سلافوج جيجيك... سقراط معاصر يتجول في طرقات القرية العالمية

«أخطر فلاسفة الغرب» يدخل عقده الثامن ولا يزال مشاكساً

سلافوج جيجيك
سلافوج جيجيك
TT

سلافوج جيجيك... سقراط معاصر يتجول في طرقات القرية العالمية

سلافوج جيجيك
سلافوج جيجيك

هو «أخطر فلاسفة الغرب على الإطلاق»، كما أطلق عليه البعض، بينما يراه آخرون «ألفيس بريسلي الفلسفة والسياسة المعاصرة». يعده تلاميذه كما سقراط معاصر، يتجول في طرقات القرية العالميّة، ليفسد الشباب ويعلمهم البحث عن التعقيد وراء المألوف والمعتاد، وطرح الأسئلة بدلاً من قبول الديموغاجيّات، في حين يكثر أعداؤه المتوزعين على مروحة واسعة من اليمين المحافظ إلى اليسار ما بعد الماركسي، وما بينهما من أطياف السياسة، بمن فيهم الليبراليون ودعاة المثليّة، وحتى حراك «أنا أيضاً» (#Me_Too) الأخير. إنّه سلافوج جيجيك (ولد 1949) الفيلسوف المفكر المنظّر السلوفيني (يوغسلافيا السابقة) المحلّق دائماً في فضاء تقاطع الفلسفة مع السياسة والتحليل النفسي والثقافة الشعبيّة، الذي دخل العقد الثامن من عمره قبل أيّام.
شهرة جيجيك الفائقة لم تكن وليدة مهنته الأكاديميّة، بروفسوراً وباحثاً في مجموعة من أفضل الجامعات عبر أوروبا والولايات المتحدة منذ 1979، ولا سيل كتاباته التي نشر منها ما يزيد على الخمسين كتاباً، ترجم معظمها إلى لغات العالم الحيّة جلّها، وباعت عدّة ملايين من النسخ، أو أفلامه الوثائقيّة ذائعة الصيت، ولا حتى مواقفه اليساريّة المستفزة لمختلف الأطراف، بقدر ما هي نتيجة الحضور الشخصي له في المحاضرات والنقاشات والمقابلات، فكأنه محرّك آلة ضخمة تنتج الأفكار ولا تهدأ، خالطاً الجدّ بالهزل، والذّكاء بالبذاءة، والاندفاع بالتشاؤم.
هذا الحضور المسلّي - إذا شئت - جلب له أضواء العالم، لكنّه أيضاً جعل كثيرين يتابعونه دون أن يأخذوا أفكاره الجدليّة العميقة الشجاعة مأخذ الجد، وهو أمر يتسّبب له بالإحباط.
انطلق جيجيك فكرياً من الأجواء النظريّة لمدرسة فرانكفورت، والنقد الماركسي للآيديولوجيا بجامعة ليوليانا بيوغسلافيا السابقة، وقد حصل على أوّل درجة دكتوراه عام 1981، لينخرط بعدها سياسياً في النضال (السلميّ) ضد حكم الماريشال جوزيف توتو. وقد كتب حينها مقالاً أسبوعياً في واحدة من صحف بلاده، خلط فيها مفاهيم الفلسفة المثالية الألمانية مع أفكار الماركسية الجديدة، كما عند الفرنسي لويس التوسير. تلك المقالات، إلى جانب محاضراته، كان لهما دوراً مهماً في تشكيل الوعي النظري للطلاّب من المعارضين للنظام الاشتراكي، فرشحه الحزب الديمقراطي الليبرالي (عام 1990) لنيل مقعد في الرئاسة الرباعيّة لبلاده سلوفينيا، بعد تفكك يوغسلافيا، لكنّه خسر حينها بفرق ضئيل. فرنسا كانت محطته الفكريّة التاليّة، ليس تأثراً بالمناخ الفلسفي اليساري لعاصمة مدينة الأنوار، بل للبحث في أفكار التحليل النفسي، كما عند الفرنسي جيكوبس لاكان. وقد حصل بباريس على درجة ثانية للدكتوراه حول مسائل مرتبطة بالمنهج (اللاكانيّ) في التحليل النفسي، وتتلمذ على يد البروفسور جيكوبس - ألان ميللر، زوج ابنة لاكان ووريثه المهنيّ، وهو المنهج الذي أصبح من وقتها الضلع الثالث لمثلث العقل (الجيجيكيّ)، إلى جانب الفلسفة الهيغلية والماركسية.
نصوص جيجيك، سواء في كتبه المنشورة أو مقالاته العلميّة المحكمة أو تلك الصحافية، تتراصف في ثلاثة أقانيم: الفلسفة التي يعدّها أهم إنتاجه، والسياسة التي يراها طروحات للاستفزاز وإثارة التفكير أكثر منها مواقف نهائيّة حاسمة، وأيضاً نقد الثقافة الشعبيّة والفنون المعاصرة، لا سيما السينما التي كتب فيها ما يقارب الخمسين مراجعة لأفلام مهمة، أصبحت في مجموعها بمثابة مدرسة مستقّلة للتحليل السينمائي. ورغم أن كثيرين يعتبرون كتابه «الموضوع الأرفع للآيديولوجيا» (The Sublime Object of Ideology) (1989)، وكتب مقدمته المفكّر الأرجنتيني المعروف أرنستو لاكلاو، تحفة إنتاجه، فإنه شخصياً يرى موقفه الفلسفي - حتى الآن على الأقل - ملخصاً في كتابه «الردّة الكاملة» (Absolute Recoil) (2014). وبين النصيّن، يمكن أن ترى التأثير العميق لهيغل والديالكتيك المادي في تطوّر أفكاره وتحولاتها، كما شجاعته المذهلة بمطاردة المعنى، وفق التقليد اللاكاني، بأن الأحداث المستجدة تعيد صياغة فهم الشخص عن الماضي في إطار مختلف. جيجيك على أبواب العقد الثامن بات أقرب لفكرة موت الفلسفة، وتولي العلوم الحديثة مكانها، للبحث في أسئلة الوجود الكبرى.
وبالطبع، فإن نصوصه السياسيّة هي الأكثر رواجاً، وفيها يُسجّل انطباعاته عن تطورات الأحداث، ومواقفه منها، منتقداً آليات عمل المنظومة الرأسماليّة في عهدها المتأخر. تلك النصوص تجلب له عادة الانتقادات، من اليمين واليسار على حدّ سواء، وهو ما يراه تأكيداً على صحّة ما ذهب إليه - ولو مرحلياً - متأسياً في ذلك بالمفكر الفرنسي جان بول سارتر الذي أغضب الجميع. ولعل مواقفه بشأن المسألة الفلسطينية تعد مثالاً كلاسيكياً، إذ إن بعض العرب هاجموه كمتصهين متعاطف مع الكيان الاستعماري الإسرائيلي، بينما وصفته صحف إسرائيلية بأنه نسخة خطرة لنوع جديد من اللاسامية، كما أن موقفه المرحب بالظاهرة الدموية التي سماها الإعلام الغربي «الربيع العربي» كشف عن تسرعه بإطلاق الأحكام دون تعمق كافٍ في جذورها ومنطلقاتها، وهو يعزو هذا التناقض في المواقف حول النصّ ذاته إلى أن معظم الناس لا يقرؤون، وإذا قرأوا فإنّهم يكتفون بخلاصات سريعة أو مقاطع مجتزأة، دون ربط للأمور بكلياتها، أو هم لا يفهمون النصوص على عمومها لغياب الخبرة والدراية بموضوعاتها.
لا يهاب جيجيك من المبارزات الفكريّة الحامية، سواء مع نظرائه المفكرين الكبار، أمثال الإيطالي أنطونيو نيغري والفرنسي ألان باديو، كما مع نجوم الثقافة الشعبية، أمثال الكندي جوردان بيترسون، وحراك «#Me_Too» الأميركي، أو حتى النصوص المؤسسة للفكر المعاصر (تفكيكيّة جيكوبس دريدا، وما بعد حداثة جان - فرنسوا ليتوار). وتستقطب تلك المواجهات جمهوراً ومشاهدين وقراء بأعداد غفيرة، كما لو كان صاحبنا نجم موسيقى روك معروفاً. وهو أحياناً لا يكتفي بما قيل وقت المبارزة لأن عقله المدهش لا يتوقف عن (عجن) الأفكار طوال الوقت، وينتج منها معاني جديدة، وعدّة مرّات، ولذا فهو كثيراً ما يستمر في المنازلات حتى بعد انقضائها.
وقد اتّهمه كثيرون بالترّويج من خلال فذلكاته اللاذعة، ونكته البذيئة أحياناً، للمنهج الشمولي الستاليني الطابع، وهم يستشهدون بالصورتين الكبيرتين لجوزيف ستالين اللتين يحتفظ بهما في بيته. لكن أولئك حتماً لا يفهمون روح النكتة التي تقمصته، وأصبحت مع عشقه الدائم للاستفزاز والمجادلة جزءاً لا يتجزأ من كينونته التي لا يمكن إدانتها بسهولة.
لا يمل جيجيك من نقد الرأسماليّة، والكشف عن أياديها الكثيرة التي تطبق على أرواح البشر، لكنه ليس يسارياً بالمفهوم الطفولي المتفائل بتحرير البشرية من ظلمة العيش في ظل الرأسمالية، ومن ثم استبدالها بجنة الشيوعيّة، فهو يرى أن الشيوعية بذاتها مفهوم مبهم، وأن الشيوعيين الطفوليين في قناعتهم تلك فوكوياميّو النزعة (نسبة إلى الأميركي فوكويامو صاحب مقولة «نهاية التاريخ») أكثر من كونهم ماركسيين، كما أن تغييب الرأسماليّة لا يعني بالضرورة أن المنظومة البديلة - سمّها ما شئت - ستكون أرحم بالبشر منها.
هو مصاب هذه الأيّام بمرض السكري الذي يقلل من طاقته وقدرته على المناورة، لا سيّما لعدد الساعات التي يمكن أن يقضيها في الجدل، لكنّ ذلك لا يمنع تدّفق أفكاره، أو يؤثر على قدرته المدهشة في قراءة الأحداث والتحولات بمنظار مختلف عما ينتهي إليه معظم الناس، كما أنه شخصياً لا يعتبر أنه قال كلمته الأخيرة بعد، لا في الفلسفة ولا في السياسة، ولا حتى في نقد الثقافة الشعبية. ولذا فإن عقد مفكرنا الثامن قد يكون فعلياً أخصب فترات عطائه الفكري، ولن يجد له السأم طريقاً. لقد استعانت به مجلّة «السبكتاتور» البريطانيّة اليمينيّة مؤخراً لاستعادة اهتمام القراء الذين يعزفون عنها بشكل متزايد، فكتب مراجعة للفيلم السينمائي المكسيكي الفائز بعدة جوائز أوسكار (روما)، أصبحت خلال 24 ساعة بعد نشرها من أكثر المقالات تداولاً على الإنترنت، وكادت تتسبب بعطل لموقع المجلّة الإلكتروني لكثافة الإقبال المفاجئ عليه. «السبكتاتور» بالطبع تعرف الميول اليساريّة لجيجيك، لكنها تعلم أكثر من غيرها أنه لا فيلسوفاً يمينياً على قيد الحياة يمتلك القدرة على استدعاء متابعين عبر العالم مثله. وهو كان سعيداً بالكتابة ولو مجاناً لمتعة أن يفاجئ الجمهور المحافظ بطلّته المستفزّة.



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.