جان جاك روسو.. مدشن العصور الحديثة

كتاب فرنسي جديد يتناول سيرته وتركيبته الفرنسية المعقدة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

جان جاك روسو.. مدشن العصور الحديثة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

هذا الكتاب الضخم من تأليف برنار كوتريه وزوجته مونيك كوتريه وكلاهما أستاذ كبير في الجامعات الفرنسية. ومن اللافت أن البروفسور كوتريه أنجز دراساته الثانوية في مدرسة ديكارت الشهيرة في حي أكدال بالرباط، وذلك قبل أن ينتقل إلى باريس ويكمل دراساته الجامعية، ويصبح بدوره أستاذا ويرتقي إلى أعلى المناصب، وقد اشتهر بكتابة سير العظماء من أمثال توماس مور، وكالفن، وجان جاك روسو.. إلخ، ونال على مؤلفاته هذه جوائز الأكاديمية الفرنسية وسواها.
وفي هذا الكتاب يسرد المؤلفان سيرة حياة روسو، ويركزان على دراسة التركيبة النفسية المعقدة لأكبر كاتب فرنسي في العصور الحديثة، فالرجل كان غريب الأطوار بسبب الحياة الصعبة وغير الطبيعية التي عاشها منذ طفولته، وكان مليئا بالتناقضات، لأنه عانى من الفقر والجوع والحالة غير المستقرة في سنوات حياته الأولى، فأمه ماتت أثناء ولادته بالضبط، ولذلك قال فيما بعد عبارته الشهيرة: «كانت أولى جرائمي أني كلّفت أمي حياتها»! ثم بعد ذلك تزوج والده وتخلى عنه وهو في الـ10 من عمره لكي يدبر أمور نفسه بنفسه. الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون.
فاشتغل عند أحد الصنّاع في الحي الشعبي من مدينة جنيف، ولكنه في أحد الأيام هرب من المدينة وهام على وجهه في البراري والحقول بسبب نزعته الرومانطيقية أو بسبب بذرة الجنون العبقري الموجودة في داخله، وهي بذرة تدفعه إلى حب المغامرات. والواقع أنه كان يلعب مع ابن خاله خارج المدينة عندما خيم الليل، وعندما عادا إليها فوجئا بأنها أقفلت أبوابها وأسوارها.
ينبغي العلم بأن المدن الأوروبية في القرون الماضية كانت تقفل أبوابها ليلا مثلما يقفل الإنسان باب بيته، وقد ظل ابن خاله رابضا على الأسوار ينتظر بفارغ الصبر طلوع الفجر كي يدخل ويعود إلى بيت أهله، أما جان جاك روسو فلم ينتظر، ووجدها فرصة سانحة لكي يهرب في البراري المحيطة، وهي من أجمل المناطق الواقعة بين سويسرا وفرنسا، إنها جنة الله على الأرض.
ثم قال روسو بينه وبين نفسه: «ابن خالي يعود إلى بيت دافئ وأم تنتظره ووالد يهتم به، أما أنا فإلى أي شيء أعود؟ ليس لي بيت ولا أم ولا أب ولا شيء على الإطلاق»، وهذا ما دفعه إلى المغامرة والهرب من جنيف نهائيا، وكانت مغامرة خطرة وغير مضمونة العواقب، لأنه كان يمكن لأي شخص أن يقتله أو يمكن لأي وحش أن يفترسه دون أن يسأل عنه أحد، ولكن ما كان أحد يعرف أن هذه المغامرة الجنونية سوف تجعل منه لاحقا أكبر كاتب ومفكر في العصور الحديثة.
فالرجل تصنعه المعاناة ومرارات الحياة وتصاريفها وأهوالها، وليس السهولة ولا رغد العيش، ثم شاءت الصدفة أن يقوده الحظ إلى بيت تلك المرأة التي ستصبح «أمه» بالفعل وتعوض له ما فات من حرمان الأمومة والعواطف الإنسانية، وهي سيدة تدعى مدام دوفارين، وكانت مكلّفة رسميا من قبل ملك تلك البلاد بتحويل أبناء البروتستانتيين عن مذهبهم لكي يعتنقوا المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني.
وكان البابا يعد المذهب البروتستانتي بمثابة الهرطقة الكاملة والخروج عن المسيحية الحقة والطريق المستقيم. وعندما رآها روسو لأول مرة وكانت في عزّ شبابها وجمالها قال بينه وبين نفسه: «إن مذهبا يعتنقه أمثالها سوف يقود حتما إلى الجنة»! وهكذا قبل بتغيير مذهبه واعتناق مذهب أعدائه أو أعداء آبائه وأجداده لكي يستطيع أن يعيش، أن يبقى على قيد الحياة بكل بساطة، ثم لكي يظل بالقرب من هذه المرأة الجميلة الفاتنة (مدام دوفارين)، وكان قد بلغ الـ16 أي في بداية مراهقته.
وقد خلّدها فيما بعد في كتاب «الاعترافات» الشهير عندما قدم عنها لوحة تذكارية أو صورة شخصية (بورتريه) يبلى الزمن ولا تبلى، وقد قرأت تلك المقاطع مرات ومرات دون أن أشبع منها، وبكاها بكاء مرا عندما ماتت ومرّغ وجهه بتراب قبرها، وعلى طول الكتاب كان يدعوها: «ماما»، فتدعوه هي: «صغيري». حقا لقد حلّت تماما محل أمه التي شاء القدر ألا يعرفها قط، لأنها ماتت أثناء ولادته أو بسبب هذه الولادة العسيرة كما ذكرنا.
ثم يردف المؤلف قائلا: «ولكن ينبغي ألا نستبق الأمور، فهي لم تمت فورا، وإنما بعد سنوات طويلة، بعد أن أطعمته وربته وعلمته ما لم يعلم. في الواقع أنه أصبح عشيقها! ويصف أول ليلة معها وصفا أذهل معظم النقاد. ثم بعد ذلك تركها وذهب إلى باريس بحثا عن الرزق والنجاح في الحياة، وأصبح كاتبا شهيرا يملأ اسمه الدنيا، وقد فوجئت عندما سمعت بأنه أصبح شخصا مهما ووصل إلى قمة المجد، لأنها كانت تعرف كل نقاط ضعفه، وربما استغربت أن يصل شخص مثله إلى هذه المكانة. وهذا ما يحصل عادة لنا جميعا لأننا نستغرب الشهرة على من نعرفهم، ونفهمها إذا كانت من حظ الأباعد الذين لم نرهم عن كثب».
مهما يكن من أمر فإن هذا الشاب الفقير بعد أن ملّ من حياة الرتابة في ظل الأقاليم البعيدة عن المركز راح يبحث عن حظه في العاصمة باريس، ومعلوم أن كل مثقفي الأرياف أو المحافظات كانوا يعرفون أنهم لن يصلوا أبدا إلى الشهرة إلا إذا ذهبوا إلى باريس واستقروا فيها ولو لفترة، وهذا ما كان يفعله المثقفون العرب عندما كانوا يذهبون إلى بيروت، أما الآن فيذهبون إلى الإمارات أو البحرين أو الخليج عموما، هذا ناهيك عن المغرب: عراقة التاريخ وملتقى الحضارات!
ولكن في باريس ابتدأت حياة الشقاء والعناء لجان جاك روسو، فقد كان مجهولا، مغمورا، لا يعرفه أحد، وفي ذلك الوقت إذا لم تكن غنيا أو أرستقراطيا ابن عائلة، فإن حظك في النجاح أو الصعود الاجتماعي يكون صفرا أو يشبه الصفر، وهنا تكمن عبقرية جان جاك روسو، فقد استطاع أن يقفز دفعة واحدة من الحضيض إلى القمة على الرغم من أن كل شيء كان ضده، ولذلك تنطبق عليه كلمة نيتشه: «وحدها العبقريات تخترق الظروف»!
ثم يردف الكاتب قائلا: «ولكن ذلك لم يحصل فورا، وإنما بعد سنوات كثيرة من المعاناة والانتظار والترقب، وفي أثناء ذلك كان قد تعرف على خادمة تغسل الثياب في الفندق فارتبط بها، واسمها تيريز لوفاسير، وكانت فتاة بسيطة، أمية، لا تعرف القراءة والكتابة، وبالتالي فلا يمكن أن تتكبّر عليه، وإنما تقبل به على علاته، وقد كان مريضا من الناحيتين؛ الجسدية والنفسية، كان مريضا بالعصر ككل النوابغ».
ثم تعرف على المشاغب الكبير ديدرو الذي كان يبحث عن الشهرة مثله في باريس، وأصبحا صديقين حميمين لا يفترقان، وكانا يشتغلان في الترجمة والخدمة في بيوت الأغنياء لكي يستطيعا دفع أجرة الغرفة وإكمال الشهر بصعوبة بالغة.
من كان يعرف آنذاك أنهما سيصبحان بالإضافة إلى فولتير أكبر فلاسفة العصر؟ كانا لا يزالان في البدايات أو بداية البدايات، ولكن كان واضحا أن ديدرو رجل اجتماعي من الطراز الأول، ويحب مخالطة الناس، يضاف إلى ذلك أنه كان متحدثا بارعا يسيطر على عقول مستمعيه ويتلاعب بها كيفما شاء بفضل بلاغته وفصاحته وجرأته.
أما جان جاك روسو فكان شخصا انطوائيا، معقدا، يميل إلى العزلة والوحدة ويخاف من مخالطة الناس في المجتمع، وبالتالي فقد كان الرجلان يكملان بعضهما البعض ويقعان على طرفي نقيض.
ثم يقول لنا هذا الكتاب الشيق الممتع ما يلي: «وبعدئذ ابتدأت حياة روسو الفكرية والأدبية بشكل مفاجئ ومتأخر؛ أي بعد أن تجاوز الـ38 من العمر واقترب من الـ40. وقد ابتدأت بطريقة غير معهودة، طريقة تذكرنا بالوحي الصاعق الذي ينزل على الأنبياء، فقد كان ذاهبا لزيارة صديقه ديدرو المسجون في قلعة فانسين بسبب آرائه الجريئة بل والمتهورة عن الدين». ومعلوم أن كهنة المسيحية آنذاك كانوا لا يقلون خطورة عن مشايخنا اليوم. كانوا يستطيعون تكفيرك في أي لحظة بل والدعوة إلى اغتيالك إذا لم ترق لهم كتاباتك وأفكارك.
كيف حصلت القصة؟ كان يحمل معه جريدة لكي يتسلّى بها أثناء الطريق، وفجأة يقع بصره على السؤال التالي الذي طرحته أكاديمية «ديجون» كمسابقة للهواة: هل تقدّم الصناعات والعلوم والفنون في عصرنا أدّى إلى تهذيب الأخلاق أم إفسادها؟ وما إن قرأ روسو نص السؤال حتى وقع مغشيا عليه تحت شجرة، لقد انبطح على الأرض بكل قامته وجسمه وغاب عن الوعي للحظات، وعندما استفاق وجد أنه سفح الدموع بغزارة أثناء الغيبوبة حتى بللت كل صدره وقميصه. كم كان محتقنا جان جاك روسو! وفجأة يفجر الإلهام الصاعق كل احتقاناته.
وعرف أنه أصبح شخصا آخر بدءا من تلك اللحظة، عرف أنه وصل إلى الحقيقة التي كان يبحث عنها منذ سنوات وسنوات بشكل واع أو غير واع دون أن يجدها، لقد تجلت الحقيقة لجان جاك روسو في ذلك اليوم المشهود على طريق غابة فانسين؛ من حيث لا يتوقع، لقد كشفت عن وجهها الساطع كنور الشمس فحررت عقدة في نفسه، وعرف عندئذ أنه سيكون «نبي العصور الحديثة»، الشيء الذي ما كان يعرفه هو أن طريق المصاعب قد ابتدأ وأن الخطر الأعظم أصبح منه قاب قوسين أو أدنى، ولكن العناية الإلهية التي كانت ترفرف فوق رأسه حمته من الاغتيال والتصفية الجسدية أكثر من مرة، لقد اكتشف تلك الحقيقة المرعبة؛ وهي أن التقدم العلمي أو المادي أو التكنولوجي لحضارة ما، لا يرافقه بالضرورة تقدم أخلاقي أو إنساني على نفس المستوى، لا توجد علاقة أوتوماتيكية بين الشيئين على عكس ما نتوهم. وقد صفع عصره بهذا الكشف صفعا. آه ما أعظم تلك الخيبات والمرارات!
وهكذا اكتشف مشكلة العصر في عزّ عصر التنوير الكبير. وبينما حل عقدته الشخصية راح يحل عقدة العصر كله، وكتب بحثا وأرسله إلى الأكاديمية التي طرحت السؤال، ثم نسي الموضوع تماما حتى فوجئ بأنه نال الجائزة من بين كل المتسابقين، وعندئذ أصبح مشهورا بين عشية وضحاها. ثم توالت كتبه الرائعة الواحدة بعد الأخرى، كـ«مقال عن أصل اللامساواة والظلم بين البشر»، وكـ«العقد الاجتماعي»، و«إميل أو في التربية»، وروايته الشهيرة «هيلويز الجديدة».. وهكذا، وخلال بضع سنوات فقط، صبّ على الورق كل ما في أحشائه، وأصبح أشهر كاتب في عصره بالإضافة إلى فولتير. لقد شخص مرض العصر في العمق بل ووجد الحلول. طبيب يداوي الناس وهو عليل! أكبر مريض في العصر يحل مشكلة العصر!
ولكن مشكلاته ابتدأت من تلك اللحظة كما قلنا، والشهرة تجر المشكلات، فقد وقع بين فكي كماشة ولم يعد يستطيع فكاكا منهما؛ الفك الأول يتمثل بغضب الطبقة الأرستقراطية الحاكمة عليه، لأنه أعطى كل الحقوق والسيادة للشعب، وتنبأ بانهيار النظام الملكي القديم لفرنسا، وكذلك انهيار نظام الامتيازات الإقطاعية والعائلية، وساهم بذلك في بلورة النظرية الديمقراطية الحديثة. والفك الثاني يتمثل في أصدقائه من فلاسفة التنوير الذين حقدوا عليه، لأنه كان يجامل المتدينين أكثر مما يجب، في نظرهم، ولأنه اشتهر أكثر مما يجب. ولا ينبغي أن ننسى فئة ثالثة خطيرة جدا وهي التي حاولت اغتياله؛ قصدت فئة اليسوعيين والأصوليين البابويين، فهؤلاء لم يغفروا له نظريته الشهيرة عن الدين، وهي نظرية تفكيكية؛ أي تحريرية رائعة، لقد فككت كل العقائد الدوغمائية المتحجرة، وأطاحت بها في جرأة جنونية لا تكاد تصدق. كم أتمنى لو يتاح لي الوقت الكافي يوما ما للتحدث عنها. إنها باختصار شديد تستبقي جوهر الدين فقط، وتطرح قشوره المتكلسة المتحنطة، وما أكثرها، وقد كانت سابقة لزمانها بنصف قرن.
لقد حوصر إذن جان جاك روسو من قبل الأصولية الكاثوليكية الرهيبة؛ أي أصولية الأغلبية، ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك، وإنما حاصرته أيضا أصولية الأقلية التي ينتمي إليها؛ من حيث المنشأ والولادة؛ أي الأصولية البروتستانتية، كلتاهما لعنته وكفرته على الرغم من أنهما متعاديتان عداء مطلقا، وهكذا أصبحوا يحرقون كتبه في كل العواصم من باريس إلى بيرن إلى جنيف إلى أمستردام.. وراحوا يلاحقونه من مكان إلى مكان حتى أقضوا مضجعه، ولم يتركوه يهدأ على حال، ومن كثرة الملاحقات وضراوتها راح يشك في كل شيء تقريبا، وأحيانا بأقرب المقربين إليه، وعندئذ اتهموه بالمرض العقلي أو الجنون، وراحوا يشيعون الإشاعات عنه لكي يزعزعوا استقراره النفسي أكثر فأكثر. وأصبح يرى الجواسيس في كل مكان، ودخل في نوع من الهذيان، وبالتالي فلا يمكن فصل عبقريته عن جنونه، كما يرى المؤلف أو المؤلفان.
ولكن كل التربية الأوروبية الحديثة، بل كل السياسة الديمقراطية، هما من بنات أفكاره، ألا يكفيه ذلك فخرا؟ ولذلك قال غوته في عبارة شهيرة: «فولتير أغلق عصره، ولكن جان جاك روسو دشن العصر الآخر»!



العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه
TT

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

هيغل

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

غوته

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

نسب هيغل للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

كانط

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

* كاتب سعودي


«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة
TT

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر، نفعية منافقة، تخدع نفسها بالمظاهر كما تخدع سواها، رغبةً منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه.

تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المسافر بلا متاع» للكاتب الفرنسي جان آنوى، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المصري البارز الدكتور أنور لوقا (1927 - 2003)، والتي صدرت أخيراً منها طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي».

تتكشف حقيقة السيدة ديفور حين نعرف أنها لم تصطحب الفتى جاستون، الذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية من أسرة إلى أسرة، لمجرد إعادته إلى أحضان أهله رحمةً به ورحمةً بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة.

ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بمصالح جاستون، ورفضت دون نقاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تأتي به إلى «آل رينو» أصحاب هذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم.

أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الدار بأي شيء. عبثاً يتصفح وجوه الحاضرين الذين أسرعوا للقائه بلهفة المشتاقين وهم أمه وأخوه وزوجة أخيه، وعبثاً يطوف في أركان المنزل والحديقة، فالجميع هنا من سادة وخدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلى الشك في شخصيته، وها هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم.

وحسب أنور لوقا، استوحى جان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جاستون هو الآخر فاقداً للذاكرة، ولكن سيغفريد وإن كان ضحية نفس المرض نفسه، إلا أنه طراز آخر من الرجال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنوى عادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب.

وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى صدارة المشهد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مع تقديم شخصيات شديدة الحنين إلى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضاع الواقع آنذاك القائمة على الإثم والرذيلة.

وُلد جان آنوى في مدينة بوردو بفرنسا في 23 يونيو (حزيران) سنة 1910 وهو ينتمي إلى عائلة متواضعة، إذ كان أبوه خياطاً وكانت أمه تشتغل بعزف الكمنجة، ولهذه النشأة يرجع دون شكٍّ ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق إلا أنه اضطر إلى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان.

وفي «المسافر بلا متاع» تتجلى براعة الصياغة المسرحية لدى آنوى، كما تؤدي وحدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق التأثير، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثراً ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ.


«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،