الأنبار.. «المواجهة الحتمية»

ترقد على فوهة بركان وسط انقسام العشائر.. وأحلام «القاعدة»

الأنبار.. «المواجهة الحتمية»
TT

الأنبار.. «المواجهة الحتمية»

الأنبار.. «المواجهة الحتمية»

الحرب التي تدور رحاها في محافظة الأنبار (كبرى محافظات العراق مساحة والمحاددة لثلاث دول هي سوريا والأردن والسعودية) تبدو خليطا غير متجانس من مجموعة تناقضات ترتبط بعضها مع بعض بخيط رفيع، لكنه وثيق الصلة بكل ما في العراق اليوم من تناقضات سياسية واجتماعية وعشائرية.
ففي العراق، كل شيء مختلف عليه اليوم، بما في ذلك الحرب على الإرهاب، التي تتلخص الآن في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
لكن، سرعان ما انفجر برميل البارود الذي بقي مؤجلا لفترة من الوقت، في منطقة كانت – ولا تزال - ملتهبة بسبب تداخل الخنادق فيها وتصارع الجبهات حتى بدا أن المواجهة لا بد أن تكون حتمية.
الحرب التي كانت مؤجلة ضد من يوصفون بالمتطرفين ممن ترى الحكومة العراقية أنهم اختطفوا ساحات الاعتصام بعد فترة وجيزة من انطلاق المظاهرات - بدا توقيتها الآن غير مناسب للجميع؛ لا الحكومة تبدو مهيأة لخوض حرب، لم يعد أمام رئيس الوزراء نوري المالكي سوى المضي فيها إلى نهايتها، طبقا لما قاله هو بعد كشفه أن المتطرفين من تنظيمات «داعش» و«القاعدة» كانوا ينوون إقامة ولاية إسلامية في الأنبار، ولا المتطرفون مهيأون لها بالطريقة التي تجري بها حاليا، ولا حتى القوى والكتل السياسية لا سيما تلك التي تستعد لخوض الانتخابات البرلمانية في شهر أبريل (نيسان) المقبل، في محاولة منها لتغيير الخارطة السياسية بالبلاد. والمعنى الرمزي لتغيير الخارطة السياسية في العراق يتمثل في محاولة حصد أكبر كمية من الأصوات ومن ثم المقاعد في البرلمان القادم، ليس فقط للقوى التي تراهن على أبناء تلك المنطقة (المقصود هنا ليس الأنبار فقط، وإنما المحافظات الأربع السنية؛ وهي صلاد الدين وديالى وكركوك ونينوى)، بل حتى بالنسبة لبعض القوى والكتل الأخرى من خارج المنطقة التي تتمنى تشكيل أغلبية سياسية قادرة على تغيير التركيبة الحالية للحكومة، القائمة على أساس المحاصصة العرقية والطائفية. وتبدو الولاية الثالثة للمالكي هي القاسم المشترك الأعظم لجميع اهتمامات هذه القوى. ومن هنا، بدأ الخيط الذي حاول المالكي إمساكه، بعمليات «وادي حوران» في صحراء الأنبار، يفلت من يديه بعد أن نقل المعركة في وقت بدا غير مناسب، ليس له هذه المرة، بل للجميع، إلى داخل مدينة الرمادي حينما فض خيم الاعتصام بعد مرور سنة من قيامها واعتقال النائب السني البارز وأحد قادة الحراك الشعبي أحمد العلواني.
ومع أن الحرب المؤجلة سبق للنائب المنسحب من «دولة القانون» عزة الشابندر وأحد أبرز مفاوضي المالكي مع العرب السنة وقادة الحراك الشعبي أن أخبر «الشرق الأوسط» بأنها «باتت حتمية مع متطرفي ساحة الأنبار، لا سيما بعد أن بدا أن هناك خطوطا عريضة من التفاهم بدأت تنسج بين المالكي والمعتدلين من قادة الساحة من أصحاب المطالب». الشابندر يشير بذلك إلى «سلسلة الاتصالات التي كانت قد أجريت مع وفود من محافظة الأنبار بقيادة محافظها أحمد الذيابي ومجلس المحافظة، ولقاءاتهم مع المالكي، وقسم منها جرى بحضوري، بالإضافة إلى أكثر من لقاء مع الشيخ أحمد أبو ريشة».
وأبو ريشة قصة بحد ذاته في هذه الحرب والمواجهات. فالرجل كان أحد قادة الحراك في ساحة الرمادي، حاله في ذلك حال وزير المالية المستقيل رافع العيساوي، الذي فشلت مفاوضات الشابندر معه نيابة عن المالكي. وهذه قصة سبق أن رواها لـ«الشرق الأوسط» عزة الشابندر نفسه عندما نفى المالكي في بيانين له أن يكون قد أرسل الشابندر مفاوضا مع العيساوي، باعتبار أن الأخير مطلوب للنزاهة والقضاء. ترتب على ذلك بقاء الأوضاع على ما هي عليه هناك مؤقتا، بينما أعلن الشابندر انسحابه من ائتلاف المالكي ليشكل كتلة مستقلة يخوض من خلالها الانتخابات المقبلة.
* شاكر وهيب أم واثق البطاط؟
* لكن، سرعان ما انفجر برميل البارود الذي بقي مؤجلا لفترة من الوقت، في منطقة كانت – ولا تزال - ملتهبة بسبب تداخل الخنادق فيها وتصارع الجبهات حتى بدا أن المواجهة لا بد أن تكون حتمية. في صحراء الأنبار، بدأت القوات العراقية حملة لمطاردة «داعش» هناك على خلفية تداعيات الأحداث في سوريا. غير أن عملية «الوكر المفخخ» التي أودت بحياة قائد الفرقة السابعة في الجيش العراقي، اللواء الركن محمد الكروي، قلبت الموازين تماما. فالمالكي أطلق على أثر ذلك عملية عسكرية سماها «عمليات ثأر القائد محمد» وزج فيها بقوات كبيرة بهدف مقاتلة «داعش» وتنظيم القاعدة ثأرا لهذا القائد. ولأن كل شيء قابل للاستثمار سياسيا في العراق، فإن القوى والكتل السياسية العراقية المختلفة، سواء في الوسط الشيعي أو السني، بدا لها أن ما سوف يحققه المالكي من انتصارات في حربه على الإرهاب يمكن أن يوظفه لصالحه انتخابيا. وبدت هذه المخاوف مبررة للوهلة الأولى، رغم أن الجميع أيدوا هذه العمليات، خصوصا أن بعضها ارتبط بحدثين ذوي دلالة، وهما: الإعلان عن مقتل القيادي البارز في تنظيم القاعدة شاكر وهيب في عملية بالأنبار، واعتقال قائد ميليشيا «جيش المختار» واثق البطاط في بغداد. كتلة «متحدون» التي يتزعمها رئيس البرلمان أسامة النجيفي، وهي كبرى الكتل السنية التي تبدو في حالة خصومة دائمة مع المالكي، أعلنت وعلى لسان القيادي فيها وعضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية، مظهر الجنابي، تأييدها خطوات المالكي هذه. ففي حديث له لـ«الشرق الأوسط»، قال الجنابي إن «المادة التاسعة من الدستور العراقي واضحة في هذا المجال، حيث إنها تدعو إلى ملاحقة الميليشيات وتصفيتها، ومن ثمب فإن اعتقال البطاط خطوة جيدة وفي الطريق الصحيح باتجاه أن يكون السلاح كله بيد الدولة». وعد الجنابي «تطبيق القانون يجب أن يشمل الجميع، وأن رئيس الوزراء يحمل أمانة سياسية وشرعية حين يتصرف بعدالة». والقصة بين شاكر وهيب وواثق البطاط فيها الكثير من الالتباس. وهيب كان ظهر في منصة اعتصام الرمادي ذات مرة بتسجيل فيديوي وهو يقول: «احنه تنظيم أسمنه القاعدة.. نقطع الراس ونقيم الحدود» وقد مثل ذلك استفزازا للشيعة، حتى إن الكثير من القنوات الفضائية الشيعية كانت تبرز بين فترة وأخرى ذلك المقطع بوصفه التعبير الرمزي لما تعبر عنه ساحات الاعتصام. أما البطاط، فإنه مثل في الكثير من تصريحاته استفزازا للسنة، رغم أن وزارة الداخلية وعلى لسان الناطق الرسمي باسمها العميد سعد معن وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» يصفه بأنه «ظاهرة صوتية ولا وزن له على الإطلاق». معن يضيف أن «الحكومة ماضية في تطبيق القانون ومحاربة الميليشيات وحصر السلاح في يد الدولة».
* فرق عشائريا.. تسد
* عندما اندلعت المظاهرات في مدينة الرمادي أواخر عام 2012 على خلفية اعتقال عدد من أفراد حماية وزير المالية المستقيل والقيادي البارز في «القائمة العراقية» رافع العيساوي، بدا كأنها القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الحكومة وقطاع واسع من أهالي المحافظات الغربية الخمس (الأنبار، صلاح الدين، ديالى، كركوك، نينوى)، بالإضافة إلى الأحياء ذات الغالبية السنية من العاصمة بغداد. فالمظاهرات سرعان ما امتدت إلى كل هذه المحافظات، رفع خلالها المتظاهرون مطالب تتكون من 14 مطلبا، اعترفت الحكومة بقسم منها، بينما بدا القسم الآخر من اختصاص البرلمان، في حين بدا قسم آخر منها غير مشروع من وجهة نظر الحكومة.
وبينما لم تحصل مفاوضات مباشرة بين الحكومة والمتظاهرين، فقد تحولت المظاهرات إلى اعتصامات مفتوحة. وبعد شهور من استمرارها، أعلنت الحكومة، وعلى لسان الكثير من كبار المسؤولين فيها وفي مقدمتهم رئيس الوزراء نوري المالكي، أن ساحات الاعتصام قد جرى اختطافها من قبل المتطرفين. والمقصود بالمتطرفين تنظيم القاعدة حصرا. في هذه الأثناء، حصل انقسام سياسي ومجتمعي وحتى عشائري إلى حد كبير. فالحكومة بدأت تعمل على فرز من يقف إلى جانبها وعزل من يقف ضدها. وبينما أعلن القيادي بـ«القائمة العراقية» ووزير المالية رافع العيساوي استقالته من منصبه، فإن نوابا آخرين من «القائمة العراقية»، وفي مقدمتهم النائب أحمد العلواني، انضموا إلى الحراك الشعبي. كما انضم إلى الحراك الشعبي قائد صحوة الأنبار السابق أحمد أبو ريشة، الأمر الذي أدى بالمالكي إلى الاستعانة بقادة عشائريين آخرين في الأنبار والفلوجة لإنشاء صحوات جديدة بقيادة وسام الحردان الذي كان حليفا لأبو ريشة. كما جرت الاستعانة برئيس مجلس إنقاذ الأنبار حميد الهايس وشقيقه محمد الهايس لتأسيس ما سمي «أبناء العراق»، وكلا الفصيلين بدا كأنهما بديلان لصحوات أبو ريشة. بدت العملية كأنها نوع من سياسة «فرق تسد»، لكن على نطاق عشائري هذه المرة. الحكومة، وفي إطار موقفها من ساحة الاعتصام، بدأت تعتمد على المعلومات التي تصل إليها من جماعة «أبناء العراق» بقيادة آل الهايس. حميد الهايس، وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يقول إن «ساحة الاعتصام التي يحاول بعض السياسيين، لا سيما من كتلة (متحدون)، رفع أسهمهم من خلالها، هم متواطئون مع من في الساحة، التي هي أصلا تدار من قبل تنظيمي (القاعدة) و(داعش)». ويضيف الهايس أن «قيادات (القاعدة) تخطط من داخل الساحة، وأن الناس الحقيقيين أصحاب المطالب خرجوا منها بعد أن لبت الحكومة مطالبهم»، مؤكدا أن «(أبناء العراق) ينسقون مع القوات الأمنية في مطاردة عناصر تنظيم القاعدة في المعركة الحالية التي سوف تحسم لصالح العراق بطرد (داعش) والمتعاونين معها». مع ذلك، فإن الحكومة ورغم اعتمادها على الصحوات الجديدة، فإنها عادت للتحالف من جديد مع زعيم الصحوات القديم أحمد أبو ريشة الذي ينتمي، مع محافظ الأنبار أحمد الذيابي، إلى كتلة «متحدون» التي يتزعمها أسامة النجيفي. غير أن الخلافات تبدو واسعة بين الطرفين حتى لو بدت غير منظورة. فما يفعله المحافظ بالتنسيق مع الحكومة كما أن لقاءات أبو ريشة مع المالكي هي الأخرى تثير شكوك جماعته حتى في الحراك الشعبي. الناطق الرسمي باسم كتلة «متحدون» ظافر العاني، أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الأنبار عاشت محنة كبيرة بعد الاعتداء غير القانوني الذي قامت به قوات المالكي على منزل النائب أحمد العلواني في الرمادي واعتقاله، ودخول قوات عسكرية كبيرة إلى المدن»، مشيرا إلى أن ذلك أحدث «اضطرابا أمنيا كبيرا إثر الاستفزازات التي قامت بها ضد الأهالي، مما أفسح المجال لمجاميع (داعش) الإرهابية أن تنتعش وتسيطر على عدد من مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية بعد انسحاب الجيش الذي دخل وخرج من المدن».
* تصفير الحلول
* ما الحل؟ هل هو عسكري أم سياسي أم مجتمعي؟ المعلومات الأمنية تقول إن الجيش يستعد لمعركة فاصلة مع الإرهابيين في الأنبار. في غضون ذلك وطبقا لمعلومات أخرى، فإن بعض الأحياء السكنية في مدينة الفلوجة تتعرض لقصف من قبل الجيش. يضاف إلى ذلك حركة نزوح سكاني، فضلا عن وجود مخاوف من إمكانية حصول كارثة إنسانية. المحصلة، إن القادة السياسيين العراقيين، وبدلا من أن يلجأوا إلى سياسة تصفير المشاكل، فإنهم وصلوا إلى مرحلة «تصفير الحلول»، حيث لا تبدو ثمة حلول حقيقية في الأفق، لأن الأزمة متداخلة سياسيا ومجتمعيا. وفي هذا السياق، يرى عضو البرلمان العراقي عن كتلة «التحالف الكردستاني» وعضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية شوان محمد طه، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «المشهد السياسي بلغ مرحلة حرجة من الإرباك والارتباك، حتى ليبدو الوضع السياسي يسير باتجاه غير صحيح لا رجعة فيه، كأن هناك تخطيطا مسبقا لذلك، حيث لا يوجد للأسف اتفاق على أي شيء». وعبر طه عن أسفه قائلا: «إننا وصلنا إلى هذه النتيجة التي تبدو مأساوية، بل وحتى مخجلة». وأضاف طه أن «المشكلة التي نعانيها، أن السياسيين من كل الأطراف يعملون للحفاظ على مستقبلهم وليس مستقبل الشعب العراقي، حيث إنهم لم يعودوا قادرين على فعل أي شيء». ودعا طه إلى أن «الحل يكمن الآن في مساعدة (القائمة العراقية)، وبالذات كتلة (متحدون) التي لها حضور في المناطق الغربية من البلاد، وذلك لجهة أن انفلات الأمور هناك يأتي بالمتطرفين إلى البرلمان وإلى الحياة السياسية، بينما المفروض أن تعمل كل الكتل السياسية على إتاحة الفرصة لـ(العراقية) لأن تأخذ دورها هناك لكي لا تنجرف الأمور إلى ما لا تحمد عقباه». ودعا طه كلا من «التحالف الوطني» وكتلة «التحالف الكردستاني» إلى «مساعدة (متحدون) و(العراقية) في المناطق الغربية لمعالجة الأمر بالاتفاق معها لأن انفلات الأمور يعني أن البديل الذي سيأتي هو اليمين المتطرف، ومن هنا تضيع العملية السياسية برمتها، ولذا فإنه أصبح لزاما على الجميع الآن إنقاذ المشروع السياسي العراقي الذي يسعى المتطرفون إلى اختطافه مستفيدين مما نعانيه من أزمات ومشاكل بين الفرقاء السياسيين».
* تسلسل أحداث
* في الوقت الذي كان فيه معتصمو الأنبار يحتفلون بمرور الذكرى الأولى لبدء اعتصامهم المفتوح، أعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن ساحات الاعتصام أصبحت «ساحة للفتنة».
* منح المالكي المعتصمين أسبوعا لرفع الخيم من الساحة، التي أطلق عليها قادة الحراك الشعبي تسمية ساحة «العزة والكرامة» والتي تؤدى فيها صلاة الجمعة حيث يحضرها مئات الآلاف.
* لم يكد ينتهي الأسبوع حتى قامت قوات عراقية باعتقال أحد أبرز قادة الحراك الشعبي النائب أحمد العلواني.
* قامت قوات من الشرطة العراقية بالتزامن باقتحام الساحة وبدأت برفع الخيم والبحث عن 36 من أبرز قادة تنظيم القاعدة الذين قيل إنهم كانوا يعتصمون بالساحة، حيث يقومون بتفخيخ السيارات وإرسالها إلى مختلف المدن والمحافظات، وفي المقدمة منها بغداد للتفجر في الأسواق والدوائر والشوارع.
* لم تنته عملية رفع الخيم بسلام، بل كانت بمثابة فتح برميل بارود، حيث عمت الفوضى في أهم مدينتين من مدن الأنبار، وهما الرمادي والفلوجة.
* الأخيرة سيطر عليها مسلحو «داعش» بعد أن أعلنت القوات العسكرية العراقية أنها بدأت عملية مطاردتهم في صحراء الأنبار في إطار عملية «ثأر القائد محمد».
* اختلطت الأوضاع العسكرية والعشائرية والأمنية بشكل لافت. وبتاريخ التاسع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول)، قدم نحو 44 نائبا عن كتلة «متحدون» التي يتزعمها أسامة النجيفي استقالاتهم من مجلس النواب ووضعوها بيد رئيس المجلس، بينما أعلن النجيفي انسحابه من وثيقة الشرف التي جرى إقرارها قبل أشهر، متهما المالكي بـ«عدم احترامها»، وأنه سيعمل مع الجهات المحلية والدولية لسحب الجيش العراقي من المدن.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.