تقنيات علمية في خدمة الآثار المصرية

تحافظ على الماضي وتكشف أسراره

مجسم يوضح نظام خفض منسوب المياه الجوفية في معبد كوم أمبو
مجسم يوضح نظام خفض منسوب المياه الجوفية في معبد كوم أمبو
TT

تقنيات علمية في خدمة الآثار المصرية

مجسم يوضح نظام خفض منسوب المياه الجوفية في معبد كوم أمبو
مجسم يوضح نظام خفض منسوب المياه الجوفية في معبد كوم أمبو

ورّث المصريون القدماء أحفادهم حضارة لا تزال آثارها شاهدة على نبوغ الأجداد في مجالات التشييد والبناء والزراعة والطب والفلك. وإذا كان الأجداد نبغوا في تلك المجالات، فلا أقل من أن يسعى الأحفاد للعمل على صيانة الآثار التي تشهد بذلك، والسعي من ناحية أخرى لكشف الأسرار التي لم تبح بها كتابات الأجداد على أوراق البردي وجدران المعادن.
واتُهم المصريون في عقود سابقة بالتقصير في هذه المهمة، لكنهم نجحوا أخيراً في تحقيق نجاحات في هذا الاتجاه. وقد وظفت أحدث التقنيات في وسائل التعرف على الآثار القديمة، وفي وضع مشروع لحماية الآثار من تهديدات المياه الجوفية.
فحص شعاعي للآثار
لا يمر أي اكتشاف لمومياوات فرعونية دون محاولة معرفة هويتها وأسباب وفاتها. ويعين التحليل الباثولوجي والفحص بالأشعة كثيرا في مهمة الكشف عن أسباب الوفاة، وهو ما تم في دراسة أُجريت على 1087 هيكلا عظميا، تم العثور عليها في مقابر بواحة الداخلة جنوب مصر، وانتهت تلك الدراسة التي نشرت في أغسطس (آب) العام الماضي بدورية «إنترناشيونال جورنال أوف باليوباثولوجي» (International Journal of Paleopathology) إلى إصابة ستة منهم بالسرطان.
وإذا كانت مهمة كشف أسباب الوفاة أصبحت سهلة، فإن مهمة معرفة هوية الشخص تعتمد على عدة عوامل يشير إليها الدكتور محمد التهامي، أستاذ الأنثربولوجيا البيولوجية بالمركز القومي للبحوث بمصر، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كانت المومياء عثر عليها في مقبرة تشير النقوش إلى هوية صاحبها، وتوجد له مومياء أمكن التعرف عليها، فيمكن في هذه الحالة إجراء اختبار الحمض النووي DNA للمومياء مجهولة الهوية ومقارنتها بمعلومات الحمض النووي لصاحب المقبرة، عندها يمكن معرفة صلة القرابة، وقد تكون هذه الطريقة مفيدة أيضا في تصحيح معلومات تاريخية».
ومن أبرز الإنجازات في هذا الاتجاه دراسة نشرت في دورية «أركييولوجيكال ساينس» في فبراير (شباط) الماضي، كانت مفيدة في تصحيح معلومة تاريخية حول مومياوتين هما «خنوم نخت» و«نخت عنخ»، عثر عليهما عالم المصريات الإنجليزي فلندز بتري في منطقة جبل الرفة بأسيوط، جنوبي مصر. ويقول التهامي «كان يعتقد أن هاتين المومياوتين لشقيقين، لكن الدراسة التي اعتمدت على تحليل الحمض النووي باستخدام الجيل الثاني من تقنية تسلسل «دي إن إيه» DNA sequencing، كشفت وجود اختلاف بينهما في (الكروموسوم الذكري)، ما يشير إلى اختلاف أبويهما، وأثبتت أنهما يشتركان في القرابة من ناحية الأم فقط».
وكما تفيد الأشعة المقطعية في معرفة أسرار البشر في الماضي، فإن تقنية الميون الإشعاعي تهدف إلى كشف أسرار الحجر. واستخدمت تلك التقنية في شهر مايو (أيار) من عام 2015 لتصوير هرم سنفرو في دهشور بالجيزة، وكشف المسح بالميون عن البنية الداخلية للهرم لأول مرة.
واكتشف هذا الفريق في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016 اثنين من الفراغات في الهرم الأكبر، الأول يقع خلف المدخل الأصلي للهرم عند أحجار الجمالون أعلى فتحة الممر المنحدر، والثاني بالزاوية الشمالية الشرقية للهرم، وكانوا يعتقدون أنها غرف سرية، قبل أن يتبين أنها مجرد فراغات.
وقادت وزارة الآثار المصرية أخيرا مشروعا طموحا يهدف لإصلاح منظومة الصرف المحيطة بالآثار الفرعونية، بعد أن باتت المياه الجوفية قريبة من تهديد وجود تلك الآثار.
ومنذ سنوات تظهر من حين لآخر تقارير تحذر من تأثيرات المياه الجوفية، إلى أن حصلت الحكومة المصرية أخيراً على تمويل دولي من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية مكنها من المضي قدما في محاصرة المياه الجوفية.
آثار مهددة
ومن أبرز قصص النجاح في اتجاه حماية الآثار مشروع معبد كوم أمبو، الواقع عند منعطف في نهر النيل بالطرف الشمالي لمنطقة من الأراضي الزراعية، بين مدينتي أسوان وإدفو جنوب مصر. وكانت آثار المياه الجوفية بدت واضحة على أساسات المعبد التي تأثرت بالرطوبة والأملاح الموجودة بالمياه، بفعل النشاط الزراعي للزمام المحيط بالمعبد، وتغير منسوب مياه نهر النيل على مدار العام، بالإضافة لوجود الخزان الجوفي الارتوازي بطبقة الرمال المشبعة بمنطقة المعبد، كما أدت ظاهرة «الخاصية الشعرية» لارتفاع المياه الجوفية في التربة تحت أساسات المعبد. ونتيجة لهذه الظاهرة فإن المياه في النباتات مثلا تـُسحب في المسامات الشعرية ذات الأقطار الصغيرة في اتجاه معاكس للجاذبية فوق مستوى المياه الجوفية.
يقول الدكتور عبد المنعم سعيد مدير عام آثار أسوان والنوبة لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزارة تعاونت في حل هذه المشكلة مع فريق من المتخصصين الأثريين من مركز البحوث الأميركي، حيث تم بناء مجموعة من الخنادق العميقة بعمق يتراوح بين 8 و12 متراً حول المعبد، وآبار بعمق 33 مترا مزودة بوحدات رفع قدرتها 100 متر مكعب في الساعة».
وأوضح «الخنادق تم تصميمها وفق قياسات لتتجمع فيها المياه، وتقوم ثلاث محطات تتراوح سعتها من 103 لـ226 مترا مكعبا في الساعة برفع مياه الخندق ليتم صرفها، ويتم التحكم في هذه العملية عبر أجهزة تحكم ونظام يعمل بالكومبيوتر في وحدة للتحكم تابعة للمشروع».
وبنفس الكيفية التي تمت في أسوان، نفذت الآثار المصرية في منطقة كوم الشقافة الأثرية بالإسكندرية مشروعا بدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2017. لتجفيف وحماية المنطقة الأثرية من خطر التلف بسبب المياه الجوفية، كما نفذت مشروعا في منطقة «حمام الأوزيريون» بمعبد أبيدوس بسوهاج جنوب مصر.



اكتشاف وميض كوني هائل يعود إلى 13 مليار سنة

رصد «انفجار غاما» المرتبط بانهيار نجم ضخم قبل نحو 13 مليار سنة (أ.ب)
رصد «انفجار غاما» المرتبط بانهيار نجم ضخم قبل نحو 13 مليار سنة (أ.ب)
TT

اكتشاف وميض كوني هائل يعود إلى 13 مليار سنة

رصد «انفجار غاما» المرتبط بانهيار نجم ضخم قبل نحو 13 مليار سنة (أ.ب)
رصد «انفجار غاما» المرتبط بانهيار نجم ضخم قبل نحو 13 مليار سنة (أ.ب)

رصد القمر الاصطناعي الفرنسي الصيني «سفوم» SVOM في مارس (آذار) الماضي «انفجار غاما» المرتبط بانهيار نجم ضخم قبل نحو 13 مليار سنة، ومن شأن هذا الوميض القوي الآتي من أعماق الكون تزويد الأوساط العلمية بمعلومات عن تاريخه.

ويقول برتران كوردييه، الرئيس العلمي لمشروع «سفوم» في الهيئة الفرنسية للطاقات البديلة والطاقة الذرية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ «هذا الاكتشاف نادر جداً، فهو خامس أبعد انفجار لأشعة غاما يُرصَد على الإطلاق» و«الأكثر دقة من ناحية الضوء الذي جمعناه والقياسات التي أجريناها».

أُطلقت مهمة «سفوم» (المرصد الفضائي متعدد الأطياف للأجسام الفلكية المتغيرة) في يونيو (حزيران) 2024، وتهدف إلى اكتشاف وتحديد مواقع هذه الظواهر الكونية ذات القوة الهائلة.

تحدث انفجارات أشعة غاما عادة بعد انفجار نجوم ضخمة (تزيد كتلتها على كتلة الشمس عشرين مرة) أو اندماج النجوم الكثيفة. يمكن لهذه الانفجارات الإشعاعية ذات السطوع الهائل أن تُطلق طاقة تعادل أكثر من مليار مليار شمس مثل شمسنا.

يوضح كوردييه الذي شارك في دراستين عن هذا الاكتشاف نشرتا الثلاثاء في مجلة «أسترونومي آند أستروفيزيكس»، أنها «الظواهر الكونية التي تنبعث منها الكميات الأكبر من الطاقة».

الجيل الأول من النجوم

تُتيح دراسة انفجارات أشعة غاما التقدّم في مسائل «الفيزياء الأساسية»، مثل محاولة «فهم كيفية إطلاق هذه الكمية من الطاقة، وما الآليات المؤثرة» في ذلك.

ويقول كوردييه: في انفجارات أشعة غاما «تتسارع المادة إلى سرعات تُقارب سرعة الضوء. إنها ظروف فيزيائية لا يُمكننا إعادة إنتاجها على الأرض، ولكن يُمكننا رصدها في المختبرات الكونية».

تُستخدم هذه الإشارات شديدة السطوع أيضا كأنها «مسبارات»، إذ تُضيء كل المادة التي تمرّ بها قبل أن تصل إلى الأرض. ويقول كوردييه: «نحن بحاجة ماسة إلى وميض بهذه الشدة لنتمكن من قياس» الظروف الفيزيائية للكون في عصور بعيدة جداً، مضيفاً أنها «الطريقة الوحيدة للقيام بذلك مباشرةً».

في 14 مارس، عندما تلقوا تنبيهاً عبر جوالاتهم، أدرك العلماء المُناوبون في مهمة «سفوم» بسرعة أنهم يتعاملون مع حدث كبير. ثم أقنعوا طواقم التلسكوبات الأخرى بإعادة توجيه عدساتها إلى منطقة الانبعاث.

بعد انفجار لأشعة غاما استمر بضع عشرات من الثواني، أصدر الجسم المسؤول عنه، لفترة أطول ولكن بكثافة متناقصة، أطوالاً موجية أخرى: أشعة سينية، وبصرية، وأشعة تحت الحمراء، وراديوية. ويتّسم هذا «الانبعاث اللاحق» بأهمية كبيرة لتحديد موقع المصدر بدقة ودراسة طبيعته.

وتوصل العلماء إلى أنّ الإشارة بُعثت «عندما كان الكون في بداياته»، أي قبل 700 مليون سنة تقريباً. ويقول كوردييه إنّ «الفوتونات التي وصلت إلى أجهزتنا قطعت 13 مليار سنة».

وبحسب كوردييه، فإن عصر «الأجيال الأولى من النجوم» التي تشكلت بعد الانفجار العظيم من «مادة بدائية تتكون أساساً من الهيليوم خصوصاً الهيدروجين» أنتجت هذه النجوم العناصر الثقيلة الأولى (الحديد، والكربون، والأكسجين...)، وأدّت دوراً أساسياً في تطور الكون.

ولإحداث هذا الانفجار الهائل، ربما كانت كتلة النجم المنهار «أكبر بمائة مرة من كتلة الشمس»، بحسب عالم الفيزياء الفلكية الذي يأمل أن يتمكّن «سفوم» من رصد «ربما حدث أو حدثين» من هذا القبيل سنوياً.

ويكمن التحدي في ربط كل التفاصيل في سلسلة من عمليات رصد الانبعاثات اللاحقة.

بعد تنبيه 14 مارس، «مرت 17 ساعة قبل أن يغيّر التلسكوب العملاق جداً (VLT) الموجود في تشيلي اتجاهه»، بحسب كوردييه الذي يضيف: «خلال تلك الفترة، انخفضت شدة الرصد. الهدف هو تحسين كفاءتنا. إذا وصلنا مبكراً، فسنحصل على بيانات أفضل».


الذكاء الاصطناعي يُوسّع الأفق... ويضيّقه من دون بصيرة نافذة

الذكاء الاصطناعي يُوسّع الأفق... ويضيّقه من دون بصيرة نافذة
TT

الذكاء الاصطناعي يُوسّع الأفق... ويضيّقه من دون بصيرة نافذة

الذكاء الاصطناعي يُوسّع الأفق... ويضيّقه من دون بصيرة نافذة

الذكاء الاصطناعي موجود في كل مكان، فهو يُغذّي نقاشات مجالس الإدارة، ويُوجّه الأولويات، ويُحدّد الوصول إلى المعلومات، ويُحفّز تجارب المستهلكين، كما كتبت لويزا لوران(*).

رؤى أوضح مقابل نقاط ضعف قيادية

لكن بينما يَعِد الذكاء الاصطناعي برؤى أكثر وضوحاً وسرعة في اتخاذ الإجراءات، فإنه يُسرّع أيضاً من ظهور نقاط ضعف يُعاني منها القادة بالفعل.

المفارقة هي أنه يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُوسّع الأفق، لكن إذا استُخدم دون بصيرة صحيحة، فإنه يُضيّقه. وعندما تتلاقى هذه الجوانب السلبية من نقاط الضعف مع سرعة تبني الذكاء الاصطناعي في العمل فإن العواقب تتضاعف.

لقد رأيتُ هذا يتجلّى في مختلف القطاعات -من خلال أدواري القيادية في «غوغل»، و«ميرسك Maersk»، و«دياغيو Diageo»، وفي تقديم المشورة للمديرين التنفيذيين الذين يُشكّلون بعضاً من كبرى المؤسسات في العالم. إن النمط واضح: التكنولوجيا لا تتوقف عند نقاط الضعف، بل بدلاً من تنبيهنا إليها فإنها تمحو آثارها -حتى تنزلق الميزة التنافسية بهدوء.

تقليص نقاط الضعف بالذكاء الاصطناعي

إليكم ثلاث طرق يوسع بها الذكاء الاصطناعي نقاط الضعف وكيفية تقليصها.

1. البيانات من دون سياق- راحة زائفة. يتخذ كل ذكاء اصطناعي شكله، بما أمكنه الوصول إليه. وإن كان الذكاء الاصطناعي التوليدي يسترشد بالاحتمالية، فإن الذكاء الاصطناعي الوكيل يعمل بناءً على البيانات التي تم تدريبه عليها. وكلاهما لا يفيد إلا بقدر السياق الذي يمكنه رؤيته.

هنا تظهر أول نقطة ضعف: يخطئ القادة في اعتبار مخرجات الذكاء الاصطناعي واقعاً بحد ذاته، متناسين أن النظام محدود بمدخلاته. قد تتوهج لوحة المعلومات باللون الأخضر، أو قد يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات دقيقة -لكن الدقة من دون سياق راحة زائفة.

قد يبدو هذا تحدياً مألوفاً، حيث يمكن أن يجعل الاعتماد على مؤشرات الأداء الرئيسية الثابتة التقدم الداخلي يبدو مقنعاً، ولكنه يفشل في ربطه بالتحولات الحقيقية في السوق.

إن تطبيق الذكاء الاصطناعي على هذه المقاييس سيعزز هذا الاختلال. فإذا طُبقت قواعد العمل على مستوى منخفض جداً في المؤسسة أو العملية، فسيحدث نقص في التحسين. وفي سياق الذكاء الاصطناعي، يتفاقم هذا على نطاق واسع، مما يُقيد عدم الكفاءة في كل قرار آلي.

* كيفية معالجة نقاط الضعف: انتقلْ من التحقق من صحة ما تتابعه بالفعل إلى استكشاف ما لم تره بعد. تعاملْ مع البيانات على أنها مجال للاختبار، لا بوصفها لوحة معلومات للتأكيد. اسألْ: أين تظهر التناقضات؟ وأين تتعارض الإشارات؟ وأين تكشف أطراف النظام عن شيء مختلف عن المركز؟ تتقلص النقاط العمياء عندما يكون القادة فضوليين بما يكفي لاستكشاف الشذوذ بدلاً من تفسيره.

2. الاستعانة بمصادر خارجية للحكم تُضعف القيمة الأساسية. تظهر نقطة ضعف سلبية (عمياء) أخرى متنامية عندما تُلقى مسؤولية كبيرة على الأنظمة الخارجية أو الشركاء.

الذكاء الاصطناعي قوي، لكنه ليس محايداً. إذا استعان القادة بمصادر خارجية لإصدار الأحكام دون الاستفادة من خبراتهم الخاصة، فإنهم يخاطرون بتفريغ القيمة ذاتها التي تُميّز أعمالهم.

فكّر في الأمر بهذه الطريقة: لديك معرفة شخصية، ومعرفة جماعية داخل شركة أو مؤسسة، ومعرفة عالمية. تسعى الشركات بطبيعتها إلى ربط الذكاء الجماعي والاستفادة منه، فلماذا، عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، يُهمل الكثيرون ضرورة مشاركة المعرفة ووضعها في سياقها وتحديثها بنشاط للحفاظ على قيمتها؟

قد تُحقق إدارة التكاليف من خلال الاستعانة بمصادر خارجية لمراكز الاتصال وفورات ملموسة، لكنها تُحوّل أيضاً رؤى العملاء القيّمة خارج نطاق العمل.

* كيفية معالجة الجوانب السلبية: مع أن الذكاء الاصطناعي ضروري للكفاءة والعمليات المستقبلية، إلا أن الاستراتيجية يجب أن تُعطى الأولوية. اعرف عرضك -القيمة الحالية والمستقبلية- وابنِ نهجك في الذكاء الاصطناعي بناءً على ذلك، وليس على توافر البرامج المُدربة مسبقاً، أو أسعار الشركاء، أو سهولة استخدام ما يقدمه الآخرون. اسأل: مَن يستفيد من البيانات التي تحتفظ بها؟ ومَن لديه حق الوصول إلى البيانات التي قد تساعدك على النمو؟ في العديد من القطاعات، سيصبح هذا أساساً لنماذج إيرادات جديدة وشراكات أعمق -أو سبيلاً للتخلص من تلك التي تفتقر إلى الوضوح الاستراتيجي.

3. الفخ المعرفي وراء الراحة الخوارزمية

حتى مع وجود بيانات واسعة ومتطورة ووضوح استراتيجي قوي، لا يزال الذكاء الاصطناعي قادراً على حصر القادة في حلقات من المتاهات. لقد صُممت الخوارزميات للتعلم من الأنماط، لكن الأنماط ليست مثل الرؤى؛ فهي تُعزز، افتراضياً، ما هو الأكثر تمثيلاً، وليس ما هو أكثر ما تتعرف عليه البصيرة النافذة.

الذكاء الاصطناعي يعكس اليقين الذي يتوق إليه القادة، مُسرّعاً من سرعة ترسيخ الافتراضات غير المُختبرة لتتحول إلى استراتيجية. والنتيجة هي تضييق في الرؤية -أكثر إقناعاً، وأسرع حركة، وأصعب كشفاً بالبصر. إذا تُركت دون رادع، هكذا تجد المؤسسات نفسها عالقة في أنماط مألوفة بينما يُعيد المنافسون تعريف السوق من حولهم.

* كيفية معالجة الجوانب السلبية: يكمن الحل في البقاء على أرض الواقع بما يكفي لملاحظة متى يصبح اليقين راحةً بدلاً من أن يكون حقيقة. هذا يعني التساؤل واستبعاد الافتراضات التي لم تعد تُجدي نفعاً، والسماح بإعادة اختبار الرواية في ضوء واقع اليوم والغد.

الضعف هو إشارة إلى مواضع عدم تحديث الافتراضات. دعْ هذه النقاط تطفو على السطح، واعترف بما يتطلبه الأمر لتغيير رأيك، وكن فضولياً بشأن ما يمكن أن يناسبك، واستكشف اتجاهات ناشئة جديدة لتشكيل إطار جديد. القادة الذين يجسدون هذا الموقف يوسعون مجال رؤيتهم ويمنعون الذكاء الاصطناعي من ترسيخ النقاط العمياء وتحويلها إلى استراتيجية.

الذكاء الاصطناعي يختبر القيادة

الخيط الذي يربط النقاط العمياء الثلاث هو نفسه: الذكاء الاصطناعي لا يلغي حدود الحكم البشري، بل يضخِّمها. إنه يُعزز ما إذا كانت الشركة منسجمة أم مجزأة، منعزلة أم متناغمة، سواء كان القادة فضوليين أم راضين، سواء كانت الاستراتيجية نشطة أم سلبية.

والاختبار الحقيقي لا يكمن في سرعة التبني، بل في الوعي الذي يُحدثه القادة -هل يستطيعون البقاء منفتحين بما يكفي لتحدي ما يبدو مؤكداً، مع التمسك بما يُحدد قيمتهم حقاً؟ يتطلب ذلك بناء منصة للتواصل، حيث تُغذي وجهات النظر المتنوعة النظام -ما يربط بين الأفراد والبيانات- ويضمن ثقافة وصول إلى البيانات لا يُرحَّب فيها بالاستكشاف نحو طموح مشترك فحسب، بل يُتوقع منه أيضاً. وهذا يُمهد الطريق ليس فقط لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بل للنمو معه.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا

منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا
TT

منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا

منهج جينومي جديد يُسرّع تشخيص الأمراض النادرة في بريطانيا

يشهد علم الجينوم نقلة نوعية غير مسبوقة مع ظهور منهجين متكاملين أحدثا فرقاً ملموساً في حياة مئات العائلات التي تكافح لفهم الأسباب الحقيقية وراء حالات وراثية نادرة.

منهج جينومي

وفي حين أعلن علماء معهد ويلكوم سانغر وجينوميكس إنغلاند في المملكة المتحدة عن تطوير منهج جينومي قادر على كشف طفرات بنيوية معقّدة طالما استعصت على الفحوص التقليدية، أظهرت دراسة ثانية من مستشفى «غريت أورموند ستريت» في لندن أن إدخال تسلسل الجينوم الكامل ضمن خدمات هيئة الصحة البريطانية NHS ساعد الأطفال المصابين بالأمراض النادرة على الوصول إلى التشخيص والرعاية المناسبة بشكل أسرع من أي وقت مضى.

وترسم هذه التطورات المتزامنة ملامح مرحلة جديدة في فهم الجينوم البشري، قائمة على رؤية أوسع للطفرات الوراثية وقدرة أعلى على تفسير الحالات المعقدة التي كانت تُعدّ «لغزاً طبياً» لسنوات طويلة.

كشف الطفرات البنيوية وإعادة رسم حدود التشخيص

تركز الاختبارات الجينية التقليدية على الطفرات الصغيرة التي تصيب قاعدة واحدة في الحمض النووي لكنها غالباً ما تُخفق في كشف الطفرات البنيوية Structural Variants وهي تغيّرات واسعة تشمل حذفاً أو تكراراً أو إعادة ترتيب لمقاطع طويلة من الجينوم تزيد على 50 قاعدة.

وقد تكون هذه الطفرات السبب الأساسي لاضطرابات عصبية أو نمائية أو جسدية لكنها تظل «غير مرئية» عندما يُحلَّل الجينوم على شكل مقاطع صغيرة متفرقة.

وقد شبّه الباحثون الأمر مجازياً بمحاولة قراءة كتاب تمزقت جُمله إلى قصاصات صغيرة قد نفهم جزءاً من القصة لكن الصورة الكاملة تبقى ناقصة.

مشروع «مائة ألف جينوم»

من هنا جاء المنهج الجديد الذي اعتمد على تحليل بيانات 13 ألفاً و700 فرد من الآباء والأطفال ضمن مشروع مائة ألف جينوم. ومن خلال خوارزميات متقدمة تمكن الفريق من اكتشاف 1870 طفرة بنيوية، كثير منها لم يكن قابلاً للكشف سابقاً. كما اتضح أن واحدة من كل ثماني طفرات معقّدة ومتشابكة وهي الأصعب رصداً بالفحوص السريرية التقليدية.

وقاد هذا التحليل العميق إلى تحديث أو تقديم تشخيصات جديدة لـ145 طفلاً بينهم نحو 60 يحملون طفرات بنيوية معقدة لم يكن بالإمكان اكتشافها من قبل.

وقال الدكتور هيونتشول جونغ المؤلف الأول للدراسة من معهد ويلكوم سانغر في المملكه المتحده في الورقة البحثية المنشورة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عبر دورية Nature Communications إن هذا المنهج يتيح لنا رؤية بنية الجينوم بعمق غير مسبوق. ولم نعد نكتفي بمعرفة وجود حذف أو تكرار بل نفهم كيفية تفاعل هذه التغيّرات معاً وكيف تؤثر على بيولوجيا المريض.

وأضاف أن هذه الخطوة تفتح الباب أمام عصر جديد في تشخيص الأمراض الوراثية النادرة وتفسيرها. ونحن الآن نرى بنية الجينوم بطريقة لم تكن ممكنة سابقاً. ولم نعد نبحث فقط عمّا إذا كان هناك حذف أو تكرار بل نفهم كيف تتفاعل هذه التغيّرات معاً وتؤثر على وظيفة الجينات.

التشخيص المبكر... قوة تُعيد الأمل للعائلات

وفي موازاة هذا التقدّم العلمي اللافت كشفت دراسة حديثة أخرى من مستشفى غريت أورموند ستريت للأطفال في لندن ونُشرت في Genetics in Medicine في 2 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن نتائج تحمل بارقة أمل لآلاف العائلات. وقد بيّنت الدراسة أن اعتماد تسلسل الجينوم الكامل ضمن خدمات هيئة الصحة البريطانية لم يُسرّع فقط عملية التشخيص بل رفع دقته بشكل ملحوظ في حالات كانت تُعَدّ من أكثر الأمراض ندرة وتعقيداً.

وحلّل الباحثون بيانات 500 طفل خضعوا للفحص عبر خدمة الطب الجينومي وقارنوها ببيانات 2.000 طفل من مشروع «الجينومات المائة ألف». وكانت المفاجأة أن معدل التشخيص ارتفع من 22 في المائة إلى 29 في المائة، وأن الأطفال باتوا يحصلون على تشخيص واضح قبل عامين كاملين من العمر الذي كان يحدث فيه ذلك سابقاً وهي فترة حاسمة في حياة طفل يعاني من مرض وراثي غامض.

ووصفت الدكتورة إيما ويكلينغ استشارية الوراثة السريرية والمسؤولة عن الدراسة هذا التطور بأنه «تحوّل جذري في مسار الرعاية». وقالت إن الرؤى التي قدمها مشروع المائة ألف جينوم مكّنتنا من إعادة تشكيل خدماتنا، إذ إن التشخيص المبكر لا يمنح العائلات وضوحاً فحسب بل يمكّننا من التدخل في اللحظة المناسبة ومنح الأطفال أفضل فرصة ممكنة للرعاية والعلاج.

وأوضحت ويكلينغ أن قوة هذا الفحص لا تكمن فقط في نتائجه الأولية، بل أيضاً في إمكانية إعادة تحليل البيانات مستقبلاً كلما كشفت الأبحاث عن تغيّرات جينية جديدة. مضيفة أن هذا يعني أن العائلات التي لا تمتلك اليوم خيارات علاجية قد تحصل غداً على إجابات... وربما علاجات.

بهذا التقدم يبدو أن علم الجينوم لا يقدّم تشخيصاً مبكراً فحسب بل يفتح باباً واسعاً للأمل ولرحلة جديدة تقود إلى فهم أدقّ وعلاج أسرع للأطفال الأكثر هشاشة.

مستقبل الطب الجينومي

يجمع المنهجين: منهج كشف الطفرات البنيوية المعقدة، والتشخيص المبكر عبر تسلسل الجينوم الكامل، خيط واحد؛ هو الرغبة في بناء صورة أكثر شمولاً لجينوم الإنسان.

هذه الصورة الموسّعة ستسمح بفهم أفضل لمسار الأمراض النادرة وتوقع المضاعفات قبل حدوثها ثم تصميم علاجات شخصية ودقيقة، وأخيرا إعادة تحليل البيانات مستقبلاً مع اكتشاف طفرات جديدة.

وتؤكد البروفسورة دام سو هيل كبيرة المسؤولين العلميين في هيئة الصحة البريطانية أن الطب الجينومي يمنح العائلات بارقة أمل ويقدم للأطفال تشخيصاً أوضح وأسرع، وهو ما يفتح الباب لرعاية أكثر فاعلية.

ومع تطور أدوات تحليل الجينوم يصبح من الواضح أن النظر إلى ما هو أبعد من الطفرات الصغيرة وإلى الطفرات البنيوية الواسعة قد يكون المفتاح لفهم ما ظل لسنوات خارج نطاق التفسير العلمي.

ولكثير من العائلات، فإن مجرد الحصول على إجابة هو نقطة تغيير كبرى وبداية رحلة جديدة نحو فهم الواقع وتخفيف القلق ووضع خطوات واضحة للمستقبل.