مجلس الأمن يشدد القيود على تمويل الإرهابيين والجماعات المتطرفة

TT

مجلس الأمن يشدد القيود على تمويل الإرهابيين والجماعات المتطرفة

شدد مجلس الأمن، في قرار لا سابق له بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، على ضرورة مكافحة تمويل الإرهابيين والجماعات الإرهابية، لا سيما عبر التحويلات المالية المشفرة، أو التي تستخدم العملات الرقمية، أو تلك التي تغطي عملياتها الإجرامية بغطاء من النشاطات التجارية والقانونية المشروعة. بينما كشفت الولايات المتحدة أنها تقوم بـ«جهود منسقة» مع المملكة العربية السعودية ودول أخرى لمواجهة «مجموعة متطورة بشكل متزايد»، التي يقوم بها «حزب الله» من أجل «جني الإيرادات، وإخفاء شراء الأسلحة، والتحايل على الضوابط لتعطيل غسل الأموال وتمويل الإرهاب».
وجاءت تصريحات الدبلوماسي الأميركي في سياق القرار 2462، الذي أصدره مجلس الأمن بالإجماع، الخميس، بهدف تعزيز الجهود الدولية لمحاربة الأساليب الكثيرة الجديدة التي تعتمدها جماعات مثل «القاعدة» و«داعش» و«حزب الله» لجمع الأموال ولتمويل عملياتها.
ويشدد القرار، الذي قدمت مشروعه فرنسا، على أن المسؤولية الرئيسية في مكافحة الأعمال الإرهابية تقع على عاتق الدول الأعضاء، مؤكداً أن «الإرهاب بكل أشكاله ومظاهره يمثل أحد أشد الأخطار التي تهدد السلم والأمن الدوليين، وأن أي عمل إرهابي هو عمل إجرامي لا يمكن تبريره أياً كانت دوافعه أو توقيته أو مكانه أو هوية مرتكبيه». وذكر كل الدول بـ«التزامها ضمان تقديم أي شخص يشارك في تمويل أعمال إرهابية أو التخطيط أو الإعداد لها أو ارتكابها أو دعمها إلى العدالة»، على أن «تعتبر هذه الأعمال الإرهابية جرائم جنائية خطيرة في القوانين واللوائح المحلية، بالإضافة إلى أي تدابير أخرى ضدها، وبأن تعكس العقوبات المتخذة بحق مرتكبيها على النحو الواجب خطورة هذه الأعمال الإرهابية». ولاحظ مجلس الأمن في القرار، الذي أصدره بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ما يعني أنه يجيز استخدام القوة ووسائل قاهرة أخرى لتنفيذه، بـ«قلق بالغ أن الإرهابيين والجماعات الإرهابية يقومون بجمع الأموال عن طريق مجموعة متنوعة من الوسائل تشمل، على سبيل المثال لا الحصر، إساءة استخدام المؤسسات التجارية المشروعة، واستغلال الموارد الطبيعية، وإساءة استخدام المنظمات غير الربحية، والتبرعات، والتمويل الجماعي، والعائدات المتأتية من النشاطات الإجرامية». وعبر عن «القلق من أن الإرهابيين قد يستفيدون من الجريمة المنظمة عبر الوطنية باعتبارها مصدراً للتمويل أو الدعم اللوجستي»، مشدداً على «ضرورة تنسيق الجهود على كل الأصعدة المحلية والوطنية والإقليمية ودون الإقليمية والدولية بهدف التصدي لهذا التحدي». وأعرب كذلك عن «القلق من استمرار الإرهابيين ومؤيديهم في استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لا سيما شبكة الإنترنت، من أجل تيسير الأعمال الإرهابية وكذلك استعمالها في التحريض على ارتكاب أعمال إرهابية أو تجنيد مرتكبيها أو تمويلها أو التخطيط لها». ويطلب من الدول الأعضاء أيضاً «تحديد القطاعات الاقتصادية الأسهل لتمويل الإرهاب والتزود بوحدات استخباراتية متخصصة في كشف الدوائر المالية التي تستفيد منها منظمات إرهابية». ويحض على «التحرك لكشف سرية التحويلات وتطوير وسائل لمراقبة المدفوعات عبر الهاتف واستخدام المبالغ النقدية والعملات المشفرة».
ولطمأنة المنظمات الإنسانية التي تخشى من عرقلة نشاطاتها على الأرض، بحجة أنها تساعد بطريقة غير مباشرة المنظمات الإرهابية، أكد القرار أن «الترسانة القمعية التي تطورها الدول يجب أن تطبق ضمن احترام القانون الإنساني».
وخلال الاجتماع الذي عقد برئاسته (فرنسا رئيسة مجلس الأمن للشهر الحالي)، قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، إن القرار يرمي إلى وضع «عقيدة مرجعية. إنها بداية التطبيق» لقرار هو الأول من نوعه الذي تخصصه الأمم المتحدة حصراً لمسألة تمويل الإرهاب. وأضاف أن «مشاركة القطاع الخاص في ذلك بات ضرورياً أكثر من أي وقت مضى». وأفاد دبلوماسيون فرنسيون بأن هدف القرار هو جمع كل المعايير في نص واحد، وتكثيف التعاون الدولي. وإذ ركز على «تقاسم المعلومات الاستخبارية»، أوضح أن «علينا معالجة المسألة من جذورها»، مشيراً إلى أن «المجموعات الإرهابية كـ(القاعدة) أو (داعش) لا تختفي بل تتأقلم، وأنه يجب قطع موارد تمويلها».

وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكتب مكافحة الإرهاب، فلاديمير فورونكوف، إن اعتماد القرار «يأتي في وقت حرج، حيث بينت الهجمات الأخيرة في كل أنحاء العالم أن التدفقات المالية تستمر في الوصول إلى الجماعات الإرهابية بواسطة الوسائل القانونية وغير القانونية على حد سواء»، مشيراً إلى «أهمية تضافر الجهود لجذب انتباه العالم بشأن وقف تمويل الإرهاب». وأوضح أنه على رغم تركيز الكثير من قرارات مجلس الأمن على مكافحة تمويل الإرهاب، فإن هذا القرار «يساعد على توحيد المتطلبات المختلفة في مشروع واحد، ويوسع التركيز على القضايا الرئيسية الناشئة، بما في ذلك أنماط التمويل الإرهابي المبتكرة»، معرباً عن استعداد مكتب مكافحة الإرهاب لدعم الدول الأعضاء في تنفيذ هذا القرار. وركز على ثلاث نقاط أساسية أكد أنها تمثل أولوية في مجال مكافحة تمويل الإرهاب، وهي «أولاً توسيع التركيز ليشمل عدة مجالات، منها التبادل في مجال الاستخبارات، وثانياً النظر إلى مسألة مكافحة تمويل الإرهاب باعتبارها حزمة شاملة تضم مجموعة متنوعة من الموضوعات ذات الصلة، وثالثاً أهمية العمل عن كثب مع فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية بشأن المساعدة في بناء القدرات».
وحض الدول بقوة على «تطبيق المعايير الدولية التي وضعها فريق العمل المالي»، الذي أنشئ عام 1989 من القوى الاقتصادية الكبرى لمكافحة غسل الأموال. ومنذ ذلك الحين وسع نطاق عمله ليشمل تمويل الإرهاب وتمويل الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية.
وقال رئيس فريق العمل المالي مارشال بيلينغسلي لمجلس الأمن، إنه «من الأهمية بمكان لكل الدول أن تدرك أين تكون عرضة لتمويل الإرهاب، ومن ثم استخدام هذا الفهم للتخفيف من تلك المخاطر بشكل صحيح». وأضاف أنه «يتعين على الدول أن تدرك أن المخاطر تتجاوز قطاع المصارف والتمويل لتشمل البناء والسلع وتهريب الأدوية وحتى تجارة السيارات المستعملة». وأوضح أن جماعات مثل «حزب الله» و«القاعدة في بلاد المغرب» ومتمردي «فارك» في كولومبيا «استفادت جميعها من اختلاط الأموال بين العمليات الإجرامية والتجارة والأعمال القانونية الأخرى بغرض تمويل الهجمات الإرهابية».
وقال القائم بأعمال البعثة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة جوناثان كوهين، إنه «يجب علينا تعطيل تمويل جماعات مثل (حزب الله)، الذي يصدر العنف وعدم الاستقرار في كل أنحاء الشرق الأوسط»، مشيراً إلى «سجله الطويل من النشاط المزعزع للاستقرار الذي لا يزال يهدد السلام والأمن العالميين». وكشف أن «(حزب الله)، الذي يستمر في خوض الحروب على جبهتين في سوريا واليمن، يستخدم مجموعة متطورة بشكل متزايد من الأدوات والشبكات الدولية من الشركات والوسطاء، بما في ذلك الشركات التي تبدو شرعية مثل قطاعي البناء والصناعات الدوائية، لجني الإيرادات، وإخفاء شراء الأسلحة، والتحايل على الضوابط لتعطيل غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، مشدداً على أنه «لا يمكن معالجة هذه الشبكات والأدوات بمعزل عن غيرها، أو في أي ركن من أركان المعمورة. ولا يمكننا السماح للجماعات الإرهابية التي أثبتت جدواها، مثل (حزب الله)، بالاستمرار في التقدم خطوة واحدة على جهود المراقبة الدولية وتمويل الإرهاب. يجب علينا جميعاً أن نعترف بـ(حزب الله) وغيره من الجماعات المماثلة لما يمثلونه - تهديد عالمي للسلام والأمن». وأكد أن «تهديد تمويل الإرهاب الذي يشكله (حزب الله) و(داعش) و(القاعدة) يتطلب توظيف مجموعة كاملة من الأدوات التي أبرزها قرار» مجلس الأمن. وأفاد: «نحن نعزز تأثير جهودنا الفردية لمكافحة تمويل الإرهاب من خلال العمل مع الشركاء الدوليين الرئيسيين. على سبيل المثال، أنشأت الولايات المتحدة، إلى جانب رئيسها المشارك، في المملكة العربية السعودية، مركزاً لاستهداف تمويل الإرهاب، في الرياض، لتيسير الأعمال المنسقة لتعطيل هذه النشاطات، وتبادل المعلومات، وبناء القدرات لاستهداف شبكات ونشاطات تمويل الإرهاب ذات الاهتمام المشترك، التي تشكل تهديدات للأمن القومي للولايات المتحدة والخليج». وأضاف: «نواجه سوية شبكات تمويل الإرهاب المتطورة، بما في ذلك شبكات دعم (داعش) و(القاعدة) و(حزب الله) و(عسكر الطيبة)»، موضحاً أنه «منذ إنشائها في مايو (أيار) 2017، قمنا بتنفيذ ثلاث جولات من التعيينات متعددة الأطراف، وفرضت عقوبات على 36 من الأفراد والكيانات».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».