محمد الفولي: «أدب كرة القدم» يتخذ من اللعبة منصة للقفز نحو عوالم أخرى

نمط حاضر في الشعر والرواية والقصة القصيرة في أميركا اللاتينية

محمد الفولي  -  الفريق الكولومبي في مواجهة فريق أوروغواي
محمد الفولي - الفريق الكولومبي في مواجهة فريق أوروغواي
TT

محمد الفولي: «أدب كرة القدم» يتخذ من اللعبة منصة للقفز نحو عوالم أخرى

محمد الفولي  -  الفريق الكولومبي في مواجهة فريق أوروغواي
محمد الفولي - الفريق الكولومبي في مواجهة فريق أوروغواي

لفت المترجم المصري محمد الفولي الأنظار بترجمته أنواعاً غير دارجة من الأدب اللاتيني لدى الجمهور العربي كأدب كرة القدم، وهو ما تجلى في كتابه مُختارات «حكاية عامل غرف» الصادر حديثاً، إضافة لأعمال أخرى من أدب أميركا اللاتينية المعاصر، فاجأت القارئ العربي، المرتبط ذهنياً وعاطفياً بأسماء لاتينية بارزة مثل بورخيس وماركيز ويوسا.
من أبرز ما قدمه الفولي في هذا السياق ترجمة روايات: «أشد ألم» لسانتياغو رونكاغليولو، و«استسلام» لراي لوريغا، و«الشرق يبدأ في القاهرة» للكولومبي اكتور آباد فآسيولينسي، ثم خوضه أخيراً مضمار الكتابة القصصية عبر مجموعته «تقرير عن الرفاعية» مقدماً بها تحية للأديب الأرجنتيني إرنستو ساباتو. هنا حوار معه:
> بداية... حدثنا عن «حكاية عامل غرف» وهذا الشكل غير السائد في الأدب وهو «أدب كرة القدم»...
- تشغل القراءة عن عوالم كرة القدم حيزاً كبيراً في قائمة اهتماماتي. كانت البداية مع بعض الكُتب المرتبطة بتاريخ اللعبة أو السير الذاتية لبعض النجوم إلى أن لفت أحد الأصدقاء انتباهي أنه سمع ذات مرة بنمط أدبي أرجنتيني يُسمى «أدب كرة القدم»، ولقد اندهشت حقاً من مدى تشعبه، إذ وجدته حاضراً في الشعر والرواية والقصة القصيرة، وبالمثل وجدت إسهامات لبعض الأسماء اللامعة فيه مثل ماريو بينيديتي وبابلو نيرودا، ووجدت أن الأمر لا يقتصر فقط على الأرجنتين أو أميركا الجنوبية، إذ إن كاتب نوبل الإسباني، كاميلو خوسيه ثيلا له مجموعة قصصية كاملة تتمحور حول كرة القدم.
يتخذ أدب كرة القدم باختصار من اللعبة منصة للقفز نحو عوالم أخرى مختلفة في ظل كونها أحد مكونات الثقافة الشعبية، فمثلاً في مختارات «حكاية عامل غرف»، تظهر قصة «الحياة التي نظنها» لإدواردو ساتشيري التي تُطرح فيها قضية النُسوية عبر الراوية وعلاقتها المضطربة بأخويها وحبها لجدها، وفي قصة أخرى مثل «عجوز ينهض واقفاً»، نجد نقاشاً حول إشكالية الكتابة عبر صوت الراوي الذي يتساءل أي طريقة أفضل لسرد قصته.
من ثم، كان لا بد أن أتتبع جذور المسألة منذ بداياتها، وهكذا عثرت على مرجع لديفيد وود؛ أستاذ دراسات الأدب المكتوب بالإسبانية في جامعة شيفيلد بعنوان «كرة القدم والأدب في أميركا الجنوبية»، الذي ساعدني كثيراً في التعرف على هذا النمط الأدبي واستكشاف عوالمه.
> لك ترجمات أخرى في مجال كرة القدم... هل هذا الشغف ما دفعك للخوض في أكثر من مشروع يتعلق بها؟
- القراءة في عوالم كرة القدم لها ثقلها في حياتي، فضلاً عن أن عملي في الخدمة العربية في وكالة الأنباء الإسبانية يرتبط بصورة كبيرة بكرة القدم، ولقد لاحظت شُحاً كبيراً في المصادر العربية الموثوقة المتوفرة لمن لديه رغبة في الاطلاع بصورة أكبر على تاريخ اللعبة وكواليسها، ولهذا طرأت لي فكرة نقل هذه المعرفة إلى العربية، فلأي سبب أحتفظ بها لنفسي فقط؟ ثمة زملاء آخرون في المجال وعشاق لكرة القدم بصفة عامة قد ينتفعون منها، سواء لأغراض مهنية أو أخرى تتعلق بإشباع الشغف. كانت البداية مع كتاب «أغرب الحكايات في تاريخ المونديال» الذي تزامن طرحه مع كأس العالم 2018 في روسيا، ثم كتاب «لماذا تُلعب كرة القدم 11 ضد 11؟»، سعدت كثيراً بردود الأفعال التي تلقيتها من الجمهور. ثمة عنصر آخر مهم وهو أن حب كرة القدم منتشر بين الشباب. نحن نقول إن الشباب لا يقرأ، فلماذا لا نُقدم لهم شيئاً يحبون أن يقرأوه ما دام ليس مبتذلاً وسيفتح أعينهم على عوالم أخرى قد تكون مدخلاً لقراءات مستقبلية في شتى دروب المعرفة؟
> أولى محطاتك في الترجمة الأدبية بدأت من «الشرق يبدأ في القاهرة»... ما خصوصية هذا الكتاب؟
- كل عمل أقدمت على ترجمته له قصة ترتبط بسؤال طرحته على نفسي. هنا كان السؤال: لماذا لم أقرأ كتاباً من أدب الرحلات عن مصر كتبه مؤلف من أميركا اللاتينية؟ هل مثل هذا الكتاب موجود فعلاً؟ كل أو أغلب ما نقل من أدب الرحلات عن مصر كان غالباً بأعين أوروبية أو أميركية، لكن ما الذي قد يقوله هؤلاء القوم في تلك القارة الساحرة البعيدة عنا؟ هكذا بدأت عملية البحث وتوصلت إلى «الشرق يبدأ في القاهرة». لقد راقت لي كثيراً الطريقة التي يقص بها فاسيولينسي رحلته في مصر والتي لجأ فيها إلى إعادة قص ما قاله رحالة آخرون في أزمنة ماضية عن مصر ومقارنته بما خاضه أو شاهده بعينيه خلال هذه التجربة. هل كان ينظر لنا بتعالٍ كالرجل الأبيض القادم من أوروبا؟ أم كان ينظر لنا كمفكر قادم من أميركا اللاتينية التي لا تختلف شعوبها عنا كثيراً من ناحية العاطفة وخفة الظل؟ أم أن الأمر كان مزيجاً بين هذا وذاك. لقد كانت تجربة ثرية واستمتعت بها، ففاسيولينسي يحلل هنا - وفقاً لوجهة نظره التي قد تتفق أو تختلف معها - كل مكونات المجتمع؛ الرجال، النساء، الدين، الماضي، الحاضر.
> ما معاييرك في الترجمة؟ في اختيار عمل ما؟
- ثمة عوامل أساسية أضعها في الاعتبار عند اختيار عمل ما، وأولها أن يكون العمل جيداً على صعيدي الحبكة واللغة.
> أنت تكتب الأدب وتترجمه أيضاً... كيف تُحافظ على مسافة بين الاثنين وأنت في موقع المترجم؟
- أظن أن هذه المسافة تحافظ على نفسها بنفسها. أرى الترجمة رقصة بين المؤلف والمترجم. المؤلف هنا هو من يحرك الأمور، هو المسيطر؛ وعلى المترجم أن ينغمس مع موسيقى النص ويحاكي خطوات لغة المؤلف لكي يصفق الجمهور في النهاية لهما. أسوأ شيء قد يتعرض له الراقص - المترجم أن يتعثر في مثل هذه الخطوات، إن لم يعثر عقله على التناغم مع إيقاع النص وطبقات اللغة الموجودة فيه، فيجد المترجم نفسه أمام النص مع معانٍ مبطنة وتسارع في إيقاع اللغة أو تباطؤ فيها، بل حتى درجات مختلفة في ثنياتها، وهنا تبرز مهارته.
لي تجربة كتابية واحدة في الأدب في مجموعتي القصصية «تقرير عن الرفاعية». وأظن أن ما فعلته حينها كان نزع عباءة الترجمة- الرقص، لأرتدي حلتي الخاصة.
> لكن ثمة تأثراً بالأدب اللاتيني... هل تشبعك بهذا الأدب انعكس على ذائقتك في الكتابة؟
- أظن أنه قد انعكس بشكل ما، لكن ليس بصورة كبيرة. ثمة إشارتان فقط في المجموعة ككل للأدب اللاتيني والإسباني. ربما يتعلق التأثر بشكل أكبر بالناحية الأسلوبية في الوصف، وكذلك اللجوء أحياناً للتهكم والسخرية المُرة وهي من سمات أدباء أميركا اللاتينية، لكن المجموعة لها صبغة مصرية خالصة ويرتكز تتالي قصصها التي يجب أن تُقرأ بالترتيب على هذه الصفة.
> هل تجد هُوة بين شعبية بعض أساطين الأدب اللاتيني وسط الجمهور العربي، في مقابل الانتشار البطيء لكُتاب من الأجيال الأحدث؟
- هذه الهوة موجودة بالفعل، بل إن مشروعي - ولا أعرف إن كان سيُكلل بالنجاح أم لا - يسعى لإحداث هذا التغيير، عبر انتقاء الأعمال المناسبة والأفضل. قد تأخذ المسألة بعض الوقت في ظل الارتباط العاطفي بماركيز والليندي، لكن كلي أمل أن يحدث هذا التغيير يوماً، سواء كان عبري أو عبر مجهودات أي زميل آخر. لدينا ما قد يطلق عليه قارة بالكامل تتحدث الإسبانية - باستثناء البرازيل - وبالطبع يكتب مؤلفوها بهذه اللغة ولدينا أيضاً إسبانيا، لذا من غير المنطقي أن تتركز كل جهود الترجمة في العالم العربي على 3 أو 4 أسماء بعينها وإهمال بقية التيارات والأعمال والأنماط والأسماء الأخرى.



«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)
قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)
TT

«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)
قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)

في القاعة الأولى من معرض «بلوغ سن الرشد» في متحف «ويلكوم» في لندن، الذي يستكشف تجارب الشيخوخة وتصوراتها، تُعرَض سلسلة من 13 لوحة تُصوِّر أشخاصاً مُسنين إلى حدٍّ لا يُصدَّق. تُظهر لوحة محفورة من عام 1635، بعنوان «الرجل العجوز جداً»، توماس بار، وهو رجل ذو مظهرٍ ماكر، ادّعى أنه كان يبلغ من العمر 152 عاماً عند وفاته، ولا يزال يُستشهد بطول عمره غير المعقول في إعلانات حبوب مكافحة الشيخوخة في تسعينات القرن الـ19. وتُصوِّر لوحة محفورة أخرى زوجين من القرن الـ19، جون وسارة روفين، اللذين يبدوان رائعَين بالنسبة لعُمْريهما المزعومَين (172 و164 عاماً). ورغم ظهور بعض التجاعيد وانحناء ظهريهما، فإنهما لا يزالان نشيطَين ويرتديان تعبير بار الماكر والمتفاخر نفسه. جميع الشخصيات التي يُزعم أنها مُسنة في اللوحات كانت تحمل هذه الهالة.

لم يوضِّح النصُّ المعروض على الحائط ما إذا كانوا يكذبون عن عمد أم أنهم يعتقدون حقاً أنهم تغلبوا على الزمن. لكنه كان واضحاً في أمر واحد: «بالتأكيد، لم يعش أحد حتى يبلغ 164 أو 172 عاماً».

صور لأشخاص زعموا أنهم عاشوا أعماراً مديدة (جوانا يي - نيويورك تايمز)

ينبوع الشباب

لا مفر من هذا، لكن ذلك لم يمنع الناس قط من المحاولة. من بين أكثر من 120 قطعة معروضة في متحف «ويلكوم كوليكشن» - وهو متحف في لندن يربط بين العلوم والطب والفنون - أمثلة متنوعة على رغبة الإنسان ليس فقط في العيش لفترة أطول، بل في الحفاظ على شبابه: زجاجة مملوءة بماء من «ينبوع الشباب» في فلوريدا؛ إعلان من ثلاثينات القرن الماضي عن خصائص رقائق النخالة المضادة للشيخوخة؛ جهاز «الأشعة فوق البنفسجية». (وهو عبارة عن مجموعة من الأدوات الزجاجية الدقيقة تُوضع على الوجه، تحمل تيارات عالية التردد تُنتج توهجاً أرجوانياً خافتاً، ووعد صانعوها بإعادة الشباب مقابل مبلغ زهيد).

أدوات جهاز «الأشعة البنفسجية» (جوانا يي - نيويورك تايمز)

حلم تحقيق الخلود

لم يتقبل الناس فكرة أننا لا نبقى شباباً إلى الأبد، لكن يبدو أنَّ هناك قناعةً متناميةً بأننا قد نتمكَّن قريباً من شراء حلٍّ لهذه المشكلة برمتها. أبرز المتحدثين باسم هذا الاعتقاد هو برايان جونسون، المليونير التقني الذي يبدو أنه ينظر إلى عملية الشيخوخة على أنَّها انتهاك لحقه في التحكم بجسده. جونسون، مؤسِّس حركة «لا تموت»، كرَّس نفسه علناً لتحقيق الخلود، أو على الأقل، السعي إلى «إبطاء وتيرة شيخوخته إلى أدنى حد ممكن»، كما يقول في فيلم وثائقي حديث على «نتفليكس»، وذلك من خلال نظام غذائي صارم وبرنامج تمارين رياضية مكثف، ومراقبة دقيقة، وتدخلات طبية تجريبية، والتركيز التام على وقت النوم.

مقتطف من الفيلم الوثائقي «لا تموت: الرجل الذي يريد أن يعيش للأبد» (جوانا يي - نيويورك تايمز)

صرح في مقابلات صحافية بأنه بنى حياته بأكملها حول النوم، ونصح متابعيه بأن يعدُّوا أنفسهم «محترفين في النوم». عُرض مقتطف من الفيلم الوثائقي بشكل متكرر في متحف «ويلكوم»، يُفصّل نظامه الذي يُكلّفه مليوني دولار سنوياً: يتناول عشرات الحبوب، ويأكل الخضراوات بكميات كبيرة في أثناء ممارسة التمارين الرياضية، ويستشير طبيبه، ويسأل أعضاءه الداخلية عمّا تحتاج إليه، ثم يخلد إلى النوم في الساعة 8:30 مساءً، وحيداً، دون استثناء. لا يبدو جونسون مُسناً - حتى إن منتقديه لا بد أنهم يلاحظون ذلك - لكنه لا يُشعّ شباباً أيضاً. أكثر من أي شيء آخر، بجسده المُشوّه وعينيه الجاحظتين الزجاجيتين، يبدو شخصيةً من لوحات الفنان الإيطالي من عصر النهضة برونزينو. صوّر برونزينو، رسام البلاط لدى آل ميديشي، رعاته الأثرياء بأسلوب مثالي مصطنع، جامد كالثلج، ببشرة كالرخام، حتى بدوا أقرب إلى أشكال خالدة منهم إلى بشر حقيقيين. يعيش الناس اليوم أعماراً أطول، لكن حياتهم لا تشبه الصورة التي تُروِّج لها حركة «لا تموت». فـ«الشيخوخة الصحية» لا تعتمد فقط على الخيارات الفردية، بل أيضاً على عوامل هيكلية كالطبقة الاجتماعية، والبيئة، وتوفُّر الرعاية الصحية، والتي تحدد طول العمر وكيفية قضاء هذه السنوات.

صور فوتوغرافية لكيميكو نيشيموتو «جدة السيلفي» التي اشتهرت في الثمانينات والتسعينات من عمرها بصورها الذاتية (جوانا يي - نيويورك تايمز)

حتى لو رغب معظم الناس في ذلك، لما استطاعوا تحمّل قضاء أيامهم في الاستعداد للنوم بجدّ. فالحياة الأطول قد تعني سنواتٍ أطول في مواجهة المرض أو الشعور بالوحدة. ليس هذا ما نرغب بالتفكير فيه. ففي وسائل الإعلام، غالباً ما تهيمن على النقاشات حول الشيخوخة شخصياتٌ مثل جونسون أو تحليلاتٌ ساخطة لما أجرته نساءٌ مشهوراتٌ على وجوههن. نفضّل عدم الخوض في الجوانب الطبيعية والصعبة للشيخوخة، أو التفكير فيما ستكون عليه حالنا عندما يحين ذلك الوقت.

لوحة «الرعاية» للفنانة باولا ريغو (جوانا يي - نيويورك تايمز)

يُكشف هذا التجنّب في لوحة «الرعاية» التي رسمتها الفنانة باولا ريغو بعد فترةٍ وجيزةٍ من إيداع والدتها دار رعاية المسنين. تنظر امرأةٌ مكتوفة الذراعين إلى المشاهد بنظرةٍ حزينةٍ متعبة، وربما لمحةٍ من العداء. تجلس على كرسيٍّ مع والدة الفنانة النائمة، نحيلةً وهزيلةً، تعتمد على ابنتها البالغة المحبة، التي تشعر بالذنب. ينتهي العرض بمشهد أشبه بمكتب سريالي للمفقودات، مليء بأشياء تُثير نقاشات حول واقع الشيخوخة اليوم، وما قد تكون عليه في المستقبل. تُعرَض سلسلة من المقابلات بشكل متكرِّر، وفي إحداها، يتحدَّث طبيب عن مرضاه. يقول: «من المثير للاهتمام أننا لا نستعد نفسياً بشكل كافٍ للشيخوخة. يبدو أننا نحمل تحيزاً كامناً ضد أنفسنا في المستقبل».

* خدمة «نيويورك تايمز»


بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
TT

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات، وانتهت باكتشافه غير المتوقَّع في مكتبة محلّية يرتادها تابعة لمؤسّسة «أوكسفام».

وظلَّ بول ديكسون (66 عاماً) يبحث عن كتاب «فن إيونا الكلتي: أعمال ألكسندر ويوفيميا ريتشي» في طبعته التي نُشرت عام 2008. ويسجل الكتاب، وهو من تأليف ماري مكارثر ويقع في 80 صفحة، بشكل تأريخي وبترتيب زمني الحليّ المعقّدة وغيرها من الأعمال الفنّية اليدوية التي أبدعها ألكسندر ويوفيميا ريتشي، وباعاها، من متجرهما في جزيرة إيونا الذي تأسَّس عام 1899.

أصقل الفنانان مهاراتهما في كلية «غلاسكو» الراقية للفنون، وجعلا من الكتاب مرجعاً ضرورياً للمتحمّسين في حركة الفنون والأعمال الفنّية اليدوية التي تُعرف باحتفائها بالعمل الزخرفي الحرفي.

وفي هذا السياق، نقلت «الإندبندنت» عن ديكسون قوله إنّ رغبته في العثور على نسخة بدأت منذ 5 سنوات، وتزامنت مع وقت معرفته بوجود الكتاب للمرة الأولى. وأوضح: «أنا من أشدّ محبي الفنون والأعمال اليدوية وكلية (غلاسكو) للفنون، وأمتلك بعض المشغولات لألكسندر ريتشي، صانع الفضة والأشغال المعدنية الاسكوتلندي الشهير. وبمجرّد معرفتي بوجود الكتاب، شعرتُ بضرورة العثور على نسخة منه».

وشهدت رحلة بحثه المكتبات وبائعي الكتب النادرة في أنحاء المملكة المتحدة، بل وحتى تواصَلَ مع مكتبات في إيونا؛ الجزيرة الصغيرة النائية قبّالة الساحل الغربي لاسكوتلندا، طالباً منهم البحث عنه بين الكتب الموجودة على أرفف مكتباتهم. وأضاف: «بات الأمر سخيفاً قليلاً. كنت أستطيع إحضار كتب نادرة جداً من مختلف الأماكن، لكنّ هذا الكتاب الورقي الصغير، الذي نُشر خلال سنوات حياتي، قد راوغني كثيراً».

وأصبحت رحلة بحث ديكسون مثار الأحاديث في مكتبة «أوكسفام» التي كان من روّادها. وقال: «لقد تحوَّل الأمر إلى دعابة مستمرّة. وفي كلّ مرّة أدخل المكان، نتحدَّث عن الأمر. أعتقد أننا جميعاً قد بدأنا نتساءل عمّا إذا كان الكتاب موجوداً حقاً أم لا».

وبدت عملية البحث في نهايتها خلال نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، عندما وجد مدير المتجر، نيل باترسون، الكتاب بين مجموعة من الكتب المتبرَّع بها التي وردت إليه، وأوضح باترسون: «تحدّثنا عن ذلك الكتاب كثيراً. وعندما وَرَدَ، وضعنا لافتة على الواجهة الزجاجية نطلب فيها من بول المجيء لمعرفة ما إذا كان ذلك هو الكتاب المنشود الذي يبحث عنه».

مع ذلك، مضت أسابيع ولم يظهر ديكسون، وأضاف باترسون: «ظللتُ أتوقّع حضوره ودخوله من الباب، بل في وقت ما رأيته خارج المتجر يعقد رباط حذائه، وكنتُ أعمل مع زبائن ولم أتمكن من مناداته. وعندما نظرت مرة أخرى كان قد رحل. وبدأنا نتندَّر على الأمر، وقلتُ إنه أشبه بإعلان دليل (يلو بيدجز) الذي تظهر به شخصية (جيه أر هارتلي). شخص يتنقَّل بين المكتبات لسنوات عازماً على العثور على كتاب بعينه، ثم يجده أخيراً».

وظهر في الإعلان الكلاسيكي لـ«يلو بيدجز»، الذي عُرض للمرة الأولى في المملكة المتحدة عام 1983، رجل محبط يُدعى جيه أر هارتلي يبحث في المكتبة تلو الأخرى عن نسخة من كتابه «فلاي فيشينغ» الذي توقف طبعه.

فقط في يناير (كانون الثاني) 2026 عاد ديكسون إلى المتجر، ووجد أن لديهم الكتاب الذي يبحث عنه. وقال: «كان ردّ فعلي الأولي تجاه ما سمعته هو حالة من الدهشة وعدم التصديق. لقد توقّفت بالفعل عن البحث قبل أعياد الميلاد لأني كنت منشغلاً، ولم ألحظ اللافتة المُعلَّقة على الواجهة الزجاجية. لم أصدّق أنه ظهر بعد كلّ ذلك الوقت».

وقال باترسون إنّ تلك اللحظة تُجسِّد ما تُجيده المكتبات التابعة للجمعيات الخيرية. وأضاف: «لا يتعلَّق الأمر ببيع الكتب فحسب، بل بالمحادثات والاهتمامات المشتركة، وأحياناً مساعدة شخص في إتمام بحث لم يكن يتصوَّر أنه سينتهي».

وصرّحت مؤسّسة «أوكسفام» أنّ شبكتها، التي تضمّ 40 متجراً اسكوتلندياً، شهدت زيادة مقدارها 16 في المائة في مبيعات الكتب غير الروائية خلال العام المالي الحالي مقارنة بالعام الماضي، وأنّ إجمالي مبيعات كتبها المُستعملة ارتفع بنسبة 4.4 في المائة.

يُذكر أنّ الجمعية الخيرية شاركت تلك القصة احتفالاً باليوم العالمي للكتاب في 5 مارس (آذار).


«الإيموفيليا»... حين تقودك المشاعر إلى علاقات غير مستقرة

يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
TT

«الإيموفيليا»... حين تقودك المشاعر إلى علاقات غير مستقرة

يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)

قد يبدو الوقوع في الحب بسرعة أمراً رومانسياً، لكنه قد يخفي وراءه نمطاً سلوكياً يُعرف بـ«الإيموفيليا»، حيث يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر.

هذا النمط قد يؤدي إلى اختيارات غير صحية وعلاقات غير مستقرة على المدى الطويل.

ويشرح تقرير نشره موقع «فيريويل مايند» مفهوم «الإيموفيليا»، أبرز علاماتها، أسبابها المحتملة، وتأثيرها على العلاقات، إلى جانب طرق التعامل معها لبناء ارتباطات أكثر توازناً واستدامة.

ما هي «الإيموفيليا»؟

«الإيموفيليا» هي مصطلح يُطلق على الشخص الذي يقع في الحب بسهولة وبشكل متكرر. وهي سمة مستمرة تظهر عبر العلاقات، وليست حالة عابرة. ورغم أنها ليست اضطراباً نفسياً مُشخّصاً، فإنها قد تؤدي إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر، واضطراب عاطفي، وعلاقات غير مستقرة.

أبرز العلامات

يميل الأشخاص المصابون بالإيموفيليا إلى الوقوع في الحب قبل التعرف الحقيقي إلى الطرف الآخر، وغالباً ما يعتقدون أن كل علاقة جديدة هي «العلاقة المثالية». وقد تتشكل لديهم مشاعر قوية قبل فهم شخصية الشريك بشكل كافٍ.

ومن أبرز العلامات أيضاً تجاهل الإشارات التحذيرية (Red Flags) التي قد تدل على أن الشريك غير مناسب أو حتى مؤذٍ. ويركّز هؤلاء أكثر على شعور الحب نفسه والصورة المثالية التي يرسمونها للطرف الآخر؛ ما قد يدفعهم للارتباط بأشخاص أنانيين أو نرجسيين.

كما قد ينخرط البعض في سلوكيات خطرة، مثل التسرّع في العلاقة أو اتخاذ قرارات غير مدروسة؛ نتيجة اعتقادهم بأن العلاقة «مصيرية». وغالباً ما يجدون أنفسهم عالقين في علاقات يصعب الخروج منها بسبب التعلق السريع.

الأسباب المحتملة

لا يوجد سبب واحد محدد للإيموفيليا، لكن يُعتقد أنها قد ترتبط بخلل في هرمونات الشعور بالسعادة مثل الدوبامين والسيروتونين. كما قد يكون لدى بعض الأشخاص ميل للبحث عن إثارة الوقوع في الحب بشكل متكرر.

وقد ترتبط هذه السمة أيضاً بالانجذاب إلى شخصيات معقدة أو سامة، حتى لو لم يمتلك الشخص نفسه هذه الصفات.

ويشير خبراء إلى أن الإيموفيليا قد تكون على طيف، تتراوح بين سلوك بسيط إلى تأثيرات سلبية عميقة على الحياة العاطفية.

تأثيرها على العلاقات

غالباً ما تؤدي الإيموفيليا إلى علاقات غير مستقرة، حيث ينتقل الشخص من علاقة إلى أخرى بسرعة. فالشعور الأولي القوي لا يدوم عادة؛ ما يترك العلاقات دون أساس متين للاستمرار.

كما أن التسرّع في الارتباط يمنع تقييم الشريك بشكل واقعي، وقد يؤدي إلى علاقات تفتقر إلى العمق الحقيقي. وفي بعض الحالات، قد تستمر العلاقة لفترة أطول من اللازم رغم عدم صحتها، أو تنتهي بسرعة قبل أن تتطور بشكل طبيعي.

كيف يمكن التعامل معها؟

يمكن التخفيف من الإيموفيليا عبر التمهّل في العلاقات ومنح الوقت الكافي للتعرف إلى الطرف الآخر من دون مثالية مفرطة. ومن المفيد أيضاً تحديد الصفات الأساسية المطلوبة في الشريك، والتمييز بين ما هو مرغوب وما هو غير قابل للتنازل.

كما يُنصح بالاستماع إلى آراء الأشخاص الموثوقين، والانتباه إلى سلوك الشريك مع مرور الوقت بدلاً من الاعتماد على الانطباع الأول.

متى تطلب المساعدة؟

قد يكون العلاج النفسي مفيداً لفهم أسباب هذا السلوك والعمل على تغييره، خاصة من خلال مختصين في العلاقات أو أنماط التعلق. كما أن قضاء فترة دون الدخول في علاقات قد يساعد على إعادة تقييم الأنماط العاطفية وتطوير علاقات أكثر استقراراً في المستقبل.