ترمب يتفوق في جمع التبرعات على المرشحين الديمقراطيين للسباق الرئاسي

سجلت حملته 30 مليون دولار خلال الربع الأول مقابل 18 مليوناً للسيناتور بيرني ساندرز

الرئيس ترمب جمع أكبر مبلغ مالي لحملته الانتخابية لعام 2022 بسبب دخوله المبكر للسباق الرئاسي (أ.ف.ب)
الرئيس ترمب جمع أكبر مبلغ مالي لحملته الانتخابية لعام 2022 بسبب دخوله المبكر للسباق الرئاسي (أ.ف.ب)
TT

ترمب يتفوق في جمع التبرعات على المرشحين الديمقراطيين للسباق الرئاسي

الرئيس ترمب جمع أكبر مبلغ مالي لحملته الانتخابية لعام 2022 بسبب دخوله المبكر للسباق الرئاسي (أ.ف.ب)
الرئيس ترمب جمع أكبر مبلغ مالي لحملته الانتخابية لعام 2022 بسبب دخوله المبكر للسباق الرئاسي (أ.ف.ب)

منذ أن أعلنت لجنة الضرائب الأميركية عن تقريرها الأول لتمويل الحملات الانتخابية في الربع الأول من العام الحالي، ازدادت حدّة المنافسة بين المرشحين السياسيين، وبدأ كثير منهم في إعادة ترتيب الأوراق الانتخابية بناءً على هذه التقارير، التي أظهرت تفوق الرئيس دونالد ترمب بامتلاك حملته 30 مليون دولار حتى مارس (آذار) الماضي، فيما تفوق بيرني ساندرز من الحزب الديمقراطي بامتلاك حملته 18 مليون دولار في الفترة نفسها.
التفوق الذي سجله الرئيس دونالد ترمب في تسجيل حملته أكبر مبلغ مالي، الذي يعادل مجموع الحملات الديمقراطية مجتمعة، يعود إلى الوقت المبكر الذي أعلن الرئيس ترمب فيه عن ترشحه للانتخابات الرئاسية لعام 2020، إذ أعلن عن ذلك في ثاني يوم من تسلمه السلطة الرئاسية في 2017، ليكون بذلك أول رئيس أميركي يبدأ في جمع التبرعات المالية لحملته الانتخابية قبل بدء الانتخابات الرئاسية بفترة طويلة، على عكس سابقيه في البيت الأبيض.
وتعدّ تقارير تمويل الحملات الانتخابية من الأمور المهمة للمرشحين الانتخابيين، وذلك لتوفير صورة أكمل عن قدرات المرشحين، ومن قد يتخلف في سباق الأموال الرئاسية بين المرشحين المعلنين، بالرغم من أنه لا يزال مبكراً الحكم على المرشحين في الدورة الانتخابية، وربما يزيد الصراع والنزاع بين المرشحين في كلا الحزبين، وتعد أرقام جمع التبرعات مؤشراً على قوة كل متنافس وطول عمره، فيما يتوقع أن يكون سباقاً مكلفاً.
وتلقت لجنة حملة الرئيس ترمب أكثر من 30 مليون دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019، ما أتاح له الحصول على 40 مليون دولار في تمويل أكثر من عام ونصف العام قبل الانتخابات، وتشير تقارير كثيرة إلى أن حملة الرئيس ترمب تمتلك أكثر من 60 مليون دولار، ما يجعله في المركز الأول، متقدماً عن بقية المرشحين الرئاسيين.
وهاجم الرئيس دونالد ترمب المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز السيناتور من ولاية فيرمونت، وجو بايدن نائب الرئيس الأميركي السابق مستهزئاً، قائلاً إن «المجنون بيرني ساندرز سيقابل النائم جو بايدن حيث إن الاثنين من المرشحين لقيادة اقتصاد بلدنا، ربما سيكون أفضل اقتصاد في تاريخ بلدنا، (والكثير من الأشياء العظيمة الأخرى)». ويقود السيناتور بيرني ساندرز من ولاية فيرمونت مجموعة المرشحين الديمقراطيين، بمجموع قدره 18.2 مليون دولار، الذي أظهر أن لديه ميزة بين المانحين على مستوى القاعدة الشعبية. ومن المقرر أن يحسم الحزب الديمقراطي رأيه في اختيار مرشح واحد يقود الحزب في الانتخابات الرئاسية، وذلك بعد التجمع الديمقراطي في ولاية أيوا بعد 10 أشهر من الآن.
وأنفقت حملة ساندرز ما يزيد قليلاً عن 27 في المائة من الأموال التي حصلت عليها، أي بمعدل منخفض نسبياً لمرشح يتمتع بقدرات مثبتة على جمع التبرعات، وأنهى الربع الأول بنحو 15.7 مليون دولار في البنك. فيما جاءت السيناتور كامالا هاريس من ولاية كاليفورنيا في المرتبة الثانية بعد ساندرز، إذ حققت حملتها الانتخابية حتى الآن 12 مليون دولار، وأنفقت نحو 36 في المائة مما حصلت عليه، وأنهت شهر مارس (آذار) بنحو 9 ملايين دولار في البنك، ما يشير إلى أن قدرتها على جمع التبرعات ستكون كافية للحفاظ على حملة مستقرة حتى موسم 2020 المرحلة الأساسية، التي تبدأ في فبراير (شباط) العام المقبل.
فيما قفز بيتو أورورك النائب الديمقراطي السابق إلى السباق الرئاسي في وقت متأخر من الربع الأول، ما أعطى حملته أكثر من أسبوعين فقط لإبهار المراقبين السياسيين بحصيلة جمع التبرعات الكبيرة؛ حيث جمع 9.4 مليون دولار في 18 يوماً فقط، وصرف 27 في المائة فقط من الأموال التي حصل عليها، ما يجعله على قدم المساواة مع ساندرز في كمية الصرف، وبقي لدى حملته 6.8 مليون دولار في البنك.
بينما لم تتمكن إليزابيث وارن من الحصول على تمويل كافٍ؛ حيث لم يقتصر الأمر على أموال لجنة العمل السياسي للشركات فحسب، بل جمع تبرعات الأفراد كذلك، إذ جمعت حتى الآن نحو 6 ملايين دولار في الربع الأول، على الرغم من ملفها الشخصي الشامل، والبدء المبكر في الترشح للانتخابات، مقارنة بالآخرين الذين قفزوا إلى منتصف السباق، لكن أكثر ما ينذر بالسوء من مجموع جمع التبرعات لديها هو إنفاق حملتها، إذ أنفقت 5.2 مليون دولار من أصل 6 ملايين دولار.
فيما يشارك السيناتور كيرستن غيليبيراند، المرشح الديمقراطي الآخر، الخسارة مع وارن، إذ جمعت حملته 3 ملايين دولار، وهو أصغر عدد من بين أعضاء مجلس الشيوخ الحاليين في سباق الرئاسة لعام 2020، وفي مذكرة حصلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» هذا الأسبوع، اقترحت حملة جيليبراند أن أحد أسباب انخفاض جمع التبرعات لعضو مجلس الشيوخ قد يكون بسبب ردّ الفعل العنيف على دعواته في عام 2017 للسيناتور السابق فرانكن بالاستقالة، وسط مزاعم بسوء السلوك الجنسي.
وتشير هذه التقارير المالية إلى ضرورة توجّه المرشحين الرئاسيين إلى المتبرعين الكبار لدعم حملاتهم الانتخابية، وهو ما قد يسبب صعوبة لعدد منهم، بسبب إعلان كبار المرشحين الديمقراطيين مقاطعة مؤتمر أيباك (لجنة العلاقات الإسرائيلية - الأميركية) الذي يؤثر على كثير من رجال الأعمال والشركات الاقتصادية الداعمة للحملات الانتخابية. وللاتجاه إلى كبار الداعمين، فإن المرشحين الرئاسيين سيضطرون إلى تعديل برامجهم الانتخابية، بما يتوافق مع السياسات والأهداف التي تخدم المانحين، وهو ما يضع كثيراً من الأسماء في مأزق كبير، مقابل بقية المتنافسين، وربما يدفعهم إلى الخروج من الميدان والخسارة قبل البدء في الفترة الأساسية من الانتخابات الرئاسية.



مَن سيشارك في قمة حلف الأطلسي بأنقرة؟ وما المنتظر منها؟

صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي 2025 (د.ب.أ)
صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي 2025 (د.ب.أ)
TT

مَن سيشارك في قمة حلف الأطلسي بأنقرة؟ وما المنتظر منها؟

صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي 2025 (د.ب.أ)
صورة جماعية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال قمته في لاهاي 2025 (د.ب.أ)

يجتمع قادة حلف شمال ‌الأطلسي (الناتو) في أنقرة لحضور القمة المقررة، غداً (الثلاثاء) وبعد غد (الأربعاء)، وسط ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا لزيادة الإنفاق الدفاعي، وبعد أشهر من التوتر عبر الأطلسي بسبب الحرب على إيران وقضية غرينلاند. وأدت الانتقادات المتكررة التي يوجهها ترمب إلى الحلف، إلى ​جانب الإعلان عن سحب قوات من أوروبا وإجراء مراجعة تستغرق ستة أشهر للوجود العسكري الأميركي في القارة، إلى مفاقمة حالة الضبابية داخل الحلف.

فيما يلي ما نحتاج إلى معرفته عن القمة:

ما الذي سيناقشه القادة؟

ضغطت إدارة ترمب على أوروبا لزيادة استثماراتها الدفاعية وتحمل المسؤولية الرئيسية في الدفاع عن القارة، وفقاً لوكالة «رويترز».

ويتوقع المسؤولون أن يركز القادة على التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الإنتاج الصناعي الدفاعي، وكيفية تنفيذ «تحويل العبء» من الولايات المتحدة إلى أوروبا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في البيت الأبيض يوم 26 يونيو الماضي (رويترز)

مَن القادة الذين سيحضرون القمة؟

سيحضر القمة قادة الدول الأعضاء وعددها 32، بمن فيهم ترمب. ومن المتوقع أن ينضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الكوري الجنوبي لي جيه-ميونغ، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية ‌أورسولا فون دير ‌لاين، إلى مأدبة عشاء مع قادة حلف شمال الأطلسي، مساء الثلاثاء.

ماذا سيقول ​القادة ‌بشأن الدفاع؟

سيسعى القادة ​الأوروبيون إلى إقناع ترمب بأنهم يوفون بالالتزام الذي قطعوه في قمة لاهاي العام الماضي بإنفاق 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع والإجراءات المتعلقة بالدفاع بحلول عام 2035.

ويشير نص، اطلعت عليه وكالة «رويترز»، إلى أنه من المتوقع أن يقول القادة في إعلان القمة: «في عام 2025، زاد الحلفاء الأوروبيون وكندا استثماراتهم في الاحتياجات الدفاعية الأساسية بأكثر من 139 مليار دولار». ومن المقرر أن يقولوا أيضاً: «نحن نبني المستقبل: أوروبا أقوى ضمن حلف شمال الأطلسي أقوى. حلف متطور. ويتحمل الحلفاء الأوروبيون وكندا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، مسؤولية كبرى في دفاع الحلف».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة لحلف الناتو في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

ماذا ستفعل دول الحلف من أجل أوكرانيا؟

من المتوقع أن يؤكد أعضاء حلف شمال الأطلسي مجدداً دعمهم لأوكرانيا ويتعهدوا بتقديم مزيد من المساعدات.

ومن ‌المتوقع أن يقول القادة: «بالنسبة إلى عام 2026، يتعهد الحلفاء بتقديم 70 مليار ‌يورو في شكل عتاد عسكري ومساعدة وتدريب لأوكرانيا، ويؤكدون التزاماتهم السيادية ​بالحفاظ على مستويات معادلة على الأقل في عام 2027».

وسيأتي ‌بعض التمويل من التعهدات الثنائية الحالية ومن آلية قروض الاتحاد الأوروبي التي توفر 60 مليار يورو ‌للاستثمار في الدفاع الأوكراني والمشتريات خلال 2026 - 2027. ولا يُتوقع أن تسهم الولايات المتحدة في التمويل.

ماذا سيفعل الحلف في مجال الصناعة؟

ركزت قمة العام الماضي على الاتفاق على تعهد إنفاق جديد، لكن المسؤولين يرغبون في أن يركز اجتماع هذا العام على زيادة إنتاج الأسلحة وتعزيز الابتكار في مجال الدفاع.

وسيستضيف الحلف، غداً، منتدى لصناعة الدفاع في أنقرة، حيث سيتم الإعلان عن صفقات ‌بقيمة عشرات المليارات من الدولارات.

هل ستُطرح قضية إيران؟

يشعر المسؤولون الأوروبيون بالقلق من أن الحرب على إيران، واستياء ترمب من الحكومات الأوروبية بسبب رد فعلها تجاهها، قد يلقي بظلاله على القمة.

ومن المتوقع أن يذكر القادة في إعلان القمة أن «الحلفاء يؤكدون مجدداً أنه يجب ألا تمتلك إيران أبداً سلاحاً نووياً، ويدعون إيران إلى الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز».

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان خلال قمة الناتو في لاهاي عام 2025 (الرئاسة التركية)

ماذا تريد تركيا بصفتها الدولة المضيفة؟

ستسعى تركيا إلى تسليط الضوء على قدراتها المتنامية في مجال الصناعة الدفاعية، وتكرار دعوتها المستمرة منذ فترة طويلة أعضاء الحلف إلى رفع جميع القيود المفروضة على التجارة الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي.

كذلك سيرغب الرئيس رجب طيب أردوغان في إحراز تقدم مع حلفاء مثل فرنسا وإيطاليا بشأن شراء منظومة الدفاع الصاروخي «سامب - تي» وغيرها من أوجه التعاون في مجال الصناعة الدفاعية.

وفي المحادثات الثنائية مع ترمب، من المتوقع أن يسلط أردوغان الضوء على تحسن العلاقات بين أنقرة وواشنطن، مع الضغط من أجل رفع العقوبات الأميركية واستئناف المشاركة في برنامج الطائرات المقاتلة من طراز «إف-35».

مَن سيحضر أيضاً؟

في أنقرة أيضاً، يُتوقع أن يلتقي وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي مع نظرائهم من البحرين والكويت وقطر والإمارات ​وأن يقيموا مأدبة عشاء مع وزير خارجية أوكرانيا ومسؤولة ​السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس. ومن المقرر أيضاً أن يعقد وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي محادثات مع وزراء من أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


البابا يشيد بالمهاجرين «الذين بنوا الولايات المتحدة» في يوم استقلال أميركا

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
TT

البابا يشيد بالمهاجرين «الذين بنوا الولايات المتحدة» في يوم استقلال أميركا

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)

معروف أنَّ دبلوماسية الفاتيكان هي الأعرق في العالم، وليس من باب الصدف، أنَّ البابا ليو الرابع عشر، اختار الرابع من يوليو (تموز)، يوم العيد الوطني الأميركي والاحتفالات الضخمة التي ينظِّمها دونالد ترمب بمناسبة مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، ليمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا؛ ليحيي قداساً بين المهاجرين، ويضع إكليلاً من الزهور على ضريح طفل أفريقي قضى في الثانية من عمره مع أسرته التي كانت تحاول عبور البحر إلى أوروبا.

صورة مركَّبة لبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وقبل أن يغادر روما صباح السبت، كان البابا قد وجَّه رسالةً بالفيديو إلى «المركز الوطني الدستوري» في فيلادلفيا، الذي منحه ميدالية الحرية، جاء فيها: «المجد لأولئك الرجال والنساء الشجعان الذين كانوا يحلمون بالحرية وبحياة أفضل لهم ولأبنائهم».

وتأتي هذه التصريحات لأول بابا أميركي في التاريخ، بعد أيام على صدور قرار المحكمة العليا الأميركية الذي يكبح محاولة ترمب إلغاء حق الحصول على الجنسية لكل الذين يشهدون النور على الأراضي الأميركية، والذي يُشكِّل إحدى الدعائم الأساسية في تاريخ الولايات المتحدة.

وذكّر روبرت فرنسيس بريفوست (اسم البابا عند الولادة في 14 سبتمبر/ أيلول 1955)، بفقرة من إعلان استقلال الولايات المتحدة جاء فيها: «كل الرجال والنساء يولدون متساوين بنعمة الخالق الذي يمنحهم حقوقاً ثابتة، منها الحق في الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة». ثم أضاف: «تلك الرؤية السامية جعلت من الولايات المتحدة مرادفاً للحرية، إذ فتحت الأبواب أمام موجات متتالية من المهاجرين، وسمحت لهم ولأولادهم بأن يلعبوا دوراً أساسياً في بناء مستقبل الأمة».

بارك البابا لوحةً تذكاريةً تكريماً لسلفه البابا فرنسيس بنقطة وصول رئيسية للمهاجرين في البحر المتوسط (إ.ب.أ)

وكان ليو الرابع عشر، المولود في شيكاغو من أبوين مهاجرَين، قد نأى بنفسه بعيداً عن دونالد ترمب، عندما رفض دعوة البيت الأبيض لزيارة الولايات المتحدة هذه السنة بمناسبة احتفالات مرور 250 سنة على الاستقلال الأميركي، وقرَّر تمضية هذا اليوم في الجزيرة التي أصبحت رمزاً لمأساة المهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط إلى أوروبا.

وفي لامبيدوسا، قال البابا: «إن العظمة الأخلاقية للأمم تُقاس، قبل أي شيء، بقدرتها على مساندة وحماية وتقدير حياة كل أبنائها، خصوصاً منهم الضعفاء، والذين تدور شكوك حول قيمتهم بوصفهم بشراً».

وضع البابا إكليلاً من الزهور في مدفن يضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية وزار «بوابة أوروبا» وهو نصب تذكاري مخصص للضحايا (رويترز)

وأضاف: «الحرية الحقيقية أعمق بكثير من التَّصرُّف وفقاً لمشيئتنا، فهي تقوم على قدرتنا على معرفة الحقيقة، والتزام الخير مهما كان الثمن باهظاً».

ومن غير أن يسمّي الرئيس الأميركي قال: «يعرف الأميركيون جيداً أنَّ الطريق إلى بناء مجتمع يجسِّد قيم الحرية والعدالة السامية للجميع، لم يكن سهلاً أبداً، وهذه معركة تنتقل من جيل إلى آخر، على أمل أن تبقى الولايات المتحدة دائماً وفيّة للحلم الذي منحها لقب أرض الأحرار وموئل الشجعان». وذكّر البابا ليو الرابع عشر أيضاً بالحرية الدينية التي كانت دائماً من السمات المُميِّزة للمجتمع الأميركي. وأعرب عن أمله بأن يبقى هذا التقليد حياً ومثمراً للأجيال المقبلة.

يلقي موعظته خلال زيارته الجزيرة الإيطالية (إ.ب.أ)

وخلال زيارته إلى الجزيرة الإيطالية في البحر المتوسط، بارك البابا لوحةً تذكاريةً، تكريماً لسلفه البابا فرنسيس، الذي سيُطلَق اسمه فصاعداً على نقطة وصول رئيسية للمهاجرين في البحر المتوسط. وسيُطلَق على هذه النقطة، التي كانت تُعرَف سابقاً باسم «مولو فافالورو»، الآن «مولو بابا فرنسيسكو». وتهدف تلك الخطوة إلى إحياء ذكرى التزام البابا الراحل تجاه اللاجئين.

وندَّد البابا بالإجراءات الرامية إلى قمع الهجرة غير القانونية. ووصف معاملة الإدارة الأميركية للمهاجرين بأنَّها «غير إنسانية». وحضَّ المهاجرين على الاندماج من خلال تعلم لغة البلد المستضيف، واحترام قوانينه، والتَّعرُّف إلى عاداته وتقاليده.

وحثَّ البابا أوروبا على معالجة مشكلة ⁠الهجرة «بشكل شامل من خلال دمج ‌جهود الإغاثة الفورية ‌في خطة استراتيجية طويلة الأمد قادرة ​على استقبال المهاجرين وحمايتهم ‌ودعمهم وإدماجهم». وناشد أيضاً القادة الأوروبيين المساعدة في ‌تحسين الأوضاع في بلدان المهاجرين الأصلية حتى يقل عدد الذين يشعرون بأنَّهم مضطرون إلى المغادرة.

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ويحيي قداساً فيها (إ.ب.أ)

ورأى الناطق باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو أونغارو، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «وجود البابا ليو الرابع عشر يُشكِّل رسالةً واضحةً في زمن يتركَّز فيه النقاش السياسي العالمي حول الهجرة أكثر فأكثر على الحدود وسياسات المنع، بدلاً من الحماية وتقاسم المسؤولية».

وجزيرة لامبيدوسا هي ثاني وجهة أوروبية للهجرة. ويُعدُّ عبور وسط البحر الأبيض المتوسط من شمال أفريقيا أخطر مسار للهجرة في العالم، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

وتقع لامبيدوسا بين صقلية وتونس على بعد 145 كيلومتراً من السواحل التونسية، وتعدُّ الجزيرة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 6000 نسمة، منذ زمن طويل من المراكز الرئيسية للمهاجرين الذين يسافرون من أفريقيا إلى أوروبا. وقد تحوَّلت إلى أحد أبرز رموز أزمة الهجرة في أوروبا.

‌وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والبابا ليو الرابع عشر في الفاتيكان (الفاتيكان)

وفي عام 2025، لقي نحو 1330 شخصاً حتفهم أو فُقدوا خلال محاولتهم عبور هذا المسار، بحسب تقارير للمنظمة. يُراقب هذا المسار عدد قليل من السفن التابعة لمنظمات إنسانية تتّهم الاتحاد الأوروبي بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات لمنع تسجيل حوادث غرق سفن.

وقال البابا في عظته في الجزيرة: «إن أوروبا قادرة (...) على معالجة الأزمة بشكل متكامل، عبر إدراج عمليات الإغاثة الأولية ضمن خطة استراتيجية طويلة الأمد، وقادرة على الترحيب بالمهاجرين وحمايتهم ودمجهم، مع العمل في الوقت نفسه على التنمية، حتى لا يضطر أحد للهجرة».

وندَّد بـ«اللامبالاة تجاه الصالح العام، والفساد في البلدان الأصلية للمهاجرين، والنظام الاقتصادي العالمي الذي يولد الفقر والإقصاء، والخوف الذي يغذي الأحكام المسبقة والازدراء (...) والحسابات الإجرامية لمَن يستفيدون من مأساة الآخرين».

البابا ليو الرابع عشر رئيس الكنيسة الكاثوليكية (رويترز)

وقبل عظته، وضع البابا إكليلاً من الزهور في مدفن يضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية، وزار «بوابة أوروبا»، وهو نصب تذكاري مخصص للضحايا، حيث وقف وحيداً على صخرة تواجه البحر، وعباءته ترفرف بفعل الرياح.

وجعل البابا من الدفاع عن المهاجرين موضوعاً أساسياً في حبريته، يركّز عليه تكراراً على غرار ما فعل خلال زيارته أرخبيل جزر الكناري الإسباني الشهر الماضي، شاكراً مَن يمدّون يد العون للمعوزين الذين يتركون بلدانهم، ومندداً بعمليات الترحيل الجماعي في بلده، الولايات المتحدة.


«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
TT

«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تصاعد الكلام عن أفول الشراكة عبر الأطلسي؛ بل ذهب بعض المحللين إلى حد الجزم بأن حلف شمال الأطلسي دخل مرحلة التراجع التاريخي. إلا أن الوقائع تشير إلى مسار مختلف؛ فالحلف لا ينهار بقدر ما يعيد تعريف قواعد العلاقة بين ضفتي الأطلسي، في ظل انتقال تدريجي من نموذج اعتمد لعقود على القيادة الأميركية، إلى نموذج يقوم على توزيع أكبر للأعباء والمسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وطوال أكثر من 70 عاماً، شكّلت المظلة الأمنية الأميركية حجر الأساس في الدفاع الأوروبي عبر حلف شمال الأطلسي (ناتو). لكن التحولات الدولية، وتبدل أولويات واشنطن، وتصاعد المنافسة مع الصين، دفعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى مطالبة الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية أمنهم. صحيح أن ترمب عبّر عن هذه المطالب بصوت مرتفع، إلا أن جذور الموقف الأميركي تعود إلى سنوات سابقة، عندما بدأت الولايات المتحدة توجيه اهتمامها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معتبرة أن التحدي الصيني يمثل أولويتها الاستراتيجية الأولى.

جنديان نرويجيان خلال تدريب مشترك مع قوات بحرية أميركية قبالة ساحل ولاية نورث كارولاينا الأميركية (رويترز)

في المقابل، تختلف نظرة الأوروبيين إلى مصادر التهديد؛ فبالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية، لا تزال روسيا الخطر المباشر على الأمن القاري، وهو ما كرسته الحرب في أوكرانيا التي أعادت الدفاع الجماعي إلى الصدارة. أما واشنطن، فترى أن المنافسة مع الصين ستحدد شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة، حتى إن بقيت ملتزمة بالدفاع عن أوروبا.

* «الناتو» وقدرة الدول الأعضاء على التكيّف

إلا أن هذا التباين في ترتيب الأولويات لا يعني انهيار التحالف؛ بل يفرض إعادة صَوغ العلاقة على أسس أكثر واقعية، فـ«الناتو» لم يقم يوماً على تطابق كامل في الرؤى السياسية، وإنما على وجود مصالح أمنية مشتركة وشعور بوجود تهديدات تستدعي العمل الجماعي. لذلك، فإن استمرار الحلف يعتمد اليوم على قدرة أعضائه على التكيف مع بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، وليس على العودة إلى نموذج ما بعد الحرب الباردة.

وقد دفعت هذه البيئة الجديدة، الدول الأوروبية، إلى خطوات غير مسبوقة في مجال الإنفاق العسكري؛ فبعد سنوات من الانتقادات الأميركية بشأن غياب الإنصاف في تقاسم الأعباء، رفعت غالبية الدول الأعضاء موازناتها الدفاعية بصورة كبيرة، بينما شرعت دول مثل ألمانيا في مراجعة سياساتها التقليدية تجاه الإنفاق العسكري، في حين تواصل بولندا ودول الجناح الشرقي التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، الاستثمار بكثافة في تعزيز قدراتها الدفاعية خوفاً من روسيا.

ويعكس هذا التحول إدراكاً أوروبياً متزايداً لواقع أن أمن القارة لم يعد من الممكن أن يبقى معتمداً كلياً على الضمانات الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في البيت الأبيض يوم 26 يونيو (حزيران) الماضي (رويترز)

ولا تقتصر عملية إعادة التفاوض على الجانب العسكري؛ بل تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية، فالاستثمارات المتبادلة بين الولايات المتحدة وأوروبا لا تزال من الأكبر عالمياً، كما أن الصناعات الدفاعية الأميركية ترى في خطط التسلح الأوروبية فرصاً اقتصادية هائلة؛ ففرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متكاملة نسبياً، بينما يعتمد معظم الدول الأوروبية الأخرى بدرجات متفاوتة على استيراد الأسلحة والتقنيات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، يسعى الأوروبيون إلى تعزيز استقلالهم الصناعي والتكنولوجي من دون التخلي عن التحالف مع واشنطن، في معادلة دقيقة تجمع بين الاستقلال الاستراتيجي واستمرار الشراكة.

*قمة «الناتو» في أنقرة

من هنا، تبدو قمة «الناتو» المرتقبة في أنقرة أكثر من مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف؛ إذ تمثل محطة لاختبار قدرة الطرفين على بلورة صيغة جديدة للعلاقة الأطلسية، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل الضامن الوحيد لأمن أوروبا؛ بل كيف يمكن للطرفين بناء شراكة أكثر توازناً؟

وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها إحدى أكثر الدول تأثيراً وإثارة للجدل داخل الحلف؛ فمن الناحية العسكرية، تمتلك ثاني أكبر جيش في «الناتو»، ويمنحها موقعها الجغرافي قدرة استثنائية على الربط بين البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز. ومع تصاعد التوتر مع روسيا واستمرار الاضطرابات في جوار أوروبا الجنوبي، تزداد أهمية هذه المزايا بالنسبة إلى الحلف.

لكن هذه القيمة الاستراتيجية تقابلها تحديات سياسية معقدة؛ فقد شهدت السنوات الماضية خلافات متكررة بين تركيا وعدد من حلفائها بشأن منظومة الصواريخ الروسية «إس-400»، والدور التركي في سوريا، والعلاقات مع اليونان وقبرص، إضافة إلى استخدام أنقرة آليات الإجماع داخل الحلف للدفاع عن أولوياتها الأمنية. لذلك، ينظر كثير من الحلفاء إلى تركيا باعتبارها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه ليس شريكاً سهلاً.

دورية للشرطة في أنقرة التي تستعد لاستضافة قمة أطلسية (رويترز)

ورغم ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن أهمية تركيا ترتفع كلما ازدادت الأخطار الأمنية التي تواجه أوروبا؛ ففي أوقات الأزمات، تعود الجغرافيا والقدرات العسكرية لتتقدم على الخلافات السياسية، بينما تتصدر هذه الخلافات المشهد عندما تتراجع مستويات التهديد. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجعت قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في تحمل العبء الأمني الأوروبي بمفردها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام «الناتو» لا يتمثل في الحفاظ على شكله التقليدي؛ بل في «كتابة» صيغة جديدة لآليات عمله بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة، فنجاح الحلف سيقاس بقدرته على تحقيق توازن بين دور أوروبي أكثر استقلالية، واستمرار الالتزام الأميركي، والاستفادة من القدرات الاستراتيجية لدول محورية مثل تركيا، رغم استمرار الخلافات السياسية معها.

وعليه، فإن الحديث عن نهاية الشراكة الأطلسية يبدو سابقاً لأوانه، فما يجري اليوم ليس انهياراً للنظام الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بل عملية إعادة توزيع للأدوار داخل الحلف، تفرضها التحولات الدولية وتغير أولويات القوى الكبرى. وقد تكون قمة أنقرة واحدة من أبرز المحطات التي ستكشف ما إذا كان «الناتو» قادراً على تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى نموذج أكثر توازناً وفاعلية في مواجهة تحديات العقد المقبل.