الملك سلمان... تأثير الموروث الأُسري في مواجهة التحدّيات

عدد محدود من البحوث والدراسات تطرّق إلى نشأته المبكّرة وإلى صلته بوالديه

TT

الملك سلمان... تأثير الموروث الأُسري في مواجهة التحدّيات

أستهلّ الحديث باستذكار ما توافق عليه المعاصرون، عن القدرات القياديّة لشخصيّة مؤسّس السعودية المعاصرة (الملك عبد العزيز 1876 - 1953) والتأمّل في الوقت نفسه في العوامل الفكريّة والفسيولوجيّة الموروثة عند خلفه السادس (الملك سلمان المولود أواخر عام 1935) فهما أبرز شخصيّتَي هذه المشاركة.
لقد ظلّ المجتمع السعودي يستعيد على مدى قرن ونيّف، قصص الملك المؤسّس وقسماته الذهنيّة، ويستذكر العابرون في أرجاء شبه الجزيرة العربيّة أسطورة إنجازاته في توحيد معظم أركانها، وكيف ساد محيطه بالمعروف، وأسَر شعبه بالمحبّة، ووطّد علاقاته بالدّهاء، في وقت لم تكن الشهادات مقياس النبوغ ومبعث التفوّق، لكنه قرأ تاريخ أسلافه منذ صغره، وأدركت بصيرته توازنات المنطقة، والتزم في منهجه فوق هذا وذاك بتحكيم الشرع، وبأخلاق الإسلام في سلوكه.
ولد في الرياض، وأجبرته الظروف وهو في الخامسة عشرة للرحيل عنها مع والده وأسرته بدءاً من عام 1891 ثم عاد مع صفوة من رجاله بعد أحد عشر عاماً من الغربة في الكويت، ليسعى وهو في السادسة والعشرين، من أجل تأسيس الدولة من جديد، على مدى حقبة زمنيّة استغرقت ثلاثة وخمسين عاماً متّصلة، قضى نصفها في مداواة رواسب الضغائن ومعالجة الفتن، وفي الفتوحات والمناورات ومقارعة الخصوم بين انتصار وانكسار، وأمضى النصف الثاني في البناء والتحديث، وإقامة دولة المؤسّسات والنظام.
ولمّا وحّد شتات المملكة الجديدة وأرسى أُسس بنائها، وبلغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً ميلاديا، استودع اللهَ الكيانَ الكبير أمانة في أيدي أبنائه وحفَدته من بعده، وقد اكتسبوا قدرات قياديّة على مواجهة التحدّيات، ومعرفة عميقة بتاريخ الدولة، وبالأحداث التي مرّت عليها منذ تأسيسها قبل ثلاثة قرون، وإلماماً شاملاً بالمراحل الثلاث التي اجتازتها، وعلماً بأسباب قوّة الدول وضعفها، وأصبحوا أكثر خبرة بجغرافيا الجزيرة العربيّة، وإحاطة بحاضرتها وباديتها وبموروثها الحضاري والثقافي، بعد أن تلقّنوا من مدرسة والدهم دروساً عمليّة في التعامل مع نوازل السياسة وصروفها.
لقد تناول عدد من الباحثين العرب والغربيين الذين عرفوا الملك المؤسّس عن قرب وكتبوا في سيرته - ومنهم عبد الله فيلبي وأمين الريحاني وخيرالدين الزركلي ومحمد أسد وفؤاد حمزة وحافظ وهبة - تناولوا ملامح شخصيّته، وسجّلوا نماذج من مشاركة عشيرته وأسرته ومستشاريه في الأحداث وإدارة دفّة الحكم، واطلاعهم على شؤون الدولة، وعلى اتّصالاته الخارجيّة، فجاءت كتب المؤرّخين الغرباء، على قدر أكبر من التحليل والتجديد، لكن معظمها لم يسلم من الأهواء والخيال الإنشائي.
وظل الأبناء على الدوام يستعيدون في ذكرياتهم تعامل والدهم وعلاقتهم به، توجيهاً وممارسة، حيث لم تكن تشغله أمور الدولة عن الاهتمام بتنشئتهم، فنشأوا متأثّرين بطباعه وأسلوب معالجته للأمور.
وحفظت عشرات الكتب جوانب من تاريخه، وأفاضت في وصف سمات شخصيّته، وركّزت على مواهبه الفطريّة والمكتسبة، وعلى جهوده في حفظ الأمن والاستقرار في البلاد، وكان من أبرز الكتابات المحلّيّة التي حفظت تلك الموضوعات، مؤلّفات إبراهيم بن عيسى وخالد الفرج وأحمد عبد الغفور عطّار وعبد الله بن محمد البسّام ومحمد بن عبد الله امانع وحمد الجاسر ود.عبد الله العثيمين وغيرهم، لكن كتبهم التي تفاوتت من حيث الشمول والتجديد والشفافية، لم تستوعب كل ما يتّصل بتأثير الموروث الأُسَري على تكوين الأبناء وشخصيّاتهم، وتأثّرهم به، وكان من الواضح أن بعض المثقّفين المحليين خضعوا لحذر بالغوا فيه، فضاعت عليهم بنسب مختلفة، فرص الإسهام في قراءة الحوادث والشخصيّات التي مرّت بهم وتحليلها، ومن المعلوم ما للمؤرّخ المحلّي في كل المجتمعات من فضل الأصالة في معرفة المعلومات ودقّة تشخيصها والحكم على ظروفها، متى ما تمكّن من روايتها، وتوافر لديه التأهيل المعرفي لها.
والكلام نفسه، يمكن أن يُقال عن معظم الكتب التي تناولت حياة خلَفه من أبنائه الملوك، فلم تتضمّن أبحاثاً معمّقة عن تكوينهم الأُسَري وتأثير الجينات الوراثيّة عليهم من أصولهم، مع أنه من الواضح وجودَ قواسم مشتركة، وعلاقة تأثّر بوالدهم وأمهاتهم، مما يستلزم أن يُؤسّس له المتخصّصون في الاجتماع والعلوم السياسيّة، لمقارنة الثابت والمتحوّل بين الأصل والفروع، من تشابه الخصائص الفيسيولوجيّة، وفي منهج الحكم وقدرات التعامل والإدارة، بشكل خاص.
في ندواتهم العامة ومجالسهم الخاصة، تحدّث الأبناء والأحفاد عن سيرة والدهم، واجتهد بعضهم بالإضافة إلى ذلك بالتدوين المنشور، ومنه ما كتبه عام 1948 الأمير (الملك) فيصل عن والده، وعدّ من خصاله قوّة الإيمان ومتانة الإرادة، والحكمة والأناة والحزم، والجمع بين الرحمة والشدّة في تربيته، مع العطف على الجميع، وأنه كان لا ينفكّ عن التفاؤل بجمع كلمة العرب والمسلمين، وعن حب الانتفاع بالعلوم الحديثة والأخذ من المدنيّة بخير ما فيها، ومن هذه الذكريات المدوّنة، ما سجّله الأمير طلال والملك سلمان في كتب مطبوعة، مع تخصيص جوانب من مكتباتهم المنزليّة لما أُلّف عن تاريخ السعودية وسير حُكّامها السابقين من المراجع، بينما حَرَص الملك سلمان مع ذلك على إلقاء محاضرات في الجامعات عن سيرة والده.
من جانب آخر، عُني عدد من المؤرّخين والرواة السعوديين، كحمد الجاسر وعبد الله بن خميس وأحمد علي أسد الله الكاظمي وسعد بن رويشد وعثمان الصالح وعبد الرحمن الرويشد، بالحديث عن حال التعليم في العاصمة عند منتصف القرن الهجري الماضي قبيل ولادة الملك سلمان، فوصفوا أجواء حلقات التعليم الديني في المساجد والكتاتيب في تلك الفترة وذكروا معلّميها، في وقت لم يكن التعليم الحديث قد بدأ بعدُ في الرياض، حيث سبقتها مكة المكرمة والمدينة المنوّرة وجدة والهفّوف بسنوات تزامنت بوجه خاص مع تأسيس مديريّة المعارف العموميّة عام 1925 واختيار مديريها من الشخصيّات اللّامعة في ذلك الوقت، من أمثال صالح شطا ومحمد كامل القصّاب ومحمد ماجد كردي وحافظ وهبة ومحمد أمين فودة وإبراهيم الشورى ومحمد طاهر الدباغ ومحمد عبد العزيز المانع، بمدد متفاوتة انتهت بتأسيس وزارة المعارف في مطلع عهد الملك سعود وتعيين الأمير (الملك) فهد وزيراً لها.
وذكر هؤلاء المؤرّخون أن الملك عبد العزيز كان وجّه بتأسيس مدرسة خاصة في قصر الحكم عند إنشائه عام 1910 فالتحق فيها أبناء أسر الرياض، وانضمّ إليها فيما بعد الأمراء فهد وناصر ومنصور وسعد وعبد الله وبندر ومساعد ومشعل وعبد المحسن وسلطان، وقد حضر لها عدد من المعلّمين روّاد التعليم الحديث، الذين يُدين كثير من الأمراء لهم بالفضل، ومنهم أحمد العربي وصالح خزامي وعبد الله عبد الغني خياط وأحمد علي أسد الله الكاظمي وحامد الحابس ومحمد الحساوي ومحمد بن عبد الله العماني (السنّاري) وكان الملك يستقبل الأساتذة ويتحدث معهم بصراحة عمّا يرغبه للتعليم، ويوجّههم بالاهتمام بالقرآن الكريم والكتابة ثم بقية الدروس، وكيف يحسن أن يكون سيرهم باللّين والحسنى مع الجميع، وألا يشدّدوا عليهم في أول الأمر حتى لا ينفروا من التعليم.
في هذه الأثناء، قُدِر لسلمان بن عبد العزيز، الخامس والعشرين في ترتيب الأبناء، أن يولد في يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر (كانون الأول) عام 1935 في المنزل الطيني المخصّص لوالدته (الأميرة حصّة بنت أحمد السديري) في محيط قصر الحكم وسط الرياض، وأن ينتقل - وهو في الخامسة تقريباً - مع إخوته وأخواته إلى قصور المربّع الطينيّة الحديثة آنذاك، حيث وُلد شقيقهم الأمير أحمد بن عبد العزيز، أما موقع منزل والدتهم القديم بجوار قصر الحكم، فقد أوصت في حياتها بجعله وقفاً خيريّاً.
لم يكن غريباً، أن يُقارب الملك سلمان خطى والده في بعض أسلوب حياته، وأن يترسّم تاريخه المعيش والمروي والمدوّن، وأن يكتسب مهارة القيادة وإرث استحقاقات الحكم وهيبته، من خلال فرص تراكميّة متنوّعة تجلّت فيه عبر السنين، فكان - شأنه شأن إخوته - يشترك مع والده بدرجات متفاوتة، من الاستعداد الفطري وشَبَه الملامح والعادات والتقاليد، وفي حضوره الاجتماعي، ومقاربته في اتّخاذ القرار.
ويلحظ من يدرس شخصيّة الملك سلمان، ما تأثّر به من أعمامه وأخواله، ومن والدته المعروفة بريادة العمل الخيري والإنساني، تضفي على ذريّتها من الرعاية والتربية والتنشئة الفاضلة مما فصّلت فيه حكايات وروايات شفهيّة مأثورة من أبنائها وبناتها وأحفادها، ومما يتذكّره إلى اليوم بعض من كان قريبَ الصِلة بها، وهو ما يجري البحث في هذه الأيّام لتدوينه.
رُصدت سيرة الملك سلمان وأخباره ومبادراته الإنسانيّة ونشاطاته الإداريّة في مقالات كُثر، وفي بعض المحاضرات والمؤلّفات، لكن عدداً محدوداً من البحوث والدراسات تطرّق إلى نشأته المبكّرة في مرابع طفولته، وإلى صلته بوالديه وإلى نواحي تأثّره بهما، خلال السنوات التسع عشرة التي عاشها بجوار والده حتى وفاته عام 1953 والأعوام الخمسة والثلاثين التي عاصر فيها والدته حتى وفاتها سنة 1969.
من المؤلّفات القليلة التي صدرت عن سيرته قبل تولّيه الحكم، كتاب زين العابدين الركابي ذو العنوان «سلمان بن عبد العزيز، الوجه الآخر 2008» لخّص فيه عشر خصائص مشتركة في فنّ الحكم بين الملك عبد العزيز وابنه، وهي: الصِلة بالقرآن الكريم، وعمق الإيمان، والفطنة المتوهّجة، وقوّة الذاكرة، وتقدير الوقت والالتزام بالمواعيد وبرنامج العمل، والتنوّع المعرفي، والاطّلاع المتجدّد عَلى الأحداث من حوله، واستحضار حوادث التاريخ، والتوفيق بين شؤون الحكم والتزاماته الأسريّة، ثم ختم بيانَ تلك الصفات المتماثلة بين الوالد ونجله بالقول «كان الملك عبد العزيز متسامحاً جداً، يتجاوز ويعفو إلا في ثلاثة أمور؛ العقيدة، والدولة، وحقوق الناس ودمائهم وأعراضهم، وإن سلمان رجل التفكير الخلّاق، ذو الرؤية الواضحة، المتّسمة بالمبادأة والاستقلال والنزوع إلى التنوير، صاحب رؤية فكريّة سياسيّة في الجمع المتناغم بين الدين والدنيا، والوطنيّة والعالميّة، والإثبات والمرونة، والشورى والعزم، والأسرة الخاصة والوطن الكبير» انتهى.
والواقع أنه ليس من السهل حصر الخصال الشخصيّة والأسريّة والقياديّة المثيلة التي ورثها الأبناء من والدهم، فالموضوع أوسع من أن يُطال في مقام محدود، لكنها تتّضح للعيان، عند قراءة ملامح شخصيّة الأب القدوة، وعند مشاهدة تطبيقات الملوك الأبناء المقتدين، يأتي في مقدّمتها قدراتهم الواسعة على الإحاطة بمجريات الأمور، والمتابعة المستمرّة للأحداث، والإدراك المتوازن لما حولهم، واستباق المخاطر، ومواجهة التحدّيات، بتوفيق الله ثم بعزيمة معاونيهم ومستشاريهم ومساندتهم، بذاكرة ممشوقة تُحرج موظّفي الدواوين.
لكن تلك السمات المتماثلة بين الأب والأبناء، لا تكتمل إِلَا بإبراز صفة موروثة عمّقتها خبرة سلمان بن عبد العزيز الطويلة من الحكم الإداري للعاصمة، وهي حزم يصون بإذن الله حدود البلاد من المخاطر، وعزم لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يُجامل على حساب الدين والأمن الاجتماعي والسياسي، مما لمسه المجتمع عين اليقين، وتفاجأ به العالم الخارجي بأسره عبر السنوات الخمس التي يعبرها في الحكم، وإذا كانت تلك الصفة من أوضح ما جمعه مع والده ويُجمع عليها المراقبون، فإن الأشباه الأخرى التي يلتقيان بها أكثر، من موروثات كُليّة تظهر بنسب متفاوتة في العديد من الأبناء.
ثم إن هناك عاملين إضافيين، أحسب أن لهما أثراً ملموساً في تحقيق الانفراد والتميّز في شخص الملك سلمان:

- العامل الأوّل:
فرصة بقائه أميراً للعاصمة، مما يُذكّر بفرصة مكوث الملك عبد العزيز في الكويت في معيّة والده (الإمام عبد الرحمن الفيصل) وذلك من زاوية كونها بمثابة تأهيل للأمير الشاب عبد العزيز قبل إقدامه على استعادة الحكم وممارسته فيما بعد.
فلقد تمكن الشاب عبد العزيز في مقتبل عمره، عبر معايشته المبكّرة لأحداث المنطقة، من الاطّلاع عن كثب على تقلّبات السياسة وعلى صراعات النفوذ وعلى التوازنات الإقليميّة، من خلال إدراك الحجم الحقيقي للقوى الموجودة في الخليج وتلك المحيطة ببلاده داخل الجزيرة العربيّة؛ وهي البريطانيّة والعثمانيّة بخاصة، وكانت فرصة له لفهم حركة التاريخ، وللتعمّق في العوامل والأسباب التي أدّت إلى سقوط الدولتين السعوديّتين الأولى والثانية، وصار الأمير عبد العزيز على يقين بأن القوّة الذاتيّة هي البُعد الحاسم في تحجيم تلك القوى، وفي الحيلولة دون أن يكون أداة في التبعيّة لها.
في المقارن، كانت الفترة التي أمضاها سلمان بن عبد العزيز في إمارة منطقة الرياض فرصة لقراءة الأحداث على الصعيد الداخلي والإقليمي والعالمي، من خلال قربه المكاني والأسري وموقعه السياسي ومعايشته للأحداث الدائرة في محيط العاصمة بخاصة وفي البلاد بعامة، خلال عهود إخوته الملوك الخمسة السابقين، كان فيها معهم مستشاراً وفاعلاً ومشاركاً وصانعاً للحلول.

- العامل الثاني:
اطّلاعه الواسع على التاريخ، فلقد كان الملك سلمان منذ صغره شغوفاً بالقراءة بشكل عام، وبكتب التاريخ الوطني بوجه خاص، ثم ازداد الولع بها بحكم إشرافه المباشر منذ عقود على أهم مؤسّستين توثيقيّتين في البلاد؛ مكتبة الملك فهد الوطنيّة التي تبنّى مع أعيان العاصمة (الرياض) فكرة إنشائها عام 1983 ودارة الملك عبد العزيز (لحفظ التاريخ الوطني) فكان يطّلع بشكل واسع على المؤلّفات السعودية والعربيّة والمترجمة التي كُتبت عن تاريخ المملكة وسيرة مؤسّسيها، وعلى كل معلومة تاريخيّة نادرة تصل إلى المكتبة والدارة.
ولأن الابن ورث «بكوريّة» النشاط منذ نشأته، بما يماثل طباع أسلافه، فإنه يحاول السير على منوالها، فيبدأ برنامج تواصله في الصباح المبكّر، بينما يعمل موظفو ديوانه على هذا المستوى الدؤوب من النشاط، ومكّنه سحر الشخصية وعلاقاته الواسعة في الداخل والخارج، من أن يحتفظ بسجل طويل من الصلات مع المواطنين والمثقّفين، مما يدلّل بجلاء على جاذبيّة شخصيّته للتواصل معه، خاصة أنه لا يهمل أي اتصال، وأنه يستقبل زائريه بعفويّة وتلقائيّة وبساطة تمثّل أركاناً أساسيّة في القبول والانصهار الكيميائي والاتصال الجماهيري، لا يحوزها إلا الندرة من الزعامات.
ومن الفضيلة في هذا المقام، التذكير بخصلة الوفاء التي تلقّنها سلمان من أسلافه، حين تستعيد الذاكرة على مرّ العقود مواقفه الموجبة مع كل من يرتبط به بصلة قرابة أو صداقة أو عمل، وتقدير من كانت لهم جهود مشهودة في خدمة الوطن من الأُسر والقبائل والمدن، فهو الذي يكتظّ برنامجه المسائي بعيادة المرضى ومواساة التعازي بالحضور أو بالمهاتفة، والمشاركة في المناسبات الاجتماعيّة والمعايدات، وملازمة أسرة أحبابه في بأساء المرض مهمّاً بعُد مكان الاستشفاء أو طال زمنه. وكما بدأ الحديث باستدعاء صفات موروثة، يعرّج بالتذكير بإيجاز، بديوان إمارة الرياض، الذي يُمثّل منذ القِدَم ولا يزال مكتب الحاكم الإداري، وقصر الدولة التاريخي في وسط العاصمة، ومقرّ المناسبات الوطنية الكبرى، حيث تُعقد فيه بيعات الملوك وأولياء العهود، وكان سلمان بن عبد العزيز إبّان ولايته أميراً للرياض، يواظب على العمل اليومي، في هذا المبنى المطلّ على ساحة العدل، حيث تُقام أمامه الحدود، والقصر تُذكّر رمزيّة أرجائه بهيبة الملك المؤسس، وببرنامجه اليومي في إدارة شؤون الحكم، واستقبال المواطنين والوفود والزوّار، كما يرتبط المكتب وجدانيّاً بالمنزل الذي ولد فيه الملك سلمان وإخوته، فقال عنه يوماً «بدأت حياتي العمليّة هنا في قصر الحكم حيث وُلدت، وعُدت إليه أعمل لخدمة بلادي».
والأمل كبير في أن يسعى الباحثون والدارسون، لتسجيل ما تختزنه الوثائق وذاكرة التاريخ الشفهي عن تلك الحقبة التاريخيّة المهمة، فالبيئة التي توارثها جيل اليوم من أسلافهم ظلّت من أقوى المؤثّـرات في تكوينهم ومنهجهم، وفي صقل شخصيّاتهم وطباعهم، وكانت مَعيناً نهلوا منه معارفهم الأساسيّة وتقاليدهم الأسريّة، وسمات الإقدام والجسارة في مقارعة التحدّيات التي واجهتها الدولة في عهودها.
وبعد؛ إن من حقّ الأجيال أن تعرف تاريخ ماضيها وحاضرها، وإن تشخيص مواهب القادة لا يكتمل الإحاطة به إِلَا عند تدوين هذا التاريخ، والمرجوّ من المراجع العلميّة والتوثيقيّة الوطنيّة أن تعمل على كتابة فصول مسيرة الرموز والأعلام، والحوادث بكل مراحلها ومكوّناتها، ومن حسن حظ هذه المراكز أنها تعيش عهد خازن التاريخ الوطني المعاصر، وقارئ الكثير فيه، والعاكف على تصويب ما وقع في كتب السيَر من أغاليط وأخطاء.

- محاضرة في ندوة «الملك سلمان: الإنجاز في مواجهة التحدّيات والمستقبل» جامعة أم القرى بمكة المكرمة



«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)

بعد الإعلان عن جوائز «الأوسكار»، الأحد، وفوز الفيلم النرويجي الاجتماعي الكوميدي «قيمة عاطفية» بجائزة أفضل فيلم أجنبي، وخسارة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» المنافسة، بوصفه الفيلم العربي الوحيد الذي خاض تصفيات أشهر مسابقة عالمياً، ظهرت تساؤلات عن سبب خسارة الفيلم الذي يتناول واقعة حقيقية خلال «حرب غزة» تمثل مأساة إنسانية، ما بين من اعتبروا الجائزة قد تحمل أبعاداً سياسية، خصوصاً مع رفض مخرجة الفيلم تسلم جائزة سابقاً في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي، وبين من رأوا الجائزة تحتكم للمعايير الفنية.

ودعم هذه التساؤلات تعليقات «سوشيالية» حول عدم فوز الفيلم التونسي، خصوصاً مع إعلان كوثر بن هنية في لقاء متلفز خلال حفل «الأوسكار» أن بطل فيلمها الفلسطيني لم يتمكن من الحضور بسبب قرار الرئيس ترمب منع منح تأشيرات للفلسطينيين.

وتناول فيلم «صوت هند رجب» محاولة إنقاذ الطفلة الفلسطينية هند رجب التي تبلغ من العمر 6 سنوات، وظلت لفترة عالقة داخل سيارة بها جثث أهلها الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية، وقضت الطفلة خلال أحداث الحرب على غزة عام 2024. والفيلم يمزج بين الوثائقي والدرامي عبر التسجيلات الحقيقية لصوت هند رجب وهي تتحدث إلى مسؤولي الإسعاف الفلسطينيين الذين يحاولون إنقاذها. وشارك في بطولة الفيلم سجى كيلاني، ومعتز ملحيس، وعامر حليحل، وكلارا خوري. وشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، وحاز العديد من الجوائز والإشادات النقدية، بل رفضت مخرجته كوثر بن هنية جائزة «السينما من أجل السلام» في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي سابق صوّر الحرب على غزة باعتبارها دفاعاً عن النفس.

جانب من حفل جوائز «الأوسكار» (أ.ب)

واستبعد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن يكون عدم فوز «صوت هند رجب» بـ«الأوسكار» لأسباب سياسية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حفل (الأوسكار) نفسه شهد العديد من مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية، فهناك أكثر من فنان عبروا عن ذلك بشكل معلن، ولكن المعيار هنا فني بالدرجة الأولى».

وتابع الشناوي: «أرى أن (قيمة عاطفية) فيلم جدير بالجائزة، وهذا لا يعني الطعن أو التقليل من فيلم (صوت هند رجب)؛ فقد حصل هذا الفيلم على (الأسد الفضي) في (فينيسيا) في يوليو (تموز) الماضي، وقوبل بحفاوة كبيرة، وحصد جوائز عديدة من المهرجانات، ووصل إلى قائمة الأفلام الخمسة المرشحة لـ(أوسكار)، وكان من بين هذه الأفلام أيضاً الفيلم الإيراني (حادث بسيط)، ولو كان هناك تدخل للسياسة في الجائزة لكان من (الأبدى) حصول الفيلم الإيراني على الجائزة».

ووصف الشناوي الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» بأنه «يستحق الجائزة فنياً»، مستبعداً ربط القيمة الفنية بمفردات اللحظة الراهنة، وقال: «إذا اعتبرنا فيلم (صوت هند رجب)، أو أي فيلم آخر، خسر لأسباب سياسية، فهذا يضعنا في ورطة، وهي أنه يمكن الادعاء بفوز أي فيلم آخر لنا يكون لأسباب سياسية أيضاً، وهذا أمر أستبعده وأرفضه من حسابات صناعة السينما»، مؤكداً جدارة الفيلم النرويجي دون التقليل أبداً من قيمة الفيلم التونسي الذي حظي بحفاوة كبيرة يستحقها.

وكانت منافسات «الأوسكار» هذا العام في الدورة 98 شهدت حضور 4 أفلام عربية في القائمة الأولية هي أفلام: «اللي باقي منك» للمخرجة الأميركية - الأردنية من أصل فلسطيني شيرين دعيبس، و«فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، و«كعكة الرئيس» للمخرج العراقي حسن هادي،

وفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات.

وهي المرة الثالثة التي يشارك فيها عمل من إخراج كوثر بن هنية في منافسات الفيلم الأجنبي على «الأوسكار» بعد فيلمَي «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».


نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
TT

نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)

تشكل إطلالة الممثل نزيه يوسف بشخصية «عمر» في مسلسل «المحافظة 15» عودة لافتة إلى الساحة الفنية بعد فترة غياب. وقد أتاح له العمل مساحة درامية أوسع مما حظي به في أعماله السابقة. ومن خلال شخصية متعددة الاتجاهات، كما يصفها لـ«الشرق الأوسط»، نجح في إقناع المشاهد وأثبت قدرته على أداء الأدوار الجادة والملتزمة. ورغم اشتهاره بتقديم الأدوار الكوميدية ومشاركته في أعمال درامية ومسرحية عدة، فإن تلك التجارب لم تمنحه الفرص التي تبرز كامل قدراته.

يقدّم يوسف دوره بمرونة وعفوية، مستفيداً من حرفيته لإقناع المشاهد بوفائه المتفاني لمديرته النائبة «منية» (كارين رزق الله). وقد أثار هذا الارتباط تساؤلات كثيرة لدى الجمهور في طبيعة علاقته بها، خصوصاً مع تطور الأحداث واقتراب العمل من حلقاته الأخيرة، حيث يُتوقع أن تنكشف حقيقة الشخصية ويسقط القناع عن وجهها البريء.

عن مشاركته في «المحافظة 15»، يؤكد أنه وافق سريعاً على الدور فور تلقيه اتصالاً من المخرج مكرم الريس. ويقول: «عندما تواصل معي مكتب المنتج مروان حداد وشرحوا لي تفاصيل العمل، لم أتردد لحظة. أعتقد أن هذا الاتفاق كان الأسرع في مسيرتي التمثيلية. فمجرد أن عرفت أن النص من كتابة كارين رزق الله والإخراج لسمير حبشي، أدركت أن العرض لا يمكن تفويته».

في كواليس تصوير «المحافظة 15» (نزيه يوسف)

ويشير إلى أنه عادةً ما يتأنى في دراسة العروض التي تُقدم له، فيدقق في تفاصيل الدور والأجر وطبيعة العمل قبل اتخاذ قراره. إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة، إذ لم يشغل نفسه بكل تلك التفاصيل، ويقول إن قراءته للنص جعلته يتعلق به سريعاً، مؤكداً أن حدسه في الموافقة السريعة كان في مكانه.

وعن عودة الثنائية بين بطلي العمل يورغو شلهوب وكارين رزق الله، يعلّق قائلاً: «قبل الحديث عن هذه الثنائية الناجحة، لا بد من الإشادة بأجواء العمل ككل. فقد كان الفريق متجانساً ويسعى إلى إنجاح المسلسل بكل ما يملك. كنا أشبه بعائلة صغيرة تجمعها غاية واحدة، وهو ما انعكس إيجاباً على العمل».

ويضيف: «أما ثنائية يورغو وكارين فهي حكاية بحد ذاتها. كان الجمهور ينتظر عودتهما بفارغ الصبر. يورغو يتمتع بسحر خاص في الأداء يجعل المشاهد أسيراً لجاذبيته، فيما تقدم كارين أداءً صادقاً ومحترفاً، ما يصنع بينهما تناغماً واضحاً يحفّز المشاهد على متابعتهما دون ملل».

وقد أتاحت شخصية «عمر» لنزيه يوسف إبراز جانب مهم من موهبته التمثيلية، إذ لا يزال يحتفظ بطاقة فنية وشغف واضحين، ويأمل أن تفتح له هذه المشاركة أبواباً جديدة لإظهار قدراته على نطاق أوسع.

نزيه يوسف خريج معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وشارك في أعمال تلفزيونية بارزة لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهد اللبناني، من بينها «مرتي وأنا»، و«عيلة ع فرد ميلة»، إضافة إلى «أماليا»، و«جوليا»، و«الكاتب». كما يمتلك تجربة سينمائية مهمة بعد مشاركته في عدد من الأفلام اللبنانية مثل «رصاصة طايشة»، و«مدام بامبينو»، و«حبّة لولو»، و«عطلة نهاية الأسبوع». أما على المسرح فقد شارك في أعمال يعتز بها، منها «آخر أيام سقراط»، و«أبو الطيب المتنبي» مع الرحابنة.

ويصف يوسف قصة العمل بأنها جديدة، عولجت بأسلوب ذكي رغم صعوبتها، إذ تتخللها محاذير حساسة.

وعن اعتباره الدور فرصة طال انتظارها، يقول: «لا شك أن مساحة الدور وطبيعته تختلفان عما قدمته سابقاً. فالشخصية تحتمل تأويلات متعددة وتفتح المجال أمام مفترقات درامية عدة، لأنها غنية بطبقاتها. والأهم أنها شخصية محورية في بناء العمل وحبكته».

مع كارين رزق الله وتربطه بها علاقة مهنية طويلة (نزيه يوسف)

ويضيف: «المسلسل يطرح أبعاداً اجتماعية ووطنية، ويسعى إلى إبراز العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني بالصورة التي طالما تمنيناها. كانت تجربة مميزة وتستحق الجهد الذي بذلناه كفريق عمل».

ولا يرى يوسف أن ما كتبته كارين رزق الله مجرد قصة جريئة، بل يراها معالجة دقيقة لموضوع حساس، ويوضح: «استوحت كارين الحكاية من حادثة حقيقية في عائلتها، إذ اختفى ابن خالتها قبل 28 عاماً أثناء رحلة غطس في البحر. ومن هذه الحادثة بنت المسلسل وأضافت إليها أبعاداً درامية أخرى».

ويتابع: «حرصت المؤلفة أيضاً على إدخال تفاصيل إنسانية صغيرة لكنها مؤثرة، تلامس مشاعر المشاهد. كما تطرقت إلى قضايا عدة، منها الأزمة الاقتصادية في لبنان، والحرب، وإسقاط النظام السوري، إضافة إلى موضوعات اجتماعية مثل الوحدة وأحلام الشباب وتأثير أخطاء الأهل في الأبناء، ما جعل الحبكة متماسكة وغنية».

وقد لاقت شخصية «عمر» ترحيباً لدى الجمهور، الذي تأثر بوفائه وصدقه تجاه شخصية «منية». وعن تحضيره للدور يقول: «شعرت في البداية بالخوف من حجم المسؤولية، فالشخصية تتولى منصباً سياسياً حساساً يتطلب دقة في الأداء. وبما أن الكوميديا طبعت جزءاً كبيراً من مسيرتي، كنت حريصاً على ألا ينعكس ذلك على الشخصية. حتى إن المخرج كان متخوفاً من هذا الأمر».

ويضيف: «لذلك حضّرت للدور بجدية كبيرة، وكنت ألتزم بالنصيحة التي كررها المخرج لي دائماً: تذكّر أنك تؤدي شخصية جدية. وكنت أكرر لنفسي دائماً: أنا عمر».

ويتوقع كثير من المشاهدين أن يحمل المسلسل نهاية تراجيدية، وفق مسار الأحداث وتطوراتها.

ويختم نزيه يوسف قائلاً: «لا أستطيع الكشف عما ستؤول إليه النهاية. لكن أحياناً تحمل الأحداث التراجيدية جوانب إيجابية. لذلك أدعو الجمهور إلى متابعة العمل حتى النهاية لاكتشاف المفاجأة المنتظرة».

Your Premium trial has ended


«رمضانيات»... معرض قاهري يحتفي بـ«نوستالجيا» شهر الصوم

طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«رمضانيات»... معرض قاهري يحتفي بـ«نوستالجيا» شهر الصوم

طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)
طقوس رمضان والفوانيس في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

تحت عنوان «رمضانيات»، استضاف غاليري «دروب» وسط القاهرة معرضاً فنياً يستلهم فضاءات ومشاهد تستدعي روح الشهر الكريم، ويعيد قراءتها بصرياً عبر حالة من «النوستالجيا» تؤكد الحنين إلى العادات والتقاليد الرمضانية في الماضي.

يشارك في المعرض 50 فناناً يقدمون 180 عملاً تتنوع بين التصوير الزيتي، والأكريليك، والكولاج، وفنون الخط العربي، وتجارب توظيف الخامات. ولا يكتفي المعرض، الذي يستمر حتى 19 مارس (آذار) الحالي، بالاحتفاء بالشهر الكريم بوصفه موضوعاً بصرياً، بل يتعامل معه بوصفه حالة وجدانية ممتدة في الوعي المصري، تتقاطع فيها الطقوس الدينية مع التفاصيل اليومية البسيطة التي تصنع الدفء في الحياة.

الرقص الصوفي المولوي في أعمال الفنانين (الشرق الأوسط)

منذ اللحظة الأولى يلمس الزائر تنوع الرؤى والأطروحات والتقنيات، فثمة أعمال تنحاز إلى المشهدية الواضحة، تستدعي الفوانيس المضيئة، وزينات الشرفات، وموائد الإفطار الجماعية، وأخرى تميل إلى التجريد الرمزي، حيث تتحول المآذن إلى إيقاعات لونية، وتتبدل الأسواق الشعبية إلى مساحات من الضوء والظل.

أما في مجال الخط العربي فتطالعنا أعمال الفنان صلاح عبد الخالق التي تستند إلى الخط الكوفي في بناء تكوينات هندسية معاصرة، وتأتي لوحته «أسماء الله الحسنى» لتتوج مشاركته في المعرض.

يقول عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط» إن «الخط الكوفي هو الجذر الأول للحرف العربي، وأول ما كُتب به القرآن الكريم». ويتابع: «أتعامل معه بوصفه بنية صلبة يمكن أن تنفتح على تصاميم حديثة من دون أن تفقد أصالتها».

لوحات تُعبِّر عن المساجد في الأحياء الشعبية (الشرق الأوسط)

ويرى عبد الخالق أن «العلاقة بين الخط والموسيقى علاقة عضوية؛ فالحرف يحمل إيقاعاً داخلياً، وكل لوحة عندي أشبه بمقطوعة صامتة تُقرأ بالعين».

ومن جهة أخرى يظهر تنوع الخطوط التي يوظفها الفنان محمد حسن في أعماله، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «النص يملي خطَّه، كما يفرض التكوين منطقه الخاص». ويتابع: «لا أفضل نوعاً بعينه؛ لأن اللوحة هي التي تختار شكل الحرف المناسب لها. إن عدد الخطوط العربية يتجاوز 120 نوعاً، ما يتيح ثراءً بصرياً كبيراً».

ولا يقف اهتمام حسن عند الشكل، بل يمتد إلى فلسفة الحرف في التصوف؛ إذ يعدّه «وحدة قياس كونية، ونقطة تتكرر لتصنع المعنى». ويقول إن الخط العربي «فن حضاري يعكس هوية، وقد لعب المصريون دوراً مهماً في تحويله إلى عنصر جمالي حاضر في العمارة والملصقات والكتب والفضاءات العامة».

وتأخذنا لوحات الفنانة حنان عبد الله في المعرض إلى شوارع القاهرة في ليالي رمضان؛ حيث الباعة الجائلون، وزينة الشوارع، ولحظات انتظار مدفع الإفطار، والأحاديث المسترسلة الدافئة بين الجيران.

وعن مشاركتها في المعرض تقول حنان: «أميل إلى تكثيف المشهد، كأنني أقتطع جزءاً صغيراً من يوم طويل. المساحة المحدودة تمنحني قدرة على إبراز الفكرة من دون تشتيت».

أما منى فتحي فتقدم عالماً يمزج بين السريالية والتأثيرية، حيث تتجاور الظلال الكثيفة مع مساحات الضوء الشفافة، ويُترك للمتلقي أن ينسج حكايته الخاصة.

لوحة عن جلسات السمر في جنوب مصر (الشرق الأوسط)

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «أبحث دائماً عن فكرة جديدة، لكن بإحساسي الشخصي. أحياناً أشعر أن اللوحة تحدثني، وبدوري أتحدث إليها عبر الخطوط والألوان، وخلال ذلك أستمع إلى الموسيقى التي أحبها».

وتوضح: «جربت إدخال ورق الذهب في بعض الأعمال، إلى جانب الكولاج مع الزيت والأكريليك، في محاولة لإضفاء ملمس بصري مختلف».

وتتنوع مقاسات لوحاتها بين أعمال صغيرة مكثفة وأخرى تصل إلى مترَين في مترَين، وترى أن الانتقال بين الأحجام «يمنح التجربة الفنية تحدياً متجدداً ويكسر الرتابة».

وتتميز مشاركة الفنانة راندا إسماعيل بتكوينات اعتمدت فيها على السكينة اللونية، ما يمنح أعمالها أجواء هادئة وسلاماً داخلياً يتماهى مع الشهر الكريم، في إحساس خفي بالحنين إلى الماضي؛ ربما يتسلل إلى المتلقي عبر توظيفها للطبقات الزيتية المتعددة التي تكسب اللوحات كثافة وعمقاً وإحساساً بالزمن.

ويحضر البعد الشعبي بقوة في أعمال إبراهيم البريدي الذي يستخدم الخيوط والإبرة وقصاصات القماش ليصنع مشاهد طفولية مرحة؛ فنجد على مسطح لوحاته زينات تتدلى في الأزقة، ودفوفاً، وموسيقى، وباعة يجوبون الشوارع.

لوحة من الخط الكوفي ضمن الأعمال (الشرق الأوسط)

وبينما تنحاز أعماله إلى روح اللعب، تحمل في طياتها حنيناً واضحاً إلى زمن أبسط. وعن فلسفة أعماله يقول البريدي لـ«الشرق الأوسط»: «أحاول أن أستعيد بهجة الطفولة في رمضان؛ ودوماً أشعر أن العمل، حين يلمس قلب طفل، أكون قد وصلت إلى عمق الفكرة بطريقة صادقة».

أما في عالم مرفت الشاذلي فيتصدر الجنوب المصري المشهد، لا سيما المرأة النوبية، محاطة بعناصر رمزية من طيور وأسماك وكائنات أخرى تتجاور في تكوينات مركبة.

وتعتمد الشاذلي على بنية شبكية هندسية، تتداخل فيها الخطوط المقوسة مع مساحات لونية ثرية، فتبدو اللوحة كأنها طبقات متراكبة من الحكايات.

وهو ما يمنح العمل عمقاً بصرياً، ويتيح للمتلقي أن يتنقل بين المستويات المختلفة بحثاً عن دلالة أو إشارة ترمي إليها الفنانة، إلى أن يصل إلى معانٍ داخله هو نفسه.

كما يأخذ المعرض الزائر، من خلال أعمال أدهم لطفي، إلى الحارة المصرية، وإلى الأقاليم النائية مع الفنان عبد الفتاح البدري، وإلى الطبيعة الخلابة عبر لوحات شيرين عبد الله، في حين تبرز الفنانة الشابة مروة إبراهيم الفلكلور الشعبي والأساطير في أعمالها.

ويستمتع المتلقي داخل الغاليري بمشاهدة عدد كبير من المجسمات والأعمال النحتية من خامات متنوعة، من بينها الخشب والبرونز والزجاج والخزف، لفنانين من أجيال مختلفة، منهم حليم يعقوب، ومها عبد الكريم، وسلوى رشدي، وعبد الناصر شيحة، وسعيد بدوي، فضلاً عن أعمال الموزاييك للفنان روماني سمير.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended