اكتئاب لاعبي كرة القدم قد يؤدي أحياناً إلى مأساة

كتاب لويز عن انتحار غاري سبيد يكشف كيف أصبحت الرياضة تتعامل بحكمة مع المشكلات النفسية

غاري سبيد انتحر وهو في الثانية والأربعين من عمره
غاري سبيد انتحر وهو في الثانية والأربعين من عمره
TT

اكتئاب لاعبي كرة القدم قد يؤدي أحياناً إلى مأساة

غاري سبيد انتحر وهو في الثانية والأربعين من عمره
غاري سبيد انتحر وهو في الثانية والأربعين من عمره

أصدرت أرملة اللاعب والمدير الفني السابق لمنتخب ويلز، غاري سبيد، كتاباً بعنوان «غير مُعلن»، يتناول الأمور العائلية والتفاصيل التي عادةً ما تبقى سرية وخاصة، ويسلط الضوء على آراء الأشخاص الذين كانوا يعرفون غاري سبيد جيداً ومحاولاتهم لتفسير وفهم الأسباب التي أدت إلى انتحاره. وتتحدث أرملة سبيد، لويز، عن المعركة الطويلة التي خاضتها والتي لا يمكن تصورها حتى تتمكن من مواصلة العمل مرة أخرى والتأثيرات المدمرة لما وصفته أكثر من مرة بأنه «فيلم رعب». لقد كانت لويز هي التي عثرت على جثة زوجها في «جراج» المنزل، في مشهد سوف تبقى تفاصيله في ذهنها إلى الأبد.
تقول لويز عن ذلك: «مع مرور الوقت، تأمل أن يكون هذا مجرد فيلم وانتهى». لكنها مرت بفترة طويلة لم تتمكن خلالها من تناول الطعام وكانت تتناول الكحوليات بكثافة حتى تنسى ما حدث، وفقدت الكثير من وزنها حتى أصبحت «هيكلاً عظمياً يمشي على الأرض»، على حد قولها. وكانت صديقتها تريسي هي التي أقنعتها بضرورة العودة إلى الحياة ومواجهة العالم مرة أخرى، وذهبت إليها في الصباح وأجبرتها على تناول وجبة الإفطار وأقنعتها بأن تأخذ كلبها في نزهة وأن تقف على قدميها مرة أخرى.
وبمرور الوقت، خصصت لويز مساحة على جدار مطبخها لكي يكتب كل من يزورها في المنزل عبارة ملهمة. وأطلقت على هذا الجدار اسم «الجدار العجيب»، وكان ذلك بمثابة جزء صغير من عملية الاستشفاء من الآثار التي عانت منها، لكن الأمر استغرق ستة أشهر قبل أن تفكر في الخروج من المنزل. تلقت لويز دعوة من إحدى صديقاتها للذهاب إلى حفل، وتقول عن ذلك: «لم أشعر حقاً بالرغبة في ارتداء ثوب والخروج من المنزل. لقد كنت لويز سبيد، زوجة غاري سبيد، الذي شنق نفسه. فكيف يمكنني أن أتصرف بشكل طبيعي؟». ولدى وصولها إلى الحفل، كانت أول أغنية تسمعها هي أغنية «لا تنساني» لفرقة سيمبل مايندس، وهي الأغنية المفضلة لها ولزوجها الراحل غاري سبيد.
ولم تكن هذه التفاصيل الشخصية تظهر للعلن لولا العلاقة القوية بين سبيد والصحافي المتخصص في شؤون كرة القدم جون ريتشاردسون، الذي نشر كتاب «غير معلن»، والذي سيخصص جزءاً من عائداته لجمعية «هيدز توجيزر» الخيرية التي تعالج مشكلات الصحة العقلية. تعرّف سبيد وريتشاردسون خلال عملهما، حيث كان سبيد يلعب لمنتخب ويلز في حين كان ريتشاردسون يغطي أخبار منتخب ويلز بحكم عمله في مجال الرياضة. وكانت العلاقة بينهما قوية للغاية، على عكس العلاقة المعتادة بين لاعبي كرة القدم والصحافيين. لقد أمضيا العديد من الساعات معاً، وكان معظمها في تناول الشراب والطعام بمطعم «غروسفينور آرمز» في ضواحي مدينة تشيستر، بينما كانا يعملان على كتابة السيرة الذاتية لسبيد، لكن سبيد قرر في النهاية عدم نشر قصة حياته وأشار إلى أنه لم يقدم للحياة ما يكفي لكي ينشر كتاباً عن تفاصيل حياته. وقد توقفا عن العمل في تلك السيرة الذاتية بعد الانتهاء من كتابة عدة فصول بالفعل، وهو ما يجعلنا نعتقد أن سبيد لم يكن يرغب في الخوض في بعض الأمور الشخصية.
ومن المؤكد أنه من الصعب للغاية قراءة الرسالة التي أرسلها سبيد إلى لويز عندما كانا في السابعة عشرة من العمر، حيث أخبرها بأنه مُكتئب وبأنه كان يفكر في التوقف عن اللعب في صفوف ليدز يونايتد، وأن لديه أفكاراً أخرى، لكنه لم يرغب في أن يقول بالضبط ما هي هذه الأفكار. وكان هناك سطر في تلك الرسالة يقول: «أنا ذاهب للنوم الآن وأتمنى ألا استيقظ أبداً»، وهي العبارة التي ترى لويز أنه من الغريب على شاب في مقتبل العمر وفي مثل هذه السن أن يكتبها.
ويكمن أحد أتعس الأشياء بالنسبة إلى لويز ونجليها، إيد وتومي، وباقي أفراد عائلة سبيد، في أنهم لن يعرفوا إجابات قاطعة لأسباب انتحار سبيد، لكن هذه الرسالة على الأقل تجعل الأمور أكثر وضوحاً. وتتذكّر لويز أن سبيد لم يكن يفهم كيف يمكن لشخص يكون لديه كل شيء على ما يبدو، أن يعاني من الاكتئاب. والآن، وبعد مرور سبع سنوات على وفاته، تتساءل لويز عما إذا كان سبيد يعاني من الاكتئاب منذ سن مبكرة، وهي الحالة التي ربما لم يكن يعلم خلالها أحد، بما في ذلك سبيد نفسه، شيئاً عما كان يجري في رأسه.
تقول لويز إن سبيد ربما كان يشعر بالقلق من شيء ما لسنوات عديدة، لكنه كان قادراً على التغلب عليه. وتقول إنها كانت تلاحظ في بعض الأحيان أنه كان يعاني من الاكتئاب، وكانت تسأله عما إذا كان هناك شيء لا يسير على ما يرام، لكنه كان يرد بالقول إنه منهك فقط. وتشك لويز في أنه كان يخفي شيئاً آخر. وتستخدم لويز كلمة «ربما» كثيراً في حديثها عن سبيد، وتقول: «عندما أنظر إلى الوراء الآن، أتساءل عما إذا كان ما يحدث هو شيء آخر غير ما كنت أعتقد، لكن لا أحد يفسر ما حدث، أليس كذلك؟».
ويتحدث ستيف هاربر، أحد زملاء سبيد السابقين في نادي نيوكاسل يونايتد ومساهم آخر في نفس الكتاب، عن صراعه الخاص مع الاكتئاب. إنني أفكر في المقابلة التي أجراها مارفن سورديل مع صحيفة «غارديان» مؤخراً، وأفكر في كلٍّ من داني روز، وكريس كيركلاند، ونيل لينون، وليني بيدجلي، وبيلي كي، ودين ويندس وجميع الأشخاص الآخرين الذين أظهروا كيف تتغير الثقافة للأفضل وكيف لم تعد كرة القدم تتجاهل مشكلة الاكتئاب.
وعندما أعلن ستان كوليمور عن معاناته في أستون فيلا، قال المدير الفني للفريق جون غريغوري، إنه وجد أنه من المستحيل أن يفهم كيف يمكن للاعب يلعب في الدوري الإنجليزي الممتاز ولديه كل هذا القدر من الشهرة والثروة أن يشكو من شعوره بالاكتئاب. وقال غريغوري: «إذا كان كوليمور يشعر بالاكتئاب، فكيف يشعر لاعب في التاسعة والعشرين من عمره يلعب في نادي روتشديل، على سبيل المثال، ويتبقى في عقده مع النادي ثلاثة أشهر فقط ولديه زوجة وثلاثة أطفال؟!».
وفي الحقيقة، تبدو هذه التصريحات أسوأ الآن مما كانت عليه في ذلك الوقت، لكن لا أتصور للحظة أن غريغوري كان الوحيد الذي يؤمن بهذه الأفكار. ومن الواضح أن المدير الفني الحالي للمنتخب الإنجليزي غاريث ساوثغيت، الذي كان أحد زملاء كوليمور في الملعب، هو شخص رائع في عالم كرة القدم، لكنه يعترف بأنه لم يكن يتعامل مع كوليمور بطريقة رحيمة ولم يكن يفهم في أواخر التسعينات من القرن الماضي ما يعنيه الاكتئاب السريري.
وكانت هناك لافتة في ملعب «فيلا بارك» تدعم كوليمور، لكن ساوثغيت اعترف بأنه كان مستاءً من ذلك، وقال: «كنت عندما أنتهي من عمليات الإحماء أنظر إلى تلك اللافتة وأقول: ما هذا بحق الجحيم؟ إنه في العيادة لتلقي العلاج من الاكتئاب، لكن الطريقة التي يلعب بها تجعلني أشعر بالاكتئاب». وقد رفض نادي أستون فيلا دفع تكاليف علاج كوليمور من الاكتئاب. وسأل دوغ إليس، رئيس نادي أستون فيلا، كوليمور إذا كان يريد الحصول على إجازة لمدة شهر، وعندما عاد اللاعب إلى النادي قال غريغوري إنه سيكون من الجيد أن يجلس اللاعب مع بقية زملائه بالفريق لأن بعضهم كان «غاضبا». واستقبله ساوثغيت بعبارة: «أين كنت؟».
لكن الشيء الإيجابي في الأمر هو أن هذه الثقافة قد تراجعت كثيراً الآن، وأصبحت كرة القدم بصفة عامة تتعامل بقدر أكبر من الحكمة مع المشكلات المتعلقة بالصحة العقلية والذهنية، وربما يعود السبب في ذلك بصورة جزئية إلى سبيد وانتحاره رغم أنه ما زال في الثانية والأربعين من عمره ولديه عائلة ودائرة واسعة من الأصدقاء وناجح في عمله ويدرب منتخب ويلز بعدما لعب لأندية كبيرة مثل ليدز يونايتد وإيفرتون ونيوكاسل يونايتد وبولتون وشيفيلد يونايتد.
وفي مقابلة مع صحيفة «ديلي ميرور»، أشارت لويز أيضاً إلى حقيقة أن زوجها كان يلعب في صفوف الناشئين بنادي مانشستر سيتي، وكان واحداً من اللاعبين الشباب الذين لعبوا تحت قيادة المدير الفني السابق للناشئين بنادي مانشستر سيتي باري بينيل (المتهم بالاعتداء الجنسي على لاعبين في صفوف الناشئين)، ثم انتحروا في وقت لاحق. وقالت: «لا أريد أن أمنح بينيل أي شهرة، لكن كل ما أريد أن أقوله هو أن غاري كان يعاني من شيء ما عندما كان في السابعة عشرة من عمره».
وكان سبيد يلعب في نفس الفترة التي كان يلعب خلالها كوليمور، والتي لم تكن الرياضة تهتم خلالها بمثل هذه الأمور، ولعل الشيء الجيد الوحيد الذي يمكن أن يقال هو أننا على الأقل نعيش الآن في عصر تتعامل فيه الرياضة مع هذه الأشياء بمزيد من الاهتمام. إنني أفكر الآن في الطريقة التي احتشد بها عالم كرة القدم حول آرون لينون والدعم الذي قدمه ساوثغيت، كمدير فني للمنتخب الإنجليزي، إلى داني روز. صحيح أن مثل هذه الأشياء لن تعيد غاري سبيد، لكنها على الأقل مجرد بداية نحو الأفضل.


مقالات ذات صلة

أراوخو يحرم «الأخضر» من إنجاز مونديالي غائب منذ 32 عاماً

رياضة سعودية أراوخو (أ.ف.ب)

أراوخو يحرم «الأخضر» من إنجاز مونديالي غائب منذ 32 عاماً

لم يتمكَّن منتخب السعودية من حصد إنجاز غائب منذ 32 عاماً، بعدما اهتزَّت شباكه في لقائه مع منتخب أوروغواي.

«الشرق الأوسط» (ميامي )
رياضة عالمية ميسي يرش الماء على وجهه للتخفيف من حرارة الأجواء خلال تدريبات الأرجنتين (أ.ف.ب)

ميسي يهيمن على كواليس الأرجنتين... والعالم ينتظر سحره

ربما لم يظهر ليونيل ميسي أمام وسائل الإعلام، لكنه هيمن على جزء كبير من المؤتمرات الصحافية للمنتخب الأرجنتيني قبل مباراته الافتتاحية في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة سعودية عبد الإله العمري لاعب «الأخضر» خلال تسجيله هدف التقدُّم (أ.ب)

أوروغواي تفلت من «صقور المونديال»

فرَّط المنتخب السعودي في تقدمه بهدف عبد الإله العمري، واستقبل هدفاً قرب النهاية من ماكسيميليانو أراوخو ليتعادل 1-1 مع أوروغواي في مباراته الافتتاحية بالمونديال.

«الشرق الأوسط» (ميامي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية بوكايو ساكا جناح آرسنال ومنتخب إنجلترا (د.ب.أ)

بوكايو ساكا: إنجلترا جاهزة للفوز بلقب المونديال

رأى بوكايو ساكا، المُتوَّج هذا الموسم بلقب الدوري الممتاز مع آرسنال، أنَّ منتخب بلاده، إنجلترا، جاهز لمحاولة الفوز بكأس العالم.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية كريستال بالاس حقَّق لقب دوري المؤتمر الأوروبي (أ.ف.ب)

مالكو نادي كريستال بالاس يدرسون بيعه

قالت صحيفة «فاينانشال تايمز» الاثنين، نقلاً عن مصادر مطلعة، إنَّ المالكين الأميركيين لنادي كريستال بالاس، المنافس في الدوري الإنجليزي يدرسون بيعه.

«الشرق الأوسط» (لندن)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.