قصة حرب أسيء فهمها

كتاب يصحح بعض المفاهيم الخاطئة لدى الغربيين حول اندلاعها في الشرق الأوسط

«الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط»  -  المؤلف: كريستيان كوتس ألريكسين  -  الناشر: هيرست - لندن، 2014.  -  325 صفحة
«الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط» - المؤلف: كريستيان كوتس ألريكسين - الناشر: هيرست - لندن، 2014. - 325 صفحة
TT

قصة حرب أسيء فهمها

«الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط»  -  المؤلف: كريستيان كوتس ألريكسين  -  الناشر: هيرست - لندن، 2014.  -  325 صفحة
«الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط» - المؤلف: كريستيان كوتس ألريكسين - الناشر: هيرست - لندن، 2014. - 325 صفحة

يعد كتاب كريستيان كوتس ألريكسين «الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط» المذهل من أفضل كتب التاريخ العسكري لهذه «الساحة الجانبية» في الشرق الأوسط. يقدم الكتاب للقارئ العالم الداخلي للمخططين الاستراتيجيين العسكريين والقادة السياسيين الذي كانوا يديرون عمليات الحرب وحاولوا تشكيل النتائج في أعقابها. وفي هذا الإطار، يصحح أيضا الكاتب بعضا من المفاهيم الخاطئة لدى الغربيين بشأن كيفية اندلاع الحرب في الشرق الأوسط وسببها ونتائجها الجيوسياسية.
مثل الحروب الأخرى، خضعت الحرب العالمية الأولى لكثير من الروايات التي تبدو متناقضة في كثير من الأحيان. ولكن لا يبعث ذلك على الدهشة لأنه كما يقول المثل الشهير، أول ضحية للحرب هي الحقيقة. كما أن واقع الحياة يشير إلى أن المنتصرين دائما ما يكتبون التاريخ في النهاية بينما يتحمل المنهزمون كربهم في صمت.
وحتى قبل أن تسكت أصوات المدافع، تسببت الحرب العالمية الأولى في انتشار عدد من الخرافات، يستمر ترديد بعضها حتى اليوم بعدة صور متناقضة. كانت بعض من تلك الخرافات على مدار عقود ذات تأثير كبير على تشكيل الرأي العام والسياسات في كثير من الدول، ولا سيما في الشرق الأوسط.
كانت إحدى تلك الخرافات تتعلق بعالم جديد يتكون من دول قومية تعيش في سلام وانسجام في إطار نظام الحكم العالمي. اخترع هذه الخرافة الرئيس الأميركي وودرو ويلسون الذي حوّل مصطلح «تقرير المصير» إلى قيمة مطلقة في الحياة الدولية. ولكن لو كانت رؤيته الرومانسية تحققت، لانتهت الحرب بظهور ما يزيد على 100 دولة قومية جديدة.
بيد أن العملية استغرقت أكثر من نصف قرن آخر اندلعت فيه نزاعات أخرى لا تحصى ناهيك عن الحرب العالمية الثانية.
عندما سكتت المدافع، تباهى ويلسون بأن «في النهاية يرى العالم أميركا كمنقذ للعالم!» وكان وعده بمساعدة «الشعوب» على بناء حياة جديدة على أنقاض الإمبراطوريات الاستعمارية التي انهارت. وفي الشرق الأوسط، بدأ الكثير من الأقليات في تسمية أبنائهم حديثي الولادة باسم «ويلسون» احتفاء بالزعيم الأميركي ووعده بإقامة «دول لجميع الشعوب».
ولكن سريعا ما سقط ويلسون ضحية للسياسة الداخلية الأميركية وخرج من سيناريو الأحداث. كذلك لم توقع الولايات المتحدة حتى على معاهدة فرساي. واستغرق الأميركيون فترة من الوقت حتى يدركوا أن الإمبراطوريات لا تنسحب من التاريخ بتلك سهولة. هذا ما قاله إدوارد ماندل هاوسن الحليف السياسي لويلسون قبل أن يغادر متجها إلى واشنطن: «سوف أغادر باريس بعد ثمانية أشهر مصيرية، ولدي مشاعر مختلطة. إذا نظرت إلى مؤتمر (فرساي) بأثر رجعي، أجد الكثير الذي يمكن الموافقة عليه، ولكن هناك الكثير أيضا الذي يمكن الندم عليه. من السهل أن نقول ما كان يجب فعله، ولكن من الصعب العثور على وسيلة للقيام به. لا يمكن أن تنهار الإمبراطوريات وتنشأ دول جديدة على أنقاضها من دون حدوث اضطرابات. إن إنشاء حدود جديدة يعني خلق مشكلات جديدة».
تأتي الخرافة الأخرى التي تتعلق بصورة مباشرة بالشرق الأوسط تحت ما يسمى باتفاقية «سايكس بيكو». في الواقع في أي مناقشة تختص بشؤون الشرق الأوسط، يجب أن يتطرق المتحدث إلى سايكس بيكو حتى يظهر بصورة المُطّلع الأنيق. تشير تلك إلى مسودة اتفاقية وقعت عليها كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا، لجعل الإمبراطورية العثمانية، بعدما وقفت إلى جانب ألمانيا والنمسا، في صف الطرف المنهزم في الحرب العالمية الأولى. ونشر ليون تروتسكي، مفوض الشؤون الخارجية في حكومة ما بعد الثورة في روسيا، نص المعاهدة السرية، التي جرى استخدامها لدعم دعاية النظام البلشفي الجديد المعادية للإمبريالية.
ولكن في الواقع، لم يجر التصديق على اتفاقية سايكس بيكو رسميا على الإطلاق من جهة أي من الموقعين عليها، ناهيك عن تنفيذها كما يدعي من يروج لمعارضة الغرب على مدار القرن الماضي. وبدلا من ذلك، تقرر مصير الشرق الأوسط أثناء تمشية جانبية قام بها رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمانصو ونظيره البريطاني ديفيد لويد جورج على هامش مؤتمر فرساي.
نتيجة لذلك، تحولت أراضي الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط التي جرى تقسيمها إلى ما هو أسوأ مما كانت تتصوره اتفاقية سايكس بيكو.
كان من المفترض أن يضفى على التقسيم الجديد صبغة قانونية من خلال مجموعة من المعاهدات من بينها سيفر ومونترو ولوزان، التي لم يصل بعضها إلى المرحلة النهاية من إقرار البرلمانات المعنية. ومن جانبها، وقعت تركيا، الدولة الجديدة الناشئة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، على معاهدة سلام منفصلة مع روسيا البلشفية في برست ليوفسك.
تقوم خرافة أخرى تتعلق بالشرق الأوسط على ما يسمى بوعد بلفور. وهذا التصريح عبارة عن رسالة قصيرة كتبها وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشايلد، زعيم الجالية اليهودية البريطانية في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1917. ورد فيها: «إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر».
لم تتم مناقشة الرسالة في مجلس الوزراء البريطاني، ناهيك عن إقرارها. وتم إدخالها لاحقا في معاهدة سيفر التي جرى توقيعها مع الإمبراطورية العثمانية.
ولكن على النقيض من الفكرة السائدة في الشرق الأوسط، لم يفسر البريطانيون تصريح بلفور بأنه وثيقة تلزمهم بإقامة دولة يهودية في فلسطين. في الواقع، بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية عندما طرحت فكرة قيام دولة يهودية في مؤتمر تشارك فيه دول عربية وبريطانيا والولايات المتحدة، وصف البريطانيون وعد بلفور بأنه «بلا أهمية».
ووفقا لبارتلي كرام، مبعوث الرئيس هاري ترومان في المؤتمر، اعتقد البريطانيون أن ما رفع عنه الانتداب في فلسطين يجب أن يمثل دولة عربية معلنة. (وكانت هناك أراض مخصصة لإقامة إمارة شرق الأردن).
وكتب كرام أن هارولد بيلي، رجل الخارجية البريطانية وكبير الخبراء البريطانيين في شؤون الشرق الأوسط، كان «مدافعا صريحا ومباشرا عن العرب». واستطرد كرام قائلا: «قال بيلي إنه يجب النظر إلى قضية فلسطين في إطار التوسع السوفياتي القوي.. وسوف يكون من الجيد أن تنضم الولايات المتحدة إلى بريطانيا في عملية إنشاء طوق صحي يتكون من الدول العربية. إذا جرى إعلان فلسطين دولة عربية، سوف تكون حلقة قوية في هذا الطوق».
وكانت نتيجة معارضة لندن لإقامة الدولة اليهودية حرب عصابات مريرة شنتها جماعات يهودية مسلحة ضد القوات البريطانية في فلسطين.
وفي مفارقة، كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يدعمان إقامة دولة يهودية على عكس المخططات البريطانية.
وكما لم تؤد اتفاقية سايكس بيكو إلى قيام دولتي العراق وسوريا، لم تنشأ إسرائيل بسبب وعد بلفور ولكن بسبب الأمم المتحدة.
تدور خرافة أخرى أيضا تتعلق بالشرق الأوسط حول خرافة تي إي لورنس، أو من يطلق عليه لورنس العرب، التي تشير إلى أن رحالة بريطانيا قاد عدة مئات من المقاتلين العرب، وهزم الإمبراطورية العثمانية وأنشأ «الشرق الأوسط الجديد».
منذ المراحل الأولى في الحرب، تناول البريطانيون فكرة التحريض على قيام ثورة مسلمة ضد العثمانيين وحلفائهم الألمان في الشرق الأوسط. وفي عام 1915، ألف الدبلوماسي والكاتب جون بوشان روايته «العباءة الخضراء» التي تتحدث عن أحد النبلاء البريطانيين الذي كان يعمل مع جهاز الاستخبارات ويتنكر في زي رجل دين ليقود ثورة إسلامية ضد الخليفة العثماني. (نشر الكتاب في عام 1916).
عندما ظهرت رواية «العباءة الخضراء»، كانت بريطانيا تعد أكبر إمبراطورية «إسلامية» في العالم من حيث تعداد السكان المسلمين، وذلك لأنها كانت تحكم الهند ومصر ومناطق في شبه الجزيرة العربية.
كذلك كان الألمان لديهم خيالات خاصة بهم تجاه الإسلاميين. لقد نشروا شائعات بأن القيصر فلهلم اعتنق الإسلام ونشر صورا لزيارته إلى القدس قبل اندلاع الحرب حيث حرص على الوصول إليها على قدميه ومن دون الحراس المسلحين من حوله. كان لدى الألمان أيضا روايتهم بشأن لورنس العرب ممثلة في صورة الكولونيل غوستاف واسموس، ضابط الاستخبارات الذي جرى إرساله إلى إيران لتشكيل عصابات معارضة للبريطانيين تعمل على قطع إمدادات النفط التي تصل إلى القوات البحرية الملكية.
ونشر الألمان نسختهم الخاصة من رواية «العباءة الخضراء» تحت اسم «الفجر الأحمر»، التي يحمل جزء منها سيرة شخصية وجزء آخر خيالي عن تحالف جرى بين الألمان والمسلمين بهدف تدمير الإمبراطورية البريطانية وتحرير الهند وإقامة خلافة إسلامية عالمية.
حسنا، تستمر الخرافات في الوجود بصورها المختلفة نظرا لأن الواقع الذي عزز ظهورها لا يزال يؤثر على حياة أعداد كبيرة جدا من البشر في مناطق كثيرة حول العالم، وأبرزها الشرق الأوسط.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».