حشد مليوني أمام قيادة الجيش السوداني لإكمال مطالب الثورة

6 مطالب لتصفية نظام البشير بينها حل {المؤتمر الوطني} وأذرعه العسكرية والاقتصادية

جماهير حاشدة أمام مقر قيادة الجيش السوداني أمس (تصوير: مصطفى عمر)
جماهير حاشدة أمام مقر قيادة الجيش السوداني أمس (تصوير: مصطفى عمر)
TT

حشد مليوني أمام قيادة الجيش السوداني لإكمال مطالب الثورة

جماهير حاشدة أمام مقر قيادة الجيش السوداني أمس (تصوير: مصطفى عمر)
جماهير حاشدة أمام مقر قيادة الجيش السوداني أمس (تصوير: مصطفى عمر)

احتشد أكثر من مليون شخص أمام قيادة الجيش السوداني بالخرطوم، وذلك بعد أسبوع على الإطاحة بالرئيس «المخلوع» عمر البشير بثورة شعبية، للمطالبة بتسريع تنفيذ المطالب الشعبية بتصفية النظام القديم ورموزه، وتكليف حكومة مدنية، وهيئة تشريعية، ومجلس رئاسي مدني.
وعزلت قيادة الجيش السوداني في 11 أبريل (نيسان) الحالي، الرئيس البشير، وذلك إثر اعتصام أكثر من مليون شخص أمام وزارة الدفاع والقيادة العامة استمر خمسة أيام، قبل أن يستجيب الجيش لطلب المعتصمين ويطيح البشير.
ومنذ صبيحة أمس بدأت حشود المنضمين للاعتصام، تتوافد على المكان في شكل أمواج بشرية هادرة، قوامها «مهنيون، وطلاب، وموظفون حكوميون، وعمال» كل يحمل لافتته التي تطالب بتصفية النظام الإنقاذي، وتسليم السلطة للمدنيين.
وقالت أحلام عبد العزيز ربة منزل في التاسعة والثلاثين من العمر، إنها أتت لدعم المعتصمين وللضغط على المجلس العسكري الانتقالي لتسريع تحقيق مطالب الثوار، وأضافت: «أنا سعيدة، عندما جاء البشير للحكم كان عمري تسع سنوات، وأفنى حكمه الديكتاتوري عمري الجميل»، وتابعت: «يا لها من سعادة أسبوع بكامله من دون إطلالة البشير التي كرهناها».
بينما قال أحمد موسى وهو أب في الخمسين، إنه فخور بأبنائه الذين شاركوا في المظاهرات والاحتجاجات التي أطاحت البشير، وتابع: «أنا فخور لأني ربيت أبنائي على حب السودان، لذلك فعلوا ما عجزنا عنه طوال ثلاثة عقود».
وتتلخص مطالب القوى السياسية السودانية، في 6 مطالب رئيسية، وهي تصفية النظام القديم ورموزه بما في ذلك حل المؤتمر الوطني الحاكم السابق وواجهاته الحربية والاقتصادية، وتكليف حكومة مدنية، وهيئة تشريعية، ومجلس رئاسي مدني، وهيكلة جهاز الأمن السوداني، ومحاربة الفساد وإصلاح الاقتصاد.
وأعد تجمع المهنيين السودانيين، وقوى الحرية والتغيير، اللذان قادا الاحتجاجات، برنامجاً حافلاً على طوال «شارع الجيش»، تضمنت ندوات تتحدث عن الانتقال من المقاومة والمعارضة إلى بناء الدولة، وآليات استرداد النقابات، والعدالة والمحاسبة ومحاكمة رموز النظام واسترداد الأموال المنهوبة، والانتقال من الحرب للسلام والعدالة الانتقالية، إضافة إلى عروض فنية ورياضية.
واستولى الرئيس المخلوع عمر البشير البالغ من العمر 75 عاماً على السلطة بانقلاب عسكري مدعوم من جماعة الإخوان المسلمين بزعامة حسن الترابي في 30 يونيو (حزيران) 1989. وظل ينفذ برامج الجماعة طوال الثلاثة عقود الماضية، وفرض في سبيل ذلك ما أطلق عيه «سياسة التمكين»، ما حول الدولة السودانية لأداة من أدوات التنظيم الذي يحمل اسما سودانياً هو «الحركة الإسلامية».
وخلال حكم البشير عاشت البلاد عددا من الكوارث والنزاعات، أكبرها انفصال جنوب السودان، والحروب التي شنها في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وإشاعة القتل في كل أنحاء البلاد.
وبدأت المظاهرات التي أطاحت البشير في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018، احتجاجاً على مضاعفة سعر الخبز، وندرة النقود والوقود، وارتفاع أسعار السلع الرئيسية، في كل من بورتسودان «شرق» وعطبرة «شمال».
لكن المظاهرات تحولت لحالة عامة وعمت معظم المدن السودانية، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، ورفعت شعارات سياسية تطالب بتنحية البشير وحكومته على الفور، وظلت هتافات «حرية سلام وعدالة، والثورة خيار الشعب، وتسقط تسقط بس، وغيرها» تسمع في كل أنحاء البلاد.
وفي 6 أبريل الحالي، دعا تجمع المهنيين السودانيين، وقوى الحرية والتغيير، إلى مظاهرة احتجاجية أمام قيادة الجيش وبالقرب من قصر الضيافة مقر البشير، شارك فيها مئات الآلاف، بادئ الأمر، ثم تحولت إلى اعتصام شارك فيه الملايين، استمر خمسة أيام، اضطرت على أثره قيادة القوات المسلحة «خلع البشير» وتكوين مجلس عسكري انتقالي بقيادة وزير الدفاع السابق عوض بن عوف.
لكن المعتصمين رفضوا ما سموه انقلاب ابن عوف، وطالبوا بتنحيته ورددوا هتافات مناوئة له من قبيل «لم تسقط بعد»، ما اضطر قيادة الجيش لتنحيته خلال أقل من يوم وتسمية المفتش العام للجيش عبد الفتاح البرهان قائداً عسكرياً انتقالياً.
وواصل المتظاهرون الاعتصام طوال الأسبوع الماضي، ولم تخل الساحات أمام القيادة العامة للجيش من المعتصمين، للمطالبة بحل المجلس العسكري الانتقالي وتسمية حكومة مدنية، وحاولت قيادة الجيش فضه لكنها لم تفلح.
وبعد مرور أسبوع من الاعتصام، قل عدد المعتصمين وخاصة ليلاً، لكن تجمع المهنيين دعا لحشد مليوني أمس، استجاب له أكثر من مليون شخص بحسب تقديرات ميدانية، معيداً بذلك الحيوية للاعتصام، فيما يتوقع أن تستجيب أعداد مثيلة اليوم لأداء صلاة الجمعة في مكان الاعتصام.
وينتظر أن يزيد موكب أمس الخميس المليوني الضغط على المجلس العسكري الانتقالي من جهة، وعلى قوى المعارضة من الجهة الأخرى لتسريع تصفية نظام البشير، وتكوين حكومة مدنية ومجلس تشريعي متوافق عليه.
ويتمسك المتظاهرون بالبقاء في موقعهم إلى حين تصفية النظام القديم، وقال عمر أحمد، وهو شاب في الثامنة عشرة تعرض للاعتقال والتعذيب والمحاكمة لدى محاكم الطوارئ، إنه لن يغادر مكان الاعتصام قبل محاسبة الذين اعتدوا عليهم، وتكوين حكومة مدنية.
وكان تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير قد طالبوا باكراً بتكوين مجلس عسكري مدني مشترك، بيد أن قيادة الجيش شكلت «مجلساً عسكرياً» مكوناً من قادة يعدون من رموز النظام القديم، ومقابل ذلك طالبوا بـ«مجلس سيادي» مدني بتمثيل للقوات المسلحة.
ونقلت «الشرق الأوسط» عن القيادي بتجمع المهنيين محمد ناجي الأصم قوله، إن تحالف المعارض يطالب بحل المجلس العسكري الانتقالي، وتشكيل مجلس تشريعي مدني يمثَّل فيه العسكريون، وهو المطلب الذي يؤيده المعتصمون الذين دأبوا على الهتاف: «لم تسقط بعد».
ولم ينس متظاهرون ومعتصمون حملة القمع العنيفة التي واجهتهم بها سلطات نظام البشير وميليشياته وأجهزته الأمنية، وأدت لمقتل أكثر من 60 شخصاً، وجرح وإصابة المئات، فضلاً عن آلاف الأشخاص الذين اعتقلوا أو قدموا لمحاكم الطوارئ.
ولم تقنع القرارات التي اتخذها المجلس العسكري الانتقالي أعداداً كبيرة من المتظاهرين، ولم يرضهم اعتقال البشير وأشقائه، وعدد من رموز حكمه، وأبرزهم نائباه السابقان علي عثمان محمد طه وبكري حسن صالح، ومساعداه أحمد هارون وفيصل إبراهيم، وبدوا مشككين في صدقية الاعتقال، وطالبوا بكشف مكان اعتقالهم.
من جهته، قال علي إبراهيم البالغ من العمر ستين عاماً: «لن نغادر الميدان، ولن نكرر تجربة ثورة أبريل 1985، فبعد أن أسقطنا نظام النميري عدنا لبيوتنا، فأجهض المجلس العسكري الثورة»، وتابع: «نرفع الاعتصام بشرط واحد، تحقيق مطالبنا بمحاسبة النظام المخلوع ورموزه، واستعادة الدولة من (الكيزان)، وتسليم السلطة لحكومة مدنية بصلاحيات كاملة».
وتزامناً مع اعتصام الخرطوم، خرجت مظاهرات ومواكب في عدد من مدن السودان، اتجهت كلها لمقرات الجيش في تلك المدن، وشملت شمال كردفان مواكب للمعلمين والمحامين، فيما شهدت ولاية النيل مواكب مشابهة، ومثلها الفاشر في الغرب وبورتسودان في الشرق.
من جهة أخرى، تضاربت الروايات حول مصير البشير، فبعد أن أعلن المجلس العسكري الانتقالي أنه موضوع في الإقامة الجبرية في مكان آمن لم يسمه، أثير أمس أن الرجل الذي أدخل آلاف السودانيين سجن كوبر الشهير نقل إليه.
لكن مصدرا من «أسرة البشير» أكد لـ«الشرق الأوسط» أن قرار نقل البشير إلى السجن الشهير اتخذ أول من أمس، لكن الرجل لم ينقل إلى السجن إلاّ صبيحة أمس، ليلحق بأخويه «عبد الله والعباس» اللذين أعلن المجلس العسكري الانتقالي القبض عليهما.
ونقل موقع «باج نيوز» السوداني عن إدارة «سجن كوبر» أن أفضل «زنزانة» في السجن أفرغت من أجل الرئيس البشير، وبحسب الموقع فإن الغرفة التي أعدت للبشير، اعتقل فيها من قبل زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي، ومدير الدائرة السياسية الأسبق بجهاز الأمن عبد الغفار الشريف، وأنها ظلت طوال التاريخ محبساً للشخصيات البارزة التي يتم القبض عليها لأسباب سياسية.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.