يصوت أكثر من 57 مليون ناخب تركي اليوم (الأحد)، في الانتخابات المحلية التاسعة عشرة التي تشهدها تركيا منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 وإجراء أول انتخابات محلية في أغسطس (آب) 1930. لكن هذه الانتخابات شهدت حملات ساخنة بسبب مشاركة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان فيها بنفسه للدعاية لحزبه (العدالة والتنمية الحاكم) في مقابل دعاية رؤساء الأحزاب لمرشحيها. ويخوض الانتخابات أكثر من مليون مرشح من 13 حزباً سياسياً؛ أبرزها «تحالف الشعب» المكون من حزبي العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية، و«تحالف الأمة» المكون من حزبي الشعب الجمهوري والجيد، الذي قد يحظى بدعم من أحزاب المعارضة الأخرى كالشعوب الديمقراطي (مؤيد للأكراد) والسعادة (إسلامي) في بعض المناطق، بالإضافة إلى المستقلين.
ومن بين هؤلاء المرشحين يختار الناخبون بين 1389 مرشحاً لرئاسة 30 بلدية كبرى، و51 بلدية مدينة، و519 بلدية أحياء ضمن البلديات الكبرى، و403 أقضية، و386 ناحية. كما يختار الناخبون أمناء للأحياء (مخاتير) لـ32 ألفاً و46 حياً، و18 ألفاً و190 قرية، إلى جانب انتخاب 227 ألفاً و624 عضواً للمجالس المحلية وهيئات المخاتير في البلديات. وأعلن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، تخصيص 553 ألف عنصر أمن، لتأمين الانتخابات، قائلاً إنه تم تخصيص 6 آلاف و745 سيارة مدرعة، و126 طائرة مختلفة، و294 مركبة مائية لتأمين الانتخابات. وأكد رئيس اللجنة العليا للانتخابات، سعدي جوفان، اتخاذ جميع التدابير الأمنية المتعلقة بالانتخابات، مشيراً إلى أن أكثر من 57 مليون ناخب، سيدلون بأصواتهم في 194 ألفاً و390 صندوقاً انتخابياً، ويوجد على كل صندوق 7 أشخاص تنتهي مهمتهم بانتهاء الفرز وإعلان النتائج التي ستظهر مؤشراتها الأولية مساء اليوم.
وتختلف هذه الانتخابات عن سابقاتها، من جوانب عدة؛ أهمها أنها الأولى بعد إتمام انتقال تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة التي أجريت في 24 يونيو (حزيران) 2018 على أساس التعديلات الدستورية التي أُقرت في الاستفتاء على تعديل الدستور في 16 أبريل (نيسان) 2016.
وتجري هذه الانتخابات في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة تمرّ بها تركيا تركت مؤشراتها بصمات قوية على الحياة اليومية للمواطن التركي، لا سيما مع تراجع الليرة التركية والقفزة الضخمة لمعدل التضخم إلى حدود 20 في المائة، وتباطؤ الاقتصاد وارتفاع البطالة إلى أكثر من 12 في المائة، مع موجة إفلاس تضرب الشركات الكبرى التي لم تعد قادرة على الاستمرار في ظل الأوضاع الاقتصادية الضاغطة.
ووجدت المعارضة التركية في الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تركيا فرصة مواتية للضغط على حزب العدالة والتنمية الحاكم ورئيسه رجب طيب إردوغان. أما إردوغان فيرغب في أن تكون الانتخابات المحلية خطوة أخرى على طريق تثبيت أركان نظام حكمه الجديد في ظل النظام الرئاسي الذي كفل له صلاحيات شبه مطلقة، واستفتاء جديداً على شخصه.
وبدا من خلال متابعة سير الحملات الانتخابية أن الوضع الاقتصادي يحتل مقدمة جدول أعمال الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة على السواء. وحاول كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب «الشعب الجمهوري» (أكبر أحزاب المعارضة)، وحليفته في الانتخابات ميرال أكشنار رئيسة حزب «الجيد»، اللذان يخوض حزباهما الانتخابات تحت مظلة «تحالف الأمة» استغلال الأزمة الاقتصادية في الضغط على «تحالف الشعب» المكون من حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم و«الحركة القومية». وسلاح «تحالف الأمة» يتمثّل في التركيز على عجز الحكومة عن إدارة الأزمة إلى الحد الذي دفعها إلى طرح الخضراوات والفواكه في منافذ بيع حكومية بأسعار مخفّضة، بعدما كانت الحكومة تتحدث عن مشروعات عملاقة.
في المقابل يسعى حزب «العدالة والتنمية» الحاكم إلى تأمين الفوز بنسبة أكثر من 50 في المائة من المقاعد، من أجل تحقيق هدف إردوغان بتأسيس «تركيا الجديدة» مع حلول عام 2023، الذي يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك.
واستشعر إردوغان الضغط الشديد من جانب المعارضة بعد النجاحات التي تحققت لها خلال الاستفتاء على تعديل الدستور في 2017، ثم في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة في يونيو 2018. وهي نجاحات دفعتها لمواصلة الضغط على حزبه في الانتخابات المحلية، التي يُنظَر إليها في تركيا على أنها المؤشر على نتائج الانتخابات البرلمانية التي ستليها، لأنها تهيئ الأرضية لمن يفوز بهذه الانتخابات فيما بعد.
ولخطورة الموقف في هذه الانتخابات، قرّر إردوغان الدفع بأسماء بارزة في بلديات المدن الكبرى الثلاث المهمة، حيث هددته فيها المعارضة في الاستفتاء على تعديل الدستور والانتخابات البرلمانية، وهي إسطنبول وأنقرة وإزمير. ولذا، اختار بن علي يلدريم، آخر رئيس للوزراء قبل النظام الرئاسي، والحليف الذي كان يتولى منصب رئيس البرلمان بعد إلغاء منصب رئيس الوزراء، للترشح على مقعد رئيس بلدية إسطنبول، قائلاً إنه اختار «رفيق دربه» لخوض هذه المعركة.
كما دفع إردوغان باثنين من الوزراء في حكومته السابقة، هما محمد أوزهسكي وزير البيئة السابق، للترشح لمنصب رئيس بلدية العاصمة أنقرة، ونهاد زيبكجي وزير الاقتصاد السابق، لرئاسة بلدية إزمير.
وتشير التوقّعات إلى فوز مريح ليلدريم في إسطنبول، بينما تظهر استطلاعات الرأي تقدّم مرشح حزب الشعب الجمهوري منصور ياواش على مرشح «العدالة والتنمية» أوزهسكي في أنقرة، وأن المعركة بينهما لن تكون سهلة على الإطلاق. وفي الأيام الأخيرة سلطت وسائل الإعلام، التي بات 95 في المائة منها تقريباً موالياً لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم، الضوء بكثافة على قضية تزوير قيل إن ياواش لعب دوراً فيها. وردّ حزب «الشعب الجمهوري» متّهماً الإعلام الموالي للحكومة بأنه يحاول بشتى السبل تلطيخ سمعة ياواش بعدما أظهرت استطلاعات الرأي تفوّقه على مرشح «العدالة والتنمية».
وناشد المنتمين لحزبي العدالة والتنمية والحركة القومية التصويت لتحالف الشعب «لتفويت الفرصة على الأحزاب الأخرى للنيل منه»، قائلاً: «علينا أن نوجه لهم صفعة عثمانية في تلك الانتخابات، علينا ألا نفقد الأصوات، ونتحد جميعاً». واتهم تحالف الأمة المعارض بـ«دعم التنظيمات الإرهابية».
وأظهرت نتائج أحدث استطلاع للرأي شمل عدداً من المدن التركية الكبرى تفوق مرشحي تحالف المعارضة في معظمها على منافسيهم من مرشحي تحالف الشعب، وخسارة حزب العدالة والتنمية العاصمة أنقرة، ومدينتي إسطنبول وأنطاليا.
ولا يعد هذا الاستطلاع هو الأول من نوعه، الذي يظهر تراجع شعبية الحزب الحاكم في المدن الكبرى بتركيا، إذ سبق أن كشفت استطلاعات مماثلة الأزمة الحقيقية التي أصابت شعبية الحزب الحاكم نتيجة سياسات إردوغان.
تركيا تشهد اليوم انتخابات محلية يراها إردوغان استفتاء على شعبيته
استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم المعارضة في المدن الكبرى
الرئيس إردوغان في تجمع حاشد في إسطنبول يوم الجمعة قال: «بعد الانتخابات سنغير اسم آيا صوفيا من متحف إلى مسجد» (إ.ب.أ)
تركيا تشهد اليوم انتخابات محلية يراها إردوغان استفتاء على شعبيته
الرئيس إردوغان في تجمع حاشد في إسطنبول يوم الجمعة قال: «بعد الانتخابات سنغير اسم آيا صوفيا من متحف إلى مسجد» (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
