سميح القاسم.. كبرياء النص

ربط شعر المقاومة بشعراء فلسطين في المنفى وترك أكثر من 70 مؤلفا

سميح القاسم
سميح القاسم
TT

سميح القاسم.. كبرياء النص

سميح القاسم
سميح القاسم

استعصى سميح القاسم على الموت، وظل يصارعه على مدى ثلاث سنوات، تحت وطأة مرض السرطان اللعين. ورغم أنه يدرك بعين الشاعر، وقلب الطفل، أن الموت يتناثر من حوله، في الشوارع وفي الساحات وفي القرى والمدن، حتى صار حالة فلسطينية بامتياز، تجدد نفسها كل يوم في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي البغيض، فإنه مثلما عاش قصيدته مرفوع الرأس، عاش أيضا الموت مرفوع الرأس، لم يراهن عليه، وإنما كان رهانه الأساسي على نصه الشعري وما يفيض عنه من كتابة أخرى، امتدت إلى القصة والرواية والمسرح وقضايا الفكر والثقافة بوجه عام.
هذه الكبرياء النادرة، انعكست في شعر سميح القاسم، وشكلت في أغلب أعماله الشعرية والنثرية، مدار رؤيته، بكل محمولاتها التراثية والفكرية، وتجسداتها المتنوعة جماليا وفنيا؛ بداية من اللغة المشغولة بهموم الأرض والإنسان، والصور والرموز والدلالات المستقاة من طينة الواقع الفلسطيني وحراكه اليومي المناضل، وتواصلت هذه الكبرياء مع تقاطعات الفعل الشعري لديه، مع الماضي والحاضر والمستقبل، كما انعكست كذلك على معجمه الشعري الثري العطاء والمنهل، حتى يمكن أن أقول إننا أمام شاعر جسد بعمق وحب ما أسميه «كبرياء النص».
بهذه الروح حفر سميح القاسم اسمه في لوحة شعر المقاومة الفلسطيني، واستطاع أن يكون له في طبقاتها المتنوعة إسهامه الخاص، والذي تبلور - برأيي - في أنه ربط من خلاله، شعرية الداخل الفلسطيني بشعرية الخارج، والذي يمثلها كوكبة من شعراء المنافي المجيدين، وهو ما أسهم في جعل الشعرية الفلسطينية بكل مراحلها التي مرت بها بداية من مرحلة النكبة في عام 1948، وحتى اللحظة الراهنة، تشبه موجة واحدة، تعتد بتنوع شطوطها وبحارها، وتومض كحالة خاصة في المشهد الشعري العربي وحركة الحداثة الشعرية العربية.
عاش سميح القاسم في الداخل الفلسطيني جل حياته، فبعد مولده لعائلة فلسطينية درزية في مدينة الزرقاء في الأردن، انتقل إلى بلدة أهله «الرامة» الفلسطينية في الجليل الأعلى حيث درس الابتدائية والثانوية في مدينة الناصرة، وبدأ حياته معلما ومناضلا سياسيا. ولم يغادر موطنه الفلسطيني إلا لماما، للمشاركة في بعض المهرجانات والملتقيات الشعرية والأدبية في بلدان عربية وأوروبية.
ورغم تعدد التصنيفات النقدية لشعرية سميح القاسم، ما بين «الشعر المقاوم» والشعر «ما بعد الحداثي»، فإن «شعرية الأرض» تظل - برأيي - هي الملمح الأساس والأكثر لصوقا وانسجاما مع إبداعه الشعري، بل تشكل صيرورة وجوده في الشعر والحياة معا.
تطل «شعرية الأرض» بقوة في شعر سميح القاسم، وتفتح نصه الشعري، على حكمة التاريخ والأجداد، ورائحة البشر والكفاح والنضال، وتبدو دائما مسكونة بروح الطبيعة في بيئتها الفلسطينية الخصبة وعافيتها الأولى، ويتقاطع الحلم والذاكرة في نسيج هذه الشعرية، ينوعان فضاءاتها فنيا ودلاليا، فكأن الأرض ذاكرة حلم يلامس القصيدة، وفي الوقت نفسه، كأن القصيدة ذاكرة أرض تعانق الحلم.. واللافت أن هذا التعاشق الحي وسع من تراوحات اللغة وبنية وإيقاع المشهد في شعر سميح القاسم؛ فهو مشهد طازج طافر بأسئلة الروح والجسد والوطن والوجود، من دون فواصل أو عقد زمنية، تفصل أحدهما عن الآخر، كما أنه مشهد يحيل إلى نفسه دائما، مخطوف إلى الدخل، إلى نبض الحياة في العمق وفيما تحت القشور.. ملمح من هذا المشهد نطل عليه في إحدى قصائده بعنوان «النار فاكهة الشتاء»؛ والتي يقول فيها:
«ويروح يفرك بارتياحٍ راحتين غليظتينْ
ويحرّك النار الكسولةَ جوفَ موْقدها القديم
ويعيد فوق المرّتين
ذكرَ السماء
والله.. والرسل الكرامِ.. وأولياءٍ صالحين
ويهزُّ من حين لحين
في النار.. جذع السنديان وجذعَ زيتون عتيق
ويضيف بنّا للأباريق النحاس
و يُهيلُ حَبَّ (الهَيْلِ) في حذر كريم
(الله.. ما أشهى النعاس
حول المواقد في الشتاء!)
لكن.. يُقلق صمت عينيه الدخان
فيروح يشتمّ.. ثم يقهره السّعال
وتقهقه النار الخبيثة.. طفلةً جذلى لعوبة
وتَئزّ ضاحكةً شراراتٌ طروبهْ
ويطقطق المزراب.. ثمّ تصيخ زوجته الحبيبة
- قم يا أبا محمود.. قد عاد الدوابّ».
إن «شعرية الأرض» هي التي تثبت المشهد، ليس فقط في جسد القصيدة، بل أيضا في جسد الزمن، وهي شعرية تنطلق من نقطة ثبات، لكنها مع ذلك تبني منها تنوعها وتموجها، حيث تبدو اللغة وكأنها ثمرة ولدت للتو من شجرة الأرض، من مراتع الطفولة والصبا، مخزن الذاكرة الحي في حياة الشاعر.. كما أنها شعرية تكتنز في إهابها العناصر الطبيعية الأولى، التي تشكل قانون الوجود: الماء والنار والتراب والهواء. ويزخر شعر سميح القاسم باللعب على أوتار هذه العناصر، في الوقت نفسه، تكسب شعرية الأرض الصورة الشعرية عبقا خاصا، وتجعلها مشرّبة بروح الحكاية الشعبية، وتجرد طاقة الغناء من البذخ البلاغي والتوشيات النمطية.. فالحلم بالأرض، هو الحلم بالطبيعة والقصيدة، هو الحلم بالحرية، بالأنثى والوطن.. فهكذا يخاطب الشاعر أنثاه قائلا:
«لو كنت شجرة
سأكون عندليبا يعيش بين أغصانك
لو كنت شجرة
ستكونين فاكهتي الوحيدة
لو كنت كهفا
سأكون راعيًا مبللا بالمطر يلوذ بك
لو كنت كهفًا
ستكونين الصدى الأبدي بين جنباتي»
ثم ينوع إيقاع المشهد، وكأنه لوحة تشكيلة معجونة بالألوان، في طينتها الطبيعية الأولى، ويشد قماشة اللوحة في معزوفة بصرية وشعرية، لتتسع لأزمنة وأمكنة شتى، واضعا القارئ أمام «باقة زرقاء»، تذكرنا بمرحلة بيكاسو الزرقاء.. يقول سميح القاسم:
«ساعات الفجر الأولى
زرقٌ
العندليب الأول على شجرة الليمون الزرقاء
أزرقُ
أنهار العالم تلتف على عنقي الأزرق
أنشوطة زرقاءُ زرقاء
جفون عيني
زرقاءُ زرقاء
أتلاشى في الزرقة
أتلاشى
لم أعد أعرف لون عينيك»
ومن ثم، تبرز قيمة التكرار، وتتنوع بسلاسة كمقوم جمالي ودلالي، يشكل عنصر إضافة معا، فهو يوثق للمعنى حين يكرره، ولا يجتره تحت وطأة التشابه؛ وحين ينفيه أو يحذفه، أو يمارس عليه نوعا من الإزاحة، يتخذ من ذلك سبيلا لكي يخلخل سكونه، وثباته، ويخلق له ملامس ومجالات إدراك جديدة في النص الشعري.
لقد وعى سميح القاسم أهمية تطوير الشكل في الفن، خاصة في شعر المقاومة، وأدرك أنه لا يمكن أن نعبر عن مضامين وأفكار وحقائق ثورية جديدة، في هياكل وقوالب شعرية قديمة، أو تقليدية، فالشكل لا ينفصل عن المضمون، وكلاهما يفيض عن الآخر، ويكسبه هويته ووجوده. لذلك جرّب أشكالا عديدة من الكتابة، من أجل تطوير أسلوبه، ودفع نقاط الثبات التي اكتسبها بتراكم الخبرة والمعرفة، إلى طاقة مغايرة، قادرة على المغامرة والتجاوز والتخطي.
ورغم سيطرة الغنائية بسياقها المفرد والجمعي على أغلب مناخ الشعرية الفلسطينية، وأيضا مناخ القصيدة العربية، فإن سميح القاسم استطاع أن يكسر هذه السطوة، فدفع قصيدته إلى براح الفعل المسرحي، ليضعها في مواجهة درامية أخرى، وبشكل حي مع الجمهور. وهي مواجهة لا تقل ضراوة عن مواجهة الواقع اليومي بالنضال ضد المحتل.. كسر هذا الاختبار الجديد حيادية الغنائية، وحد من تراتبها الذاتي ودلالتها المباشرة، وأصبح القارئ يتعامل مع النص بإيقاع نفسي وصوري معا، حيث يجد فيه صدى وتجاوبا لما يجول في أعماقه، إضافة إلى رسم تكوينات وخرائط مغايرة للقضية الفلسطينية، تتعامل بحيوية مع تحولات وتبدلات الصراع على الأرض، وتنفتح على مخزون متماثل من الرموز وقصص التراجيديا الإنسانية والأساطير، مثل أسطورة سدوم، وأوديب وأنتيغونا.. وغيرها، لتوسع من طبقات النص، وتصبح جزءا حيا من نسيجه الداخلي. كما دخلت السيرة الذاتية، لتمنح كتاباته النثرية قوة مساءلة الذات، تحت مطرقة المواجهة التي تصل إلى حد البوح والتعرية والسخرية.. يقول في قصيدة بعنوان «أنتيغونا»، وهي ابنة أوديب الملك المنكوب التي رافقته في رحلة العذاب التراجيدي حتى النهاية:
«خطوة..
ثِنْتان..
ثلاث..
أقدِمْ.. أقدِمْ!
يا قربانَ الآلهة العمياء
يا كبشَ فداء
في مذبحِ شهواتِ العصرِ المظلم
خطوة..
ثِنْتان..
ثلاث..
زندي في زندك
نجتاز الدرب الملتاث!
………
يا أبتاه
ما زالت في وجهك عينان
في أرضك ما زالت قدمان
فاضرب عبر الليلِ بِأشأمِ كارثةِ في تاريخ الإنسان
عبرَ الليل.. لنخلق فجر حياة
وعلى عكس شعرية النشيد، التي وسمت الغنائية في الشعر الفلسطيني وفي أجزاء من شعر سميح القاسم نفسه، فإن انحيازه الأكبر والأوسع كان لشعرية الصيحة الخاطفة الواخزة، التي تشبه الرصاصة في دويها، وهي تنطلق من حناجر الجموع.. واللافت أيضا، أن هذه الشعرية تنهض مكان الحكمة الشعرية القديمة، والتي شاعت في تراث الشعر العربي كله.. وتتجسد شعرية الصرخة بخاصة في المواقف والأزمات المصيرية، فيعلو صوتها كشعار سياسي، وراية للعدل والحرية. وهو ما يبرر إذاعة قصائد سميح القاسم على مجموعة من القنوات العربية والفلسطينية خلال الهجوم الفلسطيني الذي لم يتوقف بعد على غزة.
لكن سميح القاسم، بعمره الذي ناهز خمسة وسبعين عاما، ودفاتر إبداعه المتنوعة الغزيرة والتي بلغت أكثر من 70 مؤلفا.. لم يستطع أن يصطاد الموت، أو ينصب له فخا في القصيدة، فقرر أن يلاعبه ويشاكسه، كحريتين تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي حرية الوطن والإنسان.. عاش في ظله وكنفه، تحت تهديد العدو، وتهديد المريض، يقاوم بالحب والأمل، حتى أصبح الموت مرثية للحياة، ضد أعدائها، مغتصبي الأرض وسارقي الأحلام، إنه خيط شفيف، سرير عابر يخطف الروح والجسد في قبضة المجهول، ليعيدهما لبكارتهما الأولي، فيناجي نفسه في مرآته ببراءة طفل، ويقول:
«أيها الفتى الجميل كبركان
الساحر كإعصار
كم ظلموا فمك المشتعل
كم أخروا ميعاد القبل
حين ابتكروا انشغالك الفاجع
بهذا الشأن الصغير:
الحياة أو الموت!»
أو يدينه بوجع حاد مرير، في فضاء أكثر اتساعا من مكابدات وهموم الذات؛ ففي واقع ماثل بكل تناقضاته في ذاكرة القصيدة والحلم، وكأنه حدوتة فاسدة، لا تمل من تكرار نفسها كل يوم بأقنعة ووجوه مزيفة:
«يا أيها الموت بلا موت
تعبت من الحياة بلا حياة
وتعبت من صمتي
ومن صوتي..
تعبت من الرواية والرواة
ومن الجناية والجناة
ومن المحاكم والقضاة
وسئمت تكليس القبور
وسئمت تبذير الجياع
على الأضاحي والقبور».
وبعد، تحية لسميح القاسم، شاعرا سيبقى في ذاكرة الحلم والشعر، وأنشودة تتسع في خطى الإنسان، مغموسة بعرقه وأشواقه في العدل والحرية.



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». لم يلحظ النقاد أنّ الحارث ليس مجرد ناقل للأحداث بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي

والأخلاقي في آن واحد


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.