سميح القاسم.. كبرياء النص

ربط شعر المقاومة بشعراء فلسطين في المنفى وترك أكثر من 70 مؤلفا

سميح القاسم
سميح القاسم
TT

سميح القاسم.. كبرياء النص

سميح القاسم
سميح القاسم

استعصى سميح القاسم على الموت، وظل يصارعه على مدى ثلاث سنوات، تحت وطأة مرض السرطان اللعين. ورغم أنه يدرك بعين الشاعر، وقلب الطفل، أن الموت يتناثر من حوله، في الشوارع وفي الساحات وفي القرى والمدن، حتى صار حالة فلسطينية بامتياز، تجدد نفسها كل يوم في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي البغيض، فإنه مثلما عاش قصيدته مرفوع الرأس، عاش أيضا الموت مرفوع الرأس، لم يراهن عليه، وإنما كان رهانه الأساسي على نصه الشعري وما يفيض عنه من كتابة أخرى، امتدت إلى القصة والرواية والمسرح وقضايا الفكر والثقافة بوجه عام.
هذه الكبرياء النادرة، انعكست في شعر سميح القاسم، وشكلت في أغلب أعماله الشعرية والنثرية، مدار رؤيته، بكل محمولاتها التراثية والفكرية، وتجسداتها المتنوعة جماليا وفنيا؛ بداية من اللغة المشغولة بهموم الأرض والإنسان، والصور والرموز والدلالات المستقاة من طينة الواقع الفلسطيني وحراكه اليومي المناضل، وتواصلت هذه الكبرياء مع تقاطعات الفعل الشعري لديه، مع الماضي والحاضر والمستقبل، كما انعكست كذلك على معجمه الشعري الثري العطاء والمنهل، حتى يمكن أن أقول إننا أمام شاعر جسد بعمق وحب ما أسميه «كبرياء النص».
بهذه الروح حفر سميح القاسم اسمه في لوحة شعر المقاومة الفلسطيني، واستطاع أن يكون له في طبقاتها المتنوعة إسهامه الخاص، والذي تبلور - برأيي - في أنه ربط من خلاله، شعرية الداخل الفلسطيني بشعرية الخارج، والذي يمثلها كوكبة من شعراء المنافي المجيدين، وهو ما أسهم في جعل الشعرية الفلسطينية بكل مراحلها التي مرت بها بداية من مرحلة النكبة في عام 1948، وحتى اللحظة الراهنة، تشبه موجة واحدة، تعتد بتنوع شطوطها وبحارها، وتومض كحالة خاصة في المشهد الشعري العربي وحركة الحداثة الشعرية العربية.
عاش سميح القاسم في الداخل الفلسطيني جل حياته، فبعد مولده لعائلة فلسطينية درزية في مدينة الزرقاء في الأردن، انتقل إلى بلدة أهله «الرامة» الفلسطينية في الجليل الأعلى حيث درس الابتدائية والثانوية في مدينة الناصرة، وبدأ حياته معلما ومناضلا سياسيا. ولم يغادر موطنه الفلسطيني إلا لماما، للمشاركة في بعض المهرجانات والملتقيات الشعرية والأدبية في بلدان عربية وأوروبية.
ورغم تعدد التصنيفات النقدية لشعرية سميح القاسم، ما بين «الشعر المقاوم» والشعر «ما بعد الحداثي»، فإن «شعرية الأرض» تظل - برأيي - هي الملمح الأساس والأكثر لصوقا وانسجاما مع إبداعه الشعري، بل تشكل صيرورة وجوده في الشعر والحياة معا.
تطل «شعرية الأرض» بقوة في شعر سميح القاسم، وتفتح نصه الشعري، على حكمة التاريخ والأجداد، ورائحة البشر والكفاح والنضال، وتبدو دائما مسكونة بروح الطبيعة في بيئتها الفلسطينية الخصبة وعافيتها الأولى، ويتقاطع الحلم والذاكرة في نسيج هذه الشعرية، ينوعان فضاءاتها فنيا ودلاليا، فكأن الأرض ذاكرة حلم يلامس القصيدة، وفي الوقت نفسه، كأن القصيدة ذاكرة أرض تعانق الحلم.. واللافت أن هذا التعاشق الحي وسع من تراوحات اللغة وبنية وإيقاع المشهد في شعر سميح القاسم؛ فهو مشهد طازج طافر بأسئلة الروح والجسد والوطن والوجود، من دون فواصل أو عقد زمنية، تفصل أحدهما عن الآخر، كما أنه مشهد يحيل إلى نفسه دائما، مخطوف إلى الدخل، إلى نبض الحياة في العمق وفيما تحت القشور.. ملمح من هذا المشهد نطل عليه في إحدى قصائده بعنوان «النار فاكهة الشتاء»؛ والتي يقول فيها:
«ويروح يفرك بارتياحٍ راحتين غليظتينْ
ويحرّك النار الكسولةَ جوفَ موْقدها القديم
ويعيد فوق المرّتين
ذكرَ السماء
والله.. والرسل الكرامِ.. وأولياءٍ صالحين
ويهزُّ من حين لحين
في النار.. جذع السنديان وجذعَ زيتون عتيق
ويضيف بنّا للأباريق النحاس
و يُهيلُ حَبَّ (الهَيْلِ) في حذر كريم
(الله.. ما أشهى النعاس
حول المواقد في الشتاء!)
لكن.. يُقلق صمت عينيه الدخان
فيروح يشتمّ.. ثم يقهره السّعال
وتقهقه النار الخبيثة.. طفلةً جذلى لعوبة
وتَئزّ ضاحكةً شراراتٌ طروبهْ
ويطقطق المزراب.. ثمّ تصيخ زوجته الحبيبة
- قم يا أبا محمود.. قد عاد الدوابّ».
إن «شعرية الأرض» هي التي تثبت المشهد، ليس فقط في جسد القصيدة، بل أيضا في جسد الزمن، وهي شعرية تنطلق من نقطة ثبات، لكنها مع ذلك تبني منها تنوعها وتموجها، حيث تبدو اللغة وكأنها ثمرة ولدت للتو من شجرة الأرض، من مراتع الطفولة والصبا، مخزن الذاكرة الحي في حياة الشاعر.. كما أنها شعرية تكتنز في إهابها العناصر الطبيعية الأولى، التي تشكل قانون الوجود: الماء والنار والتراب والهواء. ويزخر شعر سميح القاسم باللعب على أوتار هذه العناصر، في الوقت نفسه، تكسب شعرية الأرض الصورة الشعرية عبقا خاصا، وتجعلها مشرّبة بروح الحكاية الشعبية، وتجرد طاقة الغناء من البذخ البلاغي والتوشيات النمطية.. فالحلم بالأرض، هو الحلم بالطبيعة والقصيدة، هو الحلم بالحرية، بالأنثى والوطن.. فهكذا يخاطب الشاعر أنثاه قائلا:
«لو كنت شجرة
سأكون عندليبا يعيش بين أغصانك
لو كنت شجرة
ستكونين فاكهتي الوحيدة
لو كنت كهفا
سأكون راعيًا مبللا بالمطر يلوذ بك
لو كنت كهفًا
ستكونين الصدى الأبدي بين جنباتي»
ثم ينوع إيقاع المشهد، وكأنه لوحة تشكيلة معجونة بالألوان، في طينتها الطبيعية الأولى، ويشد قماشة اللوحة في معزوفة بصرية وشعرية، لتتسع لأزمنة وأمكنة شتى، واضعا القارئ أمام «باقة زرقاء»، تذكرنا بمرحلة بيكاسو الزرقاء.. يقول سميح القاسم:
«ساعات الفجر الأولى
زرقٌ
العندليب الأول على شجرة الليمون الزرقاء
أزرقُ
أنهار العالم تلتف على عنقي الأزرق
أنشوطة زرقاءُ زرقاء
جفون عيني
زرقاءُ زرقاء
أتلاشى في الزرقة
أتلاشى
لم أعد أعرف لون عينيك»
ومن ثم، تبرز قيمة التكرار، وتتنوع بسلاسة كمقوم جمالي ودلالي، يشكل عنصر إضافة معا، فهو يوثق للمعنى حين يكرره، ولا يجتره تحت وطأة التشابه؛ وحين ينفيه أو يحذفه، أو يمارس عليه نوعا من الإزاحة، يتخذ من ذلك سبيلا لكي يخلخل سكونه، وثباته، ويخلق له ملامس ومجالات إدراك جديدة في النص الشعري.
لقد وعى سميح القاسم أهمية تطوير الشكل في الفن، خاصة في شعر المقاومة، وأدرك أنه لا يمكن أن نعبر عن مضامين وأفكار وحقائق ثورية جديدة، في هياكل وقوالب شعرية قديمة، أو تقليدية، فالشكل لا ينفصل عن المضمون، وكلاهما يفيض عن الآخر، ويكسبه هويته ووجوده. لذلك جرّب أشكالا عديدة من الكتابة، من أجل تطوير أسلوبه، ودفع نقاط الثبات التي اكتسبها بتراكم الخبرة والمعرفة، إلى طاقة مغايرة، قادرة على المغامرة والتجاوز والتخطي.
ورغم سيطرة الغنائية بسياقها المفرد والجمعي على أغلب مناخ الشعرية الفلسطينية، وأيضا مناخ القصيدة العربية، فإن سميح القاسم استطاع أن يكسر هذه السطوة، فدفع قصيدته إلى براح الفعل المسرحي، ليضعها في مواجهة درامية أخرى، وبشكل حي مع الجمهور. وهي مواجهة لا تقل ضراوة عن مواجهة الواقع اليومي بالنضال ضد المحتل.. كسر هذا الاختبار الجديد حيادية الغنائية، وحد من تراتبها الذاتي ودلالتها المباشرة، وأصبح القارئ يتعامل مع النص بإيقاع نفسي وصوري معا، حيث يجد فيه صدى وتجاوبا لما يجول في أعماقه، إضافة إلى رسم تكوينات وخرائط مغايرة للقضية الفلسطينية، تتعامل بحيوية مع تحولات وتبدلات الصراع على الأرض، وتنفتح على مخزون متماثل من الرموز وقصص التراجيديا الإنسانية والأساطير، مثل أسطورة سدوم، وأوديب وأنتيغونا.. وغيرها، لتوسع من طبقات النص، وتصبح جزءا حيا من نسيجه الداخلي. كما دخلت السيرة الذاتية، لتمنح كتاباته النثرية قوة مساءلة الذات، تحت مطرقة المواجهة التي تصل إلى حد البوح والتعرية والسخرية.. يقول في قصيدة بعنوان «أنتيغونا»، وهي ابنة أوديب الملك المنكوب التي رافقته في رحلة العذاب التراجيدي حتى النهاية:
«خطوة..
ثِنْتان..
ثلاث..
أقدِمْ.. أقدِمْ!
يا قربانَ الآلهة العمياء
يا كبشَ فداء
في مذبحِ شهواتِ العصرِ المظلم
خطوة..
ثِنْتان..
ثلاث..
زندي في زندك
نجتاز الدرب الملتاث!
………
يا أبتاه
ما زالت في وجهك عينان
في أرضك ما زالت قدمان
فاضرب عبر الليلِ بِأشأمِ كارثةِ في تاريخ الإنسان
عبرَ الليل.. لنخلق فجر حياة
وعلى عكس شعرية النشيد، التي وسمت الغنائية في الشعر الفلسطيني وفي أجزاء من شعر سميح القاسم نفسه، فإن انحيازه الأكبر والأوسع كان لشعرية الصيحة الخاطفة الواخزة، التي تشبه الرصاصة في دويها، وهي تنطلق من حناجر الجموع.. واللافت أيضا، أن هذه الشعرية تنهض مكان الحكمة الشعرية القديمة، والتي شاعت في تراث الشعر العربي كله.. وتتجسد شعرية الصرخة بخاصة في المواقف والأزمات المصيرية، فيعلو صوتها كشعار سياسي، وراية للعدل والحرية. وهو ما يبرر إذاعة قصائد سميح القاسم على مجموعة من القنوات العربية والفلسطينية خلال الهجوم الفلسطيني الذي لم يتوقف بعد على غزة.
لكن سميح القاسم، بعمره الذي ناهز خمسة وسبعين عاما، ودفاتر إبداعه المتنوعة الغزيرة والتي بلغت أكثر من 70 مؤلفا.. لم يستطع أن يصطاد الموت، أو ينصب له فخا في القصيدة، فقرر أن يلاعبه ويشاكسه، كحريتين تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي حرية الوطن والإنسان.. عاش في ظله وكنفه، تحت تهديد العدو، وتهديد المريض، يقاوم بالحب والأمل، حتى أصبح الموت مرثية للحياة، ضد أعدائها، مغتصبي الأرض وسارقي الأحلام، إنه خيط شفيف، سرير عابر يخطف الروح والجسد في قبضة المجهول، ليعيدهما لبكارتهما الأولي، فيناجي نفسه في مرآته ببراءة طفل، ويقول:
«أيها الفتى الجميل كبركان
الساحر كإعصار
كم ظلموا فمك المشتعل
كم أخروا ميعاد القبل
حين ابتكروا انشغالك الفاجع
بهذا الشأن الصغير:
الحياة أو الموت!»
أو يدينه بوجع حاد مرير، في فضاء أكثر اتساعا من مكابدات وهموم الذات؛ ففي واقع ماثل بكل تناقضاته في ذاكرة القصيدة والحلم، وكأنه حدوتة فاسدة، لا تمل من تكرار نفسها كل يوم بأقنعة ووجوه مزيفة:
«يا أيها الموت بلا موت
تعبت من الحياة بلا حياة
وتعبت من صمتي
ومن صوتي..
تعبت من الرواية والرواة
ومن الجناية والجناة
ومن المحاكم والقضاة
وسئمت تكليس القبور
وسئمت تبذير الجياع
على الأضاحي والقبور».
وبعد، تحية لسميح القاسم، شاعرا سيبقى في ذاكرة الحلم والشعر، وأنشودة تتسع في خطى الإنسان، مغموسة بعرقه وأشواقه في العدل والحرية.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».