فلتان أمني في السويداء وسط تراخي قوات النظام

المجموعات المتخاصمة تتهم «حزب الله» بمقتل عنصر أمن عسكري

مظاهر مسلحة بين الأهالي في السويداء جنوب سوريا بسبب الفوضى الأمنية (السويداء 24)
مظاهر مسلحة بين الأهالي في السويداء جنوب سوريا بسبب الفوضى الأمنية (السويداء 24)
TT

فلتان أمني في السويداء وسط تراخي قوات النظام

مظاهر مسلحة بين الأهالي في السويداء جنوب سوريا بسبب الفوضى الأمنية (السويداء 24)
مظاهر مسلحة بين الأهالي في السويداء جنوب سوريا بسبب الفوضى الأمنية (السويداء 24)

«الانتشار الفوضوي للسلاح والفلتان الأمني» العنوان الأبرز للحياة اليومية في محافظة السويداء جنوب سوريا ذات الغالبية الدرزية، الذي وصل إلى درجة «خطيرة»، الأسبوع الماضي، وسط «تراخٍ متعمد» من قبل القوات الأمنية التابعة للنظام.
وقالت مصادر أهلية إن «ثمة توجهاً من النظام لإحداث الفوضى في السويداء. فمنذ عدة أشهر، عادت عصابات الخطف للنشاط بهدف ترهيب أهالي السويداء وإضعافهم، وذلك رداً على موقفهم الرافض لسحب أبنائهم إلى الخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياط خارج المحافظة». وأضافت: «إنه بعد أحداث السويداء في 2018، حين هاجم تنظيم «داعش» السويداء وقتل أكثر من 300 شخص من الأهالي، شكل الهجوم حدثاً مفصلياً، كشف عن شدة بأس الأهالي وتوحُّدهم وقدرتهم على دحر التنظيم الإرهابي».
وتؤكد المصادر التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن «موقف الأهالي وسرعة توحدهم في صد هجوم (داعش)، أقلق النظام الذي تقاعس عن ردّ الهجوم بشكل أثار ريبة الأهالي، ودفعهم إلى تعزيز تسلحهم، فلم يعد هناك بيت في السويداء يخلو من قطعة سلاح». ولفتت المصادر إلى حادثة بسيطة وقعت قبل يومين في مدرسة بحي مساكن الكهرباء بمدينة السويداء، حين تشاجرت مجموعة من الطلاب وجرى رمي قنبلة صوتية أدت إلى إصابة شخص وتضرر حافلة ركاب قريبة من موقع الشجار، إذ يحمل الطلاب معهم إلى المدارس قنابل صوتية، وربما أسلحة أخرى. وقال إن تلك الحادثة مرت دون أن تلفت الاهتمام اللازم من القوى الأمنية في المدينة، كما مرت قبلها حادثة إلقاء ثلاث قنابل على الحارة الشمالية ببلدة المزرعة الذي تقطنه عائلة الراحل الشيخ وحيد البلعوس (زعيم «شيخ الكرامة» الذي اغتاله النظام)، تزامناً مع مرور موكب تشييع ببلدة المزرعة لعسكري من أبناء السويداء كان ضمن قوات النظام، فقد شهد التشييع إطلاق نار كثيف، وسقوط قنابل.
وبعد تحري الأهالي تعززت الشكوك «بوجود طرف يسعى إلى تأجيج حرب أهلية في السويداء»، وتابعت المصادر أن هناك حملات بدأت في مواقع التواصل الاجتماعي تروج لمقولة «الحرب الأهلية قادمة إلى السويداء».
وتواصل خلال اليومين الماضيين تأجيج التوتر في السويداء، حيث قام مجهولون، أول من أمس، باختطاف مختار قرية جبيب، ماهر النمير، بقوة السلاح، سبقها، الثلاثاء الماضي، اختطاف عارف مأمون النونو، وهو تاجر أدوات صحية من سكان دمشق، أثناء وجوده في السويداء. وقالت مصادر محلية إن خاطفي عارف طالبوا ذويه بفدية مالية قدرها 50 مليون ليرة مقابل إطلاق سراحه.
جاءت هذه الحوادث ضمن سلسلة أحداث تصاعدية بدأت، الجمعة الماضي، باختطاف ستة تجار جاءوا من دمشق إلى السويداء لشراء محاصيل زراعية.
وحصلت عملية الخطف، بحسب شهود عيان، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أمام تجمع من الناس، ما أدى إلى توتر وإطلاق نار كثيف، تبعه في اليوم التالي إطلاق مجموعة محلية مسلحة، النار، على فداء العندراي وشقيقه، بعد اتهام عصابتهما بعملية الخطف. وتم نقل العندراي الذي أصيب بأربع رصاصات إلى المشفى الوطني، ليشهد محيطه حالة استنفار شديدة لأبناء عائلة العنداري وأفراد جماعته.
في الوقت ذاته تم اختطاف المحامي ممدوح السعيد، وهو أحد أبناء زعيم عشيرة النمر المعروفة بالمنطقة. ما أدى إلى تفجر الأوضاع بين مجموعتين مسلحتين معارضتين للنظام؛ «آل المزهر» و«شيوخ الكرامة» اللتين تبادلتا الاتهامات بالمسؤولية عن عمليات الخطف. وتطور الأمر إلى عمليات تفتيش حافلات المسافرين من وإلى بلدة صلخد واحتجاز نساء. ورداً على ذلك توجهت مجموعة من «شيوخ الكرامة» المتمركزة في بلدة صلخد إلى السويداء، للردّ على الاتهامات الموجهة إليهم حول اختطاف المدنيين، وحدث تبادل كثيف لإطلاق النار بين الطرفين أسفر عن سقوط قتيل واختطاف آخر من «شيوخ الكرامة» التي توجَد بكثافة في صلخد ويتزعّمها وسام العيد.
وأثناء التشييع، الاثنين الماضي في بلدة صلخد حصلت فوضى أمنية، إذ هاجم مسلحون غاضبون مقرات للنظام ومفرزة الأمن العسكري، أدت إلى مقتل عنصر حراسة في الأمن العسكري من أبناء السويداء. إضافة إلى مهاجمة مديرية المنطقة في المدينة، التي التجأ مديرها إحسان عيسى إلى إحدى عائلات صلخد طلباً للحماية. وكان شهر مارس (آذار) الماضي قد شهد 18 حالة خطف لمدنيين في السويداء، سبقها اختطاف 15 من عناصر دورية من الشرطة والأمن تابعة للنظام، أواخر فبراير (شباط) الماضي. وتم إطلاق سراح الجميع بعد ضغط اجتماعي، وتدخل الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا حكمت الهجري، الذي يبذل مساعي وجهوداً كبيرة لاحتواء الأوضاع المتدهورة.
في السويداء، بدأت الأصوات ترتفع بتوجيه الاتهام في إشعال الفتن إلى اللجنة الأمنية ومخابرات النظام، كما تتهم المجموعات المحلية المتخاصمة، «حزب الله» اللبناني بالوقوف وراء مقتل عنصر الحراسة في الأمن العسكري، بحسب ما ذكرته مصادر إعلامية معارضة في السويداء، مشيرةً إلى مساعٍ حثيثة للتهدئة، من الهيئات الدينية والاجتماعية في المحافظة. وقالت إن «المجموعات المسلحة الداخلة في النزاع هي مجموعات عائلية، ومناهضة للنظام بشكل معلن أم مضمر، ومن مصلحة النظام ضرب بعضهم ببعض».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.