كبار علماء الأزهر: رسالة خادم الحرمين لعلماء الأمة في نقد فكر الإرهاب «حكيمة ومحورية»

أكدوا في استطلاع رأي لـ {الشرق الأوسط} أن الملك عبد الله وضع يده على موطن الداء وأساليب العلاج لمحاربة التطرف

كبار علماء الأزهر: رسالة خادم الحرمين لعلماء الأمة في نقد فكر الإرهاب «حكيمة ومحورية»
TT

كبار علماء الأزهر: رسالة خادم الحرمين لعلماء الأمة في نقد فكر الإرهاب «حكيمة ومحورية»

كبار علماء الأزهر: رسالة خادم الحرمين لعلماء الأمة في نقد فكر الإرهاب «حكيمة ومحورية»

أكد كبار علماء الأزهر الشريف في مصر أن رسالة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، لعلماء الأمة للقيام بدورهم في نقد فكر الإرهاب والتطرف الذي يعاني منه العالم في وقتنا الحاضر، دعوة حكيمة للعلماء لمواجهة مثل هذه الأفكار التي أصبحت شبحا يهدد الآمنين، قائلين في استطلاع رأي لـ«الشرق الأوسط» إن «الإرهاب لا أصل له في الشرائع السماوية، ولا يعرف القائمون عليه شيئا يستندون إليه إلا إفكهم وضلالهم».
وكان خادم الحرمين الشريفين وجه رسالة لعلماء الأمة حول دورهم في نقد فكر الإرهاب، ومدى أهمية هذا الدور في إيقاف خطر تمدد التنظيمات الراديكالية الأصولية، باعتبار العلماء هم حائط الصد الحقيقي لمواجهة الفكر المتطرف.
وأكد وكيل الأزهر الشريف، الدكتور عباس شومان، أن دعوة الملك عبد الله نقطة مهمة للاستفادة من إجماع العلماء على خطورة الأفكار التكفيرية. كما قال وزير الأوقاف المصري، الدكتور محمد مختار جمعة، إن «رسالة خادم الحرمين الشريفين تستحق التقدير والتفعيل كونها صادرة من شخصية في وزن وثقل خادم الحرمين الشريفين». في حين أكد مفتي مصر، الدكتور شوقي علام، دعم دار الإفتاء الكامل لدعوة خادم الحرمين الشريفين من أجل مكافحة الإرهاب.
وقالت شخصيات دينية في هيئة كبار العلماء بالأزهر (أعلى هيئة دينية في الأزهر الشريف)، إن «دعوة خادم الحرمين الشريفين لوقف التمدد للأصولية المتشددة أمر حتمي وضروري، لأنها حرب على الإسلام والمسلمين.. وهذه الدعوة نقطة مهمة للاستفادة من إجماع العلماء على خطورة الأفكار التكفيرية».
من جانبه، قال الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف «مما لا شك فيه أن رسالة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، لعلماء الأمة للقيام بدورهم في نقد فكر الإرهاب والتطرف الذي يعاني منه العالم في وقتنا الحاضر، هي دعوة حكيمة للعلماء للاضطلاع بدورهم في مواجهة مثل هذه الأفكار التي أصبحت شبحا يهدد الآمنين»، لافتا إلى أن الإرهاب لا أصل له في الشرائع السماوية، ولا يعرف القائمون عليه شيئا يستندون إليه إلا إفكهم وضلالهم. وتابع الدكتور شومان، وهو الرجل الثاني في مشيخة الأزهر الشريف «العجيب أن من يقومون بذلك يسمون بأسماء إسلامية، ويختارون لجماعتهم أسماء تنتهي بالإسلام أو معلم من معالمه كالشريعة، أو بيت المقدس، أو جيش الإسلام، ويعتبرون أعمالهم الإجرامية جهادا، ولا أدري من أي مصدر شيطاني يأتي هؤلاء بأحكامهم الضالة المضلة هذه، التي يستدلون بها على مشروعية أعمالهم الإرهابية التي نالت من المسيحي والمسلم ورجال الشرطة والجيش الذين يسهرون على أمن الوطن والمواطنين، وفي نوبات حراستهم».
وأكد الدكتور شومان، وهو الأمين العام لهيئة كبار العلماء، أن «دعوة الملك عبد الله تصب في نقطة مهمة ومحورية وهي الاستفادة مما قدم العلماء الثقات من أنحاء المعمورة، الذين أجمعوا على خطورة هذه الأفكار التكفيرية، ويبينون للناس أن ديننا دين السماحة، يأبى تكفير الناس إلا بيقين، وأنه لا مجال لتكفير من نطق بالشهادتين إلا بجحدهما جملة أو إحداهما أو إنكار ما علم من ديننا بالضرورة، وأن الحكم بالتكفير من اختصاص القضاء». وتابع بقوله «أما العلماء فمجال حديثهم في التكفير يقتصر على التحذير منه وبيان خطورته وبيان الأمور المكفرة دون إسقاط أحكام الكفر على الناس كما يحلو لكثير من الناس في زماننا، وأمر هؤلاء يثير الشفقة عليهم في نفوس العلماء العارفين بخطورة التكفير، ويكفي لبيان غفلة هؤلاء المكفرين للناس قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم «إذا قال المرء لأخيه يا كافر فقد باء بإثمها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا ردت إليه».
وثمن مفتي مصر، الدكتور شوقي علام، رسالة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب، مؤكدا أن الدار تضع كل إمكانياتها العلمية والشرعية وتسخرها لخدمه هذا الكيان المهم. وقال المفتي «إن الإسلام جاء للسلم والبناء، ومخطئ من يعتقد أن الإسلام يدعو للتخريب والعنف والإرهاب، ونحن وجدنا أن أي عمل إرهابي يبدأ بفكرة متشددة، ولكي نقضي على الإرهاب لا بد من تفكيك هذه الأفكار المتشددة بشكل علمي والرد عليها بالحجج ودحضها من أجل القضاء على الإرهاب في مهده، لذلك جاء دعمنا الكامل لمبادرة خادم الحرمين الشريفين.. ونحن على استعداد تام لتقديم كل أشكال الدعم العلمي والشرعي لهذا المركز لأجل مكافحة الإرهاب».
وأشار مفتي مصر إلى «وجوب الالتزام بالاتفاقات والمواثيق والعهود الدولية التي رضيت بها الدول الإسلامية، وكذلك التأكيد على حرمة الغدر بغير المسلمين متى دخلوا بلاد الإسلام مستأمَنين، فكذلك الحال بالنسبة للمسلم إذا دخل بلاد غير المسلمين بتأشيرة دخول ونحوها فإنه يكون مستأمَنا، ولا يجوز له حينئذ أن يقوم بأي انتهاك لحرماتهم أو تَعَدٍّ عليهم، ودماؤهم وأموالهم وأعراضهم عليه حرام، ولو تعدَّى على شيء من ذلك كان غدرا وخيانة منه».
وسبق أن أطلقت دار الإفتاء المصرية حملة دولية ستتواصل فيها مع وسائل الإعلام الأجنبية والشعوب الغربية لعدم استخدام مصطلح «الدولة الإسلامية» عند الحديث عن تنظيم «داعش» الإرهابي، واستبدال مصطلح «دولة المنشقين عن القاعدة في العراق والشام» به. وقال مفتي مصر إن ما يقوم به تنظيم «داعش» من قتل للمسلمين باسم الجهاد هو بعيد عن الدين الإسلامي، مؤكدا أهمية إعادة فهم مصطلح الجهاد.
في غضون ذلك، رحب الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري، بدعوة خادم الحرمين الشريفين لمحاربة الإرهاب، قائلا «لا شك في أن دعوة خادم الحرمين الشريفين تستحق التقدير والتفعيل، كونها تأتي تعبيرا عن الإدراك الكامل لواقع الإرهاب وخطورته، وكونها صادرة من شخصية في وزن وثقل خادم الحرمين الشريفين تزن كلامها بدقة، وتعي ما تقول، ومتى تقول، وتدرك حجم التحديات وموازين القوى».
وأضاف وزير الأوقاف «لقد ظللنا لفترة طويلة من مواجهتنا للإرهاب نشعر بالوحدة في تلك المواجهة الصعبة، غير أننا لم ولن نيأس، ولم نقنط من رحمة الله يوما ما، وكنا وما زلنا على يقين من أن مواجهة الإرهابيين واجب شرعي وقومي وعربي ووطني، لأنه خطر داهم يهدد بنيان الأمة العربية كلها، بل إن شئت فقل إنه مصنوع ومدفوع وممول قصدا لتفتيتها وتمزيقها، وصنع ما لم يستطع الاستعمار أن يفعله بها».
وشدد وزير الأوقاف المصري على أن «وضع الأمة في مواجهة المخاطر يتطلب من كل عقلاء الأمة وحكمائها والوطنيين الغيورين على دينهم وأوطانهم فيها أن يفطنوا لكل هذه المخططات الخبيثة المشبوهة التي لا تخدم سوى أعداء الأمة وعلى رأسهم القوى الاستعمارية الطامعة في الاستيلاء على نفط منطقتنا العربية وخيراتها ومقدراتها الاقتصادية والجغرافية، مما يتطلب وقفة رجل واحد في مواجهة كل هذه التحديات، والعمل على أرضية وطنية وقومية مشتركة تنأى عن توظيف الخلافات المذهبية لأغراض سياسية، وتعمل بكل جد وحسم على مواجهة التطرف الديني بشقيه، سواء في اتجاه الغلو والتشدد والإرهاب، أو في اتجاه الإلحاد والعمل على زعزعة القيم الأخلاقية والحضارية الراسخة لأمتنا العربية والإسلامية».
وأكد الدكتور القصبي زلط، أستاذ علوم القرآن بجامعة الأزهر، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن «دعوة خادم الحرمين الشريفين لعلماء الأمة الإسلامية لمواجهة التطرف والإرهاب والأصولية المتشددة تؤكد على شقين: الأول حرص قادة الأمة الإسلامية على التمسك بالإسلام الوسطي المعتدل، وهي دعوة لتكاتف الأمة الإسلامية ضد هذه المنظمات الراديكالية الأصولية التي تدعم الإرهاب والتطرف في المجتمع. والشق الثاني هو توجيه الدعوة لعلماء الأمة الإسلامية لأن علماء الأمة لهم دور كبير في تبصير وتنوير المجتمع وتعريفه بالإسلام الوسطي الصحيح البعيد كل البعد عن التعصب والتطرف وعن القتال وعن البغض والفحشاء، ولأن علماء الأمة هم حائط الصد أمام أي غزو فكري أو غزو يريد النيل من الإسلام واللعب بعقول شباب المسلمين».
وتابع عضو هيئة كبار العلماء بقوله إن تأكيد الملك عبد الله على مواجهة هذا المد الأصولي الذي انتشر في الأمة الإسلامية هو دعوة واضحة لتكاتف الأمة الإسلامية حول العلماء، لأن هذه الدعوة جاءت في وقتها، وجاءت لتنبه المجتمع الإسلامي كله لهذا لخطر الشديد الذي بات يؤرق المجتمع.
وعن الدور المتوقع من علماء الأمة الإسلامية، قال الدكتور زلط إن «دور علماء الأمة يتمثل في توضيح زيف ادعاءات هذه المنظمات التي ترعى الأصولية المتشددة وتنشر في الأرض الفساد، لأن هذه المنظمات تصم آذانها عن الحقائق ولا تلقي بالا لأي مسألة صحيحة يمكن أن تدحض افتراءاتهم ومزاعمهم؛ لكنها تسعى وتلهث خلف أخطاء بعض الجهلاء». ولفت عضو هيئة كبار العلماء إلى أن «هذه قضية خطيرة نبه إليها خادم الحرمين الشريفين، لأن هناك نصوصا تؤول على غير وجهها، وهذه النصوص لا بد من الوقوف عليه لشرحها وتفسيرها وتوضيحها حتى لا يقع فيها من لا دراية له بتأويل النصوص، فمثلا هناك قول الله تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، وهناك قوله (وَقاتِلُوهُمْ حتى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، فبعض الفقهاء فسروا الفتنة بالشرك، ومعنى هذا أن علاقة المسلم مع غير المسلم علاقة حرب وقتال، أي أنه لا بد من إزالة الشرك، وإزالة الشرك تقتضي القتال وتقتضي الحروب، وهذا الفهم لا يمكن أن يقر عليه أحد.. ومن هنا تتخذ هذه المنظمات الأصولية المتشددة هذا الفهم لتنشره بين شباب الأمة الإسلامية، وتظهر هذه الأفكار لتنشئ جماعات تقتل وتستحل الدماء بما يخالف فهم الإسلام الصحيح، وتعيث في الأرض فسادا، وتقوم هذه الجماعات بما نراه الآن من مجازر ترتكب باسم الإسلام وباسم إقامة دولة الإسلام.. ولذلك فدعوة الملك عبد الله هي دعوة لتنبيه الأمة الإسلامية لهذا الخطر الذي يتهددها».
بينما يرى الدكتور أحمد عمر هاشم، أستاذ الحديث الشريف بجامعة الأزهر، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن دعوة خادم الحرمين الشريفين هي تنبيه وتأكيد على دعوات الأزهر الشريف التي أطلقها منذ وقت قريب للتنبيه إلى خطر هذه الجماعات التي تنشر الفكر المتطرف بين المجتمع المسلم وتشوه صورة المجتمع المسلم وتصوره على أنه مجتمع متعطش للدماء ومجتمع يهوى القتال والحروب، ويلغي من عقيدة الإسلام فكر السلام والمحبة التي هي في الأساس دعوة الإسلام الصحيح.
ولفت الدكتور هاشم إلى أن «الرسول (صلوات الله وسلامه عليه) لم يكن في يوم من الأيام يسلك سبيل القتال أو الحروب إلا بعد اعتداء الكفار عليه»، مضيفا أن «التنبيه لمثل هذا الخطر الذي يدفع بالأمة الإسلامية إلى الهاوية أمر ضروري، ويجب على علماء الأمة التوضيح والتبصير للمجتمع المسلم وغير المسلم بحقيقة الإسلام السمح المعتدل الذي يدعو إلى السلام والمحبة والتعايش وإعمار الأرض، وينهى عن القتال والبغضاء وينهى عن الإفساد في الأرض».
ويرى هاشم أن مثل هذه الجماعات المتطرفة تتخذ فهم الإسلام الخاطئ وتتخذ التشدد والتطرف والقتل منهجا لها، وأن دور علماء الأمة التبصير بهذا المنهج الخاطئ ورد من يسلك هذا الطريق، مشيرا إلى أن دعوة خادم الحرمين الشريفين لوقف هذا التمدد للأصولية المتشددة أمر حتمي وضروري لأنها حرب على الإسلام والمسلمين.
في السياق ذاته، أكد الدكتور الأحمدي أبو النور، وزير الأوقاف المصري الأسبق، عضو هيئة كبار العلماء، أن علماء الأمة الإسلامية هم حائط الصد ضد أي أفكار خاطئة تريد المنظمات التي ترعى التطرف والإرهاب نشرها، موضحا أن دعوة خادم الحرمين الشريفين لمواجهة هذا الخطر الحقيقي الذي يتهددنا هي دعوة للأمة الإسلامية للتكاتف، ودعوة لعلماء الأمة لكشف زيف هذه المفاهيم الخاطئة.
وأبدى وزير الأوقاف الأسبق استعداد علماء الأزهر الشريف وأساتذة جامعته وخطباء الأوقاف وعلماء الأمة لمناقشة هذه الملفات الدينية ودحض افتراءات هؤلاء الذين يتبعون سنن الإفساد في الأرض والقتل، مشددا على أن هذا هو دور علماء الأمة باعتبارهم حائط الصد ضد هذه الأفكار المتشددة، لافتا إلى أن دعوة خادم الحرمين الشريفين تؤكد على ضرورة وحدة الأمة الإسلامية وعدم فرقتها لأن في فرقتها إضعافا لها، مشيرا إلى أن مثل هذه الجماعات التي تقتل باسم الإسلام تعمل بعيدا عن تعاليم الإسلام، ومن ثم فإنها تسعى لشق صف المسلمين وإضعافهم.
وعن دور علماء الأمة، أوضح وزير الأوقاف الأسبق أن علماء الأمة يجب أن ينتبهوا إلى هذا الخطر الحقيقي الذي يتربص بالإسلام، ويتجهوا لمناقشة القضايا الخطرة التي تتعلق بمثل هذه الجماعات المتشددة التي تقتل وتفسد في الأرض باسم الإسلام، وتوضيح المفاهيم الإسلامية الصحيحة، وأن يخرج العلماء لتوضيح حقيقة الإسلام الذي ينهى عن القتل والتخريب وليس الإسلام المتشدد الذي تنهجه هذه الجماعات.
وقال الدكتور محمود مهني، نائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق، عضو هيئة كبار العلماء، إن «دعوة خادم الحرمين الشريفين هي دعوة تؤكد على مدى خطورة هذه الأفكار المتشددة التي تسعى في الأرض فسادا»، مضيفا «الناظر لهذه الدعوة يشعر بمدى هذا الخطر الذي يهدد المجتمع المسلم وباتت تعاني منه كل المجتمعات»، مشددا على أن دعوة خادم الحرمين الشريفين لعلماء الأمة لنقد هذا الفكر المتطرف تعد أول خطوة في الطريق الصحيح، لأنه على علماء الأمة دور التصحيح وتعريف المجتمع الدولي بصفة عامة والمجتمع المسلم بصفة خاصة بحقيقة الإسلام الحنيف الذي يدعو إلى السلام والمحبة وإعمار الكون، لافتا إلى أن علماء الأمة هم بالفعل حائط الصد الذي يمنع انتشار تلك الأفكار المتشددة وهذا دورهم، مشيرا إلى أنه يجب على علماء الأمة التكاتف والوجود في كل المجتمعات الإسلامية حتى يوضحوا حقيقة الإسلام الصحيح البعيد كل البعد عن هذه الأفكار التي تقول بالقتل وسفك الدماء، وأن يحاول العلماء جاهدين حل لهذه القضية الخطرة التي نبه إليها خادم الحرمين الشريفين وكذلك الأزهر الشريف.
من جهته، قال الدكتور عبد الحليم منصور، أستاذ الفقه المقارن، وكيل كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بفرع الدقهلية، إن «أهم شيء يمكن مواجهة الفكر المتطرف من خلاله هو العلم، وخط الدفاع الأول والأهم في مواجهته هم رجال العلم، والفكر، والدين، ومن ثم فإن رسالة الملك عبد الله أصابت في فحواها ودلالاتها الهدف مباشرة، ووضع يده على موطن الداء، وأساليب العلاج». وتابع «ليس ذلك إلا لأن الفكرة لا تواجه إلا بمثيلتها، وبمناقشتها، وببيان مدى صحتها أو عوارها، فلن تسكت الألسن أصوات المدافع، ولن تنير العقول الأسلحة الثقيلة أو الخفيفة، وإنما يفعل كل ذلك العلماء، وأهل الفكر المعتدل من رجال الأزهر وغيرهم في مصر والعالم»، مضيفا «من المفيد أيضا أن تكون رسالة الملك عبد الله - التي نثمنها كثيرا - هي رسالة كل الرؤساء والملوك في العالم العربي والإسلامي، والعمل على تنفيذ فحواها ومضمونها على أرض الواقع، من خلال التعاون العام والتام بين هذه الدول ومؤسساتها المختلفة، لمواجهة أوجه الانحراف الفكري لدى هذه التيارات».
وأضاف الدكتور منصور «بقيت آليات التنفيذ، والتي تحتاج إلى دعم على مستوى الدولة، وعلى كل مستويات قطاعاتها، ففي مصر مثلا من المعلوم أن التيارات الراديكالية الأصولية تتوارى خجلا في ظل وجود الأزهر وقوته، وتفقد ذاتيتها ووجودها في ظل قوته وقوة علمائه، لما له من ميراث طويل عبر قرون عديدة، وتراث مجيد، فضلا عن وضوح رسالته، وهي تجديد الدين في قلوب الخلق، وحمل رسالة الأنبياء في هداية الناس إلى صراط الله المستقيم، في اعتدال ويسر، وبالحكمة والموعظة الحسنة. ولم يكن لهذه التيارات وجود إلى جوار الأزهر عبر عمر مديد، ولكن في القرن الماضي دأبت بعض الحكومات على إضعاف دور الأزهر، وعدم دعمه ماديا، ومعنويا، فنشأت إلى جواره نتوءات من هنا ومن هناك، ثم ما لبثت أن تمددت، لوجود من يدعمها، داخليا وخارجيا، وأصبحت تعمل هذه الكيانات على مناهضة الأزهر، والنيل من علومه ومن رجاله، ثم ما لبثت أن خرجت إلى الحياة تعلن عن وجودها، وأصوليتها، وعن مشاريعها السياسية، التي تريد جعلها موضع التطبيق والتنفيذ، وكل ذلك ما كان ليحدث لو أن الأزهر كان في قوته، وفي عنفوانه».
وتابع قائلا إنه على دول المنطقة جمعاء العمل على دعم الأزهر ورجاله في أداء رسالته في نشر الدين الوسطي المعتدل في مصر والعالم العربي والإسلامي لما له من تأثير كبير في الداخل والخارج، وهو بمثابة حائط الصد الأول في وجه كل أولئك الذي يريدون العبث بمقدرات الأوطان وحقوق الشعوب، مضيفا أن «الأزهر ورجاله دأبوا على مر التاريخ على الحفاظ على الهوية المصرية والعربية والإسلامية، ونشر الدين السمح بين جموع شعوب الوطن العربي والإسلامي، دون أن تكون لهم مصلحة أو هدف سوى تعبيد الناس لرب العالمين وفق منهج الله الصحيح، وصراطه المستقيم».
وقال الدكتور منصور «تنفيذيا على أرض الواقع، لا بد لمواجهة هذه التيارات من العمل على وجود تعاون علمي بين المؤسسات الدينية في العالم العربي والإسلامي، مثل هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وأيضا وزارة الأوقاف، ودار الإفتاء، وبين المؤسسات الدينية الأخرى، مثل مجمع الفقه الإسلامي بجدة، واللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية، وكذا باقي المؤسسات الدينية في الوطن العربي، لوضع الأسس التي يجب أن يواجه بها كل فكر منحرف، يدعو إلى فكر غير معتدل. ولا بد من وضع خطط استراتيجية قصيرة وطويلة المدى، ووضع آليات تنفيذها، واختيار المسؤولين الأكفاء القادرين على التنفيذ بشكل علمي، للنهوض بالوطن نحو الأفضل، من خلال مواجهة الفكر المتشدد في الوطن العربي والإسلامي»، موضحا أنه «من خلال ما تقدم يمكن أن تؤتي رسالة الملك عبد الله رسالتها على النحو المنشود، في دحض الإرهاب، وقطع دابره، وتخليص الناس من شره، إذا قام العلماء على رسالتهم خير قيام، متعاونين مع سائر المؤسسات الأخرى داخليا وخارجيا، وأدوا رسالتهم وواجبهم على النحو المنشود، فلا شك أنه في هذه الحالة ستتغير ملامح الحياة نحو الأفضل».
أما الدكتور عبد الله النجار، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، فقال إن «دعوة خادم الحرمين الشريفين بمثابة تنبيه وإشعار للمجتمع المسلم بخطر الفكر التكفيري، وأن هذا الخطر بات يهدد الأمة من مشرقها لمغربها، وأصبح حال المسلمين يرثى له، فلا يوجد بلد مسلم إلا وبه عصابة تسمى نفسها بجماعة الإسلام وتنتهك حرمات المجتمع المسلم من قتل وتخريب وسفك للدماء، ولا تراعي حرمات الله تعالى»، مضيفا أنه «على الأمة الإسلامية أن تتنبه لهذه الدعوة (دعوة خادم الحرمين الشريفين) وأن تتكاتف وتلفظ هذه المنظمات التي ترعى الإرهاب وتدعمه، لأنها تعمل على تخريب الدول وتفريق المسلمين وإضعاف شوكة الإسلام بنشر هذه الجماعات التكفيرية حتى تصور للعالم أن هذا هو الإسلام وهؤلاء هم المسلمون».
وأضاف الدكتور محمد فتحي فرج، الأستاذ بجامعة الأزهر فرع المنوفية «حفظ الله أمة الإسلام على مدار الزمان، ولن تضيع هذه الأمة الأبية الآن أو مستقبلا إن شاء الله تعالى؛ لأن الله تعالى قد وهب لها من خيرة أبنائها في ساعة العسرة من يأخذ بيدها، ويشد من أزرها، وينير لها الطريق، ويزيل منه العوائق والعقبات الكأداء. وقد حدث هذا كثيرا في تاريخ أمتنا البعيد والقريب على السواء.. وما زالت تتردد في الذاكرة العربية أصداء قرار المغفور له بإذن الله تعالى الملك فيصل بحظر تصدير النفط أثناء حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.. والآن، فإن ما قام به الملك عبد الله من خلال تفهمه لما يجري على الساحة العربية، لا سيما في مصر، ووقوفه ومعظم أشقائه من قادة دول الخليج العربي بجوارها ومساندتها؛ بل وموقفه مما يجري في البلاد العربية الأخرى التي تسيل على أرضها دماء شهداء الإرهاب الأسود، كل هذا يدل دلالة قاطعة على حكمته وحرصه على قيامه بمسؤولياته دينيا وسياسيا وقوميا».
وتابع «ثم تأتي دعوته الكريمة الآن في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها أمتنا العربية والإسلامية؛ ليظهر من خلالها فكره الثاقب ونظرته المستقبلية المستشرفة الراصدة لأخطار محدقة ببلاد عالمنا العربي الإسلامي، جراء ما يراد لها من مخططات تهدف إلى خلط الأوراق، لإلقاء التهم بالباطل وإلصاقها بديننا السمح الحنيف وشعوبنا العربية والإسلامية المسالمة؛ لاتخاذ هذا كله ذريعة لإعادة النظر في المنطقة كلها ومحاولة تفتيتها. ويعد ذلك من باب تنبيه الغافل، وإيقاظ النائم، ودق ناقوس الخطر لاستنهاض همم علماء الأمة ومفكريها، للقيام بواجبهم تجاه أمتهم. وهي دعوة كريمة نحمدها لقادة هذه الأمة، خاصة حينما يقوم بها من نثق فيهم كالملك عبد الله»، لافتا إلى أن دعوة خادم الحرمين الشريفين بشأن تفعيل مبادرة إنشاء «مركز دولي لمكافحة الإرهاب» هي «الخيار الأمثل في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا، ولكي تثبت للعالم أجمع من خلال بحوث علمية وميدانية يجريها الباحثون والدارسون، ويقوم بها أو يشرف عليها العلماء والمفكرون، الذين ينتمون إلى اتجاهات عقلانية شتى، بل وأديان وجنسيات شتى، المدى الراقي والرائع لوسطية الإسلام وسماحته ووقوفه بالمرصاد للإرهاب والإرهابيين، الذين يروّعون الآمنين في أوطانهم وأعمالهم».



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.