جان جاك روسو.. مدشن العصور الحديثة

كتاب فرنسي جديد يتناول سيرته وتركيبته الفرنسية المعقدة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

جان جاك روسو.. مدشن العصور الحديثة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

هذا الكتاب الضخم من تأليف برنار كوتريه وزوجته مونيك كوتريه وكلاهما أستاذ كبير في الجامعات الفرنسية. ومن اللافت أن البروفسور كوتريه أنجز دراساته الثانوية في مدرسة ديكارت الشهيرة في حي أكدال بالرباط، وذلك قبل أن ينتقل إلى باريس ويكمل دراساته الجامعية، ويصبح بدوره أستاذا ويرتقي إلى أعلى المناصب، وقد اشتهر بكتابة سير العظماء من أمثال توماس مور، وكالفن، وجان جاك روسو.. إلخ، ونال على مؤلفاته هذه جوائز الأكاديمية الفرنسية وسواها.
وفي هذا الكتاب يسرد المؤلفان سيرة حياة روسو، ويركزان على دراسة التركيبة النفسية المعقدة لأكبر كاتب فرنسي في العصور الحديثة، فالرجل كان غريب الأطوار بسبب الحياة الصعبة وغير الطبيعية التي عاشها منذ طفولته، وكان مليئا بالتناقضات، لأنه عانى من الفقر والجوع والحالة غير المستقرة في سنوات حياته الأولى، فأمه ماتت أثناء ولادته بالضبط، ولذلك قال فيما بعد عبارته الشهيرة: «كانت أولى جرائمي أني كلّفت أمي حياتها»! ثم بعد ذلك تزوج والده وتخلى عنه وهو في الـ10 من عمره لكي يدبر أمور نفسه بنفسه. الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون.
فاشتغل عند أحد الصنّاع في الحي الشعبي من مدينة جنيف، ولكنه في أحد الأيام هرب من المدينة وهام على وجهه في البراري والحقول بسبب نزعته الرومانطيقية أو بسبب بذرة الجنون العبقري الموجودة في داخله، وهي بذرة تدفعه إلى حب المغامرات. والواقع أنه كان يلعب مع ابن خاله خارج المدينة عندما خيم الليل، وعندما عادا إليها فوجئا بأنها أقفلت أبوابها وأسوارها.
ينبغي العلم بأن المدن الأوروبية في القرون الماضية كانت تقفل أبوابها ليلا مثلما يقفل الإنسان باب بيته، وقد ظل ابن خاله رابضا على الأسوار ينتظر بفارغ الصبر طلوع الفجر كي يدخل ويعود إلى بيت أهله، أما جان جاك روسو فلم ينتظر، ووجدها فرصة سانحة لكي يهرب في البراري المحيطة، وهي من أجمل المناطق الواقعة بين سويسرا وفرنسا، إنها جنة الله على الأرض.
ثم قال روسو بينه وبين نفسه: «ابن خالي يعود إلى بيت دافئ وأم تنتظره ووالد يهتم به، أما أنا فإلى أي شيء أعود؟ ليس لي بيت ولا أم ولا أب ولا شيء على الإطلاق»، وهذا ما دفعه إلى المغامرة والهرب من جنيف نهائيا، وكانت مغامرة خطرة وغير مضمونة العواقب، لأنه كان يمكن لأي شخص أن يقتله أو يمكن لأي وحش أن يفترسه دون أن يسأل عنه أحد، ولكن ما كان أحد يعرف أن هذه المغامرة الجنونية سوف تجعل منه لاحقا أكبر كاتب ومفكر في العصور الحديثة.
فالرجل تصنعه المعاناة ومرارات الحياة وتصاريفها وأهوالها، وليس السهولة ولا رغد العيش، ثم شاءت الصدفة أن يقوده الحظ إلى بيت تلك المرأة التي ستصبح «أمه» بالفعل وتعوض له ما فات من حرمان الأمومة والعواطف الإنسانية، وهي سيدة تدعى مدام دوفارين، وكانت مكلّفة رسميا من قبل ملك تلك البلاد بتحويل أبناء البروتستانتيين عن مذهبهم لكي يعتنقوا المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني.
وكان البابا يعد المذهب البروتستانتي بمثابة الهرطقة الكاملة والخروج عن المسيحية الحقة والطريق المستقيم. وعندما رآها روسو لأول مرة وكانت في عزّ شبابها وجمالها قال بينه وبين نفسه: «إن مذهبا يعتنقه أمثالها سوف يقود حتما إلى الجنة»! وهكذا قبل بتغيير مذهبه واعتناق مذهب أعدائه أو أعداء آبائه وأجداده لكي يستطيع أن يعيش، أن يبقى على قيد الحياة بكل بساطة، ثم لكي يظل بالقرب من هذه المرأة الجميلة الفاتنة (مدام دوفارين)، وكان قد بلغ الـ16 أي في بداية مراهقته.
وقد خلّدها فيما بعد في كتاب «الاعترافات» الشهير عندما قدم عنها لوحة تذكارية أو صورة شخصية (بورتريه) يبلى الزمن ولا تبلى، وقد قرأت تلك المقاطع مرات ومرات دون أن أشبع منها، وبكاها بكاء مرا عندما ماتت ومرّغ وجهه بتراب قبرها، وعلى طول الكتاب كان يدعوها: «ماما»، فتدعوه هي: «صغيري». حقا لقد حلّت تماما محل أمه التي شاء القدر ألا يعرفها قط، لأنها ماتت أثناء ولادته أو بسبب هذه الولادة العسيرة كما ذكرنا.
ثم يردف المؤلف قائلا: «ولكن ينبغي ألا نستبق الأمور، فهي لم تمت فورا، وإنما بعد سنوات طويلة، بعد أن أطعمته وربته وعلمته ما لم يعلم. في الواقع أنه أصبح عشيقها! ويصف أول ليلة معها وصفا أذهل معظم النقاد. ثم بعد ذلك تركها وذهب إلى باريس بحثا عن الرزق والنجاح في الحياة، وأصبح كاتبا شهيرا يملأ اسمه الدنيا، وقد فوجئت عندما سمعت بأنه أصبح شخصا مهما ووصل إلى قمة المجد، لأنها كانت تعرف كل نقاط ضعفه، وربما استغربت أن يصل شخص مثله إلى هذه المكانة. وهذا ما يحصل عادة لنا جميعا لأننا نستغرب الشهرة على من نعرفهم، ونفهمها إذا كانت من حظ الأباعد الذين لم نرهم عن كثب».
مهما يكن من أمر فإن هذا الشاب الفقير بعد أن ملّ من حياة الرتابة في ظل الأقاليم البعيدة عن المركز راح يبحث عن حظه في العاصمة باريس، ومعلوم أن كل مثقفي الأرياف أو المحافظات كانوا يعرفون أنهم لن يصلوا أبدا إلى الشهرة إلا إذا ذهبوا إلى باريس واستقروا فيها ولو لفترة، وهذا ما كان يفعله المثقفون العرب عندما كانوا يذهبون إلى بيروت، أما الآن فيذهبون إلى الإمارات أو البحرين أو الخليج عموما، هذا ناهيك عن المغرب: عراقة التاريخ وملتقى الحضارات!
ولكن في باريس ابتدأت حياة الشقاء والعناء لجان جاك روسو، فقد كان مجهولا، مغمورا، لا يعرفه أحد، وفي ذلك الوقت إذا لم تكن غنيا أو أرستقراطيا ابن عائلة، فإن حظك في النجاح أو الصعود الاجتماعي يكون صفرا أو يشبه الصفر، وهنا تكمن عبقرية جان جاك روسو، فقد استطاع أن يقفز دفعة واحدة من الحضيض إلى القمة على الرغم من أن كل شيء كان ضده، ولذلك تنطبق عليه كلمة نيتشه: «وحدها العبقريات تخترق الظروف»!
ثم يردف الكاتب قائلا: «ولكن ذلك لم يحصل فورا، وإنما بعد سنوات كثيرة من المعاناة والانتظار والترقب، وفي أثناء ذلك كان قد تعرف على خادمة تغسل الثياب في الفندق فارتبط بها، واسمها تيريز لوفاسير، وكانت فتاة بسيطة، أمية، لا تعرف القراءة والكتابة، وبالتالي فلا يمكن أن تتكبّر عليه، وإنما تقبل به على علاته، وقد كان مريضا من الناحيتين؛ الجسدية والنفسية، كان مريضا بالعصر ككل النوابغ».
ثم تعرف على المشاغب الكبير ديدرو الذي كان يبحث عن الشهرة مثله في باريس، وأصبحا صديقين حميمين لا يفترقان، وكانا يشتغلان في الترجمة والخدمة في بيوت الأغنياء لكي يستطيعا دفع أجرة الغرفة وإكمال الشهر بصعوبة بالغة.
من كان يعرف آنذاك أنهما سيصبحان بالإضافة إلى فولتير أكبر فلاسفة العصر؟ كانا لا يزالان في البدايات أو بداية البدايات، ولكن كان واضحا أن ديدرو رجل اجتماعي من الطراز الأول، ويحب مخالطة الناس، يضاف إلى ذلك أنه كان متحدثا بارعا يسيطر على عقول مستمعيه ويتلاعب بها كيفما شاء بفضل بلاغته وفصاحته وجرأته.
أما جان جاك روسو فكان شخصا انطوائيا، معقدا، يميل إلى العزلة والوحدة ويخاف من مخالطة الناس في المجتمع، وبالتالي فقد كان الرجلان يكملان بعضهما البعض ويقعان على طرفي نقيض.
ثم يقول لنا هذا الكتاب الشيق الممتع ما يلي: «وبعدئذ ابتدأت حياة روسو الفكرية والأدبية بشكل مفاجئ ومتأخر؛ أي بعد أن تجاوز الـ38 من العمر واقترب من الـ40. وقد ابتدأت بطريقة غير معهودة، طريقة تذكرنا بالوحي الصاعق الذي ينزل على الأنبياء، فقد كان ذاهبا لزيارة صديقه ديدرو المسجون في قلعة فانسين بسبب آرائه الجريئة بل والمتهورة عن الدين». ومعلوم أن كهنة المسيحية آنذاك كانوا لا يقلون خطورة عن مشايخنا اليوم. كانوا يستطيعون تكفيرك في أي لحظة بل والدعوة إلى اغتيالك إذا لم ترق لهم كتاباتك وأفكارك.
كيف حصلت القصة؟ كان يحمل معه جريدة لكي يتسلّى بها أثناء الطريق، وفجأة يقع بصره على السؤال التالي الذي طرحته أكاديمية «ديجون» كمسابقة للهواة: هل تقدّم الصناعات والعلوم والفنون في عصرنا أدّى إلى تهذيب الأخلاق أم إفسادها؟ وما إن قرأ روسو نص السؤال حتى وقع مغشيا عليه تحت شجرة، لقد انبطح على الأرض بكل قامته وجسمه وغاب عن الوعي للحظات، وعندما استفاق وجد أنه سفح الدموع بغزارة أثناء الغيبوبة حتى بللت كل صدره وقميصه. كم كان محتقنا جان جاك روسو! وفجأة يفجر الإلهام الصاعق كل احتقاناته.
وعرف أنه أصبح شخصا آخر بدءا من تلك اللحظة، عرف أنه وصل إلى الحقيقة التي كان يبحث عنها منذ سنوات وسنوات بشكل واع أو غير واع دون أن يجدها، لقد تجلت الحقيقة لجان جاك روسو في ذلك اليوم المشهود على طريق غابة فانسين؛ من حيث لا يتوقع، لقد كشفت عن وجهها الساطع كنور الشمس فحررت عقدة في نفسه، وعرف عندئذ أنه سيكون «نبي العصور الحديثة»، الشيء الذي ما كان يعرفه هو أن طريق المصاعب قد ابتدأ وأن الخطر الأعظم أصبح منه قاب قوسين أو أدنى، ولكن العناية الإلهية التي كانت ترفرف فوق رأسه حمته من الاغتيال والتصفية الجسدية أكثر من مرة، لقد اكتشف تلك الحقيقة المرعبة؛ وهي أن التقدم العلمي أو المادي أو التكنولوجي لحضارة ما، لا يرافقه بالضرورة تقدم أخلاقي أو إنساني على نفس المستوى، لا توجد علاقة أوتوماتيكية بين الشيئين على عكس ما نتوهم. وقد صفع عصره بهذا الكشف صفعا. آه ما أعظم تلك الخيبات والمرارات!
وهكذا اكتشف مشكلة العصر في عزّ عصر التنوير الكبير. وبينما حل عقدته الشخصية راح يحل عقدة العصر كله، وكتب بحثا وأرسله إلى الأكاديمية التي طرحت السؤال، ثم نسي الموضوع تماما حتى فوجئ بأنه نال الجائزة من بين كل المتسابقين، وعندئذ أصبح مشهورا بين عشية وضحاها. ثم توالت كتبه الرائعة الواحدة بعد الأخرى، كـ«مقال عن أصل اللامساواة والظلم بين البشر»، وكـ«العقد الاجتماعي»، و«إميل أو في التربية»، وروايته الشهيرة «هيلويز الجديدة».. وهكذا، وخلال بضع سنوات فقط، صبّ على الورق كل ما في أحشائه، وأصبح أشهر كاتب في عصره بالإضافة إلى فولتير. لقد شخص مرض العصر في العمق بل ووجد الحلول. طبيب يداوي الناس وهو عليل! أكبر مريض في العصر يحل مشكلة العصر!
ولكن مشكلاته ابتدأت من تلك اللحظة كما قلنا، والشهرة تجر المشكلات، فقد وقع بين فكي كماشة ولم يعد يستطيع فكاكا منهما؛ الفك الأول يتمثل بغضب الطبقة الأرستقراطية الحاكمة عليه، لأنه أعطى كل الحقوق والسيادة للشعب، وتنبأ بانهيار النظام الملكي القديم لفرنسا، وكذلك انهيار نظام الامتيازات الإقطاعية والعائلية، وساهم بذلك في بلورة النظرية الديمقراطية الحديثة. والفك الثاني يتمثل في أصدقائه من فلاسفة التنوير الذين حقدوا عليه، لأنه كان يجامل المتدينين أكثر مما يجب، في نظرهم، ولأنه اشتهر أكثر مما يجب. ولا ينبغي أن ننسى فئة ثالثة خطيرة جدا وهي التي حاولت اغتياله؛ قصدت فئة اليسوعيين والأصوليين البابويين، فهؤلاء لم يغفروا له نظريته الشهيرة عن الدين، وهي نظرية تفكيكية؛ أي تحريرية رائعة، لقد فككت كل العقائد الدوغمائية المتحجرة، وأطاحت بها في جرأة جنونية لا تكاد تصدق. كم أتمنى لو يتاح لي الوقت الكافي يوما ما للتحدث عنها. إنها باختصار شديد تستبقي جوهر الدين فقط، وتطرح قشوره المتكلسة المتحنطة، وما أكثرها، وقد كانت سابقة لزمانها بنصف قرن.
لقد حوصر إذن جان جاك روسو من قبل الأصولية الكاثوليكية الرهيبة؛ أي أصولية الأغلبية، ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك، وإنما حاصرته أيضا أصولية الأقلية التي ينتمي إليها؛ من حيث المنشأ والولادة؛ أي الأصولية البروتستانتية، كلتاهما لعنته وكفرته على الرغم من أنهما متعاديتان عداء مطلقا، وهكذا أصبحوا يحرقون كتبه في كل العواصم من باريس إلى بيرن إلى جنيف إلى أمستردام.. وراحوا يلاحقونه من مكان إلى مكان حتى أقضوا مضجعه، ولم يتركوه يهدأ على حال، ومن كثرة الملاحقات وضراوتها راح يشك في كل شيء تقريبا، وأحيانا بأقرب المقربين إليه، وعندئذ اتهموه بالمرض العقلي أو الجنون، وراحوا يشيعون الإشاعات عنه لكي يزعزعوا استقراره النفسي أكثر فأكثر. وأصبح يرى الجواسيس في كل مكان، ودخل في نوع من الهذيان، وبالتالي فلا يمكن فصل عبقريته عن جنونه، كما يرى المؤلف أو المؤلفان.
ولكن كل التربية الأوروبية الحديثة، بل كل السياسة الديمقراطية، هما من بنات أفكاره، ألا يكفيه ذلك فخرا؟ ولذلك قال غوته في عبارة شهيرة: «فولتير أغلق عصره، ولكن جان جاك روسو دشن العصر الآخر»!



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».