قدم علي العريض رئيس الحكومة التونسية يوم أمس، رسميا استقالته للرئيس المنصف المرزوقي. وهو ما مثل انفراجا حاسما في المسار الحكومي وخروجا «آمنا» لحركة النهضة بعد سنتين من توليها حكم البلاد. ويبدأ المهدي جمعة مشاوراته حول تشكيل الحكومة بداية من اليوم (الجمعة) بعد لقائه المرزوقي وتكليفه رسميا برئاسة الحكومة الجديدة.
وصرح العريض بعد تقديم استقالته إلى رئيس الجمهورية «مثلما تعهدت من فترة طويلة بتقديم الاستقالة، هذا ما قمت به منذ قليل... الحكومة الحالية تواصل عملها في هذه الأيام الضرورية لتشكيل الحكومة الجديدة حتى يصادق عليها المجلس التأسيسي».
ولن تكون استقالة العريض, حسب خبراء في القانون الدستوري، فعلية إلا بعد مرور عشرة أيام، وهي الفترة التي تسمح لجمعة اختيار الوزراء الجدد والحصول على ثقة المجلس التأسيسي.
ويواصل العريض رئاسة حكومة تصريف الأعمال إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة وعرض أعضائها على المجلس التأسيسي (البرلمان)، وهو بذلك يتحاشى الفراغ على مستوى هياكل الدولة.
وكان العريض قد تعهد بتقديم الاستقالة بمجرد تشكيل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والتوجه نحو انتخاب رئيسها.
وتدخل العريض قبل ساعات من إعلان استقالته لإلغاء الضرائب التي فرضت على العاملين في قطاع النقل في ميزانية 2014.
وطالبت أحزاب المعارضة منذ أشهر بإسقاط حكومة العريض وحل المجلس التأسيسي، واحتدت المطالبة بعد اغتيال محمد البراهمي النائب في البرلمان في 25 يوليو (تموز) الماضي، إلا أن قيادات حركة النهضة قالت إن الاستقالة ستكون نتيجة التفاوض وليس عبر اللجوء إلى ضغط الشارع. وصرح راشد الغنوشي رئيس الحركة، ردا على «انتصار» المعارضة بإخراج حركة النهضة من رئاسة الحكومة، بأن حزبه خرج من الحكومة ولكنه لم يغادر الحكم، في إشارة إلى مواصلة استحواذه على أغلبية الأصوات داخل المجلس التأسيسي بـ89 صوتا من إجمالي 217 عضوا.
ولم تمنع استقالة العريض من تواصل التحركات الاجتماعية بعدة مدن تونسية، وامتدت إلى مدن الشمال والوسط الغربي ومحافظة تطاوين (700 كلم جنوب العاصمة) التي سجلت احتجاج مجموعة كبيرة من الباعة المتجولين ضد منعهم من عرض بضاعتهم بصفة غير قانونية، الأمر الذي أدى إلى حرق مركز الأمن بالمدينة وسيارة أمنية وجزء من مركز الشرطة البلدية، بالإضافة إلى إفشال قوات الجيش محاولة اقتحام قصر البلدية.
وذكر شهود عيان في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سيناريو محمد البوعزيزي مؤجج الثورة التونسية كاد أن يكرر بين الشرطة البلدية والباعة المتجولين الذين انتمى إليهم البوعزيزي.
وقال كمال عبد اللطيف رئيس الاتحاد الجهوي للشغل (نقابة العمال) بتطاوين إن الاحتجاجات كان نتيجة تنفيذ قرار بلدي بمنع «الانتصاب الفوضوي» بتطاوين أمام السوق المركزية في المدينة. وقد أدى الأمر إلى مشادات عنيفة بين الباعة وأعوان الشرطة البلدية، وهدد أكثر من بائع بإعادة الكرة وحرق نفسه أمام الجميع. وأشار عبد اللطيف إلى ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب في تطاوين، وقال إنها بلغت نحو 50 في المائة.
من ناحيته، قال علي الصلاي المسؤول الجهوي لحركة النهضة بتطاوين إن محتجين اقتحموا مقر الحركة، وأتلفوا محتوياته وألقوا بها في الشارع. وأشار إلى وجود «أشخاص غرباء عن المدينة»، وأضاف أن «قوات الأمن غير موجودة».
وفي مدينة تالة (وسط غربي البلاد) اقتحم مجهولون مبنى «القباضة المالية» (وكالة الضرائب) ونهبوا محتوياتها. كما تعرضت «القباضة المالية» بمدينة فريانة في محافظة القصرين للنهب احتجاجا على موازنة 2014.
* العريض فشل في مواجهة التحديات الاقتصادية وضغوط المعارضة
تولى علي العريض، القيادي في حركة النهضة، رئاسة الحكومة التونسية في شهر مارس (آذار) 2013 في ظروف استثنائية بكل المقاييس، بعد أن خلف حمادي الجبالي عقب حادثة اغتيال شكري بلعيد وما تركته من تفاعلات سياسية، خاصة بين أحزاب المعارضة. وجلب معه إلى رئاسة الحكومة تركة وزارة الداخلية التي كان يشرف عليها، وتحميلها المسؤولية عن أول اغتيال سياسي يقع في الأراضي التونسية بعد الاستقلال.
وشككت أحزاب المعارضة منذ البداية في إمكانية نجاح العريض، في إخراج البلاد من حالة الاضطراب الأمني والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتنوعة. إلا أن حركة النهضة، صاحبة أغلبية الأصوات في المجلس التأسيسي، تمسكت بحقها القانوني في تقديم مرشح لرئاسة الحكومة كما ينص على ذلك القانون المنظم للسلطات العمومية (الدستور الصغير).
وعرفت تونس في ظل حكم العريض تنامي هجمات التنظيمات المتشددة التي ظهرت في جبال الشعانبي وسط غربي تونس. وتعرضت قوات الأمن والجيش لهجمات متفرقة في الشعانبي وقبلاط وسيدي علي بن عون، وراح ضحيتها أفراد من الأمن والجيش. وعلى الرغم من الاضطراب السياسي والأمني، فإن الطبقة السياسية نجحت في الإعلان عن نسخة الدستور التونسي الجديد في 1 يونيو (حزيران) 2013، إلا أن الإطاحة بنظام محمد مرسي في مصر أربكت الأوضاع السياسية في تونس، وخشيت قيادات حركة النهضة تكرار السيناريو المصري في تونس.
وتعمقت الأزمة واحتدت أكثر بعد تعرض النائب محمد البراهمي للاغتيال في 25 يوليو (تموز) الماضي، وزادت الأمور تعقيدا بعد إعلان مخابرات أجنبية عن تحذير الداخلية التونسية من وجود نية التخلص من البراهمي قبل 14 يوما من الحادثة.
وطالبت أحزاب المعارضة بإسقاط الحكومة وحل المجلس التأسيسي وحملتها المسؤولية عن الاغتيالات السياسية. وتزامنت هذه المطالب السياسية مع حادثة مقتل ثمانية عسكريين في جبال الشعانبي بعد أربعة أيام فقط من اغتيال البراهمي.
وفتحت الأبواب أمام الحوار الوطني، وسارع الاتحاد التونسي للشغل (نقابة العمال) إلى تقديم مبادرة للحل السياسي للأزمة بين الحكومة والمعارضة، وسرعان ما تحولت المبادرة إلى خارطة طريق. وطالبت قيادات حركة النهضة بتحديد موعد ثابت للانتخابات والانتهاء من صياغة الدستور والتصديق عليه وعلى القانون الانتخابي، وأبدت في المقابل استعدادها للتنازل عن السلطة لصالح حكومة كفاءات وطنية مستقلة. واشترطت لتحقيق هذا الأمر التلازم بين المسارات الثلاثة؛ المسار الحكومي ممثلا في تشكيل حكومة جديدة، والمسار الانتخابي ممثلا في تشكيل هيئة الانتخابات والتصديق على القانون الانتخابي، والمسار التأسيسي ويعني الانتهاء من صياغة الدستور والتصديق عليه.
ونجحت حكومة العريض في استرجاع الأمن والقضاء على كثير من مظاهر التطرف في الشارع، إلا أن المواجهة مع الحكومة انتقلت إلى الجبال والغابات وشهدت اتخاذ الحكومة قرار حظر تنظيم أنصار الشريعة. ولكنها فشلت في تلبية معظم المطالب الاجتماعية والاقتصادية في ظل قلة الإمكانات وتراجع عمليات الاستثمار وتقلص عائدات السياحة.
وبعد أكثر من عشرة أشهر في الحكم، تستعد حكومة العريض لمغادرته، على أمل أن يكتب في صفحات تاريخها أنها أنهت صياغة الدستور الجديد، ونجحت في ضمان التداول على السلطة عبر الانتخابات في مرحلة أولى، ثم عن طريق التوافق استجابة لمطالب المعارضة في مرحلة ثانية.


