الأنبار.. «المواجهة الحتمية»

ترقد على فوهة بركان وسط انقسام العشائر.. وأحلام «القاعدة»

الأنبار.. «المواجهة الحتمية»
TT

الأنبار.. «المواجهة الحتمية»

الأنبار.. «المواجهة الحتمية»

الحرب التي تدور رحاها في محافظة الأنبار (كبرى محافظات العراق مساحة والمحاددة لثلاث دول هي سوريا والأردن والسعودية) تبدو خليطا غير متجانس من مجموعة تناقضات ترتبط بعضها مع بعض بخيط رفيع، لكنه وثيق الصلة بكل ما في العراق اليوم من تناقضات سياسية واجتماعية وعشائرية.
ففي العراق، كل شيء مختلف عليه اليوم، بما في ذلك الحرب على الإرهاب، التي تتلخص الآن في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
لكن، سرعان ما انفجر برميل البارود الذي بقي مؤجلا لفترة من الوقت، في منطقة كانت – ولا تزال - ملتهبة بسبب تداخل الخنادق فيها وتصارع الجبهات حتى بدا أن المواجهة لا بد أن تكون حتمية.
الحرب التي كانت مؤجلة ضد من يوصفون بالمتطرفين ممن ترى الحكومة العراقية أنهم اختطفوا ساحات الاعتصام بعد فترة وجيزة من انطلاق المظاهرات - بدا توقيتها الآن غير مناسب للجميع؛ لا الحكومة تبدو مهيأة لخوض حرب، لم يعد أمام رئيس الوزراء نوري المالكي سوى المضي فيها إلى نهايتها، طبقا لما قاله هو بعد كشفه أن المتطرفين من تنظيمات «داعش» و«القاعدة» كانوا ينوون إقامة ولاية إسلامية في الأنبار، ولا المتطرفون مهيأون لها بالطريقة التي تجري بها حاليا، ولا حتى القوى والكتل السياسية لا سيما تلك التي تستعد لخوض الانتخابات البرلمانية في شهر أبريل (نيسان) المقبل، في محاولة منها لتغيير الخارطة السياسية بالبلاد. والمعنى الرمزي لتغيير الخارطة السياسية في العراق يتمثل في محاولة حصد أكبر كمية من الأصوات ومن ثم المقاعد في البرلمان القادم، ليس فقط للقوى التي تراهن على أبناء تلك المنطقة (المقصود هنا ليس الأنبار فقط، وإنما المحافظات الأربع السنية؛ وهي صلاد الدين وديالى وكركوك ونينوى)، بل حتى بالنسبة لبعض القوى والكتل الأخرى من خارج المنطقة التي تتمنى تشكيل أغلبية سياسية قادرة على تغيير التركيبة الحالية للحكومة، القائمة على أساس المحاصصة العرقية والطائفية. وتبدو الولاية الثالثة للمالكي هي القاسم المشترك الأعظم لجميع اهتمامات هذه القوى. ومن هنا، بدأ الخيط الذي حاول المالكي إمساكه، بعمليات «وادي حوران» في صحراء الأنبار، يفلت من يديه بعد أن نقل المعركة في وقت بدا غير مناسب، ليس له هذه المرة، بل للجميع، إلى داخل مدينة الرمادي حينما فض خيم الاعتصام بعد مرور سنة من قيامها واعتقال النائب السني البارز وأحد قادة الحراك الشعبي أحمد العلواني.
ومع أن الحرب المؤجلة سبق للنائب المنسحب من «دولة القانون» عزة الشابندر وأحد أبرز مفاوضي المالكي مع العرب السنة وقادة الحراك الشعبي أن أخبر «الشرق الأوسط» بأنها «باتت حتمية مع متطرفي ساحة الأنبار، لا سيما بعد أن بدا أن هناك خطوطا عريضة من التفاهم بدأت تنسج بين المالكي والمعتدلين من قادة الساحة من أصحاب المطالب». الشابندر يشير بذلك إلى «سلسلة الاتصالات التي كانت قد أجريت مع وفود من محافظة الأنبار بقيادة محافظها أحمد الذيابي ومجلس المحافظة، ولقاءاتهم مع المالكي، وقسم منها جرى بحضوري، بالإضافة إلى أكثر من لقاء مع الشيخ أحمد أبو ريشة».
وأبو ريشة قصة بحد ذاته في هذه الحرب والمواجهات. فالرجل كان أحد قادة الحراك في ساحة الرمادي، حاله في ذلك حال وزير المالية المستقيل رافع العيساوي، الذي فشلت مفاوضات الشابندر معه نيابة عن المالكي. وهذه قصة سبق أن رواها لـ«الشرق الأوسط» عزة الشابندر نفسه عندما نفى المالكي في بيانين له أن يكون قد أرسل الشابندر مفاوضا مع العيساوي، باعتبار أن الأخير مطلوب للنزاهة والقضاء. ترتب على ذلك بقاء الأوضاع على ما هي عليه هناك مؤقتا، بينما أعلن الشابندر انسحابه من ائتلاف المالكي ليشكل كتلة مستقلة يخوض من خلالها الانتخابات المقبلة.
* شاكر وهيب أم واثق البطاط؟
* لكن، سرعان ما انفجر برميل البارود الذي بقي مؤجلا لفترة من الوقت، في منطقة كانت – ولا تزال - ملتهبة بسبب تداخل الخنادق فيها وتصارع الجبهات حتى بدا أن المواجهة لا بد أن تكون حتمية. في صحراء الأنبار، بدأت القوات العراقية حملة لمطاردة «داعش» هناك على خلفية تداعيات الأحداث في سوريا. غير أن عملية «الوكر المفخخ» التي أودت بحياة قائد الفرقة السابعة في الجيش العراقي، اللواء الركن محمد الكروي، قلبت الموازين تماما. فالمالكي أطلق على أثر ذلك عملية عسكرية سماها «عمليات ثأر القائد محمد» وزج فيها بقوات كبيرة بهدف مقاتلة «داعش» وتنظيم القاعدة ثأرا لهذا القائد. ولأن كل شيء قابل للاستثمار سياسيا في العراق، فإن القوى والكتل السياسية العراقية المختلفة، سواء في الوسط الشيعي أو السني، بدا لها أن ما سوف يحققه المالكي من انتصارات في حربه على الإرهاب يمكن أن يوظفه لصالحه انتخابيا. وبدت هذه المخاوف مبررة للوهلة الأولى، رغم أن الجميع أيدوا هذه العمليات، خصوصا أن بعضها ارتبط بحدثين ذوي دلالة، وهما: الإعلان عن مقتل القيادي البارز في تنظيم القاعدة شاكر وهيب في عملية بالأنبار، واعتقال قائد ميليشيا «جيش المختار» واثق البطاط في بغداد. كتلة «متحدون» التي يتزعمها رئيس البرلمان أسامة النجيفي، وهي كبرى الكتل السنية التي تبدو في حالة خصومة دائمة مع المالكي، أعلنت وعلى لسان القيادي فيها وعضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية، مظهر الجنابي، تأييدها خطوات المالكي هذه. ففي حديث له لـ«الشرق الأوسط»، قال الجنابي إن «المادة التاسعة من الدستور العراقي واضحة في هذا المجال، حيث إنها تدعو إلى ملاحقة الميليشيات وتصفيتها، ومن ثمب فإن اعتقال البطاط خطوة جيدة وفي الطريق الصحيح باتجاه أن يكون السلاح كله بيد الدولة». وعد الجنابي «تطبيق القانون يجب أن يشمل الجميع، وأن رئيس الوزراء يحمل أمانة سياسية وشرعية حين يتصرف بعدالة». والقصة بين شاكر وهيب وواثق البطاط فيها الكثير من الالتباس. وهيب كان ظهر في منصة اعتصام الرمادي ذات مرة بتسجيل فيديوي وهو يقول: «احنه تنظيم أسمنه القاعدة.. نقطع الراس ونقيم الحدود» وقد مثل ذلك استفزازا للشيعة، حتى إن الكثير من القنوات الفضائية الشيعية كانت تبرز بين فترة وأخرى ذلك المقطع بوصفه التعبير الرمزي لما تعبر عنه ساحات الاعتصام. أما البطاط، فإنه مثل في الكثير من تصريحاته استفزازا للسنة، رغم أن وزارة الداخلية وعلى لسان الناطق الرسمي باسمها العميد سعد معن وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» يصفه بأنه «ظاهرة صوتية ولا وزن له على الإطلاق». معن يضيف أن «الحكومة ماضية في تطبيق القانون ومحاربة الميليشيات وحصر السلاح في يد الدولة».
* فرق عشائريا.. تسد
* عندما اندلعت المظاهرات في مدينة الرمادي أواخر عام 2012 على خلفية اعتقال عدد من أفراد حماية وزير المالية المستقيل والقيادي البارز في «القائمة العراقية» رافع العيساوي، بدا كأنها القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الحكومة وقطاع واسع من أهالي المحافظات الغربية الخمس (الأنبار، صلاح الدين، ديالى، كركوك، نينوى)، بالإضافة إلى الأحياء ذات الغالبية السنية من العاصمة بغداد. فالمظاهرات سرعان ما امتدت إلى كل هذه المحافظات، رفع خلالها المتظاهرون مطالب تتكون من 14 مطلبا، اعترفت الحكومة بقسم منها، بينما بدا القسم الآخر من اختصاص البرلمان، في حين بدا قسم آخر منها غير مشروع من وجهة نظر الحكومة.
وبينما لم تحصل مفاوضات مباشرة بين الحكومة والمتظاهرين، فقد تحولت المظاهرات إلى اعتصامات مفتوحة. وبعد شهور من استمرارها، أعلنت الحكومة، وعلى لسان الكثير من كبار المسؤولين فيها وفي مقدمتهم رئيس الوزراء نوري المالكي، أن ساحات الاعتصام قد جرى اختطافها من قبل المتطرفين. والمقصود بالمتطرفين تنظيم القاعدة حصرا. في هذه الأثناء، حصل انقسام سياسي ومجتمعي وحتى عشائري إلى حد كبير. فالحكومة بدأت تعمل على فرز من يقف إلى جانبها وعزل من يقف ضدها. وبينما أعلن القيادي بـ«القائمة العراقية» ووزير المالية رافع العيساوي استقالته من منصبه، فإن نوابا آخرين من «القائمة العراقية»، وفي مقدمتهم النائب أحمد العلواني، انضموا إلى الحراك الشعبي. كما انضم إلى الحراك الشعبي قائد صحوة الأنبار السابق أحمد أبو ريشة، الأمر الذي أدى بالمالكي إلى الاستعانة بقادة عشائريين آخرين في الأنبار والفلوجة لإنشاء صحوات جديدة بقيادة وسام الحردان الذي كان حليفا لأبو ريشة. كما جرت الاستعانة برئيس مجلس إنقاذ الأنبار حميد الهايس وشقيقه محمد الهايس لتأسيس ما سمي «أبناء العراق»، وكلا الفصيلين بدا كأنهما بديلان لصحوات أبو ريشة. بدت العملية كأنها نوع من سياسة «فرق تسد»، لكن على نطاق عشائري هذه المرة. الحكومة، وفي إطار موقفها من ساحة الاعتصام، بدأت تعتمد على المعلومات التي تصل إليها من جماعة «أبناء العراق» بقيادة آل الهايس. حميد الهايس، وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يقول إن «ساحة الاعتصام التي يحاول بعض السياسيين، لا سيما من كتلة (متحدون)، رفع أسهمهم من خلالها، هم متواطئون مع من في الساحة، التي هي أصلا تدار من قبل تنظيمي (القاعدة) و(داعش)». ويضيف الهايس أن «قيادات (القاعدة) تخطط من داخل الساحة، وأن الناس الحقيقيين أصحاب المطالب خرجوا منها بعد أن لبت الحكومة مطالبهم»، مؤكدا أن «(أبناء العراق) ينسقون مع القوات الأمنية في مطاردة عناصر تنظيم القاعدة في المعركة الحالية التي سوف تحسم لصالح العراق بطرد (داعش) والمتعاونين معها». مع ذلك، فإن الحكومة ورغم اعتمادها على الصحوات الجديدة، فإنها عادت للتحالف من جديد مع زعيم الصحوات القديم أحمد أبو ريشة الذي ينتمي، مع محافظ الأنبار أحمد الذيابي، إلى كتلة «متحدون» التي يتزعمها أسامة النجيفي. غير أن الخلافات تبدو واسعة بين الطرفين حتى لو بدت غير منظورة. فما يفعله المحافظ بالتنسيق مع الحكومة كما أن لقاءات أبو ريشة مع المالكي هي الأخرى تثير شكوك جماعته حتى في الحراك الشعبي. الناطق الرسمي باسم كتلة «متحدون» ظافر العاني، أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الأنبار عاشت محنة كبيرة بعد الاعتداء غير القانوني الذي قامت به قوات المالكي على منزل النائب أحمد العلواني في الرمادي واعتقاله، ودخول قوات عسكرية كبيرة إلى المدن»، مشيرا إلى أن ذلك أحدث «اضطرابا أمنيا كبيرا إثر الاستفزازات التي قامت بها ضد الأهالي، مما أفسح المجال لمجاميع (داعش) الإرهابية أن تنتعش وتسيطر على عدد من مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية بعد انسحاب الجيش الذي دخل وخرج من المدن».
* تصفير الحلول
* ما الحل؟ هل هو عسكري أم سياسي أم مجتمعي؟ المعلومات الأمنية تقول إن الجيش يستعد لمعركة فاصلة مع الإرهابيين في الأنبار. في غضون ذلك وطبقا لمعلومات أخرى، فإن بعض الأحياء السكنية في مدينة الفلوجة تتعرض لقصف من قبل الجيش. يضاف إلى ذلك حركة نزوح سكاني، فضلا عن وجود مخاوف من إمكانية حصول كارثة إنسانية. المحصلة، إن القادة السياسيين العراقيين، وبدلا من أن يلجأوا إلى سياسة تصفير المشاكل، فإنهم وصلوا إلى مرحلة «تصفير الحلول»، حيث لا تبدو ثمة حلول حقيقية في الأفق، لأن الأزمة متداخلة سياسيا ومجتمعيا. وفي هذا السياق، يرى عضو البرلمان العراقي عن كتلة «التحالف الكردستاني» وعضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية شوان محمد طه، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشهد السياسي بلغ مرحلة حرجة من الإرباك والارتباك، حتى ليبدو الوضع السياسي يسير باتجاه غير صحيح لا رجعة فيه، كأن هناك تخطيطا مسبقا لذلك، حيث لا يوجد للأسف اتفاق على أي شيء». وعبر طه عن أسفه قائلا: «إننا وصلنا إلى هذه النتيجة التي تبدو مأساوية، بل وحتى مخجلة». وأضاف طه أن «المشكلة التي نعانيها، أن السياسيين من كل الأطراف يعملون للحفاظ على مستقبلهم وليس مستقبل الشعب العراقي، حيث إنهم لم يعودوا قادرين على فعل أي شيء». ودعا طه إلى أن «الحل يكمن الآن في مساعدة (القائمة العراقية)، وبالذات كتلة (متحدون) التي لها حضور في المناطق الغربية من البلاد، وذلك لجهة أن انفلات الأمور هناك يأتي بالمتطرفين إلى البرلمان وإلى الحياة السياسية، بينما المفروض أن تعمل كل الكتل السياسية على إتاحة الفرصة لـ(العراقية) لأن تأخذ دورها هناك لكي لا تنجرف الأمور إلى ما لا تحمد عقباه». ودعا طه كلا من «التحالف الوطني» وكتلة «التحالف الكردستاني» إلى «مساعدة (متحدون) و(العراقية) في المناطق الغربية لمعالجة الأمر بالاتفاق معها لأن انفلات الأمور يعني أن البديل الذي سيأتي هو اليمين المتطرف، ومن هنا تضيع العملية السياسية برمتها، ولذا فإنه أصبح لزاما على الجميع الآن إنقاذ المشروع السياسي العراقي الذي يسعى المتطرفون إلى اختطافه مستفيدين مما نعانيه من أزمات ومشاكل بين الفرقاء السياسيين».
* تسلسل أحداث
* في الوقت الذي كان فيه معتصمو الأنبار يحتفلون بمرور الذكرى الأولى لبدء اعتصامهم المفتوح، أعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن ساحات الاعتصام أصبحت «ساحة للفتنة».
* منح المالكي المعتصمين أسبوعا لرفع الخيم من الساحة، التي أطلق عليها قادة الحراك الشعبي تسمية ساحة «العزة والكرامة» والتي تؤدى فيها صلاة الجمعة حيث يحضرها مئات الآلاف.
* لم يكد ينتهي الأسبوع حتى قامت قوات عراقية باعتقال أحد أبرز قادة الحراك الشعبي النائب أحمد العلواني.
* قامت قوات من الشرطة العراقية بالتزامن باقتحام الساحة وبدأت برفع الخيم والبحث عن 36 من أبرز قادة تنظيم القاعدة الذين قيل إنهم كانوا يعتصمون بالساحة، حيث يقومون بتفخيخ السيارات وإرسالها إلى مختلف المدن والمحافظات، وفي المقدمة منها بغداد للتفجر في الأسواق والدوائر والشوارع.
* لم تنته عملية رفع الخيم بسلام، بل كانت بمثابة فتح برميل بارود، حيث عمت الفوضى في أهم مدينتين من مدن الأنبار، وهما الرمادي والفلوجة.
* الأخيرة سيطر عليها مسلحو «داعش» بعد أن أعلنت القوات العسكرية العراقية أنها بدأت عملية مطاردتهم في صحراء الأنبار في إطار عملية «ثأر القائد محمد».
* اختلطت الأوضاع العسكرية والعشائرية والأمنية بشكل لافت. وبتاريخ التاسع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول)، قدم نحو 44 نائبا عن كتلة «متحدون» التي يتزعمها أسامة النجيفي استقالاتهم من مجلس النواب ووضعوها بيد رئيس المجلس، بينما أعلن النجيفي انسحابه من وثيقة الشرف التي جرى إقرارها قبل أشهر، متهما المالكي بـ«عدم احترامها»، وأنه سيعمل مع الجهات المحلية والدولية لسحب الجيش العراقي من المدن.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.