرة للزيارة عبر الإنترنت.

كليفيدين هاوس
رأى القيّمون على التحضيرات في كليفدين هاوس، أنّه ليس من فكرة أكثر ملاءمة لتجربة احتساء شاي ما بعد الظهيرة، الذي يتضمّن على بعض مما كانت تحب تناوله الملكة فيكتوريا. وللراغب في ذلك، سيكون على موعد لزيارة «سبرينغ كوتيج» الكوخ الربيعي، الذي يقبع في أحضان الطبيعة على ضفة نهر التايمز، حيث تحيط به الأشجار والحدائق من جهات ثلاث وتُطلّ الرّابعة على النهر.
كيف تصل إلى الكوخ الربيعي؟
قريب جداً من بلدة وندسور التي شهدت زواج الأمير هاري وميغان في مايو من العام الماضي. كانت الملكة فيكتوريا لدى زيارتها للقصر تختار في مناسبات عدّة الوصول إلى الكوخ الخشبي بالقارب.
في هذا المخبأ الفاخر لكليفيدين، كانت الملكة فيكتوريا تتناول شاي ما بعد الظهيرة مع دوقة ساذرلاند أو مع صديقها الحميم جون براون.
ولمن يرغب في عيش هذه اللحظات الملكية، عليه أن يختار بين تجربتين مميزتين معروضتين أمامه للمناسبة، الأولى تمكّنه من تناول شاي ما بعد الظهيرة، وما يرافقه من كعكة فيكتوريا الإسفنجية الشهيرة التي سميت خصيصاً باسمها، وأنواع مختلفة من شطائر مقطّعة على شكل الأصابع، والموالح، مصحوبة بشاي كليفيدين الفواح بعطره المميّز. أمّا الفرصة الثانية فتدعوه لاسترجاع خطى ملكية مع زيارة الكوخ، والأبحار في رحلة بنهر التايمز تستغرق 45 دقيقة.
يسع الكوخ لستة ضيوف، وتبلغ مساحته 2250 متراً مربعاً، ويتألف من غرفتي نوم مزدوجتين وحمام داخلي واحد، وغرفة للأطفال مع سريرين مفردين، وحمام رئيسي كبير، وقاعتي جلوس، ومكتب صغير، ومطبخ ريفي وغرفة للطّعام، وحديقة خلفية، وبحيرة صغيرة، ورصيف خاص بالقارب على النّهر.
لمن يرغب في عيش التجربة، ليس عليه سوى أن يستقل القطار من محطة بادنغتون لقطارات الأنفاق في لندن. وخلال ساعة واحدة سيصل إلى بلدة وندسور، ولعيش الإحساس الملكي لا بدّ على الزّائر أن يستخدم القارب للوصول إلى الكوخ الرّبيعي.
يفتح الكوخ أبوابه للمناسبة يومين فقط، من 24 مايو إلى 26 منه.
ولمن يرغب في حجزه ليوم أو يومين ومحاكاة تجربة كاملة لملكة من التاريخ مرّت يوماً بغرفه، بل كان مخبؤها السّري على ضفة النهر، تهرب إليه مع أصدقاء مقربين إليها، فهو متاح من 20 مايو إلى 30 سبتمبر من العام الحالي.

«آيل أوف وايت»
تستعد «آيل أوف وايت» والقائمون على «منزل أوزبورن» المرتبط على نحو وثيق بالتراث الإنجليزي، للاحتفال أيضاً بالمناسبة. فقد بنى الزّوجان الملكيان المنزل على الجزيرة. ولطالما كان مكانهما المفضّل، وفيه كانا يقضيان إجازاتهما مع أولادهما التسعة. وقد شهد المنزل عقد كثير من الاحتفالات العائلية، تضمنت في الغالب مناظرات شعرية.
يشكّل المنزل الذي صممه زوج الملكة الأمير ألبرت على طراز عصر النهضة الإيطالي، تحفة فنّية ومكاناً هادئاً وصفه مايكل هنتر، أمين المتحف خلال جولة «الشرق الأوسط»، بـ«الجنة» للملكة وعائلتها، وبأنّك، سترى «قطعة من فينيسيا تختبئ في الرّيف البريطاني».
ويتابع هنتر قصته عن المنزل، قائلاً: إنّ «الأمير ألبرت وقع بغرام المكان»، فقرّر وزوجته الملكة شراء الأرض لبناء منزل أحلامهما. زيارة هذا المكان تحديداً، تعتبر زيارة لبقعة أرض عشقها الزوجان. يتزاوج في المكان هواء الرّيف العليل ونسمات البحر؛ إذ تلامس حدائقه في أسفلها مياه خليج أوزبورن الخاص بالعائلة المالكة، حيث كانوا يستمتعون بالسّباحة.
أثناء التجول في غرف المنزل، ستلاحظ مدى قرب غرفة نوم الملكة من غرف نوم أبنائها، ما يدلّ على تعلّقها واهتمامها بهم. وفي هذا المنزل وعلى سريرها توفيت الملكة في 22 يناير (كانون الثاني) 1901، ومن الغرف المميزة أيضاً، غرفة دوربار في الطّابق الأرضي، حيث سينتقل الزّائر إلى أرض الهند في ثوانٍ، فهي عبارة عن مجسّم صغير بنته الملكة لأرض أحلامها التي لم تزرها يوماً، وهنا يظهر اهتمامها الكبير بالهند وبشعبها. وفي ممراته صور للكثير من العاملين الهنود لديها، وتماثيل وصور لأصدقائها المقربين ومنهم محمد عبد الكريم، الذي وصفته بـ«الصديق الحقيقي».
سيذهب الزّائر في «أوزبورن هاوس» برحلة إلى ماضٍ ملكي لملكة أسطورية، وهو يتجوّل في ثنايا منزلها، فكلّ ما يحلم به إنسان موجود على هذه المساحة من الأرض. منزل ضخم، محاط بحدائق كبيرة تعلوها أشجار الصنوبر وتنتشر فيها أشجار الأرز التي أمر الأمير إحضارها من جبال لبنان موطنها الأصلي.
وفي 24 مايو، سيعرض المنزل الهدايا الخاصة بـ«المجموعة الملكية»، وهدايا عيد الميلاد. كما سيُسلّط القيّمون على الاحتفالات الضوء على أجزاء من كتابات الملكة اليومية، وهي متاحة حالياً عبر الإنترنت.
في حديقة المنزل يوجد الكوخ السويسري. بُني خصيصاً لأولاد الملكة لخوض تجربة الزرعة فكانوا يذهبون إليه لزرع الخضراوات والفاكهة والزهور.
في الجزيرة، تحديداً في بلدة فينتنور، يختبئ فندق غارق في التاريخ، وله قصة مميّزة مع الملكة فيكتوريا. فهو من أقدم الفنادق في «آيل أوف وايت». بُني عام 1832. كان منزلاً يأتيه سائقو عربات الخيل بانتظار تبديل أحصنتهم، بيد أنّ اسمه تغيّر بعد زيارات الملكة المتكرّرة، ليحمل صبغة ملكية وبات يُعرف بعد أن أصبح تحت رعايتها، باسم «ذا رويال أوتيل». كانت الملكة تذهب إليه لاحتساء شاي ما بعد الظهيرة مع صديقها سير جون هامبر.
جدير ذكره، أنّ فترة حكم فيكتوريا حملت معها عصراً ذهبياً لجزيرة وايت، فجذبت الكتّاب والشعراء والفنانين للعيش فيها. وتظهر اللمسات الفيكتورية جلية في بعض مدنها، مثل مدينة رايد. وقد صُوّر كثير من الأعمال التلفزيونية الدرامية التي تناولت حياة الملكة الرّاحلة على أرض الجزيرة.
وقد أعلنت مدينة إيست كاوز استضافتها عدداً من الفعاليات بين يومي 23 و27 مايو، احتفاءً بميلاد الملكة فيكتوريا.

كيف الوصول إليها من لندن؟
تقع «آيل أوف وايت» في جنوب السواحل البريطانية. وعلى الرّاغب بزيارتها أن يستقّل القطار من محطة يوستن في لندن إلى مدينة سَاوثهامْبتون ومينائها الرئيسي في هامبشاير، ليبحر بالعبارة إلى مدينة كاوز الواقعة في قلب جزيرة وايت. كما هناك جهة أخرى من محطة واترلو إلى مدينة بورتسموث، من ثمّ يستقل الزّائر العبارة إلى الجزيرة عبر ما يعرف باسم مضيق سولنت، وتستغرق عشرين دقيقة.



السفر إلى أوروبا خلال الصيف... إليك ما ينبغي معرفته

موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
TT

السفر إلى أوروبا خلال الصيف... إليك ما ينبغي معرفته

موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)
موجة حار شديدة تضرب اوروبا (نيويورك تايمز)

يبحث سكان أوروبا والمسافرون إليها خلال فصل الصيف عن وسائل تحافظ على سلامتهم وتقيهم الحر، في وقت تعاني فيه القارة من موجة حر تاريخية هذا الصيف، تسببت في اضطرابات واسعة، شملت تعطيل خطوط السكك الحديدية في بريطانيا، وإغلاق عدد من أبرز المعالم السياحية، بينها متحف اللوفر وبرج إيفل، قبل مواعيدها المعتادة. كما شهدت فرنسا أعطالاً في شبكة الكهرباء أدت، حتى الأربعاء، إلى انقطاع التيار عن أكثر من 68 ألف منزل. وتتفاقم آثار الحر بسبب محدودية انتشار أجهزة تكييف الهواء في عدد من الدول الأوروبية. وفي فرنسا، لقي ما لا يقل عن 40 شخصاً.

ينصح بالتوجه الى الحدائق في الايام الحارة (نيويورك تايمز)

ويتوقع خبراء الأرصاد أن تستعد دول شرق القارة لاستقبال أيام حارة ، ورغم ذلك، فإن ذروة موسم السفر إلى أوروبا عادة ما تكون خلال شهري آب (تموز) ة أغسطس (آب)، حيث ترتفع درجات الحرارة غالباً إلى مستويات أعلى مما هي عليه في يونيو (حزيران).

وقد يجد السياح القادمون من دول تنتشر فيها أجهزة التكييف على نطاق واسع، مثل الولايات المتحدة واليابان والخليج، أنفسهم أقل استعداداً للتأقلم مع هذه الأجواء مقارنة بالسكان المحليين. وفيما يلي أبرز ما ينبغي معرفته عند التخطيط لرحلة إلى أوروبا.

لا تنتشر أجهزة تكييف الهواء في أوروبا بالقدر المعروف في الولايات المتحدة أو شرق آسيا. ففي فرنسا، لا تتجاوز نسبة المنازل المزودة بالتكييف ربع المساكن، بينما يُعد وجوده في المنازل البريطانية رفاهية، نظراً إلى أن معظمها صُمم للاحتفاظ بالحرارة.

فرنسا من بين البلدان التي تعاني من موجة الحر(نيويورك تايمز)

وتقول كاتي ويغنال، المرشدة السياحية في شركة «لوك أب لندن تورز»، إن معظم الفنادق توفر تكييف الهواء، لكنها تنصح المسافرين الذين يختارون الإقامة في شقق للإيجار القصير بالتأكد مسبقاً من توافره؛ لأن أغلب المنازل لا تضم وسائل تبريد.

وبعد الاستقرار في مكان الإقامة، توصي ويغنال باستخدام خطوط «سيركل» و«ديستريكت» و«إليزابيث» في مترو أنفاق لندن، إضافة إلى شبكة «لندن أوفرغراوند»، إذ يُرجح أن تكون جميعها مكيفة. أما الحافلات، فبعضها مزود بالتكييف، بينما يكون بعضها الآخر، بحسب تعبيرها، «أشد حرارة من الشمس»، لذلك تنصح بالاعتماد على المترو.

وفي روما، يقول فابيو كوبولا، مالك سلسلة بيوت الشباب «يلو سكوير» في روما وميلانو وفلورنسا، إضافة إلى أثينا، إن الفنادق المصنفة ثلاث نجوم فما فوق توفر التكييف في العادة، لكنه ينصح أيضاً بالتحقق من ذلك عند الحجز عبر «إير بي إن بي»؛ لأن السكان المحليين غالباً لا يستخدمون أجهزة التكييف.

وفي فرنسا، يتيح الموقع الرسمي لإقليم «إيل دو فرانس»، الذي يضم باريس، للسكان والزوار البحث عن ملاجئ مناخية أو مناطق تبريد تقع على بُعد عشر دقائق سيراً على الأقدام. كما تتوافر خدمات مماثلة في برشلونة وبرلين وفيينا، فيما يوفر مكتب السياحة في باريس قائمة بأحواض السباحة العامة.

يجب اتخاذ الحذر خلال رحلاتكم الى اروبا خلال موجة الحر (نيويورك تايمز)

وتنصح المرشدة السياحية المستقلة صوفي غاشيني زوار باريس بتجنب أحواض السباحة العامة المزدحمة ونهر السين، والتوجه بدلاً من ذلك إلى قناة «سان مارتان»، التي فُتحت للسباحة بسبب موجة الحر. وهناك يمكن الاستمتاع بنسمات الهواء الباردة المنبعثة من المياه، بل والسباحة أيضاً، مع الالتزام بالمناطق المخصصة لذلك.

وفي لندن، يمكن للعائلات التوجه إلى نوافير «سومرست هاوس» أو «غراناري سكوير» في منطقة كينغز كروس. كما توصي ويغنال بالتجول في شوارع حي بلومزبري المظللة بالأشجار، أو زيارة المقابر التاريخية المعروفة باسم «السبعة العظماء»، التي تعود إلى القرن التاسع عشر وتوفر مساحات مجانية غالباً ما يغفل عنها الزوار للتنزه بين الأشجار ومشاهدة قبور شخصيات شهيرة.

وسائل النقل تضررت من موجة الحر (نيويورك تايمز)

أما في روما، فيُنصح بالابتعاد عن وسط المدينة والتجول في حدائق «فيلا بورغيزي» أو «جياردينو ديغلي أرانتشي». كما يمكن استقلال القطار لمدة نصف ساعة إلى مدينة أوستيا الساحلية للسباحة مجاناً في مياه البحر المتوسط، أو التوجه إلى «سانتا مارينيلا» التي يصفها كوبولا بأنها خيار أكثر سحراً وأقل ارتياداً من قبل السياح. أما في ميلانو، فيعد مسبح «باني ميستيريوزي» التاريخي من أبرز الأماكن المناسبة للسباحة.

وتنخفض درجات الحرارة بطبيعتها في المواقع الواقعة تحت سطح الأرض. ففي برلين، يمكن للزوار العودة بالزمن واستكشاف أحد الملاجئ التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية، أو أنفاق الهروب التي حفرت في ستينات القرن الماضي بين شطري المدينة.

من المفضل الذهاب الى المتاحف في الايام الحارة (نيويورك تايمز)

وفي براغ، تتيح الجولات تحت الأرض التعرف إلى السجون القديمة والصهاريج والممرات المقببة التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر، والتي شُيدت قبل رفع مستوى المدينة بنحو خمسة إلى 25 قدماً لمواجهة أخطار الفيضانات.

وفي باريس، يوفر «متحف مجاري باريس»، المعروف أيضاً باسم متحف الصرف الصحي، منظوراً مختلفاً لتاريخ العاصمة الفرنسية من باطن الأرض. كما تمثل سراديب الموتى خياراً آخر، رغم أنها تشهد ازدحاماً كبيراً في العادة.

تتعرض أوروبا لدرجات حرارة عالية جدا (نيويورك تايمز)

وفي باريس، تفتح كاتدرائية نوتردام أبوابها عند الثامنة صباحاً، وهو التوقيت الذي تعدّه غاشيني الأنسب للزيارة. أما خلال فترة ما بعد الظهر، فتوصي بزيارة متحف الفن الحديث في باريس أو متحف كارنافاليه، حيث يمكن التعرف إلى تاريخ باريس لمدة تصل إلى ست ساعات داخل قصر أرستقراطي مكيف. وتنصح أيضاً بالاطلاع على المواقع الإلكترونية للمتاحف قبل التوجه إليها؛ إذ قد تغلق أبوابها مبكراً خلال موجات الحر الشديدة.

وفي لندن، تقول ويغنال إن الطوابق العليا في متحف فيكتوريا وألبرت من أفضل الأماكن التي يمكن اللجوء إليها، كما توصي بزيارة كنيسة سانت بارثولوميو الكبرى وكاتدرائية سانت بول، اللتين تكونان أقل ازدحاماً من المتحف البريطاني أو دير وستمنستر.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الإجازات القصيرة أم الطويلة؟ دليلك لاختيار الرحلة المثالية

شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)
شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)
TT

الإجازات القصيرة أم الطويلة؟ دليلك لاختيار الرحلة المثالية

شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)
شرم الشيخ من الوجهات المحببة (إنستغرام)

يختلف كثيرون حول المدة المثالية التي ينبغي أن تستغرقها رحلة السفر؛ فقد أظهرت دراسات حديثة أن لطول الإجازة دوراً أساسياً في حجم الفوائد النفسية والجسدية التي يجنيها المسافر. وعادة ما يلجأ المرء إلى السفر لاستعادة نشاطه والتخلص من ضغوط العمل وتحسين حالته المزاجية بعد فترة طويلة من الانشغال اليومي.

وترى بعض النظريات أن الإجازة يجب ألا تقل عن 15 يوماً كي يتمكن الشخص من تجديد طاقته والاحتفاظ بأثر الراحة لفترة أطول. فيما يذهب خبراء آخرون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن 18 يوماً هي الحد الأدنى لإجازة ناجحة؛ لأن اكتشاف بلدٍ جديدٍ والتأقلم مع عاداته وإيقاع الحياة فيه يحتاجان إلى هذا القدر من الوقت.

باريس من الوجهات الجميلة (إنستغرام)

غير أن دراسة أُجريت في فنلندا جاءت لتقلب هذه المفاهيم رأساً على عقب؛ إذ خلصت إلى أن المدة المثالية للإجازة، سواء كانت داخلية أم خارجية، ينبغي ألا تتجاوز ثمانية أيام.

الإجازة المتقطعة... الحل الأفضل

تشير دراسات عدة إلى أن فوائد الإجازة، مهما طالت أو قصرت، لا تدوم إلى الأبد. فما إن يعود الشخص إلى روتينه اليومي حتى يبدأ تدريجياً باستعادة ضغوطه المعتادة. فالعمل ومتطلبات المنزل والالتزامات المالية تعيده سريعاً إلى واقع كان يسعى إلى الابتعاد عنه، ولو مؤقتاً، خلال رحلته.

لذلك، ينصح خبراء السفر باعتماد مبدأ الإجازات القصيرة والمتكررة على مدار السنة. فبدلاً من تخصيص عطلةٍ طويلةٍ واحدةٍ، يمكن التخطيط لرحلتين أو ثلاث إلى وجهات قريبة نسبياً، الأمر الذي يمدّ المسافر بجرعات متجددة من الحماس والطاقة الإيجابية. بل إن مجرد التفكير باقتراب موعد الرحلة المقبلة يبعث في النفس شعوراً بالراحة والطمأنينة.

ولا يشترط الأمر دائماً السفر إلى الخارج؛ إذ يمكن للسياحة الداخلية أن تحقق الفائدة نفسها عبر اكتشاف مناطق جديدة وغير مألوفة. كما يوصي الخبراء بالتخفيف قدر الإمكان من الاتصالات المهنية والانشغالات اليومية في أثناء الإجازة، بهدف الاستمتاع الكامل بالرحلة واستعادة التوازن النفسي.

اليابان وجهة سفر ممتازة في أبريل (إنستغرام)

السفر المناسب في الوقت المناسب

يشكل اختيار التوقيت المناسب للسفر أحد أهم العوامل التي تضمن نجاح الرحلة. فزيارة الوجهة في موسمها الأمثل يتيح الاستفادة من أفضل الظروف المناخية والأنشطة السياحية. كما أن السفر خلال فصلي الربيع والصيف يخفف غالباً من أعباء الأمتعة الثقيلة ويمنح المسافر فرصة أكبر للاستمتاع بالهواء الطلق.

فعلى سبيل المثال، يعد شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من أفضل الأوقات لزيارة تايلاند؛ إذ تنخفض فيه درجات الحرارة ونسبة الرطوبة، ما يوفر أجواءً أكثر اعتدالاً وراحة. أما شرم الشيخ في مصر، فيعتبر شهر أكتوبر (تشرين الأول) مثالياً لزيارتها، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 25 و30 درجة مئوية، ما يتيح الاستمتاع بالشواطئ والأنشطة البحرية والتنزه في ظروف مناخية مريحة.

وفي أوروبا، يُنصح بزيارة مدن مثل باريس ومدن إسبانيا خلال شهر مايو (أيار)، حيث يجمع هذا التوقيت بين اعتدال الطقس وتفتح الحدائق بالأزهار، فضلاً عن تجنب الازدحام السياحي الذي يميز أشهر الصيف. كما تظل الأسعار أكثر اعتدالاً مقارنة بموسم الذروة.

أما لندن، فيرى خبراء السياحة أن شهري يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول) يشكلان الخيار الأمثل لزيارتها؛ إذ يوفران توازناً مثالياً بين الطقس المعتدل وساعات النهار الطويلة، مع تفادي الازدحام الشديد وارتفاع أسعار الإقامة الذي تشهده المدينة خلال منتصف الصيف.وفيما يتعلق باليابان، تعد أشهر أبريل (نيسان) وأكتوبر ونوفمبر الأفضل للزيارة، لما توفره من مناخ معتدل ومشاهد طبيعية آسرة. ويحتل أبريل مكانة خاصة بفضل موسم تفتح أزهار الكرز الشهير، الذي يحوّل الحدائق والشوارع إلى لوحات طبيعية خلابة. كما يشكل مارس (آذار) بداية هذا الموسم، فيما يتميز مايو بطقس لطيف ومعتدل، مع ضرورة تجنب فترة «الأسبوع الذهبي» في بدايته، حيث تشهد البلاد ازدحاماً كبيراً وارتفاعاً في أسعار الفنادق ووسائل النقل.

لا تجعل السفر سباقاً مع الوقت

يرتكب كثيرون خطأ تحويل الإجازة إلى برنامج مزدحم بالمواعيد والزيارات، فيسعون إلى رؤية أكبر عدد ممكن من المعالم خلال أيام قليلة. إلا أن خبراء السفر يشددون على أن جودة الرحلة لا تُقاس بعدد الأماكن التي نزورها، بل بمدى استمتاعنا بها. فالتنقل المتواصل والاستيقاظ المبكر يومياً قد يحولان الإجازة إلى مصدر إضافي للتعب بدلاً من الراحة.

وينصح الخبراء بترك مساحة للمرونة في برنامج الرحلة، وتخصيص أوقات للاسترخاء واكتشاف المكان بهدوء، سواء عبر الجلوس في مقهى محلي أو التنزه في شوارع المدينة بعيداً من الوجهات السياحية المكتظة. فهذه اللحظات العفوية غالباً ما تترك أجمل الذكريات لدى المسافر.

التخطيط المسبق نصف متعة الرحلة

لا تبدأ متعة السفر عند الوصول إلى الوجهة المقصودة، بل منذ لحظة التخطيط لها؛ فالبحث عن الأماكن التي ستتم زيارتها وحجز الفنادق وترتيب النشاطات يخلق شعوراً بالحماسة والترقب. وتؤكد دراسات نفسية أن انتظار حدث سعيد، كرحلة سفر مرتقبة، ينعكس إيجاباً على المزاج ويخفف من ضغوط الحياة اليومية.

لذلك ينصح الخبراء بالتخطيط المبكر للإجازات، ليس فقط للاستفادة من أسعار أفضل، بل أيضاً للاستمتاع بفترة الترقب التي تسبقها.


جامع شفِتسينغن... لقاء التنوير الأوروبي بجمال العمارة الإسلامية

تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
TT

جامع شفِتسينغن... لقاء التنوير الأوروبي بجمال العمارة الإسلامية

تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)
تصميم خارجي جميل (الشرق الأوسط)

في قلب ولاية بادن-فورتمبيرغ الألمانية، وبين حدائق قصر شفِتسينغن Schwetzingen الساحرة التي تُعدّ من أجمل الحدائق التاريخية في أوروبا، يقف مبنى استثنائي يثير دهشة الزوار منذ أكثر من قرنين من الزمن. إنه «جامع شفِتسينغن» أو ما يُعرف باسم «مسجد الحديقة»، وهو مَعلم فريد لا يشبه المساجد التقليدية التي شُيّدت لأداء الشعائر الدينية، بل يمثل قصة معقدة ومثيرة تجمع بين الفن والسياسة والتاريخ والتسامح الثقافي.

فعلى الرغم من مآذنه الشاهقة وقبته الكبيرة وزخارفه العربية الواضحة، فإن هذا المبنى لم يُبنَ في الأصل ليكون مسجداً للصلاة، بل كان جزءاً من رؤية فكرية وفنية ولدت في أوروبا خلال عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وهي المرحلة التي شهدت تحولات عميقة في النظرة إلى العالم والثقافات الأخرى.

لقاء التصميم مع الطبيعة (الشرق الأوسط)

تقع مدينة شفِتسينغن بين هايدلبرغ ومانهايم في جنوب غرب ألمانيا، واشتُهرت منذ القرن الثامن عشر بقصرها الصيفي الفخم الذي اتخذه أمراء إقليم بالاتينات مقراً للإقامة والاستجمام.

لم يكن القصر مجرد مقر للحكم، بل كان مشروعاً ثقافياً ضخماً أراد أصحابه من خلاله تجسيد صورة مصغرة للعالم. ولهذا السبب؛ امتلأت حدائقه بالمعابد والآثار الاصطناعية والمنشآت المستوحاة من حضارات متعددة، في محاولة لخلق رحلة فكرية وجمالية للزائر وهو يتنقل بين أرجاء المكان.

وسط هذا المشهد المتنوع برز المسجد بوصفه أكثر المباني إثارة للاهتمام، ليس فقط بسبب مظهره الشرقي، وإنما بسبب الرسالة التي حملها في زمن كانت أوروبا تعيد فيه اكتشاف الشرق والعالم الإسلامي.

تعود فكرة إنشاء المسجد إلى الأمير الألماني كارل تيودور، حاكم إقليم بالاتينات وأحد أبرز رعاة الفنون والثقافة في عصره. ففي النصف الثاني من القرن الثامن عشر كانت أوروبا تعيش حالة من الفضول تجاه الشرق، خصوصاً الدولة العثمانية التي كانت تمثل قوة سياسية وثقافية مؤثرة.

المسجد من الخارج (الشرق الأوسط)

انتشرت آنذاك موضة معمارية عُرفت باسم «الطراز التركي» أو «الاستشراق المعماري»، حيث بدأت القصور الأوروبية تستعير عناصر من العمارة الإسلامية والصينية والهندية لتزيين حدائقها ومبانيها.

لكن مشروع شفِتسينغن تجاوز مجرد التقليد الزخرفي. فقد أراد كارل تيودور أن يقدم نفسه بوصفه حاكماً متنوراً يؤمن بالتسامح والانفتاح على الثقافات المختلفة، وهي أفكار كانت تشكل جوهر فلسفة عصر التنوير الأوروبي.

أوكل الأمير المهمة إلى المهندس المعماري الفرنسي نيكولا دو بيغاج، أحد أبرز معماريي البلاط في ذلك الوقت.

بدأ العمل على المشروع عام 1779 واستمر حتى عام 1796، وهي فترة طويلة نسبياً تعكس حجم العناية التي أُعطيت لهذا المبنى.

استلهم بيغاج تصميمه من العمارة العثمانية ومن التصورات الأوروبية عن الشرق الإسلامي، فأنشأ مبنى يتوسطه فضاء مقبب تحيط به أروقة وقاعات جانبية، في حين ترتفع على جانبيه مئذنتان تمنحانه هيئة مسجد حقيقي.

ومن الخارج يبدو المبنى وكأنه قادم من إسطنبول أو إحدى مدن الشرق الإسلامي، غير أن التدقيق في تفاصيله يكشف عن مزيج فريد بين العمارة الأوروبية الباروكية والعناصر الشرقية، في انعكاس واضح للحوار الثقافي الذي كان يطمح إليه مصمموه.

المفارقة الكبرى أن المبنى، رغم اسمه وشكله، لم يُصمم ليكون مسجداً مكتمل الوظائف.

روعة في التصميم (الشرق الأوسط)

فهو يفتقر إلى بعض العناصر الأساسية الموجودة في المساجد التقليدية مثل المحراب والمنبر وموضع الوضوء؛ ما يؤكد أن الغرض الأساسي منه كان رمزياً وجمالياً أكثر منه دينياً.

كان المسجد جزءاً من المشهد البصري للحدائق، ومكاناً للتأمل والاستمتاع بالفن والعمارة، كما كان رسالة سياسية وثقافية تعكس رؤية الأمير للعالم ولعلاقته بالثقافات الأخرى.

ولهذا يعدّه كثير من المؤرخين أحد أوائل النُّصب الأوروبية التي حملت مفهوم الاعتراف بقيمة الديانات غير المسيحية داخل الفضاء الثقافي الأوروبي.

ورغم أنه لم يُبنَ للعبادة، فإن التاريخ منح المسجد فرصة ليؤدي هذا الدور لفترات محدودة.فبعد الحرب الفرنسية البروسية في سبعينات القرن التاسع عشر، نُقل عدد من الجنود والأسرى المسلمين القادمين من شمال أفريقيا إلى مناطق قريبة من شفِتسينغن، وتشير مصادر تاريخية إلى أنهم استخدموا المبنى للصلاة.

كما شهد المكان مناسبات دينية متفرقة خلال العقود اللاحقة؛ ما أضفى عليه بعداً روحياً لم يكن جزءاً من الخطة الأصلية لبنائه.

وهكذا تحوّل المبنى، ولو مؤقتاً، من رمز ثقافي إلى فضاء ديني حقيقي، في مفارقة تاريخية تضيف إلى قصته مزيداً من التميز.

يحمل جامع شفِتسينغن أهمية استثنائية في تاريخ العمارة الأوروبية؛ إذ يُعدّ أقدم مبنى ذي طراز مسجدي في ألمانيا، ومن أندر «مساجد الحدائق» التي ما زالت قائمة في أوروبا حتى اليوم.

وخلال القرنين الماضيين تعرَض المبنى لعوامل الزمن والإهمال، إلا أن السلطات الألمانية أطلقت برامج ترميم واسعة للحفاظ عليه، استمرت سنوات طويلة وأعادت إليه رونقه الأصلي.

واليوم، يبدو المسجد كما لو أنه خرج للتو من القرن الثامن عشر، بألوانه وزخارفه وتفاصيله الدقيقة التي تعكس مهارة البنّائين والفنانين الذين شاركوا في إنشائه.

لا يمكن فهم جامع شفِتسينغن بعيداً عن ظاهرة «الاستشراق» التي طبعت الثقافة الأوروبية في تلك الحقبة.

ففي زمن كانت فيه أوروبا تنظر إلى الشرق بوصفه عالَماً غامضاً ومليئاً بالسحر والرمزية، أصبحت العمارة الإسلامية مصدر إلهام للكثير من الفنانين والمهندسين.

لكن مسجد شفِتسينغن يختلف عن كثير من المباني الاستشراقية الأخرى؛ إذ لم يكن مجرد ديكور غريب لإبهار الزوار، بل حمل أيضاً مضموناً فلسفياً يرتبط بقيم التسامح والتعددية والانفتاح على الآخر.

ولهذا السبب ينظر إليه المؤرخون اليوم بصفته شاهداً على لحظة نادرة حاولت فيها النخب الأوروبية بناء جسور فكرية مع العالم الإسلامي بدل الاكتفاء بالنظر إليه من مسافة بعيدة.

في الوقت الحاضر يستقبل قصر وحدائق شفِتسينغن آلاف الزوار سنوياً، ويظل المسجد أكثر معالمه جذباً للانتباه.

فالسائح الذي يتجول بين الأشجار والبحيرات الصغيرة والحدائق الهندسية لا يتوقع أن يعثر فجأة على مسجد ذي مآذن وقبة وسط المشهد الألماني الكلاسيكي.

هذا التناقض البصري هو بالضبط ما يمنح المكان سحره الخاص.

وبينما تغيرت أوروبا والعالم مرات عدّة منذ بناء المسجد، بقيت رسالته الأساسية حاضرة: أن الفن قادر على تجاوز الحدود، وأن العمارة يمكن أن تتحول لغةً مشتركة بين الشعوب والثقافات.

وفي الختام، يمكن لنا القول إن جامع شفِتسينغن ليس مجرد مبنى جميل داخل حديقة ملكية، بل وثيقة تاريخية تحكي قصة علاقة معقدة بين الشرق والغرب في زمن التحولات الفكرية الكبرى.