موسكو تطلب من دمشق استئجار مرفأ طرطوس لـ49 سنة

موالون للنظام السوري يشنون حملة للتخفيف من «صدمة العرض الروسي»

موسكو تطلب من دمشق استئجار مرفأ طرطوس لـ49 سنة
TT

موسكو تطلب من دمشق استئجار مرفأ طرطوس لـ49 سنة

موسكو تطلب من دمشق استئجار مرفأ طرطوس لـ49 سنة

أفادت مصادر روسية بأن لقاء الرئيس السوري بشار الأسد، ويوري بوريسوف، في دمشق، أول من أمس، تناول التجارة والتعاون الاقتصادي، «خصوصاً في قطاعات الطاقة والصناعة وزيادة التبادل التجاري».
وأضافت أن الأسد ونائب رئيس الوزراء الروسي بوريسوف ناقشا «الآليات العملية لتجاوز جميع العوائق، إن كانت الإدارية منها، أو تلك الناتجة عن العقوبات التي تفرضها الدول المعادية للشعب السوري على سوريا».
ونقلت وكالة «تاس» للأنباء عن بوريسوف، قوله إن من المنتظر أن توقع روسيا قريباً عقداً لاستئجار ميناء طرطوس من سوريا لـ 49 سنة.
وصدق البرلمان الروسي في 2017 على اتفاق مع دمشق لترسيخ وجود روسيا في سوريا، ولتمهيد الطريق أمام وجود عسكري دائم في قواعد بحرية وجوية هناك.
كما تم الاتفاق على قيام روسيا بتوسيع وتحديث إمكانات الميناء لتقديم خدمات وتسهيلات لأسطولها. وذكرت «تاس» أن بوريسوف قال إن روسيا تأمل الآن في توقيع الاتفاق لاستئجار الميناء، خلال أسبوع.
ونقلت الوكالة عنه قوله «لقد أحرزنا تقدماً مهماً في هذا الملف، ونأمل في توقيع العقد خلال أسبوع، وسيشهد ميناء طرطوس تحولاً من أجل الاستخدام الروسي». والقاعدة البحرية الروسية في طرطوس هي منطقة الوجود الروسي الوحيدة في البحر المتوسط.
وذكرت وسائل إعلام رسمية سورية، قبل أيام، أن نقصاً في الوقود تسبب في تقنين الكميات المتاحة، وفي انتظار صفوف طويلة من السيارات في محطات البنزين، مشيرة إلى أن الأمر جاء في إطار صعوبات تواجه استيراد الوقود، ووقف خط ائتماني من إيران.
وقال وزير الخارجية السوري وليد المعلم، في بيان نشرته الوكالة الرسمية، «سوريا تنسق بشكل دائم مع إيران».
في المقابل، أثار نبأ تأجير مرفأ طرطوس حالة استياء عامة في أوساط السوريين، الذين يعيشون ضائقة اقتصادية غير مسبوقة منذ أسبوعين جراء شلل الحركة في البلاد، جراء فقدان البنزين. وكتب دريد الأسد، ابن عم الرئيس بشار الأسد، على حسابه في «فيسبوك»: «ميناء اللاذقية لإيران. ميناء طرطوس لروسيا. لنا نحن السوريين ميناء الصيد في جبلة». وقالت مصادر أهلية في طرطوس إن حالة من القلق خيمت على العاملين في مرفأ طرطوس، حيال مستقبل عملهم، وتبعات سيطرة روسيا على المرفأ، مع بدء شيوع نبأ عزم روسيا استئجار مرفأ طرطوس التجاري، حيث أكدت المصادر أن الحديث حول هذا الأمر بدأ منذ أسبوعين في طرطوس، إلا أن النبأ تأكد رسمياً أول من أمس السبت.
وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) اكتفت بالإشارة إلى توسيع آفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين. وقالت إن الأسد التقى يوري بوريسوف وبحث معه «الآليات العملية لتجاوز كافة العوائق، إن كانت الإدارية منها، أو تلك الناتجة عن العقوبات التي تفرضها الدول المعادية للشعب السوري على سوريا، بالإضافة إلى توسيع آفاق التعاون لتشمل قطاعات جديدة».
وكانت روسيا وسوريا وقعتا عام 2017 اتفاقية حول إقامة مركز لوجستي للمعدات الفنية للأسطول الروسي في طرطوس لمدة 49 عاماً.
وتتنافس كل من روسيا وإيران على مناطق النفوذ في سوريا، فقد جاء إعلان روسيا عزمها استئجار مرفأ طرطوس بعد قيام النظام السوري بتأجير إيران ميناء اللاذقية التجاري منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2018. وخلال زيارة لم يعلن عنها مسبقاً للرئيس بشار الأسد إلى طهران في فبراير (شباط) الماضي، قام بالتوقيع مع نظيره الإيراني علي روحاني على اتفاقية تتيح لإيران إدارة مرفأ اللاذقية التجاري، الأمر الذي أغضب الجانب الروسي، الذي يتخذ من مطار حميميم العسكري والقرى المحيطة به بريف اللاذقية مقراً لقاعدته العسكرية في سوريا، ومركزاً لبسط سيطرته على كامل الساحل السوري.
وتتطلع روسيا إلى استكشاف الحقول النفطية في تركيا والعراق ولبنان وسوريا، وإنشاء جسر بري إلى أوروبا عبر الشرق الأوسط، لتعزيز دور روسيا كمورّد أساسي للغاز في أوروبا وتوسيع نفوذها. وستعتمد روسيا في تمديد شبكات خطوط أنابيب الغاز على الأراضي السورية. كما يبدي الجانب الروسي اهتماماً بلبنان الذي تضاعف حجم التبادل التجاري معه خلال العامين الماضيين، كما يضع عينه على مرفق تخزين النفط في ميناء طرابلس، الذي يبعد 30 كلم عن الحدود السورية و60 كلم من ميناء طرطوس السوري، ليكون منفذاً يمكن من خلاله إدخال المشتقات النفطية إلى سوريا، والتحايل على العقوبات المفروضة على سوريا.
وأوضحت مصادر في دمشق أن «تأجير مرفأ طرطوس لروسيا هو تقاسم واضح لمناطق النفوذ والسيطرة، وأن هناك مصالح إيرانية ـ روسية مشتركة في استخدام الأراضي السورية لتمديد شبكات أنابيب الغاز في المنطقة، وإعادة استئناف مشروع السكك الحديدية الذي يربط بين إيران والعراق وسوريا، وتسعى إيران إلى إتمامه، وإذا حصلت خلافات بين الجانبين الروسي والإيراني، فهي ضمن إطار التنافس على حصص تقاسم تلك المشروعات».
وكانت وسائل إعلامية قد أفادت بوقوع مواجهات بدأت تحصل على الأرض بين القوات الإيرانية والقوات الروسية في عدة مناطق، الأمر الذي نفاه مصدر عسكري سوري، في تصريح غير معتاد نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أكد فيه أن «لا صحة إطلاقاً لما تناقلته بعض المواقع ووسائل الإعلام المكتوبة عن حدوث اشتباكات بين القوات الروسية والإيرانية في دير الزور وحلب»، معتبراً أن «الخبر عار تماماً من الصحة، ولا أساس له على الإطلاق»، وذلك رداً على أنباء أفادت بأن حاجزاً لقوات «الحرس الثوري الإيراني» أوقف يوم الجمعة الماضي موكباً للشرطة العسكرية الروسية في مدينة الميادين بريف دير الزور، ما أدى إلى مشادات تطورت إلى اشتباك بالسلاح أسفر عن وقوع قتيلين في صفوف «الحرس الثوري»، وجرح 4 عناصر من الشرطة العسكرية الروسية. كما وقعت اشتباكات مماثلة بين الجانبين الإيراني والروسي قرب مطار حلب الدولي، بعد أن طالبت القوات الروسية «الحرس الثوري» بإخلاء المطار.
وفور الإعلان عن تأجير مرفأ طرطوس، انهالت تعليقات الاستنكار، من قبل المعارضين والموالين، ما تطلب رداً سريعاً من قبل الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي التابعين للنظام لترويج أن ميناءي طرطوس واللاذقية كانت تديرهما شركة فلبينية لتشغيل المرافئ «إنترناشيونال كونتينر ترمينال سيرفيسز إنك» التي اضطرت لسحب عمالها من سوريا، بعد تصنيف ميناءي اللاذقية وطرطوس من ضمن المناطق الخطرة عام 2011.
وذهبت صفحات موالية للنظام باتجاه تعنيف المنتقدين لتأجير المرفأ، باعتبارهم «جهلة»، فهي «خطوة تكتيكية من قبل سوريا في سياق التصدي للحرب الاقتصادية المعلنة عليها»، ومن شأن ذلك أن يعيد النشاط إلى المرفأ شبه المشلول نتيجة الحصار الاقتصادي، حيث ستتمكن روسيا من إدخال «جميع المواد الغذائية والنفطية إلى سوريا دون أن يمنعها أحد»، ومضت تلك الصفحات إلى اعتبار أن تأجير مرفأ طرطوس لروسيا «سيضع حداً للفاسدين من الموظفين المحليين في المرفأ»، مع تحذير من استخدام مفردات من قاموس المعارضة، ووصف تأجير المرفأ بـ«الاحتلال الروسي».
وكانت صحيفة «الوطن»، القريبة من النظام، نشرت تقريراً، قبل أيام، عنونته بـ«مكاشفة غير مسبوقة حول النفط»؛ قالت فيه إنه في 25 مارس (آذار) الماضي، أصدرت الخزانة الأميركية آخر العقوبات على سوريا، والمتعلقة بقطاع النفط، و«طالت العقوبات حتى أرقام كل السفن التي قدِمت إلى سوريا منذ عام 2016 حتى هذا اليوم، حتى إنها تطرّقت إلى الحيل التي تقوم بها الحكومة من أجل إيصال النفط إلى سوريا».
وتحتاج سوريا بوضعها الحالي يومياً إلى ما لا يقل عن 4.5 مليون لتر من البنزين، وإلى 6 ملايين لتر من المازوت، و7000 طن من الفيول، و1200 طن من الغاز، ما قيمته 200 مليون دولار أميركي شهرياً.
إلى ذلك، تدفع موسكو من أجل بدء عملية سياسية تتضمن إجراء محادثات حول صياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات كوسيلة لإنهاء الصراع، لكن الأسد قلل من إمكانية مشاركة المعارضة المدعومة من تركيا أو دول أجنبية في العملية.
وقالت وزارة الخارجية الروسية، في وقت متأخر من مساء الجمعة، إن الأسد التقى مبعوث روسيا الخاص إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف، ونائب وزير الخارجية الروسي سيرجي فيرشينين، وعدداً من المسؤولين بوزارة الدفاع الروسية.
وقالت الوزارة إن المسؤولين ناقشوا مع الأسد تشكيل لجنة دستورية. ووافقت المعارضة السورية، العام الماضي، على الانضمام لعملية إعادة كتابة الدستور تحت إشراف الأمم المتحدة بعد مؤتمر للسلام في مدينة سوتشي الروسية. ورغم ذلك لم تأت وسائل الإعلام الرسمية السورية على ذكر ذلك.
وقالت الوكالة العربية السورية للأنباء، إن الاجتماعات ركزت على جولة المحادثات المقبلة في كازاخستان بمشاركة سوريا وحليفتيها روسيا وإيران، إضافة إلى تركيا التي تقدم دعماً لجماعات من المعارضة المسلحة.



«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
TT

«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تصاعد الكلام عن أفول الشراكة عبر الأطلسي؛ بل ذهب بعض المحللين إلى حد الجزم بأن حلف شمال الأطلسي دخل مرحلة التراجع التاريخي. إلا أن الوقائع تشير إلى مسار مختلف؛ فالحلف لا ينهار بقدر ما يعيد تعريف قواعد العلاقة بين ضفتي الأطلسي، في ظل انتقال تدريجي من نموذج اعتمد لعقود على القيادة الأميركية، إلى نموذج يقوم على توزيع أكبر للأعباء والمسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وطوال أكثر من 70 عاماً، شكّلت المظلة الأمنية الأميركية حجر الأساس في الدفاع الأوروبي عبر حلف شمال الأطلسي (ناتو). لكن التحولات الدولية، وتبدل أولويات واشنطن، وتصاعد المنافسة مع الصين، دفعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى مطالبة الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية أمنهم. صحيح أن ترمب عبّر عن هذه المطالب بصوت مرتفع، إلا أن جذور الموقف الأميركي تعود إلى سنوات سابقة، عندما بدأت الولايات المتحدة توجيه اهتمامها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معتبرة أن التحدي الصيني يمثل أولويتها الاستراتيجية الأولى.

جنديان نرويجيان خلال تدريب مشترك مع قوات بحرية أميركية قبالة ساحل ولاية نورث كارولاينا الأميركية (رويترز)

في المقابل، تختلف نظرة الأوروبيين إلى مصادر التهديد؛ فبالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية، لا تزال روسيا الخطر المباشر على الأمن القاري، وهو ما كرسته الحرب في أوكرانيا التي أعادت الدفاع الجماعي إلى الصدارة. أما واشنطن، فترى أن المنافسة مع الصين ستحدد شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة، حتى إن بقيت ملتزمة بالدفاع عن أوروبا.

* «الناتو» وقدرة الدول الأعضاء على التكيّف

إلا أن هذا التباين في ترتيب الأولويات لا يعني انهيار التحالف؛ بل يفرض إعادة صَوغ العلاقة على أسس أكثر واقعية، فـ«الناتو» لم يقم يوماً على تطابق كامل في الرؤى السياسية، وإنما على وجود مصالح أمنية مشتركة وشعور بوجود تهديدات تستدعي العمل الجماعي. لذلك، فإن استمرار الحلف يعتمد اليوم على قدرة أعضائه على التكيف مع بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، وليس على العودة إلى نموذج ما بعد الحرب الباردة.

وقد دفعت هذه البيئة الجديدة، الدول الأوروبية، إلى خطوات غير مسبوقة في مجال الإنفاق العسكري؛ فبعد سنوات من الانتقادات الأميركية بشأن غياب الإنصاف في تقاسم الأعباء، رفعت غالبية الدول الأعضاء موازناتها الدفاعية بصورة كبيرة، بينما شرعت دول مثل ألمانيا في مراجعة سياساتها التقليدية تجاه الإنفاق العسكري، في حين تواصل بولندا ودول الجناح الشرقي التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، الاستثمار بكثافة في تعزيز قدراتها الدفاعية خوفاً من روسيا.

ويعكس هذا التحول إدراكاً أوروبياً متزايداً لواقع أن أمن القارة لم يعد من الممكن أن يبقى معتمداً كلياً على الضمانات الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في البيت الأبيض يوم 26 يونيو (حزيران) الماضي (رويترز)

ولا تقتصر عملية إعادة التفاوض على الجانب العسكري؛ بل تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية، فالاستثمارات المتبادلة بين الولايات المتحدة وأوروبا لا تزال من الأكبر عالمياً، كما أن الصناعات الدفاعية الأميركية ترى في خطط التسلح الأوروبية فرصاً اقتصادية هائلة؛ ففرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متكاملة نسبياً، بينما يعتمد معظم الدول الأوروبية الأخرى بدرجات متفاوتة على استيراد الأسلحة والتقنيات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، يسعى الأوروبيون إلى تعزيز استقلالهم الصناعي والتكنولوجي من دون التخلي عن التحالف مع واشنطن، في معادلة دقيقة تجمع بين الاستقلال الاستراتيجي واستمرار الشراكة.

*قمة «الناتو» في أنقرة

من هنا، تبدو قمة «الناتو» المرتقبة في أنقرة أكثر من مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف؛ إذ تمثل محطة لاختبار قدرة الطرفين على بلورة صيغة جديدة للعلاقة الأطلسية، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل الضامن الوحيد لأمن أوروبا؛ بل كيف يمكن للطرفين بناء شراكة أكثر توازناً؟

وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها إحدى أكثر الدول تأثيراً وإثارة للجدل داخل الحلف؛ فمن الناحية العسكرية، تمتلك ثاني أكبر جيش في «الناتو»، ويمنحها موقعها الجغرافي قدرة استثنائية على الربط بين البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز. ومع تصاعد التوتر مع روسيا واستمرار الاضطرابات في جوار أوروبا الجنوبي، تزداد أهمية هذه المزايا بالنسبة إلى الحلف.

لكن هذه القيمة الاستراتيجية تقابلها تحديات سياسية معقدة؛ فقد شهدت السنوات الماضية خلافات متكررة بين تركيا وعدد من حلفائها بشأن منظومة الصواريخ الروسية «إس-400»، والدور التركي في سوريا، والعلاقات مع اليونان وقبرص، إضافة إلى استخدام أنقرة آليات الإجماع داخل الحلف للدفاع عن أولوياتها الأمنية. لذلك، ينظر كثير من الحلفاء إلى تركيا باعتبارها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه ليس شريكاً سهلاً.

دورية للشرطة في أنقرة التي تستعد لاستضافة قمة أطلسية (رويترز)

ورغم ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن أهمية تركيا ترتفع كلما ازدادت الأخطار الأمنية التي تواجه أوروبا؛ ففي أوقات الأزمات، تعود الجغرافيا والقدرات العسكرية لتتقدم على الخلافات السياسية، بينما تتصدر هذه الخلافات المشهد عندما تتراجع مستويات التهديد. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجعت قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في تحمل العبء الأمني الأوروبي بمفردها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام «الناتو» لا يتمثل في الحفاظ على شكله التقليدي؛ بل في «كتابة» صيغة جديدة لآليات عمله بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة، فنجاح الحلف سيقاس بقدرته على تحقيق توازن بين دور أوروبي أكثر استقلالية، واستمرار الالتزام الأميركي، والاستفادة من القدرات الاستراتيجية لدول محورية مثل تركيا، رغم استمرار الخلافات السياسية معها.

وعليه، فإن الحديث عن نهاية الشراكة الأطلسية يبدو سابقاً لأوانه، فما يجري اليوم ليس انهياراً للنظام الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بل عملية إعادة توزيع للأدوار داخل الحلف، تفرضها التحولات الدولية وتغير أولويات القوى الكبرى. وقد تكون قمة أنقرة واحدة من أبرز المحطات التي ستكشف ما إذا كان «الناتو» قادراً على تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى نموذج أكثر توازناً وفاعلية في مواجهة تحديات العقد المقبل.


وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
TT

وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)

أعرب وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر عن شكوكه في استمرار الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال فيشر (78 عاماً) في تصريحات لصحف مجموعة «فونكه» الألمانية الإعلامية: «في الواقع، الأميركيون في طريقهم إلى الخروج»، داعياً إلى أن يواصل الحلفاء المتبقون عمل التحالف من دون أميركا في حال حدوث ذلك، وأن يقيموا مظلة ردع نووي بالاعتماد على الأسلحة النووية لكل من فرنسا وبريطانيا.

ومن المقرر أن يعقد قادة «الناتو» قمة في العاصمة التركية أنقرة اعتباراً من يوم الثلاثاء المقبل.

وقبل القمة، جدَّد ترمب انتقاداته لألمانيا وحلفاء آخرين بسبب مساهماتهم في «الناتو»، رغم أنهم زادوا في الفترة الأخيرة إنفاقهم الدفاعي بشكل ملحوظ.

وقال فيشر: «قادة الدول والحكومات الأوروبية والأمين العام للناتو يتقربون إلى دونالد ترمب بقدر كبير من التملق للإبقاء عليه داخل الحلف»، مضيفاً أنه لا ينتقد هذا السلوك، وقال: «يتعين عليهم فعل ذلك، ولا أرى بديلاً. لكنني لا أعتقد أن الناتو سيستمر على المدى الطويل بهذه الطريقة».

وأكد فيشر أنه يعول على تعزيز الطابع الأوروبي داخل الحلف، قائلاً: «يجب أن يبقى الجزء الأوروبي من الناتو متماسكاً، ويفضل أن يكون ذلك بمشاركة كندا»، وأضاف: «لدينا إجراءات وآليات مجربة، ويجب الحفاظ عليها ونقلها إلى هيكل جديد».

وفي معرض رده على سؤال بشأن استمرار المظلة النووية الأميركية، قال فيشر: «لم أعد أعول عليها»، مضيفاً أنه من الصواب «إغداق كثير من المديح على ترمب»، لكنه أشار إلى شكوكه في أن يكون ذلك كافياً «إذا وصلت الأمور إلى لحظة الحسم».

وأفاد وزير الخارجية الأسبق أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة فإنها ستسحب معها مظلتها النووية، وأضاف: «عندها سيتعين علينا أن نحاول بناء مظلة حماية خاصة بنا انطلاقاً من القدرات الموجودة في بريطانيا وفرنسا، ومن القدرات غير النووية للجزء الأوروبي من الناتو»، موضحاً أن ذلك سيعني أن تكون الكلمة الأخيرة في اتخاذ القرار للرئيس الفرنسي أو رئيس الوزراء البريطاني، كما هو الحال حالياً بالنسبة للرئيس الأميركي.

وأضاف: «سيتعين التفاوض بشأن مسائل التمويل».

وشغل فيشر منصب وزير الخارجية ونائب المستشار الألماني خلال الفترة من 1998 إلى 2005 في حكومة الائتلاف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر بقيادة المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر.


50 برلمانياً أوروبياً يحثون «فيفا» على التحقيق في منح جائزة السلام لترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)
TT

50 برلمانياً أوروبياً يحثون «فيفا» على التحقيق في منح جائزة السلام لترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس فيفا جاني إنفانتينو في أثناء حصوله على جائزة السلام (رويترز)

حث خمسون نائباً في البرلمان الأوروبي الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على التحقيق في منح رئيسه جاني إنفانتينو «جائزة السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وذلك في دعم لطلب تقدمت به في ديسمبر (كانون الأول) منظمة «FairSquare» المدافعة عن حقوق الإنسان، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتبت المنظمة، الجمعة: «تشكل هذه الرسالة التدخل الأهم لمسؤولين سياسيين أوروبيين ضد سوء الحوكمة وانتهاكات القواعد على رأس كرة القدم العالمية منذ أن دعا البرلمان الأوروبي في 2015 سلف إنفانتينو، سيب بلاتر، إلى الاستقالة».

وفي رسالة مؤرخة، الاثنين، دعا 50 نائباً من 13 دولة أوروبية، معظمهم من الاشتراكيين الديمقراطيين والليبراليين والخضر، إلى «حث لجنة الأخلاقيات في فيفا على إجراء التحقيق بأقصى سرعة وجدية»، وهو التحقيق الذي تطالب به المنظمة البريطانية منذ نحو سبعة أشهر.

وكتب الموقّعون، بقيادة الآيرلندي باري أندروز والهولندية لارا فولترز والدنماركي نيلس فوغلسانغ، أنه «في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى فيفا هذا الصيف» بالتزامن مع مونديال 2026، فإن هذه الخطوة «تمثل فرصة لفيفا كي يثبت التزامه بالحياد السياسي والشفافية والمساءلة».

وكانت المنظمة التي حظيت في مطلع الشهر الماضي بدعم الاتحاد النرويجي لكرة القدم وحده حتى الآن من بين 211 دولة عضواً في فيفا، اتهمت إنفانتينو بانتهاك «واجب الحياد» المنصوص عليه في المادة 15 من مدونة أخلاقيات الاتحاد، من خلال تفضيل دونالد ترمب.

وتطالب المنظمة بشكل خاص لجنة الأخلاقيات بـ«دراسة الظروف» التي أحاطت بمنح الرئيس الأميركي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي «جائزة فيفا للسلام»، وهي جائزة غير مسبوقة لم تُوضَّح معاييرها وآلياتها من قبل الهيئة الكروية.

وبشكل أوسع، انتقدت «FairSquare» أيضاً دعوة إنفانتينو في أكتوبر (تشرين الأول) إلى منح ترمب جائزة نوبل للسلام، وكذلك تعليقاته المؤيدة لسياساته الداخلية.

واعتبرت المنظمة أن «دعمه الواضح للأجندة السياسية للرئيس ترمب على الصعيدين الوطني والدولي» يهدد «نزاهة وسمعة كرة القدم وفيفا نفسه».

ولم يعلّق فيفا، الجمعة، على استفسار «وكالة الصحافة الفرنسية» التي طلبت معرفة رأيه برسالة النواب الأوروبيين. كما لم يسبق له أن رد على طلب «FairSquare» ولا على الانتقادات المتعلقة بـ«جائزة السلام».