الحوار السني ـ العلوي السوري يشكل مجلساً لتنفيذ «وثيقة العيش المشترك»

جرى بعلم دمشق ومشاركة شخصيات من الداخل والخارج... و «الشرق الأوسط» تنشر وثيقتيه

أحد شيوخ العشائر يوقع على «مدونة سلوك لعيش مشترك» (الشرق الأوسط)
أحد شيوخ العشائر يوقع على «مدونة سلوك لعيش مشترك» (الشرق الأوسط)
TT

الحوار السني ـ العلوي السوري يشكل مجلساً لتنفيذ «وثيقة العيش المشترك»

أحد شيوخ العشائر يوقع على «مدونة سلوك لعيش مشترك» (الشرق الأوسط)
أحد شيوخ العشائر يوقع على «مدونة سلوك لعيش مشترك» (الشرق الأوسط)

بعد أكثر من سنتين من الحوار السري بين شخصيات ممثلة للمكونات السورية داخل البلاد وخارجها، خصوصاً من العلويين والسنة، قرر المتحاورون الخروج إلى العلن بـ«مدونة سلوك لعيش سوري مشترك» تكون بمثابة مبادئ فوق دستورية، وتأسيس «مجلس المدونة السورية» على أمل توفير «حاضنة اجتماعية» تشكل ضمانة للمستقبل «بعيداً عن معادلة النظام والمعارضة».
الجولة الأخيرة من الحوار جرت في برلين، الجمعة والسبت الماضيين، بمشاركة 24 شخصاً؛ جرى اختيارهم باعتبارهم ممثلي مكونات، ولهم صلة بالبيئة الحاضنة ومجتمعاتهم المحلية. شارك في الجولة الحوارية 11 من داخل البلاد و13 من الخارج، وكان بين «سوريي الداخل» 9 شخصيات علوية هم نواب سابقون وأبناء شيوخ وشخصيات مؤثرة ذات علاقة بالمجتمع والدولة، على طاولة مستديرة، إلى جانب معارضين و«ثوار» من قادة عشائر من شرق البلاد وشمالها وجنوبها ووسطها ودمشق، وشخصيات كردية، ومسيحيين.
واذ قلل دبلوماسيون من اهمية الحوار نظرا بسبب غياب افق حل سياسي عاجل وعدم فعالية المشاركين، اشار اخرون الى اهميته الرمزية وبعده الاجتماعي.
الحوار الذي صار له يجري وراء الستارة، وتنقل بين باريس وزيوريخ وبرلين، وشاركت فيها شخصيات عدة، وأداره الدكتور ناصيف نعيم، الخبير السوري بالدستور والمقيم في ألمانيا، قرر القيمون عليه إخراجه إلى النور، حيث حضرت «الشرق الأوسط» اليوم الثاني من الجولة يوم السبت والجلسة الختامية «في مكان ما» في العاصمة الألمانية، حيث عمد المشرفون إلى مصادرة الهواتف الجوالة وأي جهاز إلكتروني. وتمت دعوة خبراء في الإرهاب والعملية السياسية لإيجاز المشاركين لرفد خلاصات الحوار في المسار السياسي وما بعده.
وسُمح بتداول كل شيء إعلامياً باستثناء الأسماء الحقيقية للمشاركين من داخل البلاد، الذين أكدوا علم السلطات السورية بمضمون الحوارات والوثائق المتفق عليها، وأجمعوا على أنهم شاركوا ويشاركون «باعتبارنا سوريين، ونرفض تقديمنا باعتبارات طائفية، وألا نكون حرفنا المشروع عن هدفه».
وفي الجلسة الأخيرة، اشتعل النقاش بين أبناء الداخل والخارج حول وجود القوات الأجنبية في سوريا. الفكرة كانت الوصول إلى موقف مشترك يطالب بانسحاب القوات الأجنبية تطور إلى بحث موضوع «داعش» ووجود «حزب الله» في سوريا، إلى أن جرى التفاهم على صوغ مسودة بيان تطالب بـ«انسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا»، من دون ذكر لأي دولة أو ميلشيات، قبل فتح الباب أمام النقاش الإعلامي في أسباب اتخاذهم القرار بالعلنية، وعدم رغبة «أبناء الداخل» ذكر أسمائهم الصريحة طالما أن دمشق على علم بالحوارات.

الحوار
تعود فكرة الحوار إلى 2016، حيث جرت لقاءات في فرنسا وسويسرا بين شخصيات علوية وسنية بتردد أوروبي وقتذاك، من منطلق بحث «وثيقة الإصلاح العلوي». نهاية ذاك العام، حصل اجتماع عاصف عندما وُضع على الطاولة اقتراح الموافقة على «مرحلة انتقالية» وتشكيل «مجلس رئاسي» في سوريا. وجرت بعض التغيرات في الهيكلية والمشاركين إلى أن عقدت اجتماعات أخرى بين «فريقين: علوي وسني» في منتصف 2017، حسب إيجاز أحد المنظمين. وكان بين المشاركين، ملهم الشبلي من عشيرة الفوارة، والشيخ أمير الدندل من عشيرة العقيدات، وعوينان الجربا من عشيرة شمر، ومصطفى كيالي من أحفاد «الكتلة الوطنية» في حلب - إدلب، إضافة إلى «شخصيات علوية» من طرطوس وحمص واللاذقية.
للخروج من «المأزق»، جرى التوافق على إبعاد ثلاثة أمور من النقاش، هي: «النظام والمعارضة، الرئيس بشار الأسد، ثورة أم مؤامرة»، حسب شرح ناصيف نعيم، حيث بدأ صوغ وثيقة فوق دستورية عرفت باسم «مدونة سلوك لعيش سوري مشترك» تتضمن أموراً يتفاهم عليها السوريون، وتبلورت في نهاية 2017. وأنجزت الوثيقة في صفحتين تضمنت 11 مبدأ هي: «وحدة الأراضي السورية، المكاشفة والاعتراف، لا غالب ولا مغلوب، لا أحد بريء من الذنب، محاسبة لا ثأر، جبر الضرر، متابعة الملف الإنساني، الهوية التنوعية للمجتمع السوري، عدم تسييس الانتماء، جماعية التراث السوري، مبدأ المساواة بين السوريين وحماية حرياتهم».
وبين أكثر النقاط التي جرى انقسام حولها، البند الرابع المتعلق بالمسؤولية، و«هل نذكر النظام أم لا» إلى أن جرى التوافق على عبارة «لا أحد بريء من الذنب على أساس الاعتراف المتبادل بين أطراف الصراع أن لا أحد بريء من الارتكاب، كلٌّ حسب دوره ومستقبله». وبعد الوصول إلى الوثيقة، جرى توقيعها من قبل المشاركين أمام القضاء الألماني، مع ذكر تفاصيل الهوية والمعلومات لكل شخص، إضافة إلى أخذ صورة لكل مشارك مع الوثيقة. وقال أحد المشاركين، إنه أخذ «مدونة السلوك» إلى دمشق، وجرى تسليمها إلى مسؤولين رفيعي المستوى.
ورغم الوصول إلى «الاختراق»، استمرت الاجتماعات طيلة العام الماضي في برلين للمضي خطوة إضافية في الحوار إلى أن جرت «مأسسة العمل» عبر تشكيل «مجلس المدونة السورية»، ونصت وثيقته على أن «شخصيات سورية مهتمة بالشأن العام من اتجاهات فكرية واجتماعية متنوعة في المجتمع السوري» توصلت إلى مدونة، و«بناءً على ما تم من اجتماعات بين الشخصيات الموقعة التي اتسمت بطابع الدورية، وأخذت شكلاً مؤسساتياً بحكم الأمر الواقع، تم انضمام الكثير من الشخصيات، ووقعت عليها، معتبرة نفسها امتداداً لمبادئها وجزءاً من الجسم الحامل لهذه المدونة، وباتت الشخصيات جميعها تشارك في الاجتماعات الدورية».
وأشار الموقعون إلى أنهم اتفقوا على تأسيس «مجلس المدونة السورية جسماً حاملاً ومسؤولاً عن مدونة السلوك تجاه السوريين، أينما وجدوا، وتجاه الدول والمجتمعات الدولية كافة». كما جرى في الجلسة الأخيرة تعيين ثلاثة ناطقين باسم «المجلس»، إضافة إلى العمل على إقامة نظام داخلي وتشكيل لجان عمل من المشاركين لوضع «خريطة تنفيذية» لشرح المبادئ الـ11، وتقديمها إلى الحواضن الاجتماعية لكل منهما داخل البلاد وخارجها.

أسئلة وأجوبة
أتيحت فرصة الحوار مع جميع المشاركين على مائدة واحدة في بناء ألماني قديم ذي سقف عال ونوافذ واسعة تتوسطه لوحة مذهبة تطل على طاولة مستديرة انحشر فيها 24 شخصاً. من الداخل والخارج. رجال ونساء. شباب وكهول. بالزي التقليدي والزي العصري. بعضهم تحدث بلهجته، فيما تحدث آخرون بالإنجليزية. بعضهم خبر الغرب، فيما لا يعرف آخرون سوى قريتهم وضيعتهم.
وما إن هدأت النفوس بعد النقاش الساخن حول القوات الأجنبية، حتى طرح السؤال: «لماذا قررتم الآن الخروج إلى العلن؟». كل أجاب على طريقته، وكان المنظم هو ناصيف نعيم. أجاب الجربا أنه بعد إقرار الوثيقة لاحظ ردود فعل إيجابية وصدى طيباً في أوساط من يعرفهم و«حاضتنا الاجتماعية»، ذلك أن هدف المشاركين هو الوصول إلى «نظام سياسي اجتماعي للدولة القادمة على أساس العدالة الاجتماعية». في الصورة الأوسع، أشار، وهو القادم من شرق سوريا، إلى ضرورة وجود دور عربي في سوريا و«نناشد الدول العربية، وفي مقدمها السعودية، القيام بدور عربي لحل القضية السورية. الدول الأخرى لها مصالح، لكن الدول العربية هي أهلنا والسعودية هي الأخ الأكبر لنا».
وأشار إلى أن «الشعب السوري لا يرى حلاً عبر معادلة النظام والمعارضة، بل الحل عبر الحاضنة الاجتماعية. والمدونة هي رسالة طمأنة إلى الشعب بأن هناك أشخاصاً يعملون للناس ويشكلون ضمانة للمستقبل». وأضاف: «قبل الثورة نعرف المشاركين معنا من الداخل من حمص وطرطوس، ونعرف أنهم مؤثرون، ويعرفون أن مفتاح الحل هو الحاضنة الاجتماعية... النظام لم ولن يسمح بوجود مجتمع مدني، ويعرف دائماً أن الحل هو عند المجتمعات المحلية، ونحن نشكل ضمانة للمستقبل، والعلويون المشاركون يعرفون ذلك».
وإذ رأت سيما عبد ربه أن المدونة ضمنت «11 مبدأ تضم أفكاراً جامعة ستتبعها آليات تنفيذ»، قال أحد المشاركين من طرطوس إن المبادئ «يقول البعض عنها إنها طوباوية، نريد هذه الطوباوية والحلم، ونريد العيش بالفضيلة. والمدونة هي أيقونة المستقبل السوري بعد المقتلة السورية لكل الأطراف». وقال مشارك آخر من حمص إن المبادئ «تعبر عن نبض الشعب السوري، وهي خريطة طريق لسوريا».
من جهته، قالت إحدى الشخصيات البارزة، وهو نائب سابق وشخصية فاعلة في طرطوس، إنه يرفض مثل غيره أن يقدم من منطلق طائفي و«العلويون رفضوا عبر التاريخ الانفصال واختاروا الدولة السورية»، والخلاف الموجود حالياً «هو سياسي يحاول البعض تقديمه طائفياً». ونقل عن الشيخ صالح العلي، أحد قادة الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي، قوله «إن العلويين جميعاً سنة إذا تعرض سني للخطر». وذهب آخر للقول: «الخلاف ليس داخلياً، بل مؤامرة خارجية».

غض الطرف
ورأى السفير السوري السابق في لندن سامي الخيمي، أن الخطر على سوريا أن السوريين غير مجتمعين على مواجهة أطماع الخارج، مطالباً بضرورة أن يبحث السوريون عن المصالح الاقتصادية فيما بينهم، فيما أملت عبد ربه في بناء «كتلة حرجة اجتماعية سورية» تشكل رافعة للحل. ورأى إبراهيم محمد إبراهيم باشا، وهو من أكراد الحسكة: «نحن كثوار قمنا ضد النظام، وأرى أن المدونة تمثل حلم كل السوريين».
أما أحد المشاركين من الساحل والفاعلين في مساعدة النازحين، «بما في ذلك أسر المسلحين»، فقال: «جرى العمل الممنهج على تدمير الرموز السورية، ولم يبق لنا سوى فعل الممكن. والمبادئ الـ11 هي خطوة نحو المستقبل»، الأمر الذي وافق عليه إبراهيم شاهين من ألمانيا، قائلاً: «المدونة خلاصة عمل هادئ وعميق من دون ضجيج للوصول إلى المشتركات». وأضاف آخر أن «العلنية ضرورية لجمع السوريين حول هذه المبادئ التي لا خلاف حولها، وتوفير ضمانة وأمل للمستقبل».
من جهته، قال نائب سابق في حمص، معروف بصلاته وفعاليته، «الحرب السورية فريدة. بعض القوى زادت ضراوة الحرب تحت عنوان مساعدة الشعب السوري»، إذ إن السوريين لم يكونوا متعودين على القتل و«القوى الخارجية كان لها دور في سفك الدم السوري»، محذراً من «اصطياد البعض في الماء العكر، وتأسيس كانتونات شرق سوريا»، الأمر الذي وافق عليه زميله، وأضاف أن «السلطات على أعلى مستوى على علم بهذا الحوار وتسلمت نص المدونة». وحض آخر على ضرورة رفع العقوبات الغربية التي تضر بالإنسان السوري العادي.
في المقابل، قالت إحدى الشخصيات المعارضة إن «حديث النظام عن الانتصار يستفز الكثيرين، ونعرف أن هناك ردوداً وعمليات ضد قوات النظام في الجنوب السوري، لذلك فإن طرح هذه المبادئ يدفع الناس للبحث عن المشتركات»، فيما قالت مشاركة بارزة من دمشق إن مشاركة «سوريي الداخل» بالحوارات حصلت «من دون وهم: نحن نحاول أن نراوغ ضمن الهامش بحثاً عن التغيير»، مشددة على رفض فكرة «أن الداخل كتلة واحدة موحدة». وأضاف إلى ذلك شخص آخر من طرطوس: «إذا كان الشعب السوري لا يقبل بعضه بعضاً، يمكن للأمور أن تنفجر في أي لحظة. لذلك لا بد من التحرك الاجتماعي، وهذه المدونة ضرورة والإعلان ضروري».
بسام صباغ، وهو مسيحي من حلب ومقيم في الخارج، حرص على إيصال صوته، قائلاً: «الانطباع أن المسيحيين هم مع النظام، وليسوا مع المعارضة. في الواقع المعارضة تأسلمت، أو دُفعت إلى التأسلم، وبالتالي من يرتبط بالمعارضة السياسية يعتبره بعض المسيحيين خائناً لهم، لذلك فإن هذه المدونة مهمة لأنها تتحدث عن مبادئ سامية وفوق الاستقطاب بين النظام والمعارضة».
وبعد يومين من الأخذ والعطاء تحت سقف ألماني، وبقواعد حوار ألمانية، من دون هواتف جوالة، وبعزلة كاملة، عاد كل إلى مكانه الجغرافي. أبناء الداخل إلى سوريا. أبناء الخارج إلى الشتات. لكن التواصل قائم بينهم للترويج لـ«مدونة سلوك»، إضافة إلى العمل لحل إشكاليات وقضايا في مجتمعاتهم المحلية... من دون انتظار حل سياسي من فوق، وبتفاهمات خارجية، طال انتظاره، وقد يطول فرضه.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.