البشير وأشقاؤه في السجن... و«العسكري» يعد بتسريع تسليم السلطة للمدنيين

إجراءات لمكافحة الفساد والبرهان يبدي زهده في الحكم... الأصم لـ«الشرق الأوسط»: طالبنا بتقليص صلاحيات العسكر

تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

البشير وأشقاؤه في السجن... و«العسكري» يعد بتسريع تسليم السلطة للمدنيين

تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
تواصل الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

حقق المعتصمون أمام قيادة الجيش السوداني، انتصاراً جديداً، وخطوة أخرى في سبيل اجتثاث نظام الإنقاذ الوطني السابق، بعد أن قامت السلطة العسكرية الانتقالية، الحاكمة، بنقل الرئيس المعزول عمر البشير، إلى سجن كوبر المركزي، في الخرطوم بحري، ليل الثلاثاء، ليلحق برفيقيه، نائبه أحمد هارون، ووالي الخرطوم، عبد الرحيم محمد حسين، الذي لازمه طوال عهده الذي ناهز 30 عاماً، في حين تم وضع رئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر في الإقامة الجبرية فور عودته من قطر. في غضون ذلك، تعهد رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان، بتسليم السلطة للشعب في «أقرب وقت ممكن».
وقال المجلس العسكري، أمس، إنه جرى اعتقال شقيقين للرئيس المخلوع عمر البشير هما عبد الله والعباس، في إطار حملة الاعتقالات الجارية «لرموز النظام السابق».
وقال متحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي, شمس الدين كباشي، إن القوات غير النظامية الموالية للحزب الحاكم السابق بزعامة البشير وضعت تحت قيادة الجيش والشرطة.
وكشف، أن الجهات الثلاث (الدفاع الشعبي، ومنسقية الخدمة المدنية، والشرطة الشعبية) سيطرت عليها القوات المسلحة والشرطة، وأنه جارٍ حصر ممتلكاتها.
وقال أحد أقارب البشير لـ«الشرق الأوسط»، أمس: إن الرئيس المعزول نُقل إلى سجن «كوبر» الشهير الواقع على الضفة الشرقية للنيل الأزرق، عند مدينة «الخرطوم بحري». مشيراً إلى وجود عدد من قادة الإنقاذ حالياً في السجن نفسه، من بينهم عبد الرحيم محمد حسين، وأحمد هارون، وقادة حزب المؤتمر الوطني.
وكان المتحدث باسم «المجلس العسكري الانتقالي» الفريق شمس الدين كباشي، قد وعد الصحافيين قبل ثلاثة أيام بنشر قوائم المحبوسين والمتحفظ عليهم من رموز النظام السابق من المسؤولين الحزبيين والرسميين، بيد أنه لم يكشف عن قوائم الاعتقالات بعد؛ ما فتح المجال واسعاً أمام التكهنات.
وفور ذيوع خبر نقل البشير إلى السجن السياسي الشهير، كوبر، بضاحية الخرطوم بحري، سارعت أجهزة الإعلام المحلية والدولية، إلى نصب كاميراتها أمام بوابة السجن، بأمل السماح لها بالحصول على «صورة» للرجل الذي حكم السودان بالحديد والنار طوال ثلاثين عاماً، وهو يرسف في أغلاله، في حين نشرت قوات كبيرة من الجيش وقوات الدعم السريع خارج السجن.
وذكر مصدر «الشرق الأوسط»، أن البشير وضع في «حبس منفرد» بعيداً عن مكان رموز نظامه الأخرين الذين قبض عليهم قبله، وأن أسرته لا تعلم بوضعه الآن، وذلك بعد أن بقي محتجزاً بحراسة مشددة في «بيت الضيافة» داخل القيادة العامة للجيش.
من جهة أخرى، تواصلت عمليات التعبئة الجماهيرية بين المعتصمين، وسيّرت «لجنة الأطباء المركزية» – نقابية معارضة – موكباً للأطباء، في حين سيّرت «شبكة الصحافيين السودانيين»، موكباً انطلق من وكالة الأنباء الرسمية (سونا)، وتوجه الموكبان إلى مقر الاعتصام. وذكرت لجنة الأطباء المركزية، أن الموكب يهدف إلى دعم المعتصمين، وإعادة هيكلة النظام الصحي، وانتزاع مركز القرار الصحي من رموز النظام المعزول، في حين قالت شبكة الصحافيين إن موكبها يستهدف «إزالة آثار النظام القديم في أجهزة الإعلام الرسمية، وهيكلتها لتحقيق أهداف التحول الديمقراطي والعدالة والمساواة، وإيقاف هيمنة رموز العهد البائد على تلك الأجهزة، وذلك استمراراً لمسيرات الاعتصام «النوعية» التي بدأت بأساتذة جامعة الخرطوم أول من أمس.
من جهة أخرى، أصدر المجلس العسكري الانتقالي قراراً، قضى بمراجعة حركة الأموال، وحجزها المشتبه فيها ابتداء من الشهر الحالي؛ وذلك امتداداً لقراره السابق بإلزام المؤسسات الحكومية بالإفصاح عن حساباتها المصرفية داخل وخارج البلاد. وقال بيان صادر عن الإعلام العسكري أمس: إن رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان وجّه البنك المركزي، بمتابعة والإبلاغ عن «أي حركة كبيرة أو مشبوهة للأموال عن طريق المقاصة أو التحويلات».
وذلك ضمن إجراءات يُنتظر أن يتخذها المجلس لمحاسبة الفساد المستشري في البلاد، طوال حكم الرئيس المعزول عمر البشير، كما وجّه القرار السجّل التجاري، بوقف تبادل الأسهم ونقل ملكيتها، والإبلاغ عن أي عمليات نقل أسهم أو شركات بصورة مثيرة للشكوك. وألزم مرسوم أصدره البرهان مؤسسات الدولة بكشف حساباتها المصرفية والإيداعات داخل البلاد وخارجها، ونصّ على أن «كافة الوزارات والهيئات والمؤسسات والشركات والكيانات الحكومية، وجميع الجهات التي تمتلك حكومة السودان حصة فيها، عليها التقدم بالبيانات اللازمة حول الحسابات المصرفية والإيداعات والأوراق المالية والمبالغ النقدية أو أي معادن نفيسة أو مجوهرات داخل وخارج السودان»، وتسليمها لبنك السودان والجهات المعنية خلال 72 ساعة. وتوعد المرسوم المخالفين لقراره بالمساءلة، وإخضاعهم للمحاكمة التي لا تتجاوز عقوبتها السجن مدة لا تتجاوز عشر سنوات أو الغرامة أو العقوبتين معاً.
وفي حين أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان، عزمه على «نقل السلطة إلى الشعب في أقرب وقت ممكن»، بدا القيادي بـ«تجمع المهنيين السودانيين» محمد ناجي الأصم متفائلاً بالتطورات التي تشهدها البلاد. وقال الأصم لـ«الشرق الأوسط» أمس: «لقد تحقق جزء كبير من مطالب الثورة، لكن المطلب الأساس لا يزال قائماً»، وتابع: «نعمل على تعبيد طريق آمنة لمطالب الثورة السودانية، وذلك لن يتم إلا بتسليم السلطة السيادية للمدنيين مع تمثيل العسكريين».
وعقد المجلس العسكري الانتقالي أمس، أول اجتماعاته في القصر الجمهوري، على الضفة الغربية للنيل، وترأس الاجتماع رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان، وأبدى الرجل الذي جلس على «الكرسي» الذي ظل البشير يحتكره طوال الثلاثين سنة الماضية، زهده في السلطة، وتعهد بتسليم السلطة للشعب في أقرب وقت ممكن.
وبحسب تقارير صحافية، تناول الاجتماع تقارير أداء اللجان، وبحث قضايا تتعلق بالأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية بالبلاد، وصدرت خلاله عدد من التوجيهات والقرارات الاقتصادية والسياسية.
وأوضح الأصم، أن الثورة أدت إلى تغيير نظام عمر البشير، ودفعت الموجة الثانية من الثورة كلاً من رئيس المجلس العسكري الانتقالي وزير الدفاع السابق عوض بن عوف، ونائبه الفريق كمال عبد المعروف إلى التنحي، وتابع: «لكن هذه ليست القضية الأساسية، القضية الأساسية تسليم السلطة للمدنيين وتحقيق المطالب كاملة». وتوقع الأصم استجابة المجلس العسكري لمطالب الشارع، وقال: «قد لا يتم ذلك بسهولة، لكن المجلس مضطر للاستجابة؛ لأنه أكد أنه تسلم السلطة لتحقيق مطالب الشعب السوداني»، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه تواجد الناس في الميادين من ضغط على المجلس، وتابع: «هذا التواجد أزاح البشير وبن عوف، وهو الذي يضمن تحقيق المطالب»، وأضاف: «لا توجد قوة تستطيع الوقوف ضد مطالب الشعب».
ونفى الأصم تقديم «ترشيحات» بأسماء الوزراء للحكومة المزمعة تكوينها، وقال: «سلمنا رؤيتنا للحكومة، وتتكون من ثلاثة مستويات، سيادية وتنفيذية وتشريعية»، وأضاف: «الخطوة المهمة بالنسبة لنا موافقة المجلس على تقليص صلاحياته، وبعدها يمكن النقاش حول التشكيلة الوزارية».
وفي السياق، سلمت لجنة من «قوى الحرية والتغيير» المجلس العسكري الانتقالي، ورقة تتضمن مقترحاتها بشأن آليات الانتقال والفترة الانتقالية، وقالت عضو لجنة التفاوض مريم المهدي لـ«الشرق الأوسط» أمس: «قدمنا ورقة (آليات ترتيب الانتقال للسلطة الانتقالية المدنية) المجمع عليها للمجلس العسكري الانتقالي».
وحسب المهدي، فإن اللجنة التي قابلت المجلس العسكري الانتقالي مكونة من شخصين لتمثيل «قوى الحرية والتغيير» وشخص عن «تجمع المهنيين»، وشخصين من ممثلين للمعتصمين «شاب وشابة». وأوضحت المهدي، أن اجتماعاً عقد أمس، قرر توسيع اللجنة المركزية لتحالف لقوى الحرية والتغيير لتشمل «الحركات المسلحة، ومنظمات المجتمع المدني»، وتكليف لجنة مصغرة منه للتفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي.
من جهته، قال عضو لجنة الانتقال كمال حامد البولاد لـ«الشرق الأوسط»: إن قوى الحرية والتغيير، اتفقت بشكل كامل على «مسودة الفترة الانتقالية» وتتمثل في تشكيل «مجلس رئاسي، ومجلس وزراء انتقالي، وبرلمان انتقالي». وأوضح البولاد أن لجنته ستقدم التصور للشعب السوداني باعتباره مدخلاً للفترة الانتقالية.



إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
TT

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)

في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب وتتابع الكوارث الطبيعية والانهيارات الاقتصادية، تبرز مشاريع البنية التحتية بوصفها واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في دعم قدرة المجتمعات على الصمود، ليس فقط من خلال إصلاح ما دمرته الأزمات، بل عبر إعادة وصل السكان بالخدمات والأسواق ومصادر الدخل.

في هذا السياق، يقدم المشروع الطارئ لتحسين طرق الربط الحيوي في اليمن نموذجاً عملياً لكيفية تحول الطرق الريفية من ممرات معزولة وموسمية إلى شرايين حياة تنقل الناس والسلع والخدمات، وتعيد تنشيط الاقتصاد المحلي في مناطق ظلت لسنوات رهينة العزلة وصعوبة الوصول.

ووفق بيانات أممية، نجح المشروع الذي ينفذه مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتمويل من البنك الدولي في إعادة تأهيل 153 كيلومتراً من الطرق الريفية، مما أتاح لأكثر من 1.5 مليون شخص الوصول بصورة أكثر انتظاماً إلى الأسواق والمدارس والمرافق الصحية، والحصول على الخدمات الأساسية رغم التحديات المناخية القاسية التي تشمل الفيضانات والانهيارات الأرضية والسيول الموسمية التي كانت تعزل قرى ومناطق واسعة عن محيطها لأيام وربما أسابيع.

إصلاح أكثر من 150 كيلومتراً من الطرقات في اليمن (الأمم المتحدة)

ولا تتوقف أهمية هذا المشروع عند إعادة تأهيل البنية التحتية المادية، بل تمتد إلى إعادة صياغة الحياة اليومية في المجتمعات الريفية. ففي محافظتي إب وتعز، لم تعد الطرق تُجرف بالكامل مع كل موسم أمطار كما كان يحدث سابقاً، ولم يعد الوصول إلى المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية رحلة شاقة تستغرق أياماً بسبب انقطاع المسارات وارتفاع منسوب السيول.

هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، الذين كانوا الأكثر تأثراً بعزلة المناطق الريفية. كما بات بإمكان الطلاب الوصول إلى مدارسهم بصورة أكثر انتظاماً، وهو ما يمنح العملية التعليمية قدراً أكبر من الاستقرار في بيئة تعاني أصلاً من تحديات مركَّبة تشمل الفقر والنزوح وتراجع الخدمات العامة.

دفعة قوية

على المستوى الاقتصادي، شكَّلت الطرق المؤهلة حديثاً عنصراً حاسماً في تنشيط الحركة التجارية، لا سيما في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها على بيع منتجاتهم في الأسواق المحلية والإقليمية. فقبل هذه الإصلاحات، كانت وعورة الطرق أو انقطاعها خلال مواسم الأمطار تؤدي إلى تلف جزء كبير من المحاصيل الزراعية قبل وصولها إلى الأسواق، مما يضاعف خسائر المزارعين ويقلل من عوائدهم.

وحسب البيانات الأممية، فقد أصبح بمقدور المنتجين نقل محاصيلهم بسرعة أكبر وتكلفة أقل وكفاءة أعلى، بما يحافظ على جودة المنتجات ويزيد من فرص تسويقها بأسعار أفضل. وهذا التحسن لا يدعم دخل الأسر الزراعية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار تدفق السلع الزراعية إلى الأسواق وتقليل فجوات العرض التي كانت تتسبب في ارتفاع الأسعار أو شح بعض المنتجات.

وتشير المعطيات إلى أن كل كيلومتر من الطرق التي أُعيد تأهيلها أسهم في تحريك النشاط الاقتصادي في محيطه، سواء عبر زيادة حركة النقل، أو تنشيط التجارة المحلية، أو تسهيل وصول التجار والموردين إلى مناطق كانت في السابق شبه معزولة اقتصادياً.

مشروع الطرق في اليمن ساعد على سرعة الوصول إلى المستشفيات (المتحدة)

إلى جانب الأثر الخدمي والاقتصادي، وفَّر المشروع مكاسب مباشرة لسوق العمل المحلية. فقد أسهم في توفير نحو 80 ألف يوم عمل، إلى جانب آلاف فرص العمل غير المباشرة خارج مواقع التنفيذ، كما أتاح وظائف لأكثر من 10700 يمني، بينهم نساء وأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما وفر مصدر دخل بالغ الأهمية لشرائح اجتماعية شديدة الهشاشة.

وفي إطار دعم الاقتصاد المحلي، شمل المشروع تدريب 42 مقاولاً محلياً، بينهم سبع شركات مقاولات مملوكة لنساء، مع منحهم فرصاً للمشاركة في تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل. ولم يقتصر الدعم على العقود التشغيلية، بل شمل أيضاً تطوير المهارات في مجالات إدارة المشاريع، وسلامة الطرق، والمعايير البيئية، بما يعزز جاهزية الكفاءات المحلية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية.

كما عززت العقود الممنوحة للشركات المحلية من شعور المجتمع بالملكية والمسؤولية تجاه هذه المشاريع، ووفرت قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يصبح القطاع الخاص المحلي شريكاً رئيسياً في التنمية وإعادة البناء.

تمويل إنساني صاعد

بالتوازي مع هذه المشاريع التنموية، أظهرت بيانات الأمم المتحدة تحسناً نسبياً في وتيرة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي إدراك المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات الإنسانية والتنموية في البلاد.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ إجمالي التمويل المستلم لخطة الاستجابة حتى أبريل (نيسان) 2026 نحو 264.3 مليون دولار، بزيادة قدرها 61.4 مليون دولار مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، أي بارتفاع نسبته 30.3 في المائة. كما ارتفع إجمالي التمويل المخصص لليمن داخل الخطة وخارجها إلى 293 مليون دولار، مقارنةً بـ228.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2025.

مع تحسن الطرق باتت المنتجات تُنقل إلى الأسواق بسهولة (الأمم المتحدة)

وارتفعت نسبة تمويل الخطة إلى 12.2 في المائة، مقابل 8.2 في المائة فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، وهي زيادة تعكس تحسناً في حجم التعهدات والصرف، وإن كانت لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين بقيمة 73.4 مليون دولار، تلتها بريطانيا بـ37.9 مليون دولار، ثم ألمانيا بـ23.4 مليون دولار، واليابان بـ19.6 مليون دولار، وكندا بـ16.2 مليون دولار، مما يشير إلى استمرار الحضور الدولي في دعم اليمن، سواء عبر التدخلات الإنسانية المباشرة أو عبر المشاريع التنموية التي تركز على بناء الصمود.


اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
TT

اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)

في ظل تصاعد تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى السواحل اليمنية منذ مطلع العام الحالي، صعّدت السلطات اليمنية من عملياتها الأمنية ضد شبكات تهريب المهاجرين، ونفذت حملة مداهمات واسعة استهدفت أوكاراً تستخدمها تلك الشبكات في محافظة أبين، لاحتجاز المهاجرين وتعذيبهم، في تحرك يعكس تنامي القلق الرسمي من تحول بعض المناطق الساحلية إلى ممرات مفتوحة لأنشطة التهريب والاتجار بالبشر.

وقالت مصادر أمنية في محافظة أبين (شرق عدن)، إن قوة مشتركة من الأمن العام والقوات الخاصة والأمن الوطني، نفذت، بتوجيهات من السلطة المحلية، عمليات مداهمة استهدفت مواقع في مديرية أحور الساحلية، تُستخدم من قبل مهربين لإيواء مهاجرين غير شرعيين، قبل نقلهم عبر مسارات غير قانونية نحو مناطق داخلية، أو إلى وجهات حدودية.

وذكرت السلطات أن القوة الأمنية واجهت مقاومة مسلحة من المهربين أثناء تنفيذ الحملة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات انتهت بالسيطرة على المواقع المستهدفة، واعتقال عدد من المتورطين في عمليات الاحتجاز والتعذيب، إلى جانب ضبط أسلحة ومعدات كانت تستخدم في إدارة هذه الأنشطة غير القانونية، فضلاً عن إحراق مواقع اتُّخذت مراكز احتجاز مؤقتة للمهاجرين.

المهاجرون الأفارقة إلى اليمن يتعرضون لأشكال متعددة من الانتهاكات (إعلام محلي)

وبحسب مسؤولين محليين، تأتي هذه العمليات ضمن خطة أمنية أوسع تهدف إلى تفكيك شبكات التهريب المنظمة التي تنشط على امتداد السواحل الجنوبية والشرقية، مستفيدة من اتساع الشريط الساحلي وصعوبة مراقبته بصورة كاملة، إلى جانب هشاشة الأوضاع الأمنية التي أفرزتها سنوات الحرب.

وأكدت السلطة المحلية في مديرية أحور، أن الحملة لن تكون إجراءً عابراً؛ بل بداية لسلسلة عمليات متواصلة لتعقب المتورطين، وملاحقة الشبكات التي تدير عمليات تهريب البشر، وتستخدم وسائل عنيفة بحق المهاجرين؛ من بينها الاحتجاز القسري والتعذيب والابتزاز المالي، وصولاً إلى استغلال بعضهم في أنشطة غير مشروعة.

ورغم عدم إعلان السلطات الحصيلة النهائية للموقوفين، تحدثت مصادر محلية عن ضبط عدد من العناصر المتورطة، في حين تمكن آخرون من الفرار إلى مناطق وعرة، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع نطاق التحري والملاحقة، مع تشديد الرقابة على المنافذ الساحلية التي تنطلق منها قوارب التهريب.

40 ألف مهاجر

تأتي هذه التطورات في وقت تظهر فيه بيانات رسمية استمرار التدفق الكبير للمهاجرين من القرن الأفريقي إلى اليمن؛ إذ وصل نحو 40 ألف مهاجر منذ بداية العام الحالي، غالبيتهم الساحقة من الجنسية الإثيوبية، فيما سجلت الأيام الماضية وحدها، وصول أكثر من 200 مهاجر إلى سواحل محافظة شبوة ضمن موجات متواصلة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن اليمن، رغم الحرب والانهيار الاقتصادي والأوضاع الإنسانية المعقدة، ما زال يمثل محطة رئيسية على طريق الهجرة المختلطة من القرن الأفريقي نحو دول الخليج، سواء باعتباره نقطة عبور أو وجهة مؤقتة للباحثين عن فرص اقتصادية أفضل.

تدمير مواقع تستخدم لاحتجاز وتعذيب المهاجرين غير الشرعيين (إعلام محلي)

لكن هذا المسار تحول، وفق تقارير حقوقية، إلى واحد من أخطر طرق الهجرة غير النظامية في المنطقة، حيث يتعرض القادمون عبره إلى سلسلة واسعة من الانتهاكات تبدأ منذ لحظة وصولهم إلى الشواطئ اليمنية، مروراً بعمليات احتجاز وتعذيب وابتزاز، ولا تنتهي عند الاستغلال في أعمال قسرية أو أنشطة مرتبطة بالجريمة المنظمة.

وتحمل تلك التقارير شبكات التهريب المسؤولية عن النسبة الأكبر من الانتهاكات بحق المهاجرين، يليها تأثير أطراف النزاع، إلى جانب ظروف الحرب التي جعلت كثيراً من المناطق خارج الرقابة القانونية الفاعلة، وهو ما أتاح لتلك الشبكات توسيع نفوذها وتحويل معاناة المهاجرين إلى تجارة مربحة تدر ملايين الدولارات سنوياً.

طريق محفوف بالموت

يرى مراقبون أن تشديد الإجراءات الأمنية في بعض السواحل الجنوبية باليمن، دفع شبكات التهريب إلى تحويل نشاطها تدريجياً نحو السواحل الشرقية، ما خلق مسارات جديدة أقل رقابة، لكنها أكثر خطورة من حيث الانتهاكات، في ظل ضعف الحماية القانونية وغياب التنسيق الإقليمي الكافي لمواجهة الظاهرة.

ووفقاً لتقديرات حكومية، يشكل الإثيوبيون نحو 89 في المائة من إجمالي المهاجرين الوافدين إلى اليمن سنوياً، مقابل 11 في المائة من الصوماليين، فيما تم تسجيل أكثر من 600 حالة وفاة منذ عام 2024 وحتى الآن، سواء بسبب الغرق أو العنف أو الظروف القاسية التي يواجهها المهاجرون خلال رحلتهم.

كما حذرت تقارير إنسانية من أن تراجع التمويل الدولي للمساعدات المخصصة للمهاجرين زاد من هشاشتهم، ودفع كثيرين، خصوصاً النساء والفتيات، إلى الوقوع ضحايا للاستغلال الجنسي والعمل القسري مقابل الغذاء أو المأوى أو وعود بإكمال الرحلة.

وفي مواجهة هذا الواقع، تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن عشرات الآلاف يواصلون سنوياً مغادرة القرن الأفريقي باتجاه اليمن مدفوعين بالفقر والنزاعات وانعدام الفرص، غير أن كثيراً منهم يجد نفسه في دائرة الاستغلال والعنف، بدلاً من الوصول إلى الأمان الذي سعوا إليه، ما يجعل مكافحة شبكات التهريب وحماية الضحايا تحدياً إنسانياً وأمنياً متصاعداً يتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم بأسره.


«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.