معرض لندن للكتاب: إندونيسيا ضيف شرف وموقع إماراتي أفضل ناشر للكتاب الصوتي

شاركت فيه أكثر من 25 ألف دار نشر محترفة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

معرض لندن للكتاب: إندونيسيا ضيف شرف وموقع إماراتي أفضل ناشر للكتاب الصوتي

جانب من المعرض
جانب من المعرض

حلّتْ إندونيسيا ضيف شرف معرض لندن الدولي للكتاب في دورته الثامنة والأربعين، التي استمرت لمدة ثلاثة أيام في مركز «معارض أولمبيا» وسط العاصمة البريطانية. وكان موقعها المتميز في وسط قاعة المعارض مسرحاً للكثير من الفعاليات الثقافية والاجتماعية التي عّرفتْ الزائرين بسوق الكتاب وصناعته في هذه الجزر التي يبلغ عددها 17000 جزيرة، ويبلغ عدد سكانها 238 مليون نسمة، وهي رابع بلد من حيث السكان، وأول بلد من حيث عدد السكان المسلمين. وقد تحدث اثنا عشر كاتباً إندونيسياً عن التنوع الثقافي والأدبي في بلادهم، في جلّ فعاليات البرنامج الثقافي، بينما تحدث الناشرون عن أدباء إندونيسيا وكتبهم بطريقة محترفة تمهيداً للترجمة وشراء الحقوق وتعريف الناشرين والمختصين بهم من شتى أنحاء العالم. ترافق ذلك مع معرض عن العمارة الإندونيسية ومعرض للتصاميم الكرافيكية ومعرض لتصاميم أغلفة الكتب وعروض موسيقية وعرض للأزياء الإندونيسية وعرض لمخطوطات القرآن الكريم وغيرها من الفعاليات المختلفة. وقد استضافتْ المكتبة البريطانية أمسية احتفائية بأبرز كتاب إندونيسيا المعاصرين وهم: أوغستينوس ويبوو المختص بأدب السفر والرحلات، والكاتبة دي ليستاري وهي روائية فازت مرتين بجائزة أفضل كتاب سنوي في إندونيسيا، والروائي والصحافي سينو جوميرا أجيدارما، وذلك قبل يوم واحد فقط من بدء المعرض، وقد تضمن جدول فعاليات الضيف المحتفى به، الكثير من الندوات حول الترجمة وقراءات شعرية وحوارات مع الكتاب وأدب الطفل في إندونيسيا.
ويعتبر معرض لندن للكتاب من أهم الأسواق العالمية للإصدارات والترويج والتفاوض على حقوق نشر وطباعة وتوزيع الكتب عبر عدة منافذ توصيل، منها الطباعة الورقية والكتب المسموعة والبرامج التلفزيونية والأفلام والقنوات الرقمية. يشارك في هذه السوق العالمية للمعرفة بجميع صنوفها، أكثر من 25 ألف دار نشر محترفة. وتجتمع أفضل العقول في مجال صناعة الكتاب سنوياً في لندن لعرض وتعريف وتقديم نماذج من مطبوعاتهم، وكذلك مدّ صلات التعاون مع باقي دور النشر المشاركة، والترويج والتسويق لبضاعتهم المعرفية والتخطيط لزيادة إصداراتهم وتوسيع منافذ تسويقها للعام المقبل.
دور النشر البريطانية العريقة حاضرة وبقوة مثل دار نشر جامعة أُكسفورد العالمية المتخصصة بالكتب الأكاديمية والتعليمية، ودار نشر جامعة كامبردج، و«دار نشر بلومزبري» المتخصصة بالدراسات الإنسانية والأدب وأدب الطفل، التي تعد من أشهر وأفضل دور النشر البريطانية، سواءً على المستوى المحلي في المملكة المتحدة، أو على مستوى دور النشر العالمية، وقد قامت بالتعاون مع عدة مؤسسات عربية لترجمة وإصدار الكثير من المطبوعات العربية الروائية والمختصة بالتاريخ ومختلف العلوم الأخرى.
وكانت كبرى دور النشر الأميركية حاضرة أيضاً مثل دار نشر «بنغوين»، وتعتبر أكبر دار نشر عالمية للكتاب الصادر باللغة الإنجليزية ودار نشر جامعة كولومبيا التي تأسست عام 1893، وتعتبر رابع أقدم دار نشر في الولايات المتحدة وتنشر سنوياً ما يقارب 160 عنواناً في اختصاصات مختلفة مثل إدارة الأعمال والاقتصاد وعلوم البيئة والفلسفة والدراسات الآسيوية.
ومن أبرز الفعاليات الثقافية التي رافقت أيام المعرض، استضافة الروائية التركية أليف شفق في «نادي القلم الأدبي» للحديث عن الأدب الذي يتجاوز اللون والجنس والحدود الجغرافية بين الدول، والذي يكون همه الرئيسي مشكلات الإنسان المعاصر، واستعرضت بعض الأسماء النسائية المهمة، من وجهة نظرها، في المشهد الأدبي المعاصر في المملكة المتحدة، التي تستحق أعمالهن أن تُقرأ على نطاق واسع، وأن تُترجم إلى جميع اللغات، وهذا الاختيار يأتي ضمن إطار تعاون لمدة سنتين بين المجلس الثقافي البريطاني والجمعية الوطنية للكتاب في المملكة المتحدة، ومنهن الروائية شارلوت هيكنز، والقاصة جيسي كرين كراس، والروائية الأسكوتلندية دينيس مينا التي تكتب الروايات البوليسية، والشاعرة والمترجمة الآيرلندية جليان كلارك.
وشهدت القاعة الرئيسية للمعرض، ندوة تناولت إعادة إعمار مكتبة جامعة الموصل بعد خرابها وحرقها على يد «داعش» عام 2015، والجهود الدولية التي يجب أن تساهم بها دور النشر وكذلك المتبرعون الأفراد. وقد تحدث الدكتور علاء حمدون الأكاديمي في جامعة الموصل ومؤسس حملة «جسر الكتاب للموصل» عن تاريخ مكتبة جامعة الموصل والمخطوطات القيمة التي كانت تحتويها، وعن الخراب الذي عايشه بعد تدمير المكتبة وبنايتها وحرقها، وعن الجهود الدولية التي ساهمت بها منظمة «البوك أيد» و«شبكة النهرين الدولية» التي تعنى بإعادة إعمار المواقع الأثرية والمكتبات في العراق من خلال منسقها الدكتور مهيار كاظم، وتحدث الدكتور حمدون عن فرحته والطلبة بوصول الدفعة الأولى من الكتب المعرفية إلى الجامعة، وعن المساعي المستقبلية المبذولة لترميم المبنى وتعويض الكتب والمصادر.
وقد اختتمتْ فعاليات اليوم الأول بحفل إعلان جائزة التميّز. ففي فئة المكتبات العامة فازت بجائزة التميّز، مكتبة مدينة إسبو الفنلندية، باعتبارها أفضل مكتبة عالمية لهذه السنة، وذلك لابتكارها خدمات مكتبية تستهدف كل الشرائح العمرية، مما زاد من معدلات القراءة في تلك المدينة، كما أنها دعمتْ خدماتها بكل أنواع التكنولوجيا الرقمية المتاحة. ونال جائزة أفضل متجر للكتب، متجر «فانك سو» الصيني. واختير «مهرجان أوكرانيا للأدب» لجائزة التميّز كأفضل مهرجان أدبي. وعن أفضل ناشر للكتاب الصوتي، فاز موقع «بوكلافا» الإماراتي للكتاب الصوتي، وهو موقع شامل للكتب العربية الصوتية ويعمل بالاشتراك الشهري، ولا يقتصر على الكتب الكلاسيكية، بل يُقدم للمؤلفين الجدد فرصة لجعل عملهم متاحاً صوتياً للناطقين باللغة العربية في جميع أنحاء العالم. وحصل بورتر أندرسون من أميركا على جائزة أفضل صحافي في مجال ترويج الكتاب لهذا العام. بينما ذهبت جائزة التميّز في المبادرات التعليمية لمؤسسة «تاتا» الهندية.
أما عن المشاركات العربية؛ فقد كانت مشاركة دولة الإمارات العربية متميزة هذه السنة في المعرض، وقد افتتح الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة جناح هيئة الشارقة للكتاب في يوم المعرض الأول بكلمة أكد فيها «أن العمل الثقافي يتطلب مثابرة وصبراً واجتهاداً إلى جانب إلمام تام بكل ضروب الثقافة، ويجب أن يكون هذا العمل مبنياً على ركائز أساسية متينة حتى يتحقق له الاستمرار والديمومة»، وأعلن كذلك عن برنامج أنشطة وفعاليات برنامج الشارقة (العاصمة العالمية للكتاب 2019)، الذي منحته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) للإمارة، بصفتها أول مدينة خليجية تحمل اللقب، والثالثة عربياً والتاسعة عشر عالمياً. وشهد جناح محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة فعالية تطوعية للطلبة المبتعثين في المملكة المتحدة للترويج للغة العربية عالمياً. بينما أُعلنتْ في جناح وزارة الثقافة والسياحة في أبوظبي عن ضيف الشرف (الهند) في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته المقبلة، فيما قدمت «جمعية الناشرين الإماراتيين» في يوم المعرض الثاني ندوة بإدارة محمد العطار من موقع ناشر الإلكتروني عن التلاقح الثقافي والمعرفي بين الشرق والغرب اشترك فيها: الناشر الإماراتي علي الشعالي، وإليزابيث بيرج عن «دار الساقي للنشر»، وسباستيان بول عن موقع «كتاب صوتي»، وهو موقع سويدي يرّوج للكتب الصوتية بجميع اللغات.
وزارة الثقافة اللبنانية وُجدت بجناح جمع عدداً من الناشرين اللبنانيين، منهم «دار نشر جروس» و«مكتبة أنطوانيت هاشيت» و«مكتبة ستيفان» و«مكتبة لبنان» و«الدار العربية للعلوم».
وقد احتفي بالشاعر البريطاني الشاب ريمون إنتربوس بإعلانه شاعر معرض لندن للكتاب في هذه الدورة، والتقى بالجمهور في قراءات شعرية في «ركن الشعراء»، وذلك في يوم المعرض الثاني، كما احتفي بالكاتب السنغافوري المقيم في نيويورك جيرمي تيانغ بإعلانه المترجم الأدبي لدورة هذا العام من المعرض، وقد ترجم من الصينية إلى الإنجليزية الكثير من الروايات والأعمال الأدبية لأبرز الكتاب الصينيين.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
كتب امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية