سلافوج جيجيك... سقراط معاصر يتجول في طرقات القرية العالمية

«أخطر فلاسفة الغرب» يدخل عقده الثامن ولا يزال مشاكساً

سلافوج جيجيك
سلافوج جيجيك
TT

سلافوج جيجيك... سقراط معاصر يتجول في طرقات القرية العالمية

سلافوج جيجيك
سلافوج جيجيك

هو «أخطر فلاسفة الغرب على الإطلاق»، كما أطلق عليه البعض، بينما يراه آخرون «ألفيس بريسلي الفلسفة والسياسة المعاصرة». يعده تلاميذه كما سقراط معاصر، يتجول في طرقات القرية العالميّة، ليفسد الشباب ويعلمهم البحث عن التعقيد وراء المألوف والمعتاد، وطرح الأسئلة بدلاً من قبول الديموغاجيّات، في حين يكثر أعداؤه المتوزعين على مروحة واسعة من اليمين المحافظ إلى اليسار ما بعد الماركسي، وما بينهما من أطياف السياسة، بمن فيهم الليبراليون ودعاة المثليّة، وحتى حراك «أنا أيضاً» (#Me_Too) الأخير. إنّه سلافوج جيجيك (ولد 1949) الفيلسوف المفكر المنظّر السلوفيني (يوغسلافيا السابقة) المحلّق دائماً في فضاء تقاطع الفلسفة مع السياسة والتحليل النفسي والثقافة الشعبيّة، الذي دخل العقد الثامن من عمره قبل أيّام.
شهرة جيجيك الفائقة لم تكن وليدة مهنته الأكاديميّة، بروفسوراً وباحثاً في مجموعة من أفضل الجامعات عبر أوروبا والولايات المتحدة منذ 1979، ولا سيل كتاباته التي نشر منها ما يزيد على الخمسين كتاباً، ترجم معظمها إلى لغات العالم الحيّة جلّها، وباعت عدّة ملايين من النسخ، أو أفلامه الوثائقيّة ذائعة الصيت، ولا حتى مواقفه اليساريّة المستفزة لمختلف الأطراف، بقدر ما هي نتيجة الحضور الشخصي له في المحاضرات والنقاشات والمقابلات، فكأنه محرّك آلة ضخمة تنتج الأفكار ولا تهدأ، خالطاً الجدّ بالهزل، والذّكاء بالبذاءة، والاندفاع بالتشاؤم.
هذا الحضور المسلّي - إذا شئت - جلب له أضواء العالم، لكنّه أيضاً جعل كثيرين يتابعونه دون أن يأخذوا أفكاره الجدليّة العميقة الشجاعة مأخذ الجد، وهو أمر يتسّبب له بالإحباط.
انطلق جيجيك فكرياً من الأجواء النظريّة لمدرسة فرانكفورت، والنقد الماركسي للآيديولوجيا بجامعة ليوليانا بيوغسلافيا السابقة، وقد حصل على أوّل درجة دكتوراه عام 1981، لينخرط بعدها سياسياً في النضال (السلميّ) ضد حكم الماريشال جوزيف توتو. وقد كتب حينها مقالاً أسبوعياً في واحدة من صحف بلاده، خلط فيها مفاهيم الفلسفة المثالية الألمانية مع أفكار الماركسية الجديدة، كما عند الفرنسي لويس التوسير. تلك المقالات، إلى جانب محاضراته، كان لهما دوراً مهماً في تشكيل الوعي النظري للطلاّب من المعارضين للنظام الاشتراكي، فرشحه الحزب الديمقراطي الليبرالي (عام 1990) لنيل مقعد في الرئاسة الرباعيّة لبلاده سلوفينيا، بعد تفكك يوغسلافيا، لكنّه خسر حينها بفرق ضئيل. فرنسا كانت محطته الفكريّة التاليّة، ليس تأثراً بالمناخ الفلسفي اليساري لعاصمة مدينة الأنوار، بل للبحث في أفكار التحليل النفسي، كما عند الفرنسي جيكوبس لاكان. وقد حصل بباريس على درجة ثانية للدكتوراه حول مسائل مرتبطة بالمنهج (اللاكانيّ) في التحليل النفسي، وتتلمذ على يد البروفسور جيكوبس - ألان ميللر، زوج ابنة لاكان ووريثه المهنيّ، وهو المنهج الذي أصبح من وقتها الضلع الثالث لمثلث العقل (الجيجيكيّ)، إلى جانب الفلسفة الهيغلية والماركسية.
نصوص جيجيك، سواء في كتبه المنشورة أو مقالاته العلميّة المحكمة أو تلك الصحافية، تتراصف في ثلاثة أقانيم: الفلسفة التي يعدّها أهم إنتاجه، والسياسة التي يراها طروحات للاستفزاز وإثارة التفكير أكثر منها مواقف نهائيّة حاسمة، وأيضاً نقد الثقافة الشعبيّة والفنون المعاصرة، لا سيما السينما التي كتب فيها ما يقارب الخمسين مراجعة لأفلام مهمة، أصبحت في مجموعها بمثابة مدرسة مستقّلة للتحليل السينمائي. ورغم أن كثيرين يعتبرون كتابه «الموضوع الأرفع للآيديولوجيا» (The Sublime Object of Ideology) (1989)، وكتب مقدمته المفكّر الأرجنتيني المعروف أرنستو لاكلاو، تحفة إنتاجه، فإنه شخصياً يرى موقفه الفلسفي - حتى الآن على الأقل - ملخصاً في كتابه «الردّة الكاملة» (Absolute Recoil) (2014). وبين النصيّن، يمكن أن ترى التأثير العميق لهيغل والديالكتيك المادي في تطوّر أفكاره وتحولاتها، كما شجاعته المذهلة بمطاردة المعنى، وفق التقليد اللاكاني، بأن الأحداث المستجدة تعيد صياغة فهم الشخص عن الماضي في إطار مختلف. جيجيك على أبواب العقد الثامن بات أقرب لفكرة موت الفلسفة، وتولي العلوم الحديثة مكانها، للبحث في أسئلة الوجود الكبرى.
وبالطبع، فإن نصوصه السياسيّة هي الأكثر رواجاً، وفيها يُسجّل انطباعاته عن تطورات الأحداث، ومواقفه منها، منتقداً آليات عمل المنظومة الرأسماليّة في عهدها المتأخر. تلك النصوص تجلب له عادة الانتقادات، من اليمين واليسار على حدّ سواء، وهو ما يراه تأكيداً على صحّة ما ذهب إليه - ولو مرحلياً - متأسياً في ذلك بالمفكر الفرنسي جان بول سارتر الذي أغضب الجميع. ولعل مواقفه بشأن المسألة الفلسطينية تعد مثالاً كلاسيكياً، إذ إن بعض العرب هاجموه كمتصهين متعاطف مع الكيان الاستعماري الإسرائيلي، بينما وصفته صحف إسرائيلية بأنه نسخة خطرة لنوع جديد من اللاسامية، كما أن موقفه المرحب بالظاهرة الدموية التي سماها الإعلام الغربي «الربيع العربي» كشف عن تسرعه بإطلاق الأحكام دون تعمق كافٍ في جذورها ومنطلقاتها، وهو يعزو هذا التناقض في المواقف حول النصّ ذاته إلى أن معظم الناس لا يقرؤون، وإذا قرأوا فإنّهم يكتفون بخلاصات سريعة أو مقاطع مجتزأة، دون ربط للأمور بكلياتها، أو هم لا يفهمون النصوص على عمومها لغياب الخبرة والدراية بموضوعاتها.
لا يهاب جيجيك من المبارزات الفكريّة الحامية، سواء مع نظرائه المفكرين الكبار، أمثال الإيطالي أنطونيو نيغري والفرنسي ألان باديو، كما مع نجوم الثقافة الشعبية، أمثال الكندي جوردان بيترسون، وحراك «#Me_Too» الأميركي، أو حتى النصوص المؤسسة للفكر المعاصر (تفكيكيّة جيكوبس دريدا، وما بعد حداثة جان - فرنسوا ليتوار). وتستقطب تلك المواجهات جمهوراً ومشاهدين وقراء بأعداد غفيرة، كما لو كان صاحبنا نجم موسيقى روك معروفاً. وهو أحياناً لا يكتفي بما قيل وقت المبارزة لأن عقله المدهش لا يتوقف عن (عجن) الأفكار طوال الوقت، وينتج منها معاني جديدة، وعدّة مرّات، ولذا فهو كثيراً ما يستمر في المنازلات حتى بعد انقضائها.
وقد اتّهمه كثيرون بالترّويج من خلال فذلكاته اللاذعة، ونكته البذيئة أحياناً، للمنهج الشمولي الستاليني الطابع، وهم يستشهدون بالصورتين الكبيرتين لجوزيف ستالين اللتين يحتفظ بهما في بيته. لكن أولئك حتماً لا يفهمون روح النكتة التي تقمصته، وأصبحت مع عشقه الدائم للاستفزاز والمجادلة جزءاً لا يتجزأ من كينونته التي لا يمكن إدانتها بسهولة.
لا يمل جيجيك من نقد الرأسماليّة، والكشف عن أياديها الكثيرة التي تطبق على أرواح البشر، لكنه ليس يسارياً بالمفهوم الطفولي المتفائل بتحرير البشرية من ظلمة العيش في ظل الرأسمالية، ومن ثم استبدالها بجنة الشيوعيّة، فهو يرى أن الشيوعية بذاتها مفهوم مبهم، وأن الشيوعيين الطفوليين في قناعتهم تلك فوكوياميّو النزعة (نسبة إلى الأميركي فوكويامو صاحب مقولة «نهاية التاريخ») أكثر من كونهم ماركسيين، كما أن تغييب الرأسماليّة لا يعني بالضرورة أن المنظومة البديلة - سمّها ما شئت - ستكون أرحم بالبشر منها.
هو مصاب هذه الأيّام بمرض السكري الذي يقلل من طاقته وقدرته على المناورة، لا سيّما لعدد الساعات التي يمكن أن يقضيها في الجدل، لكنّ ذلك لا يمنع تدّفق أفكاره، أو يؤثر على قدرته المدهشة في قراءة الأحداث والتحولات بمنظار مختلف عما ينتهي إليه معظم الناس، كما أنه شخصياً لا يعتبر أنه قال كلمته الأخيرة بعد، لا في الفلسفة ولا في السياسة، ولا حتى في نقد الثقافة الشعبية. ولذا فإن عقد مفكرنا الثامن قد يكون فعلياً أخصب فترات عطائه الفكري، ولن يجد له السأم طريقاً. لقد استعانت به مجلّة «السبكتاتور» البريطانيّة اليمينيّة مؤخراً لاستعادة اهتمام القراء الذين يعزفون عنها بشكل متزايد، فكتب مراجعة للفيلم السينمائي المكسيكي الفائز بعدة جوائز أوسكار (روما)، أصبحت خلال 24 ساعة بعد نشرها من أكثر المقالات تداولاً على الإنترنت، وكادت تتسبب بعطل لموقع المجلّة الإلكتروني لكثافة الإقبال المفاجئ عليه. «السبكتاتور» بالطبع تعرف الميول اليساريّة لجيجيك، لكنها تعلم أكثر من غيرها أنه لا فيلسوفاً يمينياً على قيد الحياة يمتلك القدرة على استدعاء متابعين عبر العالم مثله. وهو كان سعيداً بالكتابة ولو مجاناً لمتعة أن يفاجئ الجمهور المحافظ بطلّته المستفزّة.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.