برهم صالح لـ {الشرق الأوسط}: نتطلع إلى دور عربي فاعل لتدارك الأزمة الحالية

المرشح السابق لرئاسة العراق حذر من «الاقتصاد السياسي الذي نشأ على العنف» في البلاد

برهم صالح لـ {الشرق الأوسط}: نتطلع إلى دور عربي فاعل لتدارك الأزمة الحالية
TT

برهم صالح لـ {الشرق الأوسط}: نتطلع إلى دور عربي فاعل لتدارك الأزمة الحالية

برهم صالح لـ {الشرق الأوسط}: نتطلع إلى دور عربي فاعل لتدارك الأزمة الحالية

عندما يسير الدكتور برهم صالح، رئيس حكومة إقليم كردستان السابق والمرشح الذي كان يعد الأوفر حظا لرئاسة جمهورية العراق، بشوارع مدينته السليمانية، بلا مرافقين أو أفراد من حمايته، تتجمهر حوله أعداد كبيرة من الشباب والمواطنين بمختلف الأعمار لالتقاط الصور التذكارية معه. وفي أربيل التي يقيم فيها مقاسمة مع مدينته السليمانية، يستقبل النائب الأسبق لرئيس وزراء العراق العديد من الشخصيات السياسية ومن كل الكتل العراقية، عربية وكردية، سنية وشيعية ومسيحية وإيزيدية، كما يستقبل الشباب من طلبة الجامعات والكتاب والفنانين والصحافيين، ودبلوماسيين غربيين، يتحدث معهم حول «ما هو خير للعراق» مثلما يعلق.
صالح يؤكد أنه «ماض في الطريق الصحيح»، فهو الذي يوصف بأنه إذا تحدث للإعلام أثار الأسئلة، وإن صمت أثار الأسئلة الأهم. وقد تحدث في حوار مطول لـ«الشرق الأوسط» بمنزله في عاصمة إقليم كردستان العراق، وهو الحديث الأول إعلاميا منذ أزمة عدم ترشحه لرئاسة الجمهورية. وفي هذا الحوار يتحدث عن أبرز المشاكل التي تعصف بالبلد، محددا نقاطا مهمة يجب أن تحققها الحكومة العراقية القادمة. وفي ما يلي أبرز ما جاء في الحوار:
* كنت المرشح الأوفر حظا لرئاسة الجمهورية.. ما هي المداخلات التي حدثت لإبعادك عن هذا المنصب؟
- دعنا من هذا الموضوع.. البلد يمر بمرحلة صعبة، وأنا أتمنى للرئيس فؤاد معصوم النجاح في مهمته، كما أتمنى أن يتم التوصل لتشكيل حكومة منسجمة كفؤة قادرة على انتشال العراق من هذه الأزمات التي تحيط به.
* هل تشعر بأنه تم الغدر بك على خلفية منصب رئاسة الجمهورية؟
- أنا أؤمن بأن في الحياة ما هو أغنى من ذلك، وقلت لأصدقائي الذين كانوا منزعجين بشكل كبير مما جرى، وأقول لنفسي وأذكرها، بأن احترام الناس وثقتهم بي ومحبتهم لي أهم بكثير من أي موقع أو منصب، هناك الكثير من المواقع التي قد تؤدي بالسياسي أو المسؤول إلى الهاوية، وأملي ودعائي أن أكون عند حسن ظن الناس، وما لقيته منهم من دعم ومحبة خلال الأحداث الماضية جعلني أشعر بمسؤولية أكبر بكثير تجاه المواطنين الذين يشاطرونني المفاهيم تجاه مشروع ديمقراطي يعيد للعراق ولإقليم كردستان المكانة المرموقة التي يستحقها.
* إذا تحدث برهم صالح يثير الكثير من الأسئلة والسجالات، وإن صمت صارت الأسئلة أكثر تعقيدا!
- أنا لست بصامت، أنا مساهم، وأعمل ومعني بمستقبل هذا البلد، وهناك من يرى لي مساهمة في هذا الوضع وليس بالضرورة أن تكون من الموقع الرسمي، لكن هناك الكثير من السياقات التي أعمل ضمنها.
* عندما نشرت «الشرق الأوسط» جزءا من مذكراتك سميناه «في مفترق الطرق»، هل لا يزال برهم صالح في مفترق الطرق؟
- أنا بالتأكيد في الطريق الصحيح.. مؤمن بمفاهيم سياسية، وأعتبر نفسي ملتزما بمشروع ديمقراطي مدني يؤمن الحريات وتكافؤ الفرص للمواطنين، وأنوي المثابرة في متابعة هذا المشروع، وتقديري أن ما عملته في السنوات الماضية يتضمن تجارب مفيدة وإنجازات لي أن اعتز بها مع زملائي الآخرين، ولكن أتطلع إلى تحقيق المزيد. وهذا هو ديدن الحياة. نحن نعيش في لحظات تاريخية كبرى، فهناك تجاذبات وحراك تاريخي سيحدد ملامح منطقتنا لأمد بعيد، وكذلك هناك ولادة وضع سياسي جديد في العراق، وأتشرف بأن أكون جزءا ولو متواضعا من هذا الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي.
* ما دمتم قد استهللتم حديثكم عن الأزمات، دعنا نتحدث عن أزمة إقليم كردستان الراهنة..
- الآن يجب أن نعمل من أجل استنفار واستنهاض كل قوانا لمواجهة المخاطر الإرهابية التي تهددنا، ولا شك أنه بعد اندحار «داعش» واستئصال وجوده إن شاء الله يجب أن يكون هناك حوار جدي وهادئ في ما بيننا للوقوف على المشاكل والثغرات التي أدت إلى الأحداث في الفترة الماضية، والاستجابة لاستحقاقات الإصلاح السياسي في كردستان ومحاربة الفساد، لكنني أؤكد أن مهمتنا الأساسية الآن هي دعم قوات البيشمركة والقوات العراقية في مواجهة ومحاربة «داعش»، والتأكيد على حل المشكلة السياسية في بغداد بما يضمن اصطفافا وطنيا عريضا وواسعا لمجابهة خطر الإرهاب. أملي أن هذه الكارثة قد بددت الطروحات النفعية الضيقة والتي تبنت مفهوم «مصائب قوم عند قوم فوائد»، فقد تبين للقاصي والداني أن مصيبة كردستان هي مصيبة للعراق ومصيبة بغداد مصيبة لكردستان، ومشاكلها وإخفاقاتها تلقي بتداعياتها على كردستان. شئنا أم أبينا نحن نشترك مع بغداد في مصالح أساسية تتجسد في مجابهة التطرف والإرهاب وضرورة تسخير موارد هذه البلاد لخدمة المواطنين وإنهاء دوامة العنف والأزمات المستدامة في العراق.
* هل تعتقدون أن قصة سحب الجيش العراقي من الموصل وفتح أبواب المدينة أمام «داعش» كانت مؤامرة ضد العرب السنة وإقليم كردستان؟
- هذا الموضوع يتحمل الكثير من المناقشة ويستوجب الكثير من التقصي والتحقيق. لا يمكن أن نمر مرور الكرام على ما جرى في الموصل وسنجار وسبايكر ومسجد مصعب ابن عمير بديالى، وما جرى في سهل نينوى، ولا سمح الله ما قد يجري في بلدة امرلي المحاصرة إذا تمكنت «داعش» من دخولها، وما سيحدث من مذابح حقيقية في الموصل. فبكل المقاييس هذه كوارث وجرائم خطيرة يتحملها الإرهاب ومساندوه، لكن المقصرين والمدعين القيام بحماية الناس يتحملون مسؤولية الثغرات الأمنية والسياسية والتقصير الإجرامي الذي أدى إلى السماح بهذه الكوارث. وفي أي بلد يحترم نفسه لا يمكن القبول بالاستمرار بهذا الوضع وإدامة النهج الخاطئ. ربما أن هناك مؤامرات، لكن المؤامرة لا تنجح إن لم تكن هناك منافذ لها. مع الأسف في العراق اليوم شروخ في المنظومة السياسية والأمنية ومنافذ عدة، فالمسؤولية هي مسؤولية القيادات العراقية القائمة على أمر هذه البلاد والتي سمحت وتسمح لهذه المؤامرات بأن تنفذ إلينا، فكفى تبرير التقصير والفشل باسم المؤامرة وتحويل الأنظار عن الواقع السياسي والأمني الفاشل، ذلك الفشل الذي تتم إدامته على مدى السنوات العشر الماضية بسبب الأسعار العالية للنفط وأيضا بسبب عدم الاكتراث بحياة الناس.
* قيادة إقليم كردستان تقول إن الحكومة الاتحادية السابقة همشتنا، والإقليم قبل بالابتعاد عن بغداد وعدم المشاركة في القرارات المهمة..
- كانت هناك اتهامات كثيرة ضد الإقليم في الفترة الماضية، ومنها أن «البيشمركة خارجة عن منظومة الدفاع الوطني»، و«الإقليم قاعدة للمؤامرات ضد بغداد»، وغير ذلك، لكن تبين أن البيشمركة هم مقاتلون أصلاء في الدفاع عن أمن الناس وسلامة الوطن، كما أن كردستان كان دوما ملاذا للأحرار العراقيين وملجأ ومنطلقا لهم من أجل تحرير العراق وتحقيق أهدافهم الخيرة، وهذه المرة أيضا برهنت كردستان على أنها تقاتل من أجل استئصال «داعش» ومواجهة خطر الإرهاب، وبيشمركة كردستان هم في طليعة هذا الجهد الوطني المطلوب لإنهاء «داعش» وخطر الإرهاب، وأتمنى على الحكومة الجديدة والوضع الجديد وكل الأطراف السياسية في العراق استيعاب الدروس مما جرى، فمشاكل بغداد تلقي بظلالها على كردستان والعكس صحيح، ويجب أن ننتصر لما هو مشترك بيننا، وأن نتوصل لحلول تنهي هذه الحالة، وكأن خسارة بغداد هي ربح لإقليم كردستان أو العكس. يجب أن نصل لإطار يؤمن لنا ربحا ونموا لعموم البلد، فاستقرار إقليم كردستان وازدهاره مرهون بازدهار البصرة والعمارة والنجف والأنبار والموصل وبغداد واستقرار جميع مناطق العراق. نحن نعيش في بلد واحد مترابطين ومتلازمين شئنا أم أبينا، وأمننا ومصالحنا الاقتصادية مشتركة وغير قابلة للانقسام.
* ما طرح من قبل قيادة إقليم كردستان وقبل أزمة «داعش» من قبل رئيس الإقليم مسعود بارزاني، حول انفصال الإقليم عن العراق وإجراء استفتاء شعبي بذلك، هل أنتم جادون فيه؟
- أريد أن أؤكد، كما أفعل دوما، أن الشعب الكردي كغيره من الشعوب له الحق في تقرير مصيره بما في ذلك الاستقلال وتشكيل دولته. الأكراد العراقيون كانوا قبل 2003 منفصلين ومستقلين عن المركز وارتضينا أن نبقى ضمن العراق الموحد وأن يكون الدستور فيصلا لمشاكلنا وقانونا لتعايشنا. في تقديري انفصال إقليم كردستان أو بقاؤه مرهون بالوضع السياسي ببغداد، والنظام الاتحادي الديمقراطي يمكن العراق من البقاء موحدا، لكن انهيار الوضع في بغداد والتوجه الديكتاتوري والاقتتال الطائفي، لن تبقي للوحدة العراقية شيئا. إن مصلحة الكرد هي في نجاح المشروع الديمقراطي بالبلد، ونرى أن المصلحة تكمن في دعم الأخ حيدر العبادي، رئيس الوزراء المكلف، لتشكيل حكومة فعالة منسجمة وكفؤة وقادرة على تجاوز مشاكل المرحلة الماضية، والتأكيد على أن العراق كي يبقى موحدا فإن الأمر يتطلب التمسك بمفاهيم أساسية وعملية، أولها شراكة حقيقية بين المكونات في الحكم. الدولة العراقية لا يمكن أن تقوم على تهميش أي طرف، وكما رأينا فإن تهميش الكرد والسنة أو أطراف أساسية في الطيف الشيعي، له تبعات خطيرة كما رأينا. ولو منذ البداية كان هناك تنسيق سياسي وأمني بين الحكومة الاتحادية والإقليم ربما لم يحدث ما حدث في الموصل أو في سنجار.
العراق بات محكوما بدوامة من الأزمات التي تلد أزمات أعمق وأشد، أزمات مستدامة بالأموال السهلة المتأتية من الأسعار العالية للنفط والمسخرة لشراء الذمم والولاء وترقيع فشل المنظومة الأمنية، ولكن أملي أن «داعش» قد يلزم إنهاء هذه الدوامة وإلزام الأطراف الدولية والإقليمية بالمعاونة، أو بالأحرى إلزام الأطراف العراقية على الإتيان بحلول جذرية للمشكلة العراقية. في تقديري ليس هناك خيار لاستقرار العراق إلا بتطبيق روح الدستور العراقي، وبالذات تحديد صلاحيات الحكومة الاتحادية في السياقات الحصرية المثبتة في الدستور وتحديد سقف لميزانيتها كي لا تتنمر على العراقيين، وإعادة التجربة التاريخية المتكررة في هذه البلاد، حكومة محدودة الصلاحيات والتصرف المالي، وما عدا ذلك يتوزع على الأقاليم والمحافظات. هذا ضروري للاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية وأيضا للأمن العراقي ومنع عودة المستبد المتحكم في المال السهل المتأتي من النفط. فأهل الموصل والأنبار والعمارة هم الأجدر بالدفاع عن مدنهم وأهلهم، وهذا أفضل من الإتيان بأبناء الناصرية أو السليمانية للقتال والدفاع عن الموصل أو الأنبار، كما أن أهل إقليم كردستان، أبناء السليمانية وأربيل، أكثر قدرة على الدفاع عن الإقليم، وهذا لا يعني إلغاء منظومة الدفاع الوطني المكلفة بالدفاع عن البلد، نعم نحن بحاجة إلى هذه المنظومة لكننا يجب أن نعطي لأهالي المناطق شعورا حقيقيا بإدارة شؤونهم والدفاع عن مدنهم بأنفسهم، وأن يتمتعوا بخيرات وطنهم ليكون عندهم الإحساس بأنهم يدافعون عن أهلهم وأنفسهم وليس عن الحاكم ببغداد.
وفي الوقت نفسه، نحن بحاجة إلى حليف سني قوي يشارك في العملية السياسية، ويجب دعم السنة لدحر الإرهاب. أهالي الأنبار وعشائرهم هم الأدرى بكيفية دحر الإرهاب في مناطقهم. إن لم نحل المشكلة اليوم فسوف نبقى في مواجهة خطر «داعش» وأبناء «داعش» وأحفادهم، وستبقى دوامة الأزمات التي تغذيها أموال النفط، وسيبقى الأبرياء ينزفون الدم. يجب القرار بأن تجربة إقليم كردستان وعلى الرغم من كل شيء تجربة ناجحة وتشكل عمودا من أعمدة الاستقرار الذي نبتغيه للعراق، وكنا نتمنى أن ينعم أهالي جميع المحافظات بمثل ما موجود في إقليم كردستان من حالة أمن وخدمات، وإن كان الكرد قادرين على فعل ذلك فما المانع لأهل البصرة والناصرية والنجف وبغداد من أن يحققوا الشيء ذاته؟
ومن المهم أن نشترك ببغداد لإدارة البلد على مبدأ المشاركة الحقيقية وتحقيق المبادئ الدستورية، ومن الضروري التأكيد على الباب الثاني الذي يتعلق بالحقوق الأساسية للعراقيين، وقلما تتم الإشارة إلى مثل هذه المواد المهمة والتي تم التجني عليها بصورة بشعة.
* تحدثت عن هدر الأرواح والفساد المالي وضياع أموال النفط والأزمات والشروخ السياسية والأمنية للسنوات التي مضت، هل تعتقدون أنه يجب السكوت على ما جرى؟
- لا، أنا لست من دعاة ترك الأمور تمضي بصمت، وبعد تشكيل الحكومة الجديدة ستكون هناك حاجة لحوار وطني حقيقي حول ما جرى من استباحة لحرمات الأرواح والأموال. نتحدث كثيرا عن الشراكة في السلطة والخروقات الدستورية وعن المشاكل السياسية والأمنية، لكننا لا ننسى أننا ناضلنا ضد نظام صدام حسين وبنينا مشروعنا السياسي على أساس مفهوم احترام حقوق الإنسان، وثبتنا في الباب الثاني من الدستور العراقي الحقوق والحريات الأساسية للعراقيين، وخلال السنوات العشر الماضية الباب الثاني من الدستور منتهك في أعماقه وفي صلبه ومعناه، وهذه الاستباحة لحقوق الناس لا يقبلها شرع الله ولا ترضى بها القيم السياسية والإنسانية، نحن في مشكلة كبيرة ومخجلة بكل المقاييس.. وربما الوضع السياسي الجديد يشكل فرصة أخيرة لأن يستعيد العراق شيئا من مساره الصحيح وننتهي من دوامة الأزمات، وإلا فإن مشكلة خطيرة تحيق بالبلد.
* هل أنت متفائل بالوضع السياسي الجديد؟
- أنا واقعي، لكنني دائما متفائل، ومؤمن بأننا قادرون على تجاوز هذه المحن، لكن لا أستخف بحجم المصالح الكبيرة التي تولدت من خلال دوامة الأزمات خلال السنوات العشر الماضية، والاقتصاد السياسي الذي نشأ عن العنف في العراق ولد مراكز قوة أكبر من المؤسسات المثبتة في الدستور، وهذه المصالح منعت فرص تقدم العراق ورفاهية العراقيين، لكن أملي في الخيرين من أبناء هذا البلد ومن جميع المكونات من أجل التبصر لما نعانيه من مشاكل حقيقية، وأيضا متفائل بأن هناك إقرارا دوليا بأهمية العراق ودوره وبضرورة حل هذه المشاكل.
* الآن تجري المفاوضات لتشكيل الحكومة الجديدة.. هل تعتقدون أن للأكراد شروطا صعبة من أجل المشاركة في هذه الحكومة؟
- كانت لنا تجربة مريرة في ما مضى. الإقرار بأخطاء الماضي وتجاوزها أمر مهم، وهناك تفاصيل تجب مناقشتها. ويجب إقرار ضمانات لكل الإطراف. وإنصافا أقول يجب على كل الأطراف دعم رئيس الوزراء المكلف، العبادي، للقيام بواجباته، لأن هناك مهام عسيرة ملقاة على عاتقه في هذه الظروف، وأحد أهم أساليب الدعم هو أن تكون جميع الأطراف واضحة وصريحة في ما تريده وفي التزاماتها تجاه الحكومة كي لا تتكرر الأزمات الماضية. ولا شك أنه ستكون هناك مطالب أساسية، مثلا الطرف الكردي عنده إشكالات مع الحكومة السابقة وأبرزها قضايا الميزانية وقانون النفط والبيشمركة والمناطق المتنازع عليها، هذه التفاصيل مهمة للجانب الكردي، لكن وحسب رأيي المسألة الأهم في العملية السياسية بالعراق هي مبدأ المشاركة الحقيقية، وهذا لا يعني الحقوق المكتسبة من الحكومة فقط، بل أيضا الالتزام بالبرنامج الحكومي والاصطفاف في مواجهة الإرهاب.
مشكلة الحكم في العراق هي ظاهرة التفرد، وهي ممكنة ومتكررة في العراق بسبب المال الذي يأتي بصورة سهلة من تسويق النفط وغياب المؤسسات الدستورية الرقابية. المشكلة ليست قضية شخصية، الضمانات الحقيقية والجدية في المشاركة الحقيقية لصنع القرار السياسي والأمني لكل المكونات مهمة جدا، وهذا الموضوع يمثل جوهر مشكلة الحكم في العراق، ولو كانت هناك مشاركة فاعلة لكل الأطراف في صنع القرار ربما لم تكن الكثير من هذه المشاكل قد حدثت. ثم ضرورة الإقرار بالمبادئ الدستورية الأساسية ألا وهي تشكيل حكومة ديمقراطية اتحادية، وعدم حصر الصلاحيات بالحكومة بل توزيعها على المحافظات والإقليم لأن الحكومة بتركيبتها الحالية وبسبب الأزمات الأمنية غير قادرة على النهوض بهذه المهمة.
* لكن بوادر حوارات تشكيل الحكومة تشير إلى نفس ما جرى في الحكومات السابقة: توزيع المناصب والحقائب الوزارية على أساس النقاط والمذاهب والقوميات؟
- أتمنى ألا تتكرر التجارب الماضية، فلا يمكن للكرد مثلا أن يقولوا أعطني حصتي وأنا لا علاقة لي بالباقي، بل يجب يتغير المفهوم في عمقه، فنحن معنيون بما يجري ببغداد من وضع سياسي وقرارات أمنية واقتصادية، وبتسويق النفط في عموم العراق. وأريد أن ننتج ونصدر النفط بأضعاف مضاعفة لما هو عليه اليوم، لأن في ذلك فائدة لكل العراقيين. فلا يمكن عزل الحصة الكردية، أو السنية أو الشيعية عن العام العراقي، فإن لم تتغير العقلية فسوف تستمر الدوامة. وفي السياق نفسه أقول إن من كان يرى ويتهم إقليم كردستان باعتباره مصدر تهديد لوحدة العراق فإن الأحداث أثبتت عكس ذلك تماما حيث يحتضن الإقليم أكثر من مليون ونصف المليون من النازحين ومن كل المناطق والأديان والمذاهب والقوميات، بينما تتصدى قوات البيشمركة لإرهاب «داعش»، وبرهنت الأيام أن كردستان في الواقع، وبعيدا عن السجالات والشعارات، حريص على وحدة العراق وجمع شمل أهله، وأصبح واضحا الفساد والفشل السياسي والأمني وهذا هو ما يهدد الوحدة العراقية، وشعارات التغني بالوحدة العراقية لا تجدي نفعا. العمل من أجل إصلاح بنيوي لمنظومة سياسية وأمنية واقتصادية فاشلة هو الطريق لحماية وحدة العراق وسلامة مواطنيه. ومن دون تمكين أهلنا في المناطق الساخنة فإن العراق غير قادر على تفادي الدوامة، ومع أهمية الإسراع بتشكيل الحكومة الجديدة فإنه من المهم وضع برنامج زمني عاجل للعمل لإيجاد حلول جذرية للمشاكل الحقيقية. بعد عشر سنوات لا بد من أن ندرس المشاكل التي بدأت قبل وبعد 2003.
* هل تعتقدون أن الأزمة الحقيقية بين بغداد وأربيل هي موضوع قيام حكومة الإقليم بتصدير النفط؟
- لا.. الأزمة أعمق من هذا الموضوع وأقدم منه، ولو توافرت الثقة والإرادة السياسية لجعلنا من موضوع النفط في كردستان مكسبا للعراق وموردا إضافيا للخزينة يستفيد منه كل العراقيين. وأتمنى على الحكومة القادمة حل هذه الإشكالات. لكن الأخطر من كل شيء هو قطع رواتب الموظفين في الإقليم من قبل الحكومة الاتحادية، وهذا ما يهدد وحدة العراق ويدعو إلى تصدعها وليس تصدير النفط، وأتمنى استئناف منح رواتب الموظفين بأسرع ما يمكن وعدم استخدام أرزاق الناس ورقة ضغط في السجال السياسي.
* عدم اشتراك أو إشراك أسماء سياسية عراقية كبيرة ومهمة مثل إياد علاوي وعادل عبد المهدي وأحمد الجلبي وبرهم صالح ألا يسهم في استمرار الأوضاع على ما هي عليه؟
- يجب الاستفادة من دروس الماضي، وأعني الطبقة السياسية. الكل تضرروا من العملية السياسية، وقد استفادت شريحة من المتنفذين السياسيين من الامتيازات المالية والفساد، لكن سمعة الطبقة السياسية في الحضيض. الآن العراق في مفترق طرق، قاب قوسين أو أدنى إما من الانهيار الكامل أو النجاح إن شاء الله. الاستمرار في الوضع الحالي غير ممكن. لننظر إلى الأحداث اليوم، هناك الآلاف المؤلفة من الضحايا في سنجار وسبايكر والموصل والأنبار والحويجة وجامع مصعب بن عمير، وما ينتظر أهلنا في بلدة آمرلي، فإذا لم يتم التدخل ستكون هناك مذبحة مروعة، وما يجري من تفجيرات في بغداد وكركوك ومناطق أخرى من العراق. أي بلد يجري فيه كل هذا لا يحترم نفسه؟ هل ثمن البقاء على كرسي السلطة هو موت الآلاف من الأبرياء؟ في تقديري هذا غير ممكن على الإطلاق. المال السياسي المتأتي من النفط خلق طبقة من المنتفعين سمعتهم اليوم في الحضيض.
* ماذا عن الموقف الإقليمي وكيف تقيمون الموقف العربي؟
- المنطقة معنية بما يجري في العراق، وهناك تفهم إقليمي متنام لضرورة دعم الحكومة المقبلة برئاسة الأخ عبادي. هناك استنفار دولي وإقليمي للتمكن من خطر «داعش». الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يساعدان أكثر فأكثر، وإيران تساعد الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان في مواجهة «داعش»، وفي هذا السياق يجب أن نذكر بتقدير مساهمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لمساندة النازحين العراقيين، ونتطلع إلى دور عربي فاعل لتدارك الأزمة الحالية.
* كيف ترون خطورة «داعش» على العراق؟
- «داعش» أصبح مشروعا خطيرا، متأتيا من المشاكل الكبيرة ومن الثغرات السياسية في العراق، وأيضا من الوضع الإقليمي ومن تداعيات الأحداث في سوريا. ربما وقبل فترة قريبة كان هناك من يتصور أن «داعش» ضد حكومة المالكي في العراق أو ضد بشار الأسد أو ضد هذا الطرف دون ذاك، لكن تمدد الإرهاب اليوم بوضعه الحالي خلق وعيا دوليا وإقليميا جديدا بأن هذا الخطر الإرهابي ليس محصورا بجبال سنجار أو الموصل أو الرقة، وإنما له تداعيات كبيرة على دول كل المنطقة، تداعيات على الأمن الدولي بما فيه أمن الولايات المتحدة وروسيا أيضا، ونعرف أن العديد من الشيشان ومواطنين أوروبيين وأميركان متورطون في هذه التنظيمات الإرهابية من أمثال «داعش». وعلى الرغم من الصراعات الدولية والإقليمية الخطيرة التي يتم لعبها على الساحتين العراقية والسورية، فإنه لعل وعسى أن يتم التعامل مع هذا الخطر الذي تجاوز محدوديته الجغرافية من خلال توحيد القوى الدولية والإقليمية لاستئصال خطر الإرهاب.
هناك مقاربة بين وضع أفغانستان ووضعنا، فالدول التي ساعدت المجاهدين في أفغانستان للتخلص من الوجود السوفياتي آنذاك، وقدمت لهم المال والسلاح جعلتهم ينجحون في دحر القوات السوفياتية، لكنها في الوقت ذاته خلقت وحشا اسمه «القاعدة»، وقد استخفت القوى العالمية بهذا الوحش المتخفي في كهوف أفغانستان لكنه ظهر إليهم وفجر مركز التجارة العالمي في نيويورك، والشيء ذاته حدث عندما تم دعم بعض القوى في سوريا والتي انشقت عن «القاعدة» لإيقاف النفوذ الإيراني في المنطقة، واستفاد المتطرفون من هذا الدعم وليس القوى المعتدلة، وخرج إلى الوجود «داعش». والآن أصبح الخطر أكبر بكثير مما كانت عليه «القاعدة» آنذاك. ليس هناك خيار إلا بتفاهم أميركي روسي سعودي إيراني تركي لدعم العراق للتخلص من «داعش» وحل الأزمة السورية سياسيا، وإلا سيكون هذا السرطان وبالا على الجميع.
* أخيرا.. أين هو برهم صالح اليوم مما يجري؟
- أنا هنا أعمل بالمتيسر لي من أجل دعم الجهود الرامية للانتصار على الإرهاب وحل المعضلة العراقية ومساندة مشاريع الإصلاح عندنا.



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.