واشنطن تدرس خيارات ضربات جوية ضد «داعش» في سوريا

إدارة أوباما قد تلجأ لطلب تفويض من الكونغرس وبين الخيارات التعاون مع أكراد سوريا

شاب يمر على دراجته بمنى في محافظة الرقة قصفته قوات النظام السوري وقد تصاعدت منه أعمدة الدخان (رويترز)
شاب يمر على دراجته بمنى في محافظة الرقة قصفته قوات النظام السوري وقد تصاعدت منه أعمدة الدخان (رويترز)
TT

واشنطن تدرس خيارات ضربات جوية ضد «داعش» في سوريا

شاب يمر على دراجته بمنى في محافظة الرقة قصفته قوات النظام السوري وقد تصاعدت منه أعمدة الدخان (رويترز)
شاب يمر على دراجته بمنى في محافظة الرقة قصفته قوات النظام السوري وقد تصاعدت منه أعمدة الدخان (رويترز)

تدرس إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الحصول على تفويض من الكونغرس باتخاذ إجراء عسكري ضد تنظيم «داعش» بموجب استراتيجية مكافحة الإرهاب المعاد تنظيمها والتي أعلنها الرئيس أوباما في العام الماضي.
يمكن أن يقدم تفويض الكونغرس مبررا قانونيا محليا للاستخدام غير المحدود للقوة ضد الجماعة المسلمة السنية في العراق وسوريا، وذلك وفقا لما صرح به مسؤول في الإدارة الأميركية. كانت آخر مرتين أصدر فيهما الكونغرس تفويضا بمثل هذا الإجراء عام 2001، ضد تنظيم القاعدة وشركائه، وفي عام 2002 ضد العراق تحت حكم صدام حسين.
يعد التفويض الجديد واحدا من بين عدة خيارات تخضع لمناقشات داخلية نشيطة، في حين تدرس الإدارة إذا كانت ستسعى إلى إلحاق هزيمة عسكرية بـ«داعش» التي تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي الواقعة بين دمشق وبغداد وكيفية تنفيذ ذلك.
تتضمن مجموعة الخيارات المتاحة لاستخدام القوة العسكرية الأميركية المباشرة، كما يقول المسؤول، تفويضا مؤقتا بموجب قرار سلطات الحرب، أو صلاحية دستورية باتخاذ إجراء في حالة الطوارئ بهدف حماية مواطنين أميركيين، أو الدخول في نقاش مع الكونغرس بشأن الحصول على تفويض مفتوح لمحاربة الدولة الإسلامية. وقال مسؤول أميركي لـ«نيويورك تايمز» إن «بين الخيارات التي تدرسها إدارة أوباما ضربات جوية ضد (داعش) في سوريا، وتسريع وتكثيف الدعم إلى جماعات المعارضة السورية المعتدلة التي تقاتل النظام والمتطرفين، وكذلك بناء شراكات على الأرض مع قوى تستطيع مواجهة (داعش) مثل الأكراد السوريين»، وحسب المسؤولين فإن الضربات الجوية يمكن أن تكون بطائرات مقاتلة أو «درون». وإذا حدث ذلك سيكون تغيرا في استراتيجية أوباما الذي حاول الابتعاد عن التدخل العسكري في سوريا بينما أظهر أخيرا تمدد «داعش» في الأراضي العراقية والسورية التهديد الذي يشكله التنظيم لحلفاء واشنطن.
يذكر أن أوباما أصدر أوامره بتنفيذ ضربات جوية في العراق بموجب الخيار الأول، والذي يستمر لمدة 60 يوما حتى بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول). أما الخيار الثاني، فتم استخدامه في الصيف الحالي لشن عملية إنقاذ فاشلة لمجموعة من الرهائن الأميركيين الذين يحتجزهم تنظيم «داعش» في سوريا. وسوف يتضمن الخيار الثالث، الدخول في نقاش غير مؤكد النتيجة مع المشرعين ذوي وجهات النظر المتفاوتة بشأن السلطات الرئاسية والإجراء العسكري في الخارج.
وقال نائب مستشار الأمن القومي بنجامين رودس للصحافيين يوم الجمعة الماضي: «إذا لاحقت الأميركيين، فسوف يلاحقونك. ولن تقيدنا الحدود». وأضاف رودس أن قتل الصحافي فولي «يمثل عملا إرهابيا ضد بلادنا». وتعتقد الإدارة الأميركية أنه يقدم مبررا قانونيا على المستوى الدولي لاتخاذ إجراء عسكري وفق ما يقتضيه الدفاع عن النفس.
في حين يتم إعداد خطط للطوارئ بشن غارات جوية أوسع في سوريا من أجل العرض على الرئيس أوباما إذا طلبها، إلا أنه لم يفعل حتى الآن. كذلك لم تضع أجهزة الاستخبارات قائمة بالأهداف شديدة الأهمية من قيادات تنظيم «داعش»، كما فعلت مع «القاعدة»، على حد قول المسؤول رفيع المستوى.
وصرح المسؤول أيضا: «نحن نحاول بوضوح العثور عليهم، ولكننا لم نتخذ قرارا بشأن استهداف الأفراد». وقد اشترط المسؤول عدم ذكر اسمه من أجل تناوله لقضايا تتعلق بصناعة السياسات وبشؤون الاستخبارات.
وأوضح المسؤول أنه على الرغم من عمل الإدارة الأميركية على وضع سياسة شاملة طويلة الأمد، إلا أنها تركز على إخراج المتطرفين من العراق واحتوائهم في سوريا.
وحققت قوات «داعش» تقدما في العراق من سوريا في الربيع، حيث استولت سريعا على مدينة الموصل في الشمال وتحركت جنوبا لتصل على بعد مسافة 60 ميلا من بغداد. وفي حين أرسلت الإدارة مساعدات إضافية إلى الجيش العراقي، إلا أنها استغلت الوعد بتقديم مزيد من المساعدات كوسيلة ضغط لفرض التغيير على الحكومة العراقية.
وفي 7 أغسطس (آب)، أصدر أوباما أوامره بشن غارات جوية على مقاتلي الدولة الإسلامية الذين يتحركون تجاه أربيل، العاصمة الكردية الواقعة في شمال العراق، والذين حاصروا وهددوا بقتل عشرات الآلاف من أفراد الطائفة الإيزيدية التي تمثل أقلية.
كان نجاح تلك الغارات المستمرة – والتي وصلت إلى نحو 100 غارة على مدار الأسبوعين السابقين – والتقدم الذي أحرزته في تشكيل حكومة شيعية أكثر شمولا في العراق، مشجعا لصناع السياسات. ومن المعتقد أن الدول السنية المجاورة ومنها السعودية والأردن وتركيا سوف تساعد في إقناع السنة العراقيين بالابتعاد عن المتطرفين والانضمام إلى الحكومة في معركتها ضدهم.
ومن جانبها، تتوقع الإدارة استمرار الغارات الجوية في العراق في المستقبل القريب، كما يقول المسؤول رفيع المستوى، على الرغم من «انتباهها» إلى أنها سوف يكون عليها قريبا التعامل مع حدود سلطاتها في الحرب بعد مرور 60 يوما. «دائما ما نعرف أنه أثناء تقييم المدة التي قد نحتاجها لاتخاذ إجراء عسكري، توجد قيود على ما يمكن فعله بموجب صلاحيات الحرب». وقال المسؤول: «في إطار منفصل، علينا أن نتخذ قرارا مشابها بشأن أي إجراء في سوريا».
أما عن الوضع في سوريا، فهو أكثر تعقيدا بكثير. ففي العراق، تعتقد الإدارة أن القوات المحلية تستطيع أن تدفع «داعش» بعيدا ببعض المساعدة الأميركية، ولكن في سوريا، التي تشتعل فيها حرب أهلية شاملة، تدعم الولايات المتحدة قوات ثورية ضعيفة تقاتل حكومة الرئيس بشار الأسد بالإضافة إلى «داعش» وجماعات متطرفة أخرى. فضلا عن أن التدخل محفوف بالمخاطر فلا يقتصر الأمر على امتلاك المتطرفين لصواريخ أرض جو، بل تسيطر قوات الأسد أيضا على الأجواء السورية.
في حين ينفي خبراء مطلعون على الشأن الأميركي أي نية أميركية للتقارب مع دمشق، مؤكدين أن الضربة الأميركية لـ«داعش» في سوريا تتزايد حظوظها، من غير أي تنسيق مع الجانب السوري.
غير أن دمشق، ترفض التدخل الأميركي من غير تنسيق مع حكومتها. ويقول الأمين القطري لحزب البعث السوري فايز شكر، إن «عملا بهذا الحجم يجب أن يكون منسقا مع الحكومة السورية»، مشددا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على أن دمشق تشترط على الأميركيين تشكيل جبهة موحدة لاجتثاث الإرهابيين من سوريا، بصرف النظر عن جنسياتهم، فضلا عن تطبيع العلاقات بما يتضمن إقرارا من الحكومات الغربية التي ساهمت في رعاية الإرهاب في سوريا، بالتراجع عن خطئها برعايتهم، إضافة إلى التواصل مع سوريا سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا بشكل كامل، قائلا «لا بد أن يكون هناك تنسيق علني سياسي وعسكري قبل البحث في التدخل». وكان وزير الإعلام السوري عمران الزعبي قال إن «الطائرات الأميركية لن تهاجم مواقع الإرهابيين في سوريا إلا إذا كان بموافقة الحكومة السورية، لأن سوريا تنظر إلى مكافحة الإرهاب بمفهوم شامل وليس كجزئية صغيرة، والجيش السوري لديه الإمكانيات والقدرات والخبرات وهو يخوض معركة صعبة وواسعة النطاق في مواجهة هذا الإرهاب لوحده».
ويؤكد رئيس مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري رياض قهوجي لـ«الشرق الأوسط» أن قرار التدخل اتخذ قبل أشهر من قبل البنتاغون، والبيت الأبيض على حد سواء، لافتا إلى أن المعارضين للتدخل كانوا مستشاري الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذين ينظرون إلى أن القتال الدائر بين الشيعة والسنة في العراق وسوريا، سيستنزف الطرفين سويا، وبالتالي سيقوض نفوذ إيران ويضعفها، كما سيضرب قوة تنظيم القاعدة في الصميم، وبالتالي لم يكونوا يرون حافزا للتدخل قبل التطورات الأخيرة، حين بات وجود التنظيمات المتشددة يمثل خطرا على المصالح والرعايا الأميركيين. ويشير إلى أن النقاش حول التدخل، كان كبيرا، إذ كان البيت الأبيض والبنتاغون يؤيدان عملا عسكريا ضد النظام في سوريا، قبل أن تتجه الأولويات اليوم لمنع انتشار «داعش».
ويؤكد قهوجي أن الأميركيين ينظرون إلى الوقائع الميدانية على أنه لا يمكن فصل التعاطي مع العراق عن إمكانية تمديد الضربات إلى سوريا لضرب قياداتها، مستدلا على التصريحات الأميركية بأنه لا حدود بالنسبة للقوات الأميركية، ولن تكون الحدود عاملا يحد التدخل الأميركي العسكري.
ونفذت القوات الجوية الحكومية السورية، مطلع الأسبوع الماضي، ضربات ضد مقرات تنظيم «داعش» في معقله في الرقة (شمال شرقي البلاد)، مستخدمة أحدث طائراتها العسكرية، بموازاة تنفيذ القوات الجوية الأميركية ضربات ضد أهداف «داعش» في العراق. وكان مدير صحيفة «الوطن» السورية المقربة من السلطات وضاح عبد ربه، أوضح أن دمشق تريد أن تقول للأميركيين إنها ليست في حاجة إلى طائرتهم الحربية ضد «داعش».



بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.

 

 


نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
TT

نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)

اتسعت عمليات العبث والنهب التي تطول المواقع الأثرية في مناطق سيطرة الحوثيين لتصل إلى مدينة ظفار، عاصمة مملكة حِمْيَر التاريخية، والواقعة حالياً في محافظة إب وسط اتهامات لنافذين بالتورط في أعمال تنقيب غير مشروعة، وتحذيرات من باحثين ومهتمين بالتراث من ضياع ما تبقى من الإرث الحضاري اليمني في ظل غياب الحماية والمحاسبة.

ويؤكد باحثون ومهتمون بالآثار أن الحرب التي أشعلها الحوثيون فتحت الباب أمام موجة غير مسبوقة من تهريب الآثار، حيث يقدَّر خروج أكثر من عشرين ألف قطعة أثرية إلى خارج البلاد خلال السنوات الماضية، في وقت تتعرض فيه مواقع تاريخية عديدة لعمليات نهب متواصلة تهدد بفقدان شواهد مهمة من تاريخ اليمن القديم.

توثيق عمليات تنقيب غير مشروعة في مواقع أثرية يمنية (إعلام محلي)

وقال سكان في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) إن نافذين في مديرية السدة نفّذوا، نهاية الشهر الماضي، عمليات حفر في قرية العرافة الواقعة ضمن منطقة ظفار الأثرية، مستخدمين أجهزة كشف متطورة للبحث عن الكنوز واللقى الأثرية.

وأوضحوا أن أعمال الحفر استمرت ثلاثة أيام متواصلة وشملت عدداً من المواقع التاريخية، قبل أن يغادر المنقبون المنطقة بعد الاستيلاء على مقتنيات أثرية مجهولة القيمة.

اختفاء الحراسة

حسب إفادات السكان، فإن أفراد الحراسة المكلفين بحماية المنطقة الأثرية اختفوا طوال فترة الحفر، رغم أن عددهم يتجاوز ثلاثين شخصاً، الأمر الذي أثار شكوكاً واسعة حول وجود تواطؤ أو تغاضٍ متعمَّد عن عمليات النهب.

وأكد الأهالي أن اللصوص غادروا لاحقاً باتجاه مديرية يريم المجاورة دون أن يواجهوا أي اعتراض، في حين لم تتخذ الجهات المختصة أي إجراءات رغم إبلاغها بما جرى. كما أشاروا إلى أن إدارة الآثار في المحافظة لم تتفاعل مع البلاغات المقدمة إليها، الأمر الذي عزز المخاوف من استمرار الاعتداءات على المواقع التاريخية.

مواقع أثرية في مأرب تواجه الإهمال وسط دعوات لتعزيز الحماية (إعلام محلي)

وتساءل السكان عن جدوى وجود قوة مكلفة بحراسة المنطقة تمنع المواطنين من الاقتراب منها، بينما تغيب خلال عمليات الحفر والنهب، محمِّلين مكتب الآثار في المحافظة وإدارة آثار مديرية السدة وطاقم الحراسة مسؤولية التقصير في حماية المواقع الأثرية وصون محتوياتها.

ويقول باحثون ومهتمون بالتراث في محافظة إب إن نهب الآثار تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متكررة تهدد بفقدان جزء مهم من الهوية الحضارية لليمن، داعين إلى تشكيل لجنة تحقيق ميدانية للكشف عن ملابسات الواقعة وضبط المتورطين واستعادة القطع المنهوبة وإيداعها في المتحف المحلي.

دعوات للطوارئ

وفي تطور موازٍ، أطلق أكاديميون وباحثون ومهتمون بالشأن الأثري نداءً لإعلان «حالة طوارئ مجتمعية وثقافية» لحماية أبرز المواقع الأثرية في محافظة مأرب، وفي مقدمها معبد أوام المعروف بـ«محرم بلقيس» ومقبرته التاريخية، إلى جانب معبد برّان الشهير بـ«عرش بلقيس».

وانتقد الموقِّعون على بيان بهذا الشأن ما وصفوها بحالة الصمت تجاه الأخطار التي تواجه هذه المعالم التاريخية، معتبرين أن الجهات المعنية بحماية التراث الثقافي، إضافةً إلى السلطات المحلية، تتحمل مسؤوليةً مباشرةً عن استمرار التدهور والإهمال.

وأكد البيان أن حماية المواقع الأثرية لا تتحقق عبر البيانات والتصريحات فقط، وإنما من خلال إجراءات عملية تشمل الرقابة والحراسة الدائمة ومنع الاعتداءات والتعديات، محذراً من أن استمرار التجاهل قد يقود إلى خسائر لا يمكن تعويضها.

ورأى الباحثون أن أي ضرر يلحق بمعبد أوام أو مقبرته التاريخية سيشكّل دليلاً على فشل المؤسسات المعنية في أداء واجباتها، وسيسجَّل كواحد من أسوأ مظاهر التفريط بالتراث الوطني اليمني، نظراً إلى ما تمثله هذه المواقع من قيمة حضارية وإنسانية تتجاوز حدود اليمن.

ودعا البيان الأكاديميين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني إلى ممارسة مزيد من الضغط من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المواقع الأثرية ومحاسبة المقصرين، مشدداً على أن تلك المعالم ليست ملكاً لمنطقة أو جيل بعينه، بل تمثل إرثاً وطنياً وإنسانياً ينبغي الحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

في السياق ذاته، وصفت المهتمة بالآثار تهاني يوسف ما تتعرض له معابد مأرب التاريخية من إهمال بأنه «جريمة بحق التاريخ والهوية اليمنية»، مؤكدةً أن الوقت لم يعد يسمح بالاكتفاء بمتابعة ما يحدث من بعيد، داعيةً السلطات والمؤسسات المختصة إلى الانتقال من مرحلة البيانات إلى خطوات عملية تضمن حماية هذه الكنوز الحضارية من العبث والاندثار.


تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)

حذَّر تقرير أممي من أن استمرار انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية إلى جانب إيران، بالتزامن مع التراجع الحاد في التمويل الإنساني، يهدد بدفع اليمن نحو مرحلة أكثر خطورة من الأزمة الإنسانية، في وقت أُغلق فيه أكثر من 450 مرفقاً صحياً، بينها 76 مستشفى، نتيجة نقص الموارد المالية وازدياد الاحتياجات الإنسانية.

وأكد التقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أن أي تصعيد عسكري جديد أو ردود انتقامية مرتبطة بانخراط الجماعة الحوثية في الحرب الإقليمية، قد تؤدي إلى موجات نزوح إضافية وسقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ ومنشآت التخزين، الأمر الذي سيزيد من تعقيد الأوضاع المعيشية لملايين اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ودعا التقرير المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لسد فجوة التمويل المتفاقمة، محذراً من أن استمرار تقليص المساعدات الإنسانية سيؤدي إلى فقدان مزيد من الأرواح وتعريض المجتمعات المحلية لمزيد من الهشاشة وعدم الاستقرار، فضلاً عن اقتراب الخدمات الأساسية من نقطة الانهيار.

نقص التمويل أدى إلى إغلاق 76 مستشفى ومئات المرافق الصحية في اليمن (الأمم المتحدة)

وتقول المنظمة الدولية، إن التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط تنطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة لليمن، بعد انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية من خلال هجمات استهدفت إسرائيل. وأوضح التقرير أن دائرة الصراع بدأت بالفعل في استدراج أطراف متعددة، ما يزيد من احتمالات توسع النزاع وانعكاساته على الوضع الإنساني في اليمن.

وحذرت المنظمة من أن أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف مناطق سيطرة الحوثيين قد تتسبب في موجات نزوح جديدة، وتؤدي إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية، وهو ما سيؤثر بصورة مباشرة على وصول المساعدات الإنسانية وسلاسل الإمداد الأساسية.

تقليص المساعدات

أكد التقرير الأممي أن الارتفاع المستمر في الاحتياجات الإنسانية في اليمن، بالتوازي مع التخفيضات الكبيرة في التمويل الدولي، وتراجع القدرة على الوصول إلى المحتاجين، دفع المنظمات الإنسانية إلى تقليص كثير من البرامج المنقذة للحياة.

وشددت منظمة الصحة العالمية على أن توفير تمويل كافٍ للاستجابة الإنسانية وضمان وصول المساعدات دون عوائق، يمثلان شرطاً أساسياً لمنع تفاقم الكارثة، مشيرة إلى أن نحو 22.3 مليون يمني ما زالوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية.

الحرب تسببت في تراجع التنمية البشرية باليمن بما يعادل أكثر من عقدين (إعلام محلي)

ويعاني نحو 5 ملايين يمني من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 1.4 مليون شخص يواجهون أوضاعاً مصنفة ضمن مرحلة الطوارئ، وهي من أخطر مراحل الجوع وفق التصنيفات الدولية.

كما حذرت المنظمة من استمرار تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل شلل الأطفال والكوليرا والحصبة والدفتيريا وحمى الضنك والملاريا، مؤكدة أن ضعف برامج التحصين وانتشار المعلومات المضللة أسهما في تفاقم هذه الأوضاع الصحية.

إغلاق المستشفيات

أبرز التقرير الأممي التأثير المباشر لأزمة التمويل على القطاع الصحي؛ إذ لم يحصل برنامج الاحتياجات الإنسانية والاستجابة خلال العام الماضي إلا على 29 في المائة من التمويل المطلوب، ما أجبر المنظمات الإنسانية على تقليص أو تعليق عدد كبير من الخدمات الأساسية.

وحسب التقرير، أدى انخفاض التمويل حتى مايو (أيار) الماضي إلى تراجع خدمات التغذية بنسبة 63 في المائة، كما تسبب في إغلاق أكثر من 450 مرفقاً صحياً، من بينها 76 مستشفى، خلال العام الماضي، ما حرم ملايين اليمنيين من خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

منظمات أممية تحذر من تحول الأزمة اليمنية إلى «أزمة منسية» (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن سنوات الحرب الطويلة تسببت في تراجع التنمية البشرية في اليمن بصورة حادة، موضحة أن البلاد فقدت بحلول عام 2019 ما يعادل 21 عاماً من التقدم التنموي، مع تحذيرات من أن استمرار النزاع حتى عام 2030 قد يرفع هذه الخسائر إلى ما يقارب 4 عقود من التنمية.

أزمة منسية

من جهته، وصف فرانشيسكو غالتيري، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، الوضع الإنساني في البلاد بأنه «أزمة منسية»؛ مشيراً إلى أن الغذاء والرعاية الصحية يمثلان الاحتياجين الأكثر إلحاحاً بالنسبة لملايين اليمنيين.

وأوضح أن معدلات سوء التغذية تواصل الارتفاع، بينما تواجه النساء في المناطق الريفية والنائية صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية، لافتاً إلى أن نحو 65 ألف امرأة حامل يحتجن إلى المساعدة خلال فترات الحمل والولادة.

وأعاد المسؤول الأممي التذكير بأن اليمن يسجل أعلى معدل لوفيات الأمهات في المنطقة العربية؛ حيث تفقد 3 نساء حياتهن يومياً، بسبب مضاعفات الحمل أو أثناء الولادة، مؤكداً أن غالبية هذه الوفيات كان يمكن تجنبها لو توفرت خدمات الرعاية الصحية المناسبة.

وأكد غالتيري أن النقص الحاد في التمويل بات يهدد برامج صندوق الأمم المتحدة للسكان، كما يهدد معظم العمليات الإنسانية العاملة في اليمن، موضحاً أن تراجع التمويل بنحو 40 في المائة خلال العام الماضي بسبب انسحاب عدد من المانحين، أجبر الصندوق على تعليق ما بين 30 و35 في المائة من الخدمات التي كان يقدمها للمستفيدين.