طهران تطلق آلية للالتفاف على العقوبات الأميركية

مطابقة لآلية التجارة الأوروبية... وهوك يسخر من تصريحات روحاني

سفينة شحن محملة ببضائع إيرانية غرقت بعد فقدانها التوازن قبالة رصيف في ميناء بندر عباس (أ.ب)
سفينة شحن محملة ببضائع إيرانية غرقت بعد فقدانها التوازن قبالة رصيف في ميناء بندر عباس (أ.ب)
TT

طهران تطلق آلية للالتفاف على العقوبات الأميركية

سفينة شحن محملة ببضائع إيرانية غرقت بعد فقدانها التوازن قبالة رصيف في ميناء بندر عباس (أ.ب)
سفينة شحن محملة ببضائع إيرانية غرقت بعد فقدانها التوازن قبالة رصيف في ميناء بندر عباس (أ.ب)

أعلنت طهران أمس رسميا عن تدشين البنك المركزي الإيراني آلية متطابقة مع الآلية الأوروبية «اينس تكس» التي أطلقتها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا للالتفاف على العقوبات الأميركية فيما سخر المبعوث الأميركي الخاص بإيران برايان هوك من انتقادات الرئيس الإيراني حسن روحاني للعقوبات الأميركية.
وأفادت وكالة «إرنا» الرسمية أن الآلية المالية الإيرانية المتطابقة للآلية الأوروبية يديرها البنك المركزي الإيراني بمساهمة مجموعة من البنوك الحكومية والخاصة الإيرانية إضافة إلى بعض الشركات الإيرانية من دون الكشف عن التفاصيل.
وكان رئيس البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي أعلن يوم الجمعة الماضي أن هناك إطلاقا وشيكا لآلية متطابقة للآلية الأوروبية وستحمل اسم (STFI).
وأوضحت الوكالة أن الآلية الإيرانية في خطواتها الأولى وأضافت أنها تبدأ العمل بعد تخطي المراحل النهائية من تفاصيل التعاون بين الآلية الإيرانية والآلية الأوروبية المتطابقة «اينس تكس» وتابعت أنها «تهدف إلى تسهيل التجارة بين إيران وأوروبا وتجهيز قناة التجار الإيرانيين والأوروبيين».
يأتي ذلك بعد نحو عشرة أيام من مفاوضات أجراها رئيس الآلية المالية الأوروبية «إنست كتس»، المصرفي الألماني بير فيتشر مفاوضات مع مسؤولين إيرانيين في طهران للمرة الأولى بعد إطلاق الآلية الأوروبية نهاية يناير (كانون الثاني).
ومن المفترض أن تركز الآلية الأوروبية في المرحلة الأولى على السلع التي لا تخضع حالياً للعقوبات الأميركية، مثل الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي لوكالة «المراسلون الشباب» التابعة للتلفزيون الإيراني: «يجب ألا نأمل حدوث معجزة من القناة المالية» وأضاف أن بلاده «لم تنتظر تفعيل الآلية المالية» مشيرا إلى أنها «تابع حلول وآليات واضحة أخرى مع الدول الأخرى».
وقال قاسمي إن «روسيا والصين وتركيا والهند تدرس معاملات خارجية بالعملات المحلية بدلا من العملات الأجنبية» كما لمح قاسمي إلى احتمال إطلاق عملة مشتركة بين إيران ودول إقليمية إذا ما استقرت المنطقة.
وتفاقمت الأزمة الاقتصادية الإيرانية منذ أن قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو (أيار) الماضي.
وقبل الانسحاب بخمسة أشهر شهدت إيران موجة احتجاجات شهدت أكثر من ثمانين مدينة إيرانية إثر ارتفاع الأسعار وهتف المحتجون ضد الفساد وسياسات إدارة روحاني قبل أن تطال الشعارات النظام الإيراني.
ولم تتمكن حكومة روحاني من الوفاء بوعودها على صعيد خلق فرص العمل وتحسين الأوضاع المعيشية لموظفي الحكومة قبل أن يزداد الوضع سوءا مع بدء العقوبات التي أعادت فرضها على دفعتين في أغسطس (آب) ونوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وتحاول الدول الموقعة على الاتفاق النووي إبقاءه قيد التنفيذ بعد انسحاب واشنطن وأطلقت الشهر الماضي آلية بهدف مواصلة التجارة بين شركاتها وإيران وقالت الدول الأوروبية بأنها ستواصل العمل مع طهران طالما تمتثل لبنود الاتفاق النووي. وتهدد طهران بالانسحاب من الاتفاق إلا إذا تمكنت القوى الأوروبية بشكل واضح من حماية مصالحها الاقتصادية.
وأعلنت مساعدة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي هيلغا شميد أول من أمس عن إقامة خامس اجتماع من مفاوضات الدول الأوروبية الأربع (بريطانيا فرنسا وألمانيا وإيطاليا) أو مجموعة E4 برعاية الاتحاد الأوروبي حول القضايا الإقليمية والأوضاع في اليمن.
وشددت شميد عبر حسابها في «تويتر» على أن المفاوضات تشمل القضايا الإقليمية على رأسها قضية اليمن واتفاقية استوكهولم وأوضاع ميناء الحديدة إضافة إلى مسار السلام السوري.
وهذا أول لقاء يجمع الدول الأوروبية بإيران عقب بيان الاتحاد الأوروبي الذي ندد بالدور الإيراني الإقليمي وهدد بفرض عقوبات على إيران. كما أنها أول مفاوضات تجمع إيران ببريطانيا بعد إدراج حليفها «حزب الله» على قائمة الإرهاب البريطانية.
وكانت وسائل إعلام إيرانية قد نقلت بداية هذا الأسبوع عن حسين جابري أنصاري أن المفاوضات ستشمل قضايا أخرى إذا ما أدت إلى نتائج حول اليمن.
في غضون ذلك، سخر المبعوث الأميركي الخاص بإيران برايان هوك من تصریحات الرئيس الإيراني حسن روحاني التي طالب فيها بتوجيه اللعن ضد الإدارة الأميركية وحلفائها بسبب فرض العقوبات على إيران.
ووجه روحاني أول من أمس رسالة متلفزة موجزة للإيرانيين على هامش آخر اجتماع للحكومة الإيرانية وطلب من مواطنيه لدى تعليقه على الأوضاع الاقتصادية الصعبة أن يوجهوا ما لديهم من «لعنات إلى من تسببوا بهذه الأوضاع للبلاد» قبل أن يكمل عبارته ويكشف أن القصد من تلك الجهات الولايات المتحدة وحلفاؤها.
وسخر هوك من عبارات روحاني بقوله إن الرئيس الإيراني «لجأ إلى اللعن والشعوذة». وقال عبر الحساب الفارسي لوزارة الخارجية الأميركية إن الرئيس الإيراني ردا على المأزق الإيراني طلب من الإيرانيين توجيه اللعنات إلى الولايات المتحدة.
واتهم هوك روحاني بالتهرب من أدائه الاقتصادي و«إلقاء اللوم على الآخرين عبر اللعن والشعوذة» وقال: «إن الشعب الإيراني يريد الوظائف وفرص العمل بدلا من لعن الآخرين».
وقال روحاني أول من أمس إن العقوبات الأميركية خلقت بعض الصعوبات؛ من بينها إضعاف قيمة الريال الإيراني والتأثير على أسعار العملات الأجنبية، وتفاقم التضخم ووجه انتقادات إلى الولايات المتحدة والدول التي تمتثل للعقوبات كما انتقد أيضا أطرافا داخلية تنتقد أداء الحكومة الاقتصادي.
وجاءت تصريحات روحاني بينما كان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يجري مشاورات مع مراجع قم حول السياسة الخارجية الإيرانية. ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن مراجع مطالب الحكومة بمتابعة نهج معتدل على صعيد السياسة الداخلية والخارجية والاهتمام بالوضع الميعشي ونبذ الخلافات الداخلية.



فرنسا متأرجحة نحو التغييرات السورية... إقدام أم تروٍّ؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً في مؤتمر صحافي مشترك في وارسو مع رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك بمناسبة زيارة رسمية الخميس (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً في مؤتمر صحافي مشترك في وارسو مع رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك بمناسبة زيارة رسمية الخميس (د.ب.أ)
TT

فرنسا متأرجحة نحو التغييرات السورية... إقدام أم تروٍّ؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً في مؤتمر صحافي مشترك في وارسو مع رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك بمناسبة زيارة رسمية الخميس (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متحدثاً في مؤتمر صحافي مشترك في وارسو مع رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك بمناسبة زيارة رسمية الخميس (د.ب.أ)

لا تشذ فرنسا في مقاربتها للملف السوري عن غيرها من الدول الأوروبية وغير الأوروبية وتتأرجح مواقفها بين الرغبة في الإقدام على الدخول بتفاصيله، والتروي بانتظار أن يتضح المشهد السوري وما تريده السلطة الجديدة وعلى رأسها «هيئة تحرير الشام» بقيادة أحمد الشرع (المكنى سابقاً أبو محمد الجولاني).

كذلك تريد باريس تنسيق مواقفها وخطواتها مع شريكاتها في الاتحاد الأوروبي رغم أن الدول المعنية ليست كلها منخرطة في الملف السوري بمقدار انخراط باريس أو برلين أو مدريد، وأفادت الخارجية الفرنسية بأن الملف السوري سيكون موضع مناقشات بين وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين المقبل.

ما تقوله المصادر الفرنسية، يُبين أن باريس، كغيرها من العواصم، «فوجئت» بسرعة انهيار النظام الذي تصفه بأنه «نظام قاتل» مسؤول عن وفاة 400 ألف شخص وكل يوم يمر يكشف عن المزيد من «فظاعاته»، فضلاً عن أنه أساء دوماً للمصالح الفرنسية خصوصاً في لبنان، ولم يحارب الإرهاب بل «شجعه» كما دفع ملايين السوريين إلى الخارج.

وتعدّ فرنسا أن سقوط نظام بشار الأسد شكل «مفاجأة»؛ إلا أنه شكل «بارقة أمل» للسوريين في الداخل والخارج، ولكنها مُكَبّلة بعدد كبير من التحديات والمخاطر؛ منها الخوف من «تمزق» سوريا، وأن تمر بالمراحل التي مر بها العراق وليبيا سابقاً، وأن تشتعل فيها حرب طائفية ونزاعات مناطقية وتنشط مجموعات «إسلاموية وجهادية»، وتدخلات خارجية، وأن تنتقل العدوى إلى لبنان كما حصل في السنوات 2015 و2016.

ملاحظات باريسية

وإزاء مفردات خطاب «معتدلة» تصدر عن أحمد الشرع والهيئة التي يرأسها وعلى ضوء صورة الحكومة الانتقالية التي رأت النور برئاسة محمد البشير، تتوقف باريس عند عدة ملاحظات: الأولى، اعتبار أن ما جرى «يفتح صفحة جديدة»، وأن الهيئة المذكورة لم ترتكب تجاوزات كبرى واعتمدت حتى اليوم خطاباً «معتدلاً» ووفرت ضمانات «كلامية»؛ إلا أن ما يهم فرنسا، بالدرجة الأولى، «الأفعال وليست الأقوال».

وما تريده باريس عميلة انتقال سلمي للسلطة وأن تضم جميع المكونات وأن تحترم الحقوق الأساسية للمواطنين والأديان والطوائف، وأحد معاييرها أيضاً احترام وضع النساء وحقوقهن، كذلك، فإن باريس ستعمل لأجل هذه الأهداف مع الشركاء العرب وأيضاً مع تركيا وإسرائيل.

بيد أن فرنسا لا تريد لا الإسراع ولا التسرع، وإن كانت تتأهب لإرسال مبعوث إلى سوريا يرجح أن يكون الدبلوماسي جان فرنسوا غيوم، لكنها تستبعد الاعتراف السريع بالسلطات الجديدة.

وأكدت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان صادر عنها الخميس أن باريس ترى أنه «من السابق لأوانه في هذه المرحلة مناقشة رفع العقوبات المفروضة» على سوريا.

وكان وزير الخارجية المستقيل، جان نويل بارو، قد أجرى محادثات مع بدر جاموس، رئيس لجنة المفوضات السورية ومع ممثلين عن المجتمع المدني.

وقال بيان رسمي إن بارو ومحدثيه «عبروا عن الالتزام بتحقيق انتقال سياسي سلمي يشمل الجميع ويتماشى مع القرار 2254 الصادر عن الأمم المتحدة، يحمي المدنيين والحقوق الأساسية والأقليات».

كذلك أشار إلى «الاتفاق على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة واحترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها»، فضلاً عن «الإعراب عن قلقهم إزاء مخاطر التشرذم وانعدام الاستقرار والتطرّف والإرهاب، وضرورة استنفار الطاقات السورية والدولية من أجل تحاشيها».

اللاجئون

أما بالنسبة لملف عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، فإن باريس تقول إنها ليست من يقول لهؤلاء بالعودة أو بالامتناع عنها. إلا أنها بالمقابل تعدّ الشروط الضرورية لعودتهم مثل الأمن والعودة الكريمة «ليست متوافرة» رغم سقوط النظام القديم وقيام نظام جديد.

وتتوافق المواقف الفرنسية مع تلك التي صدرت عن مجموعة السبع، الخميس، التي أبدت الاستعداد لدعم عملية انتقالية في إطار يؤدي إلى حكم موثوق وشامل وغير طائفي في سوريا، مذكرة بأن العملية الانتقالية يجب أن تتسم بـ«احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان العالمية، بما في ذلك حقوق المرأة، وحماية جميع السوريين، بمن في ذلك الأقليات الدينية والعرقية، والشفافية والمساءلة».

لاجئون سوريون في تركيا يسيرون نحو المعبر الحدودي بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد (د.ب.أ)

وضمن هذه الشروط، فإن مجموعة السبع ستعمل مع أي حكومة سورية مستقبلية تلتزم بهذه المعايير وتكون نتاج هذه العملية وتدعمها بشكل كامل.

وبينما تقضم إسرائيل أراضي سورية، وتدفع تركيا بالقوات التي ترعاها في الشمال الشرقي إلى مهاجمة مواقع «قسد»، فإن مجموعة السبع دعت «الأطراف كافة» إلى الحفاظ على سلامة أراضي سوريا ووحدتها الوطنية واحترام استقلالها وسيادتها.

ومن جانب آخر، وفي الكلمة التي ألقتها بعد ظهر الخميس بمناسبة «القمة الاقتصادية الخامسة لفرنسا والدول العربية» التي التأمت في باريس، عدّت آن غريو، مديرة إدارة الشرق الأوسط والمغرب العربي في الخارجية الفرنسية، أن الوضع اليوم في المنطقة «بالغ التعقيد» في قراءتها للتطورات الأخيرة في سوريا وللوضع في الشرق الأوسط، وأن المنطقة «تشهد تحركات تكتونية» (أي شبيهة بالزلازل).

وتعتقد غريو أن هناك «حقيقتين» يتعين التوقف عندهما بشأن سوريا: الأولى عنوانها «انعدام اليقين»، والعجز عن توقع التبعات المترتبة على هذه التطورات ليس فقط في المنطقة ولكن أيضاً في الجوار الأوروبي، إذ إن المنطقة «تسير في أرض مجهولة» وتشهد تغيرات جيوسياسية رئيسية.

و«الحقيقة» الثانية عنوانها السرعة الاستثنائية التي تحصل فيها هذه التغيرات، مشيرة إلى أنه في عام واحد حصلت حرب غزة وحرب لبنان والحرب بين إسرائيل وإيران وانهيار النظام السوري، وهي تطورات غير مسبوقة، لا في أهميتها وتبعاتها ولا في زمنيتها.