نساء غيرن مسار الإعلام الغربي وقصصهن مهدت لفرص الجيل الجديد

تميزن في العمل الاستقصائي وإدارة التحرير

اشتهرت دوروثي لانغ في مجال التوثيق الفوتوغرافي... صورة أرشيفية من إحدى مهماتها عام 1936 (غيتي)
اشتهرت دوروثي لانغ في مجال التوثيق الفوتوغرافي... صورة أرشيفية من إحدى مهماتها عام 1936 (غيتي)
TT

نساء غيرن مسار الإعلام الغربي وقصصهن مهدت لفرص الجيل الجديد

اشتهرت دوروثي لانغ في مجال التوثيق الفوتوغرافي... صورة أرشيفية من إحدى مهماتها عام 1936 (غيتي)
اشتهرت دوروثي لانغ في مجال التوثيق الفوتوغرافي... صورة أرشيفية من إحدى مهماتها عام 1936 (غيتي)

المشاق التي يواجهها من يعمل في مجال الإعلام متعددة وصعبة إلى درجة أن الصحافة وصفت بأنها «مهنة المتاعب». ويجد معظم الرجال العاملين في المهنة، أن الوصول إلى قمة الهرم الوظيفي الإعلامي مهمة شبه مستحيلة لا يبلغها إلا القليلون. ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجهها المرأة في مجال العمل الإعلامي تتضاعف أحياناً عن تلك التي يواجهها الرجال؛ للكثير من الأسباب. ولذلك؛ يقل كثيراً عدد النساء في المراكز القيادية الإعلامية حتى في الدول الغربية.
لكن هناك الكثير من النساء المرموقات اللواتي قبلن التحدي وغيرن مسار المهنة لمن جاء بعدهن، تاريخياً وحالياً. وتواصل النساء مسيرة إعلامية شاقة وسط صعوبات معظمها لا علاقة له بالمهنة نفسها. فهناك مثلاً المقاومة الرجالية لاقتحام النساء مجالاً يعتبرونه حكراً على الرجال، والقيود التي تفرضها الأسرة على الفتيات، وندرة التدريب الموجه خصيصاً إلى المرأة، وساعات العمل الطويلة وانعدام الأمان في بعض مجالات التغطية الإعلامية، وضرورات السفر أحياناً. وتواجه النساء أيضاً تحديات التحرش الوظيفي.
تحتاج النساء العاملات في المجال الإعلامي إلى إرادة قوية لمواجهة هذه التحديات والتعامل مع المنافسة المتزايدة في المجال، وأحياناً التفرقة لصالح الرجال التي ما زالت سائدة في بعض مجالات العمل. من أوجه هذه التفرقة أن النساء لا يوكل إليهن تغطية الأخبار الرئيسية، ويبعدن عن المجال السياسي أو الأحداث الخطيرة، مثل الجرائم والحروب. كما أن معدلات الدخل المالي بين الإعلاميات يقل عنه بين رجال الإعلام.
ومع ذلك، أثبتت النساء على مر السنين أنهن أفضل من الرجال في بعض المجالات، خصوصاً في الصحافة الاستقصائية، وفي البحث عن التفاصيل، وتغلبت النساء على النظرة السلبية التي حددت لهن في الماضي وظائف منزلية.
وبدأت النساء في تغطية الموضوعات والتحديات النسائية في المجال الإعلامي والوظيفي بشكل عام، ثم انطلقن إلى مهام أخطر مثل تغيير المفاهيم وقيادة المؤسسات الإعلامية. وتجد المرأة الآن أن مجال الإعلام مفتوح لها، وأن القوانين تساوي بينها وبين الرجال في الارتقاء الوظيفي والأجر، وأن الوصول إلى ذروة المجال الإعلامي لم تعد بالصعوبة التي كانت عليها في الماضي.
وكان وراء هذا التحول نخبة من النساء المرموقات من العالم الغربي اللواتي قاومن التحديات وغيرن مسار المهنة.
من هؤلاء النساء كانت ست نساء لهن بصماتهن الواضحة على الإعلام، ثلاث منهن راحلات، وثلاث أخريات يعملن حتى الآن في الإعلام الدولي. وتبدو قصصهن المجتمعة نماذج من التحديات التي واجهت النساء، وما زال بعضها قائماً، وجهود التغلب عليها.

دوروثي لانغ
من أولايات العاملات في مجال الصحافة تاريخياً حتى وفاتها في عام 1965. عملت لانغ خلال فترة الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي، وهي من أصعب الفترات الاقتصادية تاريخياً، وأسست للصحافة الوثائقية المصورة. بدأت عملها مصورةً بعد التخرج في جامعة كولومبيا، وانتقلت من نيويورك إلى سان فرانسيسكو وعملت في استوديو لتصوير نخبة الأثرياء.
لكن مع قدوم الكساد العظيم خرجت لانغ بالكاميرا من الاستوديو إلى الشارع، ونقلت إلى الرأي العام المعاناة التي سادت المجتمع الأميركي حينذاك. وكان أشهرها صورة لسيدة في الثانية والثلاثين من العمر تعاني من الجوع بعد أن باعت إطارات سيارتها كأخر مصدر يسد رمقها هي وأطفالها. وغيرت لانغ الكثير من المفاهيم وساهمت في تحسين المجتمع الذي عاشت فيه.

بابس سيمبسون
توفيت سيمبسون مؤخراً عن 105 أعوام، وكانت رئيسة تحرير مؤسسة «فوغ»، الشهيرة في عالم الموضة، لمدة ربع قرن ساهمت خلالها في تحديد معالم عالم الموضة، وكان لها بصمة معروفة في هذا المجال. عملت سيمبسون مع الكثير من المشاهير وكانت وراء اختيار النجوم لملابسهم، ومن ضمنهم النجمة مارلين مونرو. كما كان لها تقارير مصورة مع الروائي الشهير إرنست هيمنغواي.
وساعد سيمبسون في مهمتها الإعلامية نشأتها الأرستقراطية ورحلاتها حول العالم من بكين، حيث ولدت، إلى دول أميركا اللاتينية، وأخيراً استقرار عائلتها في بوسطن والاختلاط بالمجتمع المخملي الأميركي. تزوجت بابس في عام 1936 من ويليام سيمبسون، خريج جامعة هارفارد. لكنها انفصلت عنه بعد سبع سنوات وتوجهت إلى نيويورك وانخرطت في عالم الإعلام وانضمت إلى فريق «فوغ» في عام 1947، وبقت سيمبسون مع «فوغ» حتى عام 1972.
تميزت سيمبسون بالذوق السليم في تحديد مسار الموضة في العالم بداية من باريس ونيويورك. وخارج نطاق عملها كانت تعيش في مناخ ثقافي متميز بين الأعمال الفنية والكتب والمسارح والباليه.
في عام 1972 انتقلت سيمبسون إلى مجلة «هاوس آند غاردن» وكان لها تأثير في التصميم الداخلي للمنازل والحدائق. وفي سنواتها الأخيرة ظهرت في تقرير إعلامي عن رؤساء تحرير «فوغ» تم بثه تلفزيونياً في عام 2012، وكان من تأثيرها أن مصممة شهيرة تدعى باني ميلون وصفتها في موقع رئاسة تحرير «فوغ» بأن «أحداً لم يأت قبل سيمبسون ولا بعدها».

سيلفيا تشيس
كانت سيلفيا تشيس رائدة في عملها الإعلامي والتلفزيوني وحصلت على جائزة «إيمي» وفتحت الطريق أمام جيل كامل من الإعلاميات خلال عقد السبعينات من القرن الماضي، اقتحمن عالم التلفزيون الذي كان حكراً على الرجال. توفيت سيلفيا في كاليفورنيا مؤخراً وهي في عمر الثمانين.
كان أكبر تأثير لها في عالم التلفزيون أنها استطاعت إثبات جدية النساء في التغطية الإعلامية المفيدة بدلاً من الظهور على الشاشة من أجل ملامحهن الجاذبة للمشاهدين. وقدمت تشيس الكثير من البرامج الناجحة مثل «20-20» و«برايم تايم» و«ماغازين» كما قدمت نشرات أخبار مسائية على تلفزيون «كرون تي في» في سان فرانسيسكو.
واخترقت تشيس مجالات كانت محرمة تلفزيونياً، مثل التحرش في مكان العمل وفي السجون، والعلاج من الإدمان وفضح أدوية مضرة، وتحول مرض السكري إلى وباء عام. كما خاضت في مجالات تخص الهنود الحمر في أميركا، والتفرقة العنصرية في مجال الشرطة، وإهمال برامج العناية بالأطفال المعاقين. وأطلق عليها المشاهدون لقب «المرأة التي يمكن الوثوق بها». وتميزت تشيس بالإصرار والعزيمة وقوة الإرادة، وأسست لمواقع نسائية قوية من بعدها.
ومهّدت هذه النخبة من النساء عبر العقود السابقة لجيل حالي من النساء المؤثرات في المجال الإعلامي، أشهرهن أوبرا وينفري، وأريانا هافينغتون، وجيل أبرامسون.

أوبرا وينفري
اشتهرت أوبرا وينفري ببرنامجها الحواري «أوبرا وينفري شو» الذي يعد من أكثر البرامج مشاهدة أميركياً. تعد وينفري «ملكة الميديا» كما يطلق عليها، كما أنها من أكثر النساء الأميركيات من أصل أفريقي ثراءً في أميركا. وهي أيضاً من أكثر النساء تأثيراً، ليس فقط في مجالها أو في أميركا، لكن على مستوى العالم.
ومع ذلك، كانت بدايات وينفري فقيرة في ميسيسبي كما تعرضت للاعتداء الجنسي في بداية شبابها. وعملت وينفري في محطة إذاعة محلية أثناء دراستها ثم انتقلت إلى تقديم البرامج الصباحية وأسست برامج تماثل الصحف التابلويد بمحتوى من الأخبار الخفيفة والاعترافات واستضافة شخصيات غير مرغوب فيها اجتماعياً.
تعد وينفري نموذجاً للتغلب على التحديات، ليس فقط كامرأة، وإنما أيضاً كسيدة من أصل أفريقي في أميركا. ومن صعوبات طفولتها بلغت وينفري القمة بحصولها على الدكتوراه الفخرية من جامعتي دوك وهارفارد، وميدالية الحرية التي منحها لها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

أريانا هافينغتون
وهي من أصل يوناني تزوجت السياسي الأميركي مايكل هافينغتون وأسست مجموعة «هافينغتون بوست» التي انضمت بعد ذلك إلى مؤسسة أميركا اونلاين. ظهرت هافينغتون في لائحة فوربس لأكثر النساء تأثيرا في الإعلام. واشترت مؤسسة «أميركا أونلاين» مجموعة «هافينغتون بوست» في عام 2011 بمبلغ 315 مليون دولار، وعيّنت أريانا رئيسة تحرير ومديرة عامة.
ولم تكتف أريانا بالنجاح الذي حققته في «هافينغتون بوست» فاستقالت في عام 2016، وأعلنت أنها سوف تبدأ من جديد مع شركة أسستها اسمها «ثرايف غلوبال» وهي مؤسسة إعلامية تعنى بالصحة والمعلومات الصحية المفيدة لمعيشة نشطة وسعيدة.
خلال عملها الإعلامي الطويل شجعت أريانا خوض النساء للإعلام، لكنها عارضت حركات تحرير المرأة؛ لأنها تشير بشكل غير مباشر إلى عبودية المرأة، وهو ما ترفضه تماماً.

جيل أبرامسون
تشتهر أبرامسون بأنها كانت رئيسة تحرير صحيفة «نيويورك تايمز» بين عامي 2011 و2014، وكانت أول سيدة تتقلد هذا المنصب في تاريخ الصحيفة الممتد 160 عاماً. والتحقت أبرامسون بالصحيفة في عام 1997 مديرةً لمكتب واشنطن ثم مديرة تحرير، كما عملت قبلها في صحيفة «وول ستريت جورنال» محررةً استقصائية.
وهي أيضاً تتمتع بالموقع الخامس على لائحة «فوربس» لأكثر النساء تأثيراً في مجال الإعلام. ونشرت أبرامسون هذا العام كتاباً عن «تجار الحقائق» عن الأخبار الكاذبة، تعرّض إلى الكثير من النقد من الإعلاميين، لكنه حصل على المديح من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
هي خريجة جامعة هارفارد ولها نشاطات أكاديمية وثقافية وإعلامية وقانونية، وهي نموذج للمرأة العصرية في مجال الإعلام التي لم تتعرض للتحديات التي واجهت سابقيها، واستفادت من مناخ الحرية النسبية السائد حالياً من أجل تحقيق طموحاتها والوصول إلى أعلى المناصب القيادية في الإعلام الأميركي.



تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».