تفاؤل بتوصل المعارضة والعسكريين السودانيين إلى اتفاق على حكومة مدنية

المهدي يدعو للانضمام للمحكمة الجنائية وتطبيع علاقات البلاد مع العالم

TT

تفاؤل بتوصل المعارضة والعسكريين السودانيين إلى اتفاق على حكومة مدنية

عاد التفاؤل بالوصول إلى توافق بين العسكريين والمعارضين المدنيين السودانيين في وقت قريب، بعد اجتماع مشترك عقد بينهما بالقصر الرئاسي بالخرطوم أمس، وصفه المجلس العسكري الانتقالي بأنه «كان إيجابياً»، نظر ترتيبات المرحلة الانتقالية، وفي غضون ذلك دعا المعارض البارز الصادق المهدي لانضمام السودان للمحكمة الجنائية الدولية لتطبيع علاقاته مع المجتمع الدولي.
وقال المتحدث باسم المجلس الفريق شمس الدين كباشي في مؤتمر صحافي مشترك أمس، إن أجواء المباحثات سادتها روح عالية جداً وشفافية كبيرة، وإن الطرفين أكدا المسؤولية المشتركة التي تستوجب إعلاء قيمة الوطن، وأبدى تفاؤله بالوصول إلى نتيجة نهائية في وقت قريب وإعلانها للشعب. بدوره، قال مدني عباس المتحدث باسم قوى إعلان الحرية والتغيير، الطرف الآخر في الاجتماع، إن النقاش سار بشكل إيجابي ومثمر، ومشجع على استمرار الجلسات، مبدياً تفاؤله بالوصول إلى اتفاق يرضي الشعب السوداني في وقت قريب. وأضاف: «الاجتماع الأول للجنة التفاوض ناقش النقاط التي حولها اختلاف في وجهات النظر»، وتابع: «في أقرب فرصة ممكنة ننتظر الوصول إلى نتائج إيجابية، تلبي تطلعات الشعب السوداني». جاء ذلك بعد يوم واحد من تسمية قوى إعلان الحرية والتغيير ممثليها في اللجنة المشتركة.
وتشكلت اللجنة المشتركة بناء على توصية اجتماع بين الطرفين عقد الأربعاء الماضي، لبحث القضايا الخلافية وتقريب وجهات النظر حولها، وترتيبات الفترة الانتقالية. من جهته، أكد المعارض السوداني البارز الصادق المهدي أهمية انضمام السودان للمحكمة الجنائية الدولية وفوراً، وأن الجيش لم ينفذ انقلاباً عسكرياً ضد المعزول عمر البشير، بل انحاز لمطالب الشعب، ما يسهل إمكانية تحقيق مطالب الثوار بـ«حكومة مدنية».
وقال المهدي الذي يتزعم حزب الأمة الموقع على «إعلان الحرية والتغيير»، إنه يؤيد المحكمة الجنائية الدولية، ويطالب بالانضمام إليها فوراً، لا سيما أن السودان موقع تكوين المحكمة. وتابع: «عندما كان أحد المطلوبين رئيساً للدولة، كنا ننادي بالتوفيق بين العدالة الجنائية والاستقرار». وأضاف: «لكن الآن لا مانع من الاستجابة لمطالبها، وينبغي الانضمام إليها فوراً».
ونفى المهدي وصف استيلاء الجيش على السلطة بأنه انقلاب، وقال: «قوات الجيش امتنعت عن سفك الدماء، وانحازت لمطالب الشعب، ما يؤكد أن ما حدث ليس انقلاباً»، وأضاف: «لذلك في الإمكان الوصول إلى اتفاق مع المجلس العسكري، لأن العسكريين لم يخططوا انقلاباً»، وتابع: «أعلنوا مراراً أنهم زاهدون في السلطة».
ووصف المهدي تمديد مهلة الاتحاد الأفريقي للمجلس العسكري الانتقالي بتسليم السلطة للمدنيين من 15 يوماً إلى 3 أشهر بـ«غير الملزمة للسودانيين»، وتابع: «إنها مجرد توصية، والمدة المقترحة ليست ملزمة، فقد نقوم بالواجب في ظرف أسبوع».
ودعا المهدي للتعامل مع المجلس العسكري الانتقالي بالحكمة وليس بالانفعال، وقال: «المجلس العسكري يمثل أكثر من قيادة، ويرجى أن نتعامل معه بالحكمة لا بالانفعال»، واستطرد: «من المهم الاتفاق معه لتحديد دوره في الفترة الانتقالية».
وأشاد المهدي بدور «قوات الدعم السريع» في الثورة، متناسياً خلافاته معها بقوله: «قيادة الدعم السريع اتخذت إجراءات إيجابية، طافت على القبائل وحققت معها مصالحات»، وأضاف: «منذ البداية أعلنت الانحياز للمطالب الوطنية»، وتابع: «عندما وضعت أمام الفتك بالمعتصمين أو حمايتهم، قررت حمايتهم»، ودعا لمصالحات قبلية واسعة بمقابل ما حدث في الماضي.
وشدد على تجريد حزب المؤتمر الوطني والأحزاب المتحالفة معه من كل الامتيازات غير المشروعة «التي حصلوا عليها عن طريق التمكين الجائر»، وأضاف: «الأفراد الذين ارتكبوا جرائم وسرقات منهم، يحاسبون ضمن برنامج العدالة الانتقالية».
ونصح المهدي الإسلاميين ومؤيدي النظام المعزول «بمراجعة أنفسهم والاعتراف بجريمة الانقلاب على الديمقراطية، وبالإساءة للإسلام الذي لطخوا ثوبه الناصع باستغلاله شعاراً للبطش والإكراه كأنه مؤسسة عقابية».
وانتقد الزعيم البارز ممارسات النظام السابق بعنف، ووصفه بأنه «عاث فساداً بالخصخصة الجائرة التي كانت تخصيصاً»، ودعا لعقد مؤتمرات قومية خلال الفترة الانتقالية؛ «مؤتمر اقتصادي، ومؤتمر للعلاقات الخارجية، ومؤتمر إداري»، وقال: «من عبثيات النظام المباد تلاعبه بمصالح البلاد الخارجية والتقلب في المحاور مراعاة لمصالح النظام لا الوطن».
وقطع المهدي باتفاق قوى «إعلان الحرية والتغيير» على برامج المرحلة الانتقالية وأهدافها، بيد أنه أشار إلى مسائل خلافية موجودة بينها، بقوله: «هناك مسائل خلافية، مثلاً أعلن بعضنا تجميد الاتصال مع المجلس العسكري، نحن عارضنا ذلك، وينبغي التعامل معه بالحكمة لا بالانفعال، ولا تجميد بل حوار».
ودعا المهدي لتأجيل نظر قضية «الدين والدولة» والعلمانية ودور الجيش إلى «المؤتمر الدستوري»، وقال مشيراً إلى مطالب علمانية الدولة: «مثل هذه التصريحات إنما توفر ذخيرة للثورة المضادة، سوف يحتج السدنة بنصر الشريعة تارة ودعم الجيش تارة»، وأضاف: «النظام المباد أساء للشريعة إساءة بالغة، فهي عدل ومشاركة وشفافية، لكن نهجه كان ظلماً وفساداً وطغياناً»، واستطرد: «أما جيشنا فقد أساء إليه إساءة بالغة إذ اخترقه حزبياً، وأقام له البدائل».
وأرجع المهدي عدم تكوين الحكومة الانتقالية وتسمية هياكلها إلى ما سماه «المفاجأة» بسقوط النظام، وقال: «كلنا تفاجأنا بالتغيير، كنا نتوقع مرحلة أطول من المواجهات».
ويرى معتصمون وثوار أن التحالف المعارض تلكأ في ترشيح الحكومة المدنية، ويرجع ذلك لخلافات بين أطراف «إعلان الحرية والتغيير»، لكن المهدي أجاب لـ«الشرق الأوسط» بقوله: «حاولنا التغلب على المفاجأة وسوف نتغلب عليها، لكن لا توجد حرية من دون خلافات، بيننا خلافات لكن في الوقت ذاته نملك آليات لتجاوزها».
وتوقع المهدي أن تتوصل قوى «إعلان الحرية والتغيير» والمجلس العسكري الانتقالي إلى توافق حول الحكومة المدنية في غضون أيام، وقال: «ينتظرنا الموسم الزراعي، وهو يحتاج لنظام تنفيذي لمن يوفر المدخلات الزراعية، لذلك أتوقع استعجال التوافق على الشخصيات، لا سيما أنه لا توجد محاصصات حزبية»، وأضاف: «الحكومة الانتقالية أمامها مهام يشيب لها الوليد، لذلك نصلي من أجل الذين سيدخلون هذا (الصاج) - الطاجن الساخن».
وكشف المهدي عن عزمه اعتزال السياسية، والتفرغ لمهام أخرى، وقال: «أعمل على كتابة دستور ديمقراطي للسودان، وخلق مؤسسية كاملة الدسم في حزب الأمة وهيئة شؤون الأنصار، وبعدها سأترك غيري ليتولى الأمر، وأتفرغ لمهام أخرى».
وتوقع المهدي أن تعمل ما سماها قوى الثورة المضادة على استعادة سلطتها، وقال: «هناك جهات لها تفكير فاشستي تريد احتواء السلطة واحتكارها، وستفعل ما تشاء للحصول عليها»، وأضاف: «هم يسعون للسلطة ولو على (خازوق)، لأن السلطة لم تكن بالنسبة لهم إسلاماً أو شريعة، بل نهب واضح».
وقال المهدي إن جهوداً تبذلها جهات كثيرة لاسترداد الأموال السودانية المخبأة في بنوك العالم، وأضاف: «نتوقع من حكومة ماليزيا على وجه الخصوص لأنها جاءت أصلاً لمحاربة الفساد، مساعدتنا على كشف الأموال التي نهبت في العهد المباد»، وتساءل: «هناك أكثر من 150 مليار دولار هي عائدات البترول؛ أين ذهبت؟».
وأشار المهدي إلى ارتباط إعفاء ديون السودان البالغة نحو 60 مليار دولار أميركي، بالتطبيع مع الأسرة الدولية، الذي يتطلب بدوره «حل مشكلتنا مع المحكمة الجنائية الدولية».
من جهتها، دانت قوى «إعلان الحرية والتغيير» هجوماً شنه مواطنون غاضبون على اجتماع لحزب المؤتمر الشعبي في ضاحية الصحافة جنوب الخرطوم. وقالت في نشرة صحافية صادرة أمس: «ندين أي اعتداء مهما كانت أسبابه، ونؤمن بالحق في التجمع والتعبير للجميع»، وتابعت: «الوطن الذي يعمل ثوارنا البواسل على النهوض به، لا مكان فيه للإقصاء أو لأخذ الحقوق بالعنف».
وانتقدت النشرة المؤتمر الشعبي وذكرت أنه «يتحمل وزراً كبيراً فيما حدث للبلاد في الثلاثين عاماً الماضية»، بيد أنها عادت للقول: «لكن أي شكل من أشكال الاعتداء البدني أو اللفظي لن يؤسس لوطن يسع الجميع على قاعدة حكم القانون».
ودعا التحالف المعارض أصحاب المظالم ضد النظام القديم لملاحقتها بالقانون، وقال: «سيادة القانون هي المشروع البديل والنبيل لمشروع الإنقاذ البائد، وكبديل تعزم على تحقيقه ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة، التي لبست شعار السلمية وشاحاً، ورفعت شعار حرية سلام وعدالة». وكان مواطنون غاضبون قد شنوا هجوماً بالحجارة على قاعة في ضاحية الصحافة جنوب الخرطوم، حيث يعقد اجتماع مجلس شورى حزب المؤتمر الشعبي (حزب الترابي) وأصابوا عدداً منهم بجراح. وبحسب شهود عيان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن رجالاً على سيارات حرضوا المواطنين ودعوهم لمهاجمة القاعة التي تضم المجتمعين، مرددين هتاف الثورة الموجه لحزب المعزول البشير «أي كوز ندوسو دوس».
وتحمل قوى المعارضة والمواطنون، على «حزب المؤتمر الشعبي»، باعتباره الحزب الذي أسسه الراحل حسن الترابي الذي يتحمل مسؤولية انقلاب البشير، إضافة إلى مشاركته في السلطة بمستوييها التنفيذي والتشريعي حتى سقوط نظام البشير. ونقلت تقارير صحافية عن مسؤول الإعلام بالحزب عبد العال مكين، أن المهاجمين ظنوا أن المؤتمر يخص حزب المؤتمر الوطني، لا سيما أن هناك شهيداً من أبناء الحي قتلته أجهزة الأمن أثناء الاحتجاجات. ووفقاً بـ«باج نيوز» الإخباري، فإن عدداً من أعضاء الحزب أصيبوا بإصابات، وإن قوات الأمن فضت الاشتباك، واعتقلت 140 شخصاً من قيادات وأعضاء الحزب على خلفية الأحداث، ونقلتهم إلى «سجن كوبر» وحولت المصابين إلى المستشفى.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.