الشعر تحت قناع الألم

فارس خضر في ديوانه «بعين واحدة... وبصيرتين»

الشعر تحت قناع الألم
TT

الشعر تحت قناع الألم

الشعر تحت قناع الألم

هل الشعر حقيقة مؤلمة، وماذا عن الحياة... أليست كذلك؟!... رافقني هذا التساؤل وأنا أقرأ ديوان «بعين واحدة... وبصيرتين» للشاعر فارس خضر، الصادر حديثاً عن «دار الأدهم» بالقاهرة. ثمة مشاعرُ من الإحباط والحزن والخوف، تسيطر على أجواء الديوان، فيما تعلو نبرة الإحساس بالألم مشكلة دالاً محورياً ومفتاحاً للرؤية في معظم النصوص، التي تشي عناوينها أيضاً بالإحساس نفسه. يعزز ذلك أننا أمام ذات ممرورة، ضجرة من واقعها والعالم، من الماضي والحاضر والغد، أصبحت ترى في الألم تعبيراً عن كينونتها، ولا بديل أمامها لمواجهة ذلك سوى رهانها الخاسر على تعلم القسوة، لكنها قسوة حانية، تعلي من شأن المحبة، في أقسى لحظات الشعور بالأسى والخذلان من العالم والبشر والأشياء.
«لا أجد ما يدل عليّ... سوى ألمي»... بهذه الجملة التي تراوغ ما بين النفي واليقين يستهل الشاعر ديوانه؛ في قصيدة بعنوان «دليلٌ كسيحٌ... لا يعرف من صحرائه سوى الهاوية»... أي هاوية إذن وأي صحراء التي يوحي بها هذا العنوان، هل هي هاوية الذات والكتابة صحراؤها، أم هي هاوية الألم، والذات مجرد دليل كسيح، تحت جناحيه تتعلم كيف ترثي نفسها، ربما بألم أكثر، لا يعدو كونه محصلة لخطواتها في هذا العالم البائس الشائك... في الوقت نفسه يشكل الجوع بكل دواله رمزياً ونفسياً محور إيقاع النص هنا، ويبدو بمثابة الصوت الآخر المتخفي، الذي تخاطبه الذات من وراء قناع الدليل، حتى أننا نجد إشارة في أحد المقاطع تذكرنا بإحدى الحكايات التي تروى عن الخليفة عمر بن الخطاب، في عام الرمادة، عن الأم التي وضعت قدراً به ماء على النار، وتركته يغلي لتوهم أطفالها بالطعام حتى يناموا، وهو المعنى نفسه الذي يشير إليه النص في الختام أيضاً قائلاً:
«بدمي المحروق
ورائحة أطرافي على الجمر
آكل جسدي
وأموت جائعاً»
يتناص الجوع والألم في الديوان بحثاً عن أشياء حميمة وأزمنة مفتقدة، لم يبق منها سوى نثار من الذكريات والأحلام الموجعة. فالألم محض جوع للشفاء، لكن كيف يشكل قناعاً للشعر والشاعر معاً؟
تعي الذات الشاعرة أبعاد هذا السؤال الشائك، فلا تتعامل مع الألم كمجرد انفعال باطني ووجود افتراضي، يلعب على سطحه الشاعر، إنما تستند عليه كشكل من أشكال المعرفة، توسع به خبرتها بالوجود وتكتسب من خلال تداعياته حيواتٍ جديدة، طارحة تحت قناعه أسئلتها الخاصة عن واقعها الشخصي الذاتي، وهواجسها عن الإنسان والكون والحياة، وأيضاً عن مأزق واقعها السياسي والاجتماعي، وهو ما يطالعنا على هذه النحو:
«الأشجار التي كبرت في غيبة الساسة
كانت عصيَّا كهربائية...
العطور النسائية التي تتمشى في الشوارع
محلولة الشعر وعارية الأكتاف
كانت قنابلَ مسيِّلة للدموع.
الورودُ خوذاتُ عساكرَ
وكؤوسُ الشربات دَمٌ
هذه الجنة كانت مجنزراتٍ ودباباتٍ
وجباهاً مقطبة..
لوطن قديم»
هكذا، تتبادل قصائد الديوان الثماني الأدوار على مسرح الألم محاولة إدراك حقيقته، أو رسم صورة له بالسلب أو الإيجاب، ينتشلها الشعر من ضبابية الوجود، صانعاً منها ما يمكن أن أسميه «غبطة الألم» كاشفاً بحقيقته المؤلمة، ما ينطفئ ويفور، ما يذبل ويضعف، ما يقوى وينهض، ويمتد في جسد الذاكرة والحلم، ويوسع بطاقة المخيلة فضاء الذات، لتفرض الأنا وجودها على العناصر والأشياء، وعلى الألم نفسه بتلقائية صارمة أحياناً.
تنجح الكثير من القصائد في اصطياد هذه الصورة تحت قناع الألم، ونسجها بلغة جزلة رصينة، وتراسلات رمزية ودلالية مكثفة، كما تنجح في الإيهام بالانقسام على نفسها، وتنويع دفة الدوال شعرياً في النص؛ من المفرد المتكلم، إلى المخاطب الجمع، بصيغة المستتر أحياناً، والصريح أحياناً أخرى، فيصبح الألم بكل نوازعه ومفارقاته السلبية والإيجابية وكأنه طريقٌ للبحث عن حقيقة الوجود والحياة، وحقيقة الشعر أيضاً.
يطالعنا ذلك على نحو لافت في قصيدتي «مصارع الثيران» و«قبر يتحرك بين محطات المترو»؛ في القصيدة الأولى، يتحول الألم ومراودته في حلبة المصارعة المتخيلة إلى فعل مقاومة، تتسلح به الذات، وتدافع عن كينونتها، في لحظة فارقة واستثنائية، فالأمر لا يتعلق بلعبة من ألاعيب الحياة الخطرة، وإنما يتعلق بهزيمة الخوف الكامن في الداخل، كغريزة إنسانية، يفرغ الإفراطُ فيها الوجودَ من المعنى والقيمة، وتصبح الذات معرضة للقلق والتوتر والتوجس، وكلها من مظاهر الألم.
في لقطات متتالية واخزة بصرياً، ينهي الشاعر قصيدته، لنكتشف أننا إزاء مشهد مركب مجازياً، فثمة ثور في الحلبة، وثمة شبح له يطارد الشاعر في منامه... يقول (ص 82):
«قرنان منغرسان في رئتيّ
منذ ما لا أذكرُ
والثورُ يخضخضني
لأعلى ولأسفلِ
بلا هوادة.
اغمضْ عينيكَ
لتسدّ البابَ
في وجه الشفقة».
إطلالة أخرى على هذه المشهدية الشجية تطالعنا في القصيدة الثانية، التي يذيلها الشاعر بعنوان داخلي جامعاً في قبضته بين حركتي الزمان والمكان قائلاً:
«بالأمس متُ بين محطتين». لا نعرف تحديداً كنه هاتين المحطتين، سوى أن وجوداً ما انحسر بينهما، وجوداً يشارف الموت، أو هو موت مجازي، أو اختبار له يتم بشكل عفوي، يتجدد يومياً تحت قناع الألم... فعبثاً تحاول الذات أن تصرخ، أن تشبَّ وسط الزحام، أن تتنفس هواءً نقياً... ولا شيء سوى الضجر، تختلط فيه الملهاة بالمأساة، يمكن أن يعبر عن صدمة الإنسان بالواقع والحياة... يجسد النص هذه الصدمة قائلاً (ص 97):
«الملتصقون بأكتافي
لم يدركوا أن المشهدَ توقف فجأة
كأن نسمة هواءٍ باردة وقفت على وجوههم
أو منديلاً مرّ على جباههم
ومسح ذكرياتهم القاسية
كنتُ صامتاً
كأنني الهدوءُ
يتوضأ بمفرده
في مسجد قديم»
على ضوء هذا، تتعدد مظاهر الألم وتتنوع دلالاته وظلاله مشرّبة أحياناً بوقع فلسفي ونزوع وجودي في الديوان، حيث الألم قرينُ الحزن والبكاء والحرمان والفقد، متجسداً في صورة الأب، رمز الأمان والحكمة المفتقدة التي تتناثر في أرجاء النصوص، وهو أيضاً قرين المحبة، ويبدو لي أنه مثلما نتحدث دائماً في الحب عن نداء القلب للقلب، أو الروح للروح، ثمة نداء داخلي للألم دفين في الإنسان، يتسم بنشدان عميق للآخر، حتى أن الذات الشاعرة تتألم أحياناً من أجله وباسم محبته، وهو ما يطالعنا في اللطشة الأخيرة من الديوان:
«أحببتهم
وكنت طيباً
لدرجة أن أحداً منهم
لن يذكرني مطلقاً».
لكن هذا النداء للآخر حين يوجه خطابه للأنثى في الديوان، أياً كانت ماهيتها؛ حبيبة، عشيقة، شريكة حياة، كثيراً ما يقع أسيراً لسلبية الألم، فتتوه الأنا بين نوازع السلب والإيجاب، وتصبح أنا مخادعة وشريرة، تحيك الوهم للذات، بينما يتحول النداء من فعل إنساني رحب إلى فعل مشوش ورومانسي يقيس امتلاءه بذاته، بمدى ما يحدثه في الآخر من ألم، وهو ما يطالعنا في قصيدة «شجرة جوافة... تنام في سريرة/ من سيرة العطش» (27). فالعطش الذي يشير إليه العنوان يظل نقطة غامضة، بينما تضع الذات الشاعرة نفسها في دور الضحية للأنثى، ويهيمن خطابها الذكوري بشكل أحادي على النص، ولا نجد أي صدى لصوت الطرف الآخر - الأنثى، ما يجعل الألم يتحول إلى قناع للانتقام عاطفياً، مشكلاً مصدر كآبة موحش للذات والأنا معاً؛ لا تملك تحت ظلاله سوى التوجس من الماضي والحاضر، من الذكريات والأحلام، وقبل كل شيء، التوجس من نفسها... يقول الشاعر في هذا النص:
«أنام والأكف المقطوعة
على رقبتي
رقبتي الطويلة الناحلة
تخنقها في الليل
ألفُ نظرة ناشفة.
...
لم يبق من ماضيكِ
سوى هذا العنق اليابس
ولا من حاضركِ
سوى العطش».
وبعد... هل فعلاً الشعر حقيقة مؤلمة، لا بأس بذلك، لكن علينا أن نتذكر أن ألم هذه الحقيقة، يشد الإنسان دائماً إلى روحانيته، إلى نوره الخاص، ليعيش الحياة كما يحب ويشتهي، رغم قسوة الواقع وظلمه وانحطاطه... هذه هي الخلاصة التي خرجت بها من قراءة هذه الديوان المتميز بألمه.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».