منذ ما يقرب من عقد من الزمن، وأبو عمر يفر من الصراعات الكثيرة التي يشهدها العراق، لكن يبدو دائما أن هذه الصراعات تلحق به. تعرض منزل أسلافه في الفلوجة لقصف شديد، حيث تعرض في البداية للقصف من جانب الأميركيين في عام 2004. ومجددا في يناير (كانون الثاني) الماضي عندما هزت جدران المنزل وانهار السقف فوق رؤوسهم.
وفي أحد أحياء بغداد، الذي لاذوا بالفرار إليه مرتين بحثا عن المأوى، كانوا يعيشون في خوف مستمر من سماع طرق الباب في وقت متأخر من الليل من قبل ميليشيات طائفية غامضة.
ويشاطر رحلة أبو عمر القاتمة عدد لا يُحصى من أبناء الطائفة الذين طاردتهم قوات الأمن، وتعرضوا للتهديد، بشكل متزايد، مجددا من جانب الميليشيات التي كانت تعمل على ترويعهم خلال أسوأ أيام العنف الطائفي في عامي 2006 و2007.
وفي حي الأعظمية، حيث تسكن الأغلبية السنية، الذي يقع في قلب العاصمة، يشعر أبو عمر أنه يخضع لحصار من نوع مختلف. ويقول رب العائلة المكونة من 13 فردا لوكالة «أسوشييتد برس» إنه يخشى ترك أولاده في حي الأعظمية، نظرا لأن أسماءهم تدل على أنهم من أهل السنّة، قائلا: «إنهم يسمعون اسم عمر وعثمان، فيعتقدون على الفور أنهم ينتمون لـ(داعش)»، وأضاف: «الميليشيات الشيعية تريد أن تفرض العقبات أمام أي شخص سني».
وفرت الأسرة، التي طلبت عدم ذكر اسمها الأخير، خوفا من تعرضهم للمضايقات، في البداية من الفلوجة إلى حي الأعظمية في عام 2005، عندما شنت القوات التي تقودها الولايات المتحدة هجوما كاسحا على البلدة الغربية المضطربة، بغية القضاء على المتمردين. وعقب مرور عامين، عادوا مجددا إلى الفلوجة، فارين من أعمال العنف الطائفي التي اجتاحت العاصمة آنذاك، وذلك عندما قام متشددون من السنّة والشيعة بخطف وقتل عشرات الأشخاص كل يوم، تاركين الجثث متناثرة في الشوارع ويظهر على كثير منها آثار التعذيب.
وفي أواخر العام الماضي، استولى تنظيم «داعش» على الفلوجة، وفي تكرار قاتم لما حدث عام 2005، حاصر الجيش العراقي المدينة وقام بقصفها. وأوضح أبو عمر أن هذه المرة، كانت عمليات القصف أسوأ، وأنه عندما دُمّر السقف، عاد هو وأسرته إلى بغداد، يسعون مجددا لما يمكن وصفه بالأمان النسبي.
ولكن عندما دعا رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي وغيره من القادة العراقيين للالتحاق بقوات الأمن العراقية، عقب استيلاء «داعش» على الموصل (ثاني كبرى المدن العراقية) في يونيو (حزيران)، احتشدت ميليشيات شيعية كانت خامدة لفترة طويلة مرة أخرى، ونظمت مسيرات في العاصمة، ملوحين بامتلاكهم أسلحة ثقيلة.
أعلنت منظمة «هيومان رايتس ووتش» في الشهر الماضي أن الميليشيات المدعومة من الحكومة قامت بعمليات خطف وقتل لمواطنين من السنة في بغداد والمحافظات المجاورة على مدار الأشهر الخمسة الماضية. واتهمت المنظمة الحقوقية الحكومة بشن «غارات جوية عشوائية» على بلدات ومدن ذات أغلبية سنية، ومنها الفلوجة والموصل، مما أسفر عن مقتل 75 شخصا على الأقل.
في مدينة البصرة ذات الأغلبية الشيعية في الجنوب، أعلنت الأمم المتحدة، يوم الأربعاء، عن تقارير تفيد بمقتل نحو 20 سنيا وإصابة كثيرين في موجة من عمليات القتل والاختطاف المستهدف منذ نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي. وصرح فرانسيسكو موتا، رئيس قسم حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة في العراق، قائلا: «في كل حادث، كان السكان المحليون يقولون إن السبب الوحيد وراء استهداف الضحايا هو انتماؤهم الطائفي».
وأضاف أن السلطات ذكرت أن مرتكبي هذه الحوادث «مسلحون مجهولون»، ولم يجرِ اعتقال أي شخص.
وفي الأعظمية، يقول السكان إن الميليشيات الشيعية عادت إلى المنطقة، حتى قبل الحرب المسلحة التي اندلعت هذا الصيف، ففي فبراير (شباط) 2013. كانت أم مولود، التي طلبت عدم ذكر لقبها، انتهت لتوها من تنظيف منضدة العشاء عندما سمعت دقات على الباب. عندما فتحت الباب وجدت 30 رجلا يحملون بنادق يقتحمون المنزل ويسرقون المال وأجهزة الكومبيوتر المحمولة والهواتف الجوالة، بل ونظروا في مصاحف الأسرة ليروا إن كان هناك ما يخفونه بداخلها. عندما حاول ابنها مولود وزوج ابنتها عمر مواجهة هؤلاء المسلحين، اقتادوا الرجلين خارج المنزل، ولم تُسمع أي أخبار عنهما منذ ذلك الحين.
9:41 دقيقه
رحلة عائلة تكشف عمق مأساة سنة العراق
https://aawsat.com/home/article/166426
رحلة عائلة تكشف عمق مأساة سنة العراق
هربت من حصار الفلوجة مرتين لتنتهي تحت الحصار في بغداد
نصب عند مدخل منطقة الأعظمية في بغداد التي لجأ إليها العديد من العوائل السنية النازحة من مدن محافظة الأنبار (أ.ب)
رحلة عائلة تكشف عمق مأساة سنة العراق
نصب عند مدخل منطقة الأعظمية في بغداد التي لجأ إليها العديد من العوائل السنية النازحة من مدن محافظة الأنبار (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


