سكان دمشق يعانون من تقنين مياه وكهرباء غير مسبوق

المناطق الموالية للنظام تحظى بمعاملة أفضل

صورة أرشيفية لطفل سوري يساعد في ملء الماء من بئر في منطقة دوما قرب دمشق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطفل سوري يساعد في ملء الماء من بئر في منطقة دوما قرب دمشق (أ.ف.ب)
TT

سكان دمشق يعانون من تقنين مياه وكهرباء غير مسبوق

صورة أرشيفية لطفل سوري يساعد في ملء الماء من بئر في منطقة دوما قرب دمشق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطفل سوري يساعد في ملء الماء من بئر في منطقة دوما قرب دمشق (أ.ف.ب)

صوتان يهدران بالتناوب في شوارع العاصمة دمشق؛ صوت محرك شفط المياه من الشبكة العامة، والذي يسميه السوريون «الحرامي»، وصوت مولدات الكهرباء المصحوب برائحة الديزل. وبات من الذكريات البائدة لسكان دمشق الاستيقاظ صباحا على صوت فيروز ورائحة القهوة والياسمين في مدينة تسري في جنباتها أفرع نهر بردى السبعة. لتبدأ طقوس الصباح الدمشقي بأزيز مواتير المياه، وصياح الجيران «جت.. ما جت.. شغل الموتور.. طفّي الموتور.. انصرعنا».
وتعيد مؤسسة مياه الشرب والصرف الصحي في دمشق أسباب أزمة المياه في دمشق إلى موسم الجفاف وتقنين الكهرباء، وإلى أعمال «تخريبية إرهابية» تسببت بضياع مليون متر مكعب من المياه في نهر بردى دون فائدة، بالإضافة إلى الهدر غير المبرر للمياه لدى بعض الجهات الرسمية. وبحسب مؤسسة المياه تستهلك الدوائر الحكومية كميات ضخمة من مياه الشرب تقدر بنحو مليوني متر مكعب.
بعد 4 سنوات من الاضطراب الأمني وتفاقم أزمة الخدمات المزمنة، ارتبط إيقاع الحياة اليومية بمواعيد انقطاع الكهرباء والماء، وتناوب سكان البيت على السهر بانتظار وصول خيط الماء لتشغيل «الحرامي» والمسارعة إلى شفط المياه لملء الخزان قبل أن يشغل الجيران حراميتهم أيضا. أبو تيسير من سكان شارع بغداد يشبه طريقة نومه بطريقة نوم الذئب عين مغمضة وعين مفتوحة، وكل ساعة يستيقظ يتفقد الكهرباء وأكثر ما يخشاه الاستغراق بالنوم فيفوته تشغيل حرامي المياه فتحرم عائلته من المياه، لقد اعتاد هذا النمط بالنوم منذ بداية فصل الصيف. ويشير إلى أنه بالأساس «لا يمكن الاستغراق بالنوم إذا كانت الكهرباء مقطوعة، فالحر شديد جدا ويشعر النائم وكأنه في فرن تحمير الدجاج».
ويعمل محرك شفط المياه «الحرامي» وفق مبدأ ضخ الهواء في أنابيب شبكة المياه فيقطعها عن التوصيلات ويشفطها نحو توصيلة واحدة. ورغم منع الحكومة تركيب هذه الأجهزة فإنها منتشرة على نطاق واسع في سوريا منذ 3 عقود، لكنها في دمشق وريفها كانت تقتصر على الريف، لا سيما الجنوبي - الغربي، ومع تفاقم أزمة المياه اتسع انتشار هذه الأجهزة ووصلت إلى قلب دمشق الذي لم يعرف العطش يوما. وتقول الحكومة إن هذه الأجهزة تزيد في كميات هدر المياه وتتسبب في إتلاف شبكة المياه. وصرح المدير العام للمؤسسة العامة لمياه الشرب في دمشق وريفها حسام الحريدين، بأن كميات الهدر التي تسببت بها محركات شفط المياه تقدر بما يقارب 70 ألف متر مكعب يوميا.
وأشار إلى أن استهلاك دمشق من المياه ارتفع قياسا إلى السنة الماضية، فقد كان استهلاك دمشق من مياه الشرب في العاشر من يوليو (تموز) 2013 بمقدار 3.1 أمتار مكعب في الثانية في حين أنها في اليوم نفسه من عام 2014 (4.2)، أي بزيادة مقدارها 1.1 متر مكعب في الثانية من مياه الشرب. وفسّر الحريدين سبب ارتفاع استهلاك المياه في تصريح لصحيفة «الوطن» السورية الشهر الماضي بهواجس المواطن «من قلة المياه نتيجة قلة الهطلات المطرية الموسم الحالي بالتوازي مع حملات ترشيد الاستهلاك والتي يمكن أن يكون البعض قد فهمها أنها بسبب عدم توافر المياه، فكانت النتيجة زيادة الكميات التي يخزنها المواطن من المياه، مما أدى إلى زيادة الكميات المستهلكة من المياه يوميا»، علما بأن المؤسسة رفعت سعر المياه بداية الصيف الحالي بمقدار 35 في المائة. والمفارقة أن هذه الأسباب ذاتها التي سبق للحكومة أن ساقتها عندما تعرضت البلاد لأزمة خبز منذ نحو عامين بأن الخوف من فقدان الخبز زاد الاستهلاك وتسبب بالأزمة!!
أم محمد، وهي من سكان حي عين الكرش وسط دمشق التجاري، قالت إنها طيلة عمرها البالغ 60 عاما لم تشهد صيفا في دمشق أصعب وأسوأ من الصيف الحالي. وتقول: «الحرّ لا يطاق، ولا توجد كهرباء لتشغيل المراوح والمكيفات، ولا توجد مياه للاستحمام»، مشيرة إلى أن عائلتها المؤلفة من 5 أشخاص وضعت برنامجا للاستحمام بالدور كل يوم يستحم شخص واحد.. «عندما اضطر ابني لزيارة الطبيب كان لا بد له من الاستحمام والمياه مقطوعة، ملأ زجاجتي مياه من الجامع واستحم بهما».
هذا أحد الحلول التي يجهد السوريون في ابتكارها على مدار الساعة للتغلب على الأزمات المحيطة به، فهناك من يلجأ إلى الحمام على «الناشف»، كما تقول داليا من سكان حي العباسيين، وذلك بمسح الجسم بكحول أو معقم ممدد بالمياه. وتقول ضاحكة: «كما يوجد غسيل جاف للملابس الحريرية، هناك أيضا حمام جاف للسوريين. وإلا ستقتلنا روائح العرق قبل أن تقتلنا قذائف الهاون».
إلا أن الحل الأكثر رواجا هو الحصول على المياه من باعة الصهاريج، والتي كانت سائدة في ريف دمشق منذ سنوات، وخصوصا جرمانة وصحنايا، واتسع انتشارها هذا العام في كل المناطق، ليرتفع سعر برميل المياه من 100 ليرة إلى 1200 ليرة (8 دولارات)، وهو ما يعد رقما باهظا قياسا إلى السعر الرسمي المحدد بـ50 ليرة فقط، ولأول مرة في تاريخها تدرس مؤسسة مياه الشرب والصرف الصحي في دمشق إمكانية تنظيم بيع المياه بالصهاريج (السوق السوداء) وترخيصها، وبحسب صحيفة «الوطن» المحلية، فإن المؤسسة وضعت «دراسة لنظام الاستثمار بيع المياه وترخيص صهاريج مختومة بالشمع الأحمر من مؤسسة المياه ومعبأة من مصادر سليمة، يطلب المستخدم حاجته منها عن طريق المؤسسة وبسعر 50 ليرة».
وتقوم مؤسسة مياه الشرب بتقنين المياه لأكثر من 15 ساعة في اليوم بهدف ملء خزانات المياه الرئيسة، كما تقوم الحكومة بحملات إعلامية لترشيد استخدام المياه «والحرص على كل قطرة ماء». إلا أن سكان دمشق لا يشكون من ساعات تقنين المياه الطويلة، بل من التمييز في تحديد ساعات التقنين بحسب الأحياء والمناطق، فالمناطق الموالية تنعم بالمياه غالبية ساعات اليوم كأحياء أبو رمانة والمالكي والحرس الجمهوري وضاحية قدسيا، وغيرها، بينما تحرم منها نهائيا المناطق الساخنة والمحاصرة، كمناطق الغوطة الشرقية وأحياء جنوب دمشق، لتتفاوت ساعات التقنين في أحياء الأطراف والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية والتي يتركز فيها غالبية النازحين من المناطق الساخنة كجرمانة وصحنايا والزاهرة والميدان وركن الدين ودمشق القديمة، حيث تنقطع المياه أحيانا لثلاثة أيام متتالية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.