تفاؤل بتوصل المعارضة والعسكريين السودانيين إلى اتفاق على حكومة مدنية

المهدي يدعو للانضمام للمحكمة الجنائية وتطبيع علاقات البلاد مع العالم

TT

تفاؤل بتوصل المعارضة والعسكريين السودانيين إلى اتفاق على حكومة مدنية

عاد التفاؤل بالوصول إلى توافق بين العسكريين والمعارضين المدنيين السودانيين في وقت قريب، بعد اجتماع مشترك عقد بينهما بالقصر الرئاسي بالخرطوم أمس، وصفه المجلس العسكري الانتقالي بأنه «كان إيجابياً»، نظر ترتيبات المرحلة الانتقالية، وفي غضون ذلك دعا المعارض البارز الصادق المهدي لانضمام السودان للمحكمة الجنائية الدولية لتطبيع علاقاته مع المجتمع الدولي.
وقال المتحدث باسم المجلس الفريق شمس الدين كباشي في مؤتمر صحافي مشترك أمس، إن أجواء المباحثات سادتها روح عالية جداً وشفافية كبيرة، وإن الطرفين أكدا المسؤولية المشتركة التي تستوجب إعلاء قيمة الوطن، وأبدى تفاؤله بالوصول إلى نتيجة نهائية في وقت قريب وإعلانها للشعب. بدوره، قال مدني عباس المتحدث باسم قوى إعلان الحرية والتغيير، الطرف الآخر في الاجتماع، إن النقاش سار بشكل إيجابي ومثمر، ومشجع على استمرار الجلسات، مبدياً تفاؤله بالوصول إلى اتفاق يرضي الشعب السوداني في وقت قريب. وأضاف: «الاجتماع الأول للجنة التفاوض ناقش النقاط التي حولها اختلاف في وجهات النظر»، وتابع: «في أقرب فرصة ممكنة ننتظر الوصول إلى نتائج إيجابية، تلبي تطلعات الشعب السوداني». جاء ذلك بعد يوم واحد من تسمية قوى إعلان الحرية والتغيير ممثليها في اللجنة المشتركة.
وتشكلت اللجنة المشتركة بناء على توصية اجتماع بين الطرفين عقد الأربعاء الماضي، لبحث القضايا الخلافية وتقريب وجهات النظر حولها، وترتيبات الفترة الانتقالية. من جهته، أكد المعارض السوداني البارز الصادق المهدي أهمية انضمام السودان للمحكمة الجنائية الدولية وفوراً، وأن الجيش لم ينفذ انقلاباً عسكرياً ضد المعزول عمر البشير، بل انحاز لمطالب الشعب، ما يسهل إمكانية تحقيق مطالب الثوار بـ«حكومة مدنية».
وقال المهدي الذي يتزعم حزب الأمة الموقع على «إعلان الحرية والتغيير»، إنه يؤيد المحكمة الجنائية الدولية، ويطالب بالانضمام إليها فوراً، لا سيما أن السودان موقع تكوين المحكمة. وتابع: «عندما كان أحد المطلوبين رئيساً للدولة، كنا ننادي بالتوفيق بين العدالة الجنائية والاستقرار». وأضاف: «لكن الآن لا مانع من الاستجابة لمطالبها، وينبغي الانضمام إليها فوراً».
ونفى المهدي وصف استيلاء الجيش على السلطة بأنه انقلاب، وقال: «قوات الجيش امتنعت عن سفك الدماء، وانحازت لمطالب الشعب، ما يؤكد أن ما حدث ليس انقلاباً»، وأضاف: «لذلك في الإمكان الوصول إلى اتفاق مع المجلس العسكري، لأن العسكريين لم يخططوا انقلاباً»، وتابع: «أعلنوا مراراً أنهم زاهدون في السلطة».
ووصف المهدي تمديد مهلة الاتحاد الأفريقي للمجلس العسكري الانتقالي بتسليم السلطة للمدنيين من 15 يوماً إلى 3 أشهر بـ«غير الملزمة للسودانيين»، وتابع: «إنها مجرد توصية، والمدة المقترحة ليست ملزمة، فقد نقوم بالواجب في ظرف أسبوع».
ودعا المهدي للتعامل مع المجلس العسكري الانتقالي بالحكمة وليس بالانفعال، وقال: «المجلس العسكري يمثل أكثر من قيادة، ويرجى أن نتعامل معه بالحكمة لا بالانفعال»، واستطرد: «من المهم الاتفاق معه لتحديد دوره في الفترة الانتقالية».
وأشاد المهدي بدور «قوات الدعم السريع» في الثورة، متناسياً خلافاته معها بقوله: «قيادة الدعم السريع اتخذت إجراءات إيجابية، طافت على القبائل وحققت معها مصالحات»، وأضاف: «منذ البداية أعلنت الانحياز للمطالب الوطنية»، وتابع: «عندما وضعت أمام الفتك بالمعتصمين أو حمايتهم، قررت حمايتهم»، ودعا لمصالحات قبلية واسعة بمقابل ما حدث في الماضي.
وشدد على تجريد حزب المؤتمر الوطني والأحزاب المتحالفة معه من كل الامتيازات غير المشروعة «التي حصلوا عليها عن طريق التمكين الجائر»، وأضاف: «الأفراد الذين ارتكبوا جرائم وسرقات منهم، يحاسبون ضمن برنامج العدالة الانتقالية».
ونصح المهدي الإسلاميين ومؤيدي النظام المعزول «بمراجعة أنفسهم والاعتراف بجريمة الانقلاب على الديمقراطية، وبالإساءة للإسلام الذي لطخوا ثوبه الناصع باستغلاله شعاراً للبطش والإكراه كأنه مؤسسة عقابية».
وانتقد الزعيم البارز ممارسات النظام السابق بعنف، ووصفه بأنه «عاث فساداً بالخصخصة الجائرة التي كانت تخصيصاً»، ودعا لعقد مؤتمرات قومية خلال الفترة الانتقالية؛ «مؤتمر اقتصادي، ومؤتمر للعلاقات الخارجية، ومؤتمر إداري»، وقال: «من عبثيات النظام المباد تلاعبه بمصالح البلاد الخارجية والتقلب في المحاور مراعاة لمصالح النظام لا الوطن».
وقطع المهدي باتفاق قوى «إعلان الحرية والتغيير» على برامج المرحلة الانتقالية وأهدافها، بيد أنه أشار إلى مسائل خلافية موجودة بينها، بقوله: «هناك مسائل خلافية، مثلاً أعلن بعضنا تجميد الاتصال مع المجلس العسكري، نحن عارضنا ذلك، وينبغي التعامل معه بالحكمة لا بالانفعال، ولا تجميد بل حوار».
ودعا المهدي لتأجيل نظر قضية «الدين والدولة» والعلمانية ودور الجيش إلى «المؤتمر الدستوري»، وقال مشيراً إلى مطالب علمانية الدولة: «مثل هذه التصريحات إنما توفر ذخيرة للثورة المضادة، سوف يحتج السدنة بنصر الشريعة تارة ودعم الجيش تارة»، وأضاف: «النظام المباد أساء للشريعة إساءة بالغة، فهي عدل ومشاركة وشفافية، لكن نهجه كان ظلماً وفساداً وطغياناً»، واستطرد: «أما جيشنا فقد أساء إليه إساءة بالغة إذ اخترقه حزبياً، وأقام له البدائل».
وأرجع المهدي عدم تكوين الحكومة الانتقالية وتسمية هياكلها إلى ما سماه «المفاجأة» بسقوط النظام، وقال: «كلنا تفاجأنا بالتغيير، كنا نتوقع مرحلة أطول من المواجهات».
ويرى معتصمون وثوار أن التحالف المعارض تلكأ في ترشيح الحكومة المدنية، ويرجع ذلك لخلافات بين أطراف «إعلان الحرية والتغيير»، لكن المهدي أجاب لـ«الشرق الأوسط» بقوله: «حاولنا التغلب على المفاجأة وسوف نتغلب عليها، لكن لا توجد حرية من دون خلافات، بيننا خلافات لكن في الوقت ذاته نملك آليات لتجاوزها».
وتوقع المهدي أن تتوصل قوى «إعلان الحرية والتغيير» والمجلس العسكري الانتقالي إلى توافق حول الحكومة المدنية في غضون أيام، وقال: «ينتظرنا الموسم الزراعي، وهو يحتاج لنظام تنفيذي لمن يوفر المدخلات الزراعية، لذلك أتوقع استعجال التوافق على الشخصيات، لا سيما أنه لا توجد محاصصات حزبية»، وأضاف: «الحكومة الانتقالية أمامها مهام يشيب لها الوليد، لذلك نصلي من أجل الذين سيدخلون هذا (الصاج) - الطاجن الساخن».
وكشف المهدي عن عزمه اعتزال السياسية، والتفرغ لمهام أخرى، وقال: «أعمل على كتابة دستور ديمقراطي للسودان، وخلق مؤسسية كاملة الدسم في حزب الأمة وهيئة شؤون الأنصار، وبعدها سأترك غيري ليتولى الأمر، وأتفرغ لمهام أخرى».
وتوقع المهدي أن تعمل ما سماها قوى الثورة المضادة على استعادة سلطتها، وقال: «هناك جهات لها تفكير فاشستي تريد احتواء السلطة واحتكارها، وستفعل ما تشاء للحصول عليها»، وأضاف: «هم يسعون للسلطة ولو على (خازوق)، لأن السلطة لم تكن بالنسبة لهم إسلاماً أو شريعة، بل نهب واضح».
وقال المهدي إن جهوداً تبذلها جهات كثيرة لاسترداد الأموال السودانية المخبأة في بنوك العالم، وأضاف: «نتوقع من حكومة ماليزيا على وجه الخصوص لأنها جاءت أصلاً لمحاربة الفساد، مساعدتنا على كشف الأموال التي نهبت في العهد المباد»، وتساءل: «هناك أكثر من 150 مليار دولار هي عائدات البترول؛ أين ذهبت؟».
وأشار المهدي إلى ارتباط إعفاء ديون السودان البالغة نحو 60 مليار دولار أميركي، بالتطبيع مع الأسرة الدولية، الذي يتطلب بدوره «حل مشكلتنا مع المحكمة الجنائية الدولية».
من جهتها، دانت قوى «إعلان الحرية والتغيير» هجوماً شنه مواطنون غاضبون على اجتماع لحزب المؤتمر الشعبي في ضاحية الصحافة جنوب الخرطوم. وقالت في نشرة صحافية صادرة أمس: «ندين أي اعتداء مهما كانت أسبابه، ونؤمن بالحق في التجمع والتعبير للجميع»، وتابعت: «الوطن الذي يعمل ثوارنا البواسل على النهوض به، لا مكان فيه للإقصاء أو لأخذ الحقوق بالعنف».
وانتقدت النشرة المؤتمر الشعبي وذكرت أنه «يتحمل وزراً كبيراً فيما حدث للبلاد في الثلاثين عاماً الماضية»، بيد أنها عادت للقول: «لكن أي شكل من أشكال الاعتداء البدني أو اللفظي لن يؤسس لوطن يسع الجميع على قاعدة حكم القانون».
ودعا التحالف المعارض أصحاب المظالم ضد النظام القديم لملاحقتها بالقانون، وقال: «سيادة القانون هي المشروع البديل والنبيل لمشروع الإنقاذ البائد، وكبديل تعزم على تحقيقه ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة، التي لبست شعار السلمية وشاحاً، ورفعت شعار حرية سلام وعدالة». وكان مواطنون غاضبون قد شنوا هجوماً بالحجارة على قاعة في ضاحية الصحافة جنوب الخرطوم، حيث يعقد اجتماع مجلس شورى حزب المؤتمر الشعبي (حزب الترابي) وأصابوا عدداً منهم بجراح. وبحسب شهود عيان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن رجالاً على سيارات حرضوا المواطنين ودعوهم لمهاجمة القاعة التي تضم المجتمعين، مرددين هتاف الثورة الموجه لحزب المعزول البشير «أي كوز ندوسو دوس».
وتحمل قوى المعارضة والمواطنون، على «حزب المؤتمر الشعبي»، باعتباره الحزب الذي أسسه الراحل حسن الترابي الذي يتحمل مسؤولية انقلاب البشير، إضافة إلى مشاركته في السلطة بمستوييها التنفيذي والتشريعي حتى سقوط نظام البشير. ونقلت تقارير صحافية عن مسؤول الإعلام بالحزب عبد العال مكين، أن المهاجمين ظنوا أن المؤتمر يخص حزب المؤتمر الوطني، لا سيما أن هناك شهيداً من أبناء الحي قتلته أجهزة الأمن أثناء الاحتجاجات. ووفقاً بـ«باج نيوز» الإخباري، فإن عدداً من أعضاء الحزب أصيبوا بإصابات، وإن قوات الأمن فضت الاشتباك، واعتقلت 140 شخصاً من قيادات وأعضاء الحزب على خلفية الأحداث، ونقلتهم إلى «سجن كوبر» وحولت المصابين إلى المستشفى.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.