الجيش الجزائري يشدد على «التحلي بالمسؤولية» للتوصل إلى حل للأزمة

استمرار الحراك الشعبي... والنقابات ترفض المشاركة في الحكومة... ولعمامرة إلى جولة خارجية لشرح الوضع

موظفون في وزارة التكوين والتعليم المهنيين يتظاهرون ضد استمرار بوتفليقة في الحكم بالعاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)
موظفون في وزارة التكوين والتعليم المهنيين يتظاهرون ضد استمرار بوتفليقة في الحكم بالعاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)
TT

الجيش الجزائري يشدد على «التحلي بالمسؤولية» للتوصل إلى حل للأزمة

موظفون في وزارة التكوين والتعليم المهنيين يتظاهرون ضد استمرار بوتفليقة في الحكم بالعاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)
موظفون في وزارة التكوين والتعليم المهنيين يتظاهرون ضد استمرار بوتفليقة في الحكم بالعاصمة الجزائرية أمس (إ.ب.أ)

شدد قائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح، أمس، على أهمية «التحلي بالمسؤولية» للتوصل إلى حل للأزمة السياسية التي تشهدها البلاد إثر خروج مظاهرات حاشدة منذ نحو شهر رفضاً لبقاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الحكم. وجاء هذا تزامناً مع مظاهرات جديدة لموظفي قطاع التكوين المهني تطالب برحيل النظام، ومع تقارير تتحدث عن اعتزام رمطان لعمامرة الذي عينه الرئيس حديثاً نائباً لرئيس الوزراء، عددا من الدول بينها روسيا والصين وبعض دول الاتحاد الأوروبي لتوضيح الأزمة في الجزائر.
وقال قايد صالح خلال زيارة له إلى «الناحية العسكرية الثالثة» (جنوب غرب) أمس، إن الجيش «سيكون دوما، وفقا لمهامه، الحصن الحصين للشعب والوطن في جميع الظروف والأحوال. فكل ذي عقل وحكمة، يدرك بحسه الوطني وببصيرته البعيدة النظر، أن لكل مشكلة حلا بل حلولا، فالمشكلات مهما تعقدت لن تبقى من دون حلول مناسبة، بل وملائمة، هذه الحلول التي نؤمن أشد الإيمان بأنها تتطلب التحلي بروح المسؤولية من أجل إيجاد الحلول في أقرب وقت». وكان يشير ضمنا إلى أزمة رفض الشارع استمرار بوتفليقة في الحكم.
ويعد صالح من أشد الموالين للرئيس، ويقول مقربون منه إن بوتفليقة ما كان ليقدم على الترشح لولاية خامسة لولا دعم من الضابط العسكري الكبير. وهاجم صالح الحراك في بدايته، فوصف المتظاهرين بـ«المغرر بهم». ودعت وزارة الدفاع وسائل الإعلام إلى عدم التعاطي مع ذلك التصريح، مباشرة بعد صدوره. وكان هذا التصرف دليلا على تغير في موازين القوى داخل النظام. وفي خطابه أمس، لم يذكر قايد صالح رئيس الجمهورية، ولا مرة واحدة وهو ما لم يتعود عليه. ومما جاء فيه: «إن الأمل في أن تبقى الجزائر دائما وأبدا فوق كل التحديات، هو أمل قائم ودائم، أمل يتجدد في النفوس والوجدان وينبعث في القلوب والأذهان، أمل يحمل في طياته البشرى بغد أفضل وبالقدرة على ربح الرهانات كل الرهانات، هذا الاستبشار بالمستقبل الأفضل الذي يفتخر الجيش الوطني الشعبي، بأنه من صنّاعه، وبأنه يستلهم هذه القدرة من قربه من شعبه ومن خزان التقارب الذي يختزنه هذا الشعب العظيم حيال قواته المسلحة».
في غضون ذلك، نزل أمس إلى شوارع العاصمة الجزائرية والكثير من الولايات، مئات المتربصين بمعاهد التكوين المهني، في مظاهرات تعبيرا عن انخراطهم في الحراك الرافض استمرار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وكل القرارات التي أصدرها وبخاصة تعيين رئيس وزراء جديد، ونائب له وتكليف الموظف الأممي سابقا الأخضر الإبراهيمي، بتهدئة الشارع الغاضب الذي يحضر لمليونيات جديدة الجمعة المقبل.
وانضم إلى مظاهرة قطاع التكوين المهني، المئات من عمال البريد وشركة «اتصالات الجزائر» المملوكة للدولة، رافعين شعارات تطالب الرئيس بوتفليقة و«جماعته» بالرحيل عن السلطة. ورفض المتظاهرون «حزمة» من التدابير والإجراءات اتخذها الرئيس، في سياق تهدئة الشارع الثائر ضده، منها تعيين وزير الداخلية نور الدين بدوي رئيسا للوزراء، واختيار وزير الخارجية سابقا رمضان لعمامرة نائبا له. زيادة على الاستنجاد بالإبراهيمي مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا سابقا، لفتح حوار مع رموز الحراك وقد فشل في ذلك.
وتم التعبير أيضا عن رفض مسعى السلطة تنظيم «ندوة وطنية»، قبل نهاية العام تنبثق عنها مسودة دستور جديد، وتحديد تاريخ رئاسية جديدة. واشترط المتظاهرون رحيل النظام بكل رموزه، على أن يتولى الشارع اختيار مندوبين له، وهم من سيطلقون ترتيبات المرحلة المقبلة. وبهذا الخصوص يجري تداول أسماء بارزة، ظلت منذ سنين طويلة تعارض النظام وتناضل من أجل التغيير، أمثال المحامي الكبير مصطفى بوشاشي، والقاضية سابقا زبيدة عسول والقيادي الحزبي كريم طابو ورئيس الوزراء سابقا أحمد بن بيتور، والكاتب الصحافي فضيل بومالة، وجيلالي سفيان رئيس حزب لبرالي.
كذلك، أعلنت نقابة الأطباء عن تنظيم مظاهرة كبيرة، اليوم، تبدأ بـ«مستشفى مصطفى باشا الجامعي»، بالعاصمة، للانطلاق نحو «البريد المركزي»، الذي أصبح قبلة للناقمين على نظام الرئيس بوتفليقة. وبين هذه النقابة والسلطات صراع طويل، أخذ منحى عنيفا في كثير من الأحيان، إذ تعرض الأطباء إلى الضرب على أيدي رجال الأمن لمحاولاتهم، التظاهر في العاصمة للمطالبة بحقوق مهنية. وقبل هذا الحراك، كان التظاهر في العاصمة ممنوع منعا باتا.
من جهتها، ذكرت نقابة أساتذة التعليم العالي، في بيان، أنها رفضت لقاء كان مبرمجا أمس مع بدوي، في إطار مشاوراته لتشكيل الحكومة. وقالت: «لأننا وقفنا مند البداية إلى جانب الشعب الجزائري، في الحراك الوطني مند 22 فيفري 2019، فمكاننا الطبيعي بين صفوف الشعب للدفاع عن مطالبه وتحقيق طموحاته المشروعة، لهذا فقررنا رفض دعوة رئيس الحكومة، لأن شروط وظروف الحوار غير متوفرة حاليا. رغم ذلك فإننا نؤكد أن النقابة تعبر عن استعدادها التام للمشاركة بقوة في أي مبادرة وطنية تحترم أحكام الدستور».
ورأى مراقبون أن رهان السلطة على آليات وأشخاص لتهدئة الشارع، أثبت قصوره لحد الساعة. فالإبراهيمي، الذي عولت على رصيده كدبلوماسي دولي كبير، تأكد بنفسه أن شباب الحراك لا يولي أهمية لتاريخه، بدليل أنه وجد صعوبة كبيرة في إيجاد محاورين من داخل الحراك، يقنعهم بالتجاوب مع «تنازلات السلطة»، وبخاصة سحب الرئيس ترشحه لولاية خامسة. واضطر الإبراهيمي إلى وقف لقاءاته التي جرت بفندق شهير بأعالي العاصمة. ولما سئل أمس بالإذاعة الحكومية عن مدى استعداد رجال السلطة الرحيل كلهم من دون استثناء، قال: «في العراق الذي أعرفه جيدا، رحل جميع المسؤولين والنتيجة كانت ما تعرفون».
ومثل هذا الكلام يزيد من استفزاز الشارع ويصعد من نقمة المتظاهرين على النظام، وقد جرب ذلك رئيس الوزراء المستقيل أحمد أويحيى، الذي صرح في بداية المظاهرات بأن «الأحداث في سوريا بدأت بالورود»، وكان يعلق على صور متداولة لفتاة تهدي زهرة لشرطي يراقب مظاهرة. وجلب أويحيى لنفسه سخطا كبيرا بعد هذا التصريح.
وكتب الصحافي المتخصص في الشأن الثقافي، محمد علال، عن لقائه بالإبراهيمي: «لقد جاء للاستماع إلينا، ولم أجد حرجا في تلبية دعوة لقائه ما دمت سأقول الحقيقة وأشدد على المطالب، قبلت باللقاء لأنني أردت منه أن يكون درسا لمن يتشدقون بتاريخهم. تفاديت الإشارة إلى جوانب الفساد والقضايا التي تتعلق بالتسيير، فهي معروفة لدى القاصي والداني، ولكن فرصة لقاء الإبراهيمي التي لن تتكرر، كانت بالنسبة لي مناسبة لوضع قليل من الألم على كف آخر شخص صافح بوتفليقة أمام الكاميرا». وأضاف الصحافي: «الرجل وقد ناهز الـ86، حرص على إحضار ورقة وقلم لتدوين بعض الملاحظات، كنت ألاحظ في عينه خوفا أو ربما خجلا وهو جالس كالتلميذ يكتب ويدون ملاحظات شاب في عمر حفيده، الإبراهيمي كشخصية هو هادئ الطبع، لا يقاطع كلامك، حتى وأنت تتكلم بحدة أو حرارة قد تصل إلى حد التهجم عليه، كما فعلت سيدة من بين الذين حضروا اللقاء، تحدثت قبلي معه ثم غادرت المكان، وكأنها بذلك قامت بخطوة بطولية أو أهانت الإبراهيمي الذي لم يطلب منها البقاء لسماع رده واكتفى بالصمت. لم أود أبدا ارتداء عباءة (دونكيشوت)، كنت فخورا بعباءتي كمواطن بسيط جدا، احترمت سن الرجل وعكازه الذي وضعه أمامه، وشعره الأبيض الذي بلا شك يحكي الكثير، لهذا حرصت على اختيار كلماتي ومخاطبة الرجل دون تجريح ولا قذف، لماذا التشنج أمام رجل يتحرك بصعوبة؟، فالمهم بالنسبة لي قول ما في قلبي وعقلي وخلاصة الكلام: (نريدكم أن ترحلوا فورا)».
أما الرهان الثاني الذي فشلت فيه السلطة، فهو إيفاد لعمامرة إلى دول شريكة للجزائر، كفرنسا وروسيا والولايات المتحدة الأميركية، ليشرح خطة الخروج من المأزق. وتلقى الحراك باستياء بالغ أول خطوة قام بها وزير الخارجية سابقا، وهي إجراء مقابلة مع إذاعة فرنسا الدولية للخوض في الخطة، بدل أن يتوجه للجزائريين عن طريق وسائل إعلام محلية. وحاول استدراك هذه «الخطيئة» لاحقا، في مقابلة مع الإذاعة الحكومية، لكن الوقت كان قد فات. كما عجزت الحكومة عن تسويق بدوي، كشخصية تحقق حدا أدنى من الإجماع لدى الحراك، وتجلى ذلك في رفض المعارضة ووجوه من الحراك والنقابات الكبيرة لقاءه في سياق مشاوراته إنشاء طاقم حكومي.
من جهة أخرى، دعا أويحيى مناضلي حزبه «التجمع الوطني الديمقراطي»، في رسالة، إلى «المساهمة في تجاوز الجزائر أزمتها الحالية، من خلال تغليب التعقل خدمة للمصلحة الوطنية، وهي غاية وطنية نبيلة تستوقفنا جميعا للعمل على رص صفوف حزبنا بغية تجنيد كافة طاقاتنا الحية في المجتمع، لبسط السكينة والتعقل، لتجسيد التغيير المنشود بطرق منتظمة تحمي استقرار الدولة وسلامة العباد».
واللافت أن نبرة خطاب أويحيى تغيرت، فقد كان متشددا ضد الحراك لما كان رئيسا للوزراء بعكس ما تضمنته رسالته. غير أن ولاءه للرئيس لم يتغير، إذ يذكر: «أخوكم قضى خمس سنوات متتالية (كمدير لديوان الرئيس ثم كرئيس للوزراء) كعربون جديد، في خدمة الجزائر دون كلل أو ملل، وكذا في دعم رئيس الجمهورية في كل الظروف، وهذا بشهادة الخصم قبل الصديق».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.