«الهايكو الياباني» يصبح مغربياً... رسمياً

بين مؤيد ومعارض

سامح درويش
سامح درويش
TT

«الهايكو الياباني» يصبح مغربياً... رسمياً

سامح درويش
سامح درويش

«قانونيا، أصبح للهايكو في المغرب علامة خاصة وناد رسمي يحمل اسم (هايكو موروكو)»، هكذا علق الكاتب المغربي سامح درويش، قبل أسابيع، على لحظة تأسيس النادي، شاكراً، في ذات الوقت «بيت الشعر في المغرب» الذي «كان اليد الأولى التي مُدت للهايكو قبل تأسيس النادي وبعده»، في إشارة إلى احتضان «البيت» للملتقى الأول لشُعراء الهايكو في المغرب، قبل نحو سنة، بإيفران، تحت شعار «الهايكو... مغربي أيضاً». وهو الملتقى الذي تم تقديمه على أنه أول محفل شعري وثقافي ينظم بالمغرب «تقديراً لهذا اللون الشّعري الذي أضحى اليوم يُكتب بكل لغات العالم».
لكن لماذا الهايكو؟ ولم زاد «الإقبال» عليه في السنوات الأخيرة؟
الكاتب مصطفى لغتيري، الذي لم تغب عنه، ربما، كل تلك الأسئلة التي تحيط بهذه التجربة، مغربيا وعربيا، اختار أن يخرج إلى القراء، هذه الأيام، بمؤلف جديد أعطاه عنوان «لماذا الهايكو يا أبي؟».
بالنسبة لغتيري، فـ«الفن لا ينتمي إلى أي شعب محدد أو حضارة معينة، إنه فقط ينتمي إلى أفقه الإنساني الشاسع»، وبالتالي فكتابة الهايكو، هذا «الشعر، الذي ما فتئ يتسلل تدريجيا إلى الذائقة الشعرية العربية، ويظفر بقراء ومبدعين من شتى الأقطار العربية»، هو تعبير عن انتماء أصيل إلى الإنسانية، وهو انتماء، يقول لغتيري: «لا يتناقض أبدا مع خصوصيتنا الثقافية والفنية والأدبية والشعرية».
في واقع الأمر، يبدو شعراء المغرب، ممن استهوتهم تجربة الهايكو، مشغولين بسؤال «يابانية» الشكل و«عقدة النقص» المفترضة، لذلك تجد بينهم من يكتب الهايكو، مؤكدا أن النصوص «لا يفصلها جماليا عن الهايكو العالمي ذرة شاعرية أو صياغة أو رؤيا»، ومن يختار كتابة «على سبيل الهايكو».
في سؤال للشاعر عبد الرحيم الخصار عن علاقة بعض قصائد ديوانه «بيت بعيد» بـ«الهايكو»، مثلا، سيجيب بأن «الهايكو تجربة شعرية مهمة، لكنها قادمة من القرن السابع عشر»، وأنها تشكل بالنسبة له «تراثا شعريا فحسب»، قبل أن يستدرك: «الهايكو له خصائص شكلية وموضوعاتية مضبوطة لا يمكن تجاوزها. عموما أنا مولع بالكتابة الشذرية في الشعر. والهايكو أحد هذه الأشكال».
يميز الخصار بين ثلاث فئات تكتب الهايكو: فئة أولى «تحاول أن تبقى وفية لمختلف خصائص الهايكو، وبالتالي تبدو كتاباتها محاكاة لشكل أدبي ينتمي إلى تاريخ وجغرافيا بعيدتين، وهي محاكاة صعبة، لكنّ عدداً من الشعراء قدموا فيها نصوصا جيدة يبدو من قراءتها أنهم تمثلوا بشكل كبير روح الهايكو». وفئة ثانية «تؤمن بأن الهايكو يمكن أن تكون منطلقا لكتابة نص شبيه مستوحى منها، لكن في سياق التجديد والتطوير. وهذا أيضا خيار صعب، إذ كيف سيتم ضبط المسافة بين ما هو هايكو وما سواه؟ أي ما الذي سيبرر اختيار التسمية بغض الطرف عن الكثافة والقصر؟». أما الفئة الثالثة فـ«تكتب نصا قصيرا وتسميه هايكو دون وعي بخصائص هذا الجنس الأدبي، وبقواعد كتابته، التي تستلزم ضبطها واستيعابها، قبل التفكير في أي ثورة عليها».
في تعقيبه على الفئات الثلاث، حسب الخصار، يكتب الشاعر صلاح بوسريف: «كثير مما أقرأه اليوم، مما ينسب إلى شعر (الهايكو)، يشبه وضع بيض بطات تحت دجاجة».
أما الشاعر جمال الموساوي، فكتب تدوينة تحت عنوان «هايكو»، جاء فيها: «حسب (المؤرخين) يعود الهايكو إلى أربعينات القرن 17، أي إلى ما يقرب من أربعة قرون. بين ذلك الزمن وزمننا ظهرت الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة ومناهضة العولمة وانتهت حضارات وسادت أخرى. سؤال ملح: أليس هذا الاهتمام، الذي شبّ مثل النار، بالهايكو في منطقتنا وفي المغرب نوعاً من الردة عن الحداثة ورجعية شعرية على غرار رجعيات أخرى تحاول شدنا إلى الماضي وجرنا إليه قسراً ورغماً، وعلى غرار الداعين إلى عمود الشعر الذين يتعرضون بسبب ذلك لهجومات وخصومات؟ ليس لي موقف عدائي من الهايكو ولا من العمود. لكنه سؤال».
وكتب الشاعر والباحث مصطفى الشليح رداً على الموساوي: «لا ردة في الشعر يا عزيزي، ولكن ما يكتب، مغربياً وعربياً، ليس من الهايكو في شيء».
الأسئلة التي يثيرها الهايكو، أو بعضها، حملناها إلى سامح درويش، الذي يقدم على أنه «علامة معروفة في تجربة الهايكو في المغرب كتابة وتنظيراً وتنظيماً».
يقول درويش، جوابا على سؤال دلالات أن يصبح للهايكو في المغرب علامة خاصة وناد رسمي يحمل اسم «هايكو موروكو» «أن يصبح للهايكو بالمغرب إطار قانوني وعلامة يعرف بها يعني أن تجربة الهايكو بالمغرب قد بدأت في هيكلة نفسها لتستطيع الارتقاء بحضورها في المشهد الثقافي الوطني وفي المحافل الدولية، حيث إن الهايكو اليوم قد أصبح يشكل جسرا للتواصل الشعري العالمي وأضحى يشكل سقفا جماليا إنسانيا. كما أنه بهذه الهيكلة القانونية يمكن لنادي «هايكو موروكو» أن يصبح مخاطبا ثقافيا وطنيا وعربيا ودوليا. والدلالة الأعمق لهذه الهيكلة تتمثل في كون تجربة الهايكو بالمغرب قد بدأت تغني ذاتها داخل المشهد الشعري المغربي وتسهم في طرح أسئلة عليه من أجل تطوير وإثراء ممكناته الجمالية وتقنياته وأدواته الفنية». وعن دلالات «اليد الأولى التي مُدت للهايكو قبل تأسيس النادي وبعده»، ممثلة في «بيت الشعر في المغرب»، واحتضانه أول ملتقى وطني لشاعرات وشعراء الهايكو بالمغرب تحت شعار «الهايكو... مغربي أيضا»، قال درويش إن «الشعار ينطوي على رسائل ثقافية مفادها أن الهايكو الذي يشكل مكونا في مختلف شعريات العالم وبمختلف لغات الأرض قد أصبح يشكل جزءا من الشعرية المغربية باللغة العربية وباقي اللغات واللهجات التي يستعملها المغاربة في الكتابة والتداول اليومي، كما ينطوي على كون المغرب يمتاز بحضور مشع على الصعيد العربي أي في الجغرافيا الناطقة باللغة العربية إلى جانب باقي التجارب العربية الأخرى في باقي الدول العربية، التي هي في طور هيكلة نفسها أيضا. إن شعار «الهايكو مغربي أيضا» يفيد بأن الفاعلين في تجربة الهايكو في المغرب قد تجاوزوا تلك الاعتبارات التي تعتبر الهايكو شكلا شعريا دخيلا، بل عكفوا على إعطاء الهايكو صبغيات فنية وثقافية مغربية يمكنها أن توصل الثقافة المغربية إلى درجة من التواصل والتفاعل العالمي».
وعن هذه العودة إلى كتابة الهايكو، بلغات أخرى غير اللغة اليابانية التي نشأ وترعرع فيها هذا الشكل الشعري، قال درويش: «رغم المنشأ الياباني لشعر الهايكو فإنه أصبح منذ أكثر من قرن من الزمن ينتقل إلى كل شعريات ولغات الأرض غربا وشرقا وجنوبا وشمالا. وقد بدأ تفاعل الشعرية العربية بشكل محتشم مع هذا اللون الشعري منذ النصف الثاني من القرن الماضي ليشهد هذا التفاعل فورة كبيرة مع بدايات القرن الحالي، حيث يمكنك أن تقرأ اليوم الهايكو في كل لغات الأرض من دون أي مركب نقص وبالاسم نفسه.
ولعل هذا الإقبال على الهايكو كانت له أسباب نذكر أهمها، وهي أن اليابان قد آمنت بثروتها اللامادية وإمكانياتها الرمزية وجعلت منها وجها لليابان من خلال الاستثمار في المجال الثقافي. أما السبب الثاني فيتمثل في كون هذا اللون الشعري المكثف يتناسب ووتيرة العصر، ويعتمد في بنائه على المشهدية التي تتيح التفاعل مع تقنيات العصر المرتبطة أساسا بالصورة. أما السبب الثالث فيتمثل في كون الهايكو يميل إلى روح الشعر في عمقه البيولوجي وبعده الجمالي المتخفف ما أمكن من أصباغ البيان وقعقعات البلاغة العتيقة في أفق البحث عن أفق لبلاغة جديدة تقوم على البساطة والاستنارة المستوحاة من تفاعل الإنسان مع محيطه من دون أي تكلف تماما كما تنمو زهرة وسط غابة تعج بالطفيليات والوحوش».
وعن سبل ضبط المسافة بين ما هو هايكو وما سواه، قال درويش: «صحيح أن الهايكو يبدو أنه يختلط بالأشكال الشعرية المجاورة له مثل الومضة والشذرة والحكمة وغيرها، مما يجعل الكثيرين يكتبون نصوصا جميلة تندرج في هذه الأشكال وهم يعتقدون أنهم يكتبون الهايكو. ومن أجل حفاظ الهايكو على نوعه لا بد أن تتوفر فيه مقوماته البنائية والجمالية التي تتوفر عادة فيما نسميه «الهايكو الكلاسيكي»، مثل المشهدية القائمة على التفاعل مع المحيط والآنية القائمة في الغالب على المضارعة في ذلك التفاعل، وعلى تحييد ذات الشاعر التي تعودنا على حضورها الطاغي في الشعر العربي، وعلى الاقتصاد الكبير في استعمال المجاز وباقي المكونات والأدوات البلاغية لصالح البساطة التي بإمكانها أن تصنع الاستنارة. هذا زيادة على استعمال المكونات الفنية للهايكو من قطع وعلامات تتم بناء الهايكو ذي المشهد الواحد أو ذي المشهدين».
وعن كيفية الرد على من يقول بأن «ما يكتب، مغربيا وعربيا، ليس من الهايكو في شيء» وأن «هذا التهافت على الهايكو لم يعط شيئا خارقا»، رد درويش: «من المؤكد أننا لسنا في حاجة إلى أي تراشق فارغ عبر وسائل التواصل الاجتماعي للتقليل من شأن الهايكو المكتوب باللغة العربية بقدر ما نحن في حاجة إلى نقد رصين يستعمل أدوات نقد الهايكو من أجل فرز جوانب القوة وجوانب الضعف في تجربة الهايكو العربي. كما أننا لسنا في حاجة إلى استعادة واجترار ذلك السجال الفج الذي رافق ظهور قصيدة النثر في مشهدنا الشعري بقدر ما نحن في حاجة إلى استثمار الإمكانات الفنية التي يتيحها الهايكو من أجل بلورة أسئلة تهم الشعرية العربية برمتها. نعم هناك من يعتقد أن الهايكو هو ياباني فقط ولا يمكنه أن يكون غير ذلك فيما تؤكد كل شعريات العالم أن هذا اللون الشعري هو ممكن في كل اللغات بل إن تجارب الهايكو بلغات أخرى أضحت تغني الهايكو بلغته الأم. وفي نظري المتواضع، يمكن أن تقرأ اليوم هايكو عربياً بكل مواصفات الهايكو، ولكن بلغة لها حمولتها الحضارية الخاصة ولها ظلالها الفنية الثرية. وقد أضحى الهايكو العربي اليوم حاضرا إلى جانب نظرائه في باقي اللغات. ومن ينكر هذا فهو ينكر قدرة اللغة العربية على التفاعل الإنساني والعطاء الفني».



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.