الملك سلمان... تأثير الموروث الأُسري في مواجهة التحدّيات

عدد محدود من البحوث والدراسات تطرّق إلى نشأته المبكّرة وإلى صلته بوالديه

TT

الملك سلمان... تأثير الموروث الأُسري في مواجهة التحدّيات

أستهلّ الحديث باستذكار ما توافق عليه المعاصرون، عن القدرات القياديّة لشخصيّة مؤسّس السعودية المعاصرة (الملك عبد العزيز 1876 - 1953) والتأمّل في الوقت نفسه في العوامل الفكريّة والفسيولوجيّة الموروثة عند خلفه السادس (الملك سلمان المولود أواخر عام 1935) فهما أبرز شخصيّتَي هذه المشاركة.
لقد ظلّ المجتمع السعودي يستعيد على مدى قرن ونيّف، قصص الملك المؤسّس وقسماته الذهنيّة، ويستذكر العابرون في أرجاء شبه الجزيرة العربيّة أسطورة إنجازاته في توحيد معظم أركانها، وكيف ساد محيطه بالمعروف، وأسَر شعبه بالمحبّة، ووطّد علاقاته بالدّهاء، في وقت لم تكن الشهادات مقياس النبوغ ومبعث التفوّق، لكنه قرأ تاريخ أسلافه منذ صغره، وأدركت بصيرته توازنات المنطقة، والتزم في منهجه فوق هذا وذاك بتحكيم الشرع، وبأخلاق الإسلام في سلوكه.
ولد في الرياض، وأجبرته الظروف وهو في الخامسة عشرة للرحيل عنها مع والده وأسرته بدءاً من عام 1891 ثم عاد مع صفوة من رجاله بعد أحد عشر عاماً من الغربة في الكويت، ليسعى وهو في السادسة والعشرين، من أجل تأسيس الدولة من جديد، على مدى حقبة زمنيّة استغرقت ثلاثة وخمسين عاماً متّصلة، قضى نصفها في مداواة رواسب الضغائن ومعالجة الفتن، وفي الفتوحات والمناورات ومقارعة الخصوم بين انتصار وانكسار، وأمضى النصف الثاني في البناء والتحديث، وإقامة دولة المؤسّسات والنظام.
ولمّا وحّد شتات المملكة الجديدة وأرسى أُسس بنائها، وبلغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً ميلاديا، استودع اللهَ الكيانَ الكبير أمانة في أيدي أبنائه وحفَدته من بعده، وقد اكتسبوا قدرات قياديّة على مواجهة التحدّيات، ومعرفة عميقة بتاريخ الدولة، وبالأحداث التي مرّت عليها منذ تأسيسها قبل ثلاثة قرون، وإلماماً شاملاً بالمراحل الثلاث التي اجتازتها، وعلماً بأسباب قوّة الدول وضعفها، وأصبحوا أكثر خبرة بجغرافيا الجزيرة العربيّة، وإحاطة بحاضرتها وباديتها وبموروثها الحضاري والثقافي، بعد أن تلقّنوا من مدرسة والدهم دروساً عمليّة في التعامل مع نوازل السياسة وصروفها.
لقد تناول عدد من الباحثين العرب والغربيين الذين عرفوا الملك المؤسّس عن قرب وكتبوا في سيرته - ومنهم عبد الله فيلبي وأمين الريحاني وخيرالدين الزركلي ومحمد أسد وفؤاد حمزة وحافظ وهبة - تناولوا ملامح شخصيّته، وسجّلوا نماذج من مشاركة عشيرته وأسرته ومستشاريه في الأحداث وإدارة دفّة الحكم، واطلاعهم على شؤون الدولة، وعلى اتّصالاته الخارجيّة، فجاءت كتب المؤرّخين الغرباء، على قدر أكبر من التحليل والتجديد، لكن معظمها لم يسلم من الأهواء والخيال الإنشائي.
وظل الأبناء على الدوام يستعيدون في ذكرياتهم تعامل والدهم وعلاقتهم به، توجيهاً وممارسة، حيث لم تكن تشغله أمور الدولة عن الاهتمام بتنشئتهم، فنشأوا متأثّرين بطباعه وأسلوب معالجته للأمور.
وحفظت عشرات الكتب جوانب من تاريخه، وأفاضت في وصف سمات شخصيّته، وركّزت على مواهبه الفطريّة والمكتسبة، وعلى جهوده في حفظ الأمن والاستقرار في البلاد، وكان من أبرز الكتابات المحلّيّة التي حفظت تلك الموضوعات، مؤلّفات إبراهيم بن عيسى وخالد الفرج وأحمد عبد الغفور عطّار وعبد الله بن محمد البسّام ومحمد بن عبد الله امانع وحمد الجاسر ود.عبد الله العثيمين وغيرهم، لكن كتبهم التي تفاوتت من حيث الشمول والتجديد والشفافية، لم تستوعب كل ما يتّصل بتأثير الموروث الأُسَري على تكوين الأبناء وشخصيّاتهم، وتأثّرهم به، وكان من الواضح أن بعض المثقّفين المحليين خضعوا لحذر بالغوا فيه، فضاعت عليهم بنسب مختلفة، فرص الإسهام في قراءة الحوادث والشخصيّات التي مرّت بهم وتحليلها، ومن المعلوم ما للمؤرّخ المحلّي في كل المجتمعات من فضل الأصالة في معرفة المعلومات ودقّة تشخيصها والحكم على ظروفها، متى ما تمكّن من روايتها، وتوافر لديه التأهيل المعرفي لها.
والكلام نفسه، يمكن أن يُقال عن معظم الكتب التي تناولت حياة خلَفه من أبنائه الملوك، فلم تتضمّن أبحاثاً معمّقة عن تكوينهم الأُسَري وتأثير الجينات الوراثيّة عليهم من أصولهم، مع أنه من الواضح وجودَ قواسم مشتركة، وعلاقة تأثّر بوالدهم وأمهاتهم، مما يستلزم أن يُؤسّس له المتخصّصون في الاجتماع والعلوم السياسيّة، لمقارنة الثابت والمتحوّل بين الأصل والفروع، من تشابه الخصائص الفيسيولوجيّة، وفي منهج الحكم وقدرات التعامل والإدارة، بشكل خاص.
في ندواتهم العامة ومجالسهم الخاصة، تحدّث الأبناء والأحفاد عن سيرة والدهم، واجتهد بعضهم بالإضافة إلى ذلك بالتدوين المنشور، ومنه ما كتبه عام 1948 الأمير (الملك) فيصل عن والده، وعدّ من خصاله قوّة الإيمان ومتانة الإرادة، والحكمة والأناة والحزم، والجمع بين الرحمة والشدّة في تربيته، مع العطف على الجميع، وأنه كان لا ينفكّ عن التفاؤل بجمع كلمة العرب والمسلمين، وعن حب الانتفاع بالعلوم الحديثة والأخذ من المدنيّة بخير ما فيها، ومن هذه الذكريات المدوّنة، ما سجّله الأمير طلال والملك سلمان في كتب مطبوعة، مع تخصيص جوانب من مكتباتهم المنزليّة لما أُلّف عن تاريخ السعودية وسير حُكّامها السابقين من المراجع، بينما حَرَص الملك سلمان مع ذلك على إلقاء محاضرات في الجامعات عن سيرة والده.
من جانب آخر، عُني عدد من المؤرّخين والرواة السعوديين، كحمد الجاسر وعبد الله بن خميس وأحمد علي أسد الله الكاظمي وسعد بن رويشد وعثمان الصالح وعبد الرحمن الرويشد، بالحديث عن حال التعليم في العاصمة عند منتصف القرن الهجري الماضي قبيل ولادة الملك سلمان، فوصفوا أجواء حلقات التعليم الديني في المساجد والكتاتيب في تلك الفترة وذكروا معلّميها، في وقت لم يكن التعليم الحديث قد بدأ بعدُ في الرياض، حيث سبقتها مكة المكرمة والمدينة المنوّرة وجدة والهفّوف بسنوات تزامنت بوجه خاص مع تأسيس مديريّة المعارف العموميّة عام 1925 واختيار مديريها من الشخصيّات اللّامعة في ذلك الوقت، من أمثال صالح شطا ومحمد كامل القصّاب ومحمد ماجد كردي وحافظ وهبة ومحمد أمين فودة وإبراهيم الشورى ومحمد طاهر الدباغ ومحمد عبد العزيز المانع، بمدد متفاوتة انتهت بتأسيس وزارة المعارف في مطلع عهد الملك سعود وتعيين الأمير (الملك) فهد وزيراً لها.
وذكر هؤلاء المؤرّخون أن الملك عبد العزيز كان وجّه بتأسيس مدرسة خاصة في قصر الحكم عند إنشائه عام 1910 فالتحق فيها أبناء أسر الرياض، وانضمّ إليها فيما بعد الأمراء فهد وناصر ومنصور وسعد وعبد الله وبندر ومساعد ومشعل وعبد المحسن وسلطان، وقد حضر لها عدد من المعلّمين روّاد التعليم الحديث، الذين يُدين كثير من الأمراء لهم بالفضل، ومنهم أحمد العربي وصالح خزامي وعبد الله عبد الغني خياط وأحمد علي أسد الله الكاظمي وحامد الحابس ومحمد الحساوي ومحمد بن عبد الله العماني (السنّاري) وكان الملك يستقبل الأساتذة ويتحدث معهم بصراحة عمّا يرغبه للتعليم، ويوجّههم بالاهتمام بالقرآن الكريم والكتابة ثم بقية الدروس، وكيف يحسن أن يكون سيرهم باللّين والحسنى مع الجميع، وألا يشدّدوا عليهم في أول الأمر حتى لا ينفروا من التعليم.
في هذه الأثناء، قُدِر لسلمان بن عبد العزيز، الخامس والعشرين في ترتيب الأبناء، أن يولد في يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر (كانون الأول) عام 1935 في المنزل الطيني المخصّص لوالدته (الأميرة حصّة بنت أحمد السديري) في محيط قصر الحكم وسط الرياض، وأن ينتقل - وهو في الخامسة تقريباً - مع إخوته وأخواته إلى قصور المربّع الطينيّة الحديثة آنذاك، حيث وُلد شقيقهم الأمير أحمد بن عبد العزيز، أما موقع منزل والدتهم القديم بجوار قصر الحكم، فقد أوصت في حياتها بجعله وقفاً خيريّاً.
لم يكن غريباً، أن يُقارب الملك سلمان خطى والده في بعض أسلوب حياته، وأن يترسّم تاريخه المعيش والمروي والمدوّن، وأن يكتسب مهارة القيادة وإرث استحقاقات الحكم وهيبته، من خلال فرص تراكميّة متنوّعة تجلّت فيه عبر السنين، فكان - شأنه شأن إخوته - يشترك مع والده بدرجات متفاوتة، من الاستعداد الفطري وشَبَه الملامح والعادات والتقاليد، وفي حضوره الاجتماعي، ومقاربته في اتّخاذ القرار.
ويلحظ من يدرس شخصيّة الملك سلمان، ما تأثّر به من أعمامه وأخواله، ومن والدته المعروفة بريادة العمل الخيري والإنساني، تضفي على ذريّتها من الرعاية والتربية والتنشئة الفاضلة مما فصّلت فيه حكايات وروايات شفهيّة مأثورة من أبنائها وبناتها وأحفادها، ومما يتذكّره إلى اليوم بعض من كان قريبَ الصِلة بها، وهو ما يجري البحث في هذه الأيّام لتدوينه.
رُصدت سيرة الملك سلمان وأخباره ومبادراته الإنسانيّة ونشاطاته الإداريّة في مقالات كُثر، وفي بعض المحاضرات والمؤلّفات، لكن عدداً محدوداً من البحوث والدراسات تطرّق إلى نشأته المبكّرة في مرابع طفولته، وإلى صلته بوالديه وإلى نواحي تأثّره بهما، خلال السنوات التسع عشرة التي عاشها بجوار والده حتى وفاته عام 1953 والأعوام الخمسة والثلاثين التي عاصر فيها والدته حتى وفاتها سنة 1969.
من المؤلّفات القليلة التي صدرت عن سيرته قبل تولّيه الحكم، كتاب زين العابدين الركابي ذو العنوان «سلمان بن عبد العزيز، الوجه الآخر 2008» لخّص فيه عشر خصائص مشتركة في فنّ الحكم بين الملك عبد العزيز وابنه، وهي: الصِلة بالقرآن الكريم، وعمق الإيمان، والفطنة المتوهّجة، وقوّة الذاكرة، وتقدير الوقت والالتزام بالمواعيد وبرنامج العمل، والتنوّع المعرفي، والاطّلاع المتجدّد عَلى الأحداث من حوله، واستحضار حوادث التاريخ، والتوفيق بين شؤون الحكم والتزاماته الأسريّة، ثم ختم بيانَ تلك الصفات المتماثلة بين الوالد ونجله بالقول «كان الملك عبد العزيز متسامحاً جداً، يتجاوز ويعفو إلا في ثلاثة أمور؛ العقيدة، والدولة، وحقوق الناس ودمائهم وأعراضهم، وإن سلمان رجل التفكير الخلّاق، ذو الرؤية الواضحة، المتّسمة بالمبادأة والاستقلال والنزوع إلى التنوير، صاحب رؤية فكريّة سياسيّة في الجمع المتناغم بين الدين والدنيا، والوطنيّة والعالميّة، والإثبات والمرونة، والشورى والعزم، والأسرة الخاصة والوطن الكبير» انتهى.
والواقع أنه ليس من السهل حصر الخصال الشخصيّة والأسريّة والقياديّة المثيلة التي ورثها الأبناء من والدهم، فالموضوع أوسع من أن يُطال في مقام محدود، لكنها تتّضح للعيان، عند قراءة ملامح شخصيّة الأب القدوة، وعند مشاهدة تطبيقات الملوك الأبناء المقتدين، يأتي في مقدّمتها قدراتهم الواسعة على الإحاطة بمجريات الأمور، والمتابعة المستمرّة للأحداث، والإدراك المتوازن لما حولهم، واستباق المخاطر، ومواجهة التحدّيات، بتوفيق الله ثم بعزيمة معاونيهم ومستشاريهم ومساندتهم، بذاكرة ممشوقة تُحرج موظّفي الدواوين.
لكن تلك السمات المتماثلة بين الأب والأبناء، لا تكتمل إِلَا بإبراز صفة موروثة عمّقتها خبرة سلمان بن عبد العزيز الطويلة من الحكم الإداري للعاصمة، وهي حزم يصون بإذن الله حدود البلاد من المخاطر، وعزم لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يُجامل على حساب الدين والأمن الاجتماعي والسياسي، مما لمسه المجتمع عين اليقين، وتفاجأ به العالم الخارجي بأسره عبر السنوات الخمس التي يعبرها في الحكم، وإذا كانت تلك الصفة من أوضح ما جمعه مع والده ويُجمع عليها المراقبون، فإن الأشباه الأخرى التي يلتقيان بها أكثر، من موروثات كُليّة تظهر بنسب متفاوتة في العديد من الأبناء.
ثم إن هناك عاملين إضافيين، أحسب أن لهما أثراً ملموساً في تحقيق الانفراد والتميّز في شخص الملك سلمان:

- العامل الأوّل:
فرصة بقائه أميراً للعاصمة، مما يُذكّر بفرصة مكوث الملك عبد العزيز في الكويت في معيّة والده (الإمام عبد الرحمن الفيصل) وذلك من زاوية كونها بمثابة تأهيل للأمير الشاب عبد العزيز قبل إقدامه على استعادة الحكم وممارسته فيما بعد.
فلقد تمكن الشاب عبد العزيز في مقتبل عمره، عبر معايشته المبكّرة لأحداث المنطقة، من الاطّلاع عن كثب على تقلّبات السياسة وعلى صراعات النفوذ وعلى التوازنات الإقليميّة، من خلال إدراك الحجم الحقيقي للقوى الموجودة في الخليج وتلك المحيطة ببلاده داخل الجزيرة العربيّة؛ وهي البريطانيّة والعثمانيّة بخاصة، وكانت فرصة له لفهم حركة التاريخ، وللتعمّق في العوامل والأسباب التي أدّت إلى سقوط الدولتين السعوديّتين الأولى والثانية، وصار الأمير عبد العزيز على يقين بأن القوّة الذاتيّة هي البُعد الحاسم في تحجيم تلك القوى، وفي الحيلولة دون أن يكون أداة في التبعيّة لها.
في المقارن، كانت الفترة التي أمضاها سلمان بن عبد العزيز في إمارة منطقة الرياض فرصة لقراءة الأحداث على الصعيد الداخلي والإقليمي والعالمي، من خلال قربه المكاني والأسري وموقعه السياسي ومعايشته للأحداث الدائرة في محيط العاصمة بخاصة وفي البلاد بعامة، خلال عهود إخوته الملوك الخمسة السابقين، كان فيها معهم مستشاراً وفاعلاً ومشاركاً وصانعاً للحلول.

- العامل الثاني:
اطّلاعه الواسع على التاريخ، فلقد كان الملك سلمان منذ صغره شغوفاً بالقراءة بشكل عام، وبكتب التاريخ الوطني بوجه خاص، ثم ازداد الولع بها بحكم إشرافه المباشر منذ عقود على أهم مؤسّستين توثيقيّتين في البلاد؛ مكتبة الملك فهد الوطنيّة التي تبنّى مع أعيان العاصمة (الرياض) فكرة إنشائها عام 1983 ودارة الملك عبد العزيز (لحفظ التاريخ الوطني) فكان يطّلع بشكل واسع على المؤلّفات السعودية والعربيّة والمترجمة التي كُتبت عن تاريخ المملكة وسيرة مؤسّسيها، وعلى كل معلومة تاريخيّة نادرة تصل إلى المكتبة والدارة.
ولأن الابن ورث «بكوريّة» النشاط منذ نشأته، بما يماثل طباع أسلافه، فإنه يحاول السير على منوالها، فيبدأ برنامج تواصله في الصباح المبكّر، بينما يعمل موظفو ديوانه على هذا المستوى الدؤوب من النشاط، ومكّنه سحر الشخصية وعلاقاته الواسعة في الداخل والخارج، من أن يحتفظ بسجل طويل من الصلات مع المواطنين والمثقّفين، مما يدلّل بجلاء على جاذبيّة شخصيّته للتواصل معه، خاصة أنه لا يهمل أي اتصال، وأنه يستقبل زائريه بعفويّة وتلقائيّة وبساطة تمثّل أركاناً أساسيّة في القبول والانصهار الكيميائي والاتصال الجماهيري، لا يحوزها إلا الندرة من الزعامات.
ومن الفضيلة في هذا المقام، التذكير بخصلة الوفاء التي تلقّنها سلمان من أسلافه، حين تستعيد الذاكرة على مرّ العقود مواقفه الموجبة مع كل من يرتبط به بصلة قرابة أو صداقة أو عمل، وتقدير من كانت لهم جهود مشهودة في خدمة الوطن من الأُسر والقبائل والمدن، فهو الذي يكتظّ برنامجه المسائي بعيادة المرضى ومواساة التعازي بالحضور أو بالمهاتفة، والمشاركة في المناسبات الاجتماعيّة والمعايدات، وملازمة أسرة أحبابه في بأساء المرض مهمّاً بعُد مكان الاستشفاء أو طال زمنه. وكما بدأ الحديث باستدعاء صفات موروثة، يعرّج بالتذكير بإيجاز، بديوان إمارة الرياض، الذي يُمثّل منذ القِدَم ولا يزال مكتب الحاكم الإداري، وقصر الدولة التاريخي في وسط العاصمة، ومقرّ المناسبات الوطنية الكبرى، حيث تُعقد فيه بيعات الملوك وأولياء العهود، وكان سلمان بن عبد العزيز إبّان ولايته أميراً للرياض، يواظب على العمل اليومي، في هذا المبنى المطلّ على ساحة العدل، حيث تُقام أمامه الحدود، والقصر تُذكّر رمزيّة أرجائه بهيبة الملك المؤسس، وببرنامجه اليومي في إدارة شؤون الحكم، واستقبال المواطنين والوفود والزوّار، كما يرتبط المكتب وجدانيّاً بالمنزل الذي ولد فيه الملك سلمان وإخوته، فقال عنه يوماً «بدأت حياتي العمليّة هنا في قصر الحكم حيث وُلدت، وعُدت إليه أعمل لخدمة بلادي».
والأمل كبير في أن يسعى الباحثون والدارسون، لتسجيل ما تختزنه الوثائق وذاكرة التاريخ الشفهي عن تلك الحقبة التاريخيّة المهمة، فالبيئة التي توارثها جيل اليوم من أسلافهم ظلّت من أقوى المؤثّـرات في تكوينهم ومنهجهم، وفي صقل شخصيّاتهم وطباعهم، وكانت مَعيناً نهلوا منه معارفهم الأساسيّة وتقاليدهم الأسريّة، وسمات الإقدام والجسارة في مقارعة التحدّيات التي واجهتها الدولة في عهودها.
وبعد؛ إن من حقّ الأجيال أن تعرف تاريخ ماضيها وحاضرها، وإن تشخيص مواهب القادة لا يكتمل الإحاطة به إِلَا عند تدوين هذا التاريخ، والمرجوّ من المراجع العلميّة والتوثيقيّة الوطنيّة أن تعمل على كتابة فصول مسيرة الرموز والأعلام، والحوادث بكل مراحلها ومكوّناتها، ومن حسن حظ هذه المراكز أنها تعيش عهد خازن التاريخ الوطني المعاصر، وقارئ الكثير فيه، والعاكف على تصويب ما وقع في كتب السيَر من أغاليط وأخطاء.

- محاضرة في ندوة «الملك سلمان: الإنجاز في مواجهة التحدّيات والمستقبل» جامعة أم القرى بمكة المكرمة



أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

جميلة في الخمسين (بيست إيماج)
جميلة في الخمسين (بيست إيماج)
TT

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

جميلة في الخمسين (بيست إيماج)
جميلة في الخمسين (بيست إيماج)

لا يمكن الإلمام بجميع اهتمامات النجمة التشيكية المولد، الفرنسية الإقامة، أدريانا كاريمبو. فهي عارضة أزياء، وممثلة سينما، ومذيعة تلفزيون، وسفيرة لعدد من دور الأزياء، وناشطة في جمعيات إنسانية، ومؤلِّفة أصدرت أكثر من كتاب. آخر مؤلّفاتها صدر قبل أيام في باريس بعنوان «أحبك لأنني أحبك». وفيه تروي علاقتها بشريك حياتها المغنّي الفرنسي مارك لافوان من دون أن تذكر اسمه.

أدريانا الفارعة القامة، التي تُوصف بأنها صاحبة أطول ساقين بين عارضات الأزياء، تؤكد أنها تعيش حالياً أجمل سنوات حياتها. لها ميل إلى الكتابة عبَّرت عنه في عدد من كتب السيرة، أشهرها: «جئت من بلد لم يعد موجوداً»، روت فيه ما حلَّ بتشيكوسلوفاكيا من تقسيم وغياب للاسم.

«أحبك لأنني أحبك» (غلاف الكتاب)

تبلغ أدريانا 54 عاماً، ولا تزال تحت الضوء لأنها تتمتَّع بذكاء يقودها إلى تنويع نشاطاتها. درست الطبّ لـ3 سنوات في براغ لتصبح طبيبة مثل والدتها، لكنها تركت الدراسة حين لمحها مصوّر يعمل مع وكالة للعارضات وقدَّم لها تذكرة طيران إلى باريس. وكانت بدايتها مع الشهرة حين تزوَّجت بطل كرة القدم الفرنسي كريستيان كاريمبو. لكن الاثنين انفصلا بعد 3 سنوات لترتبط برجل الأعمال الأرمني أندريه أوهانيان، وتنتقل لتقيم معه في مراكش حيث يملك مطعماً. وفي سنّ الـ47 عاماً حقَّقت حلمها بالأمومة ووضعت طفلة كانت ولادتها أشبه بمعجزة. لكن الزواج انتهى بالطلاق وعادت إلى باريس.

في كتابها الجديد «أحبك لأنني أحبك وهذا كلّ شيء»، تكشف أدريانا بأنها تعرَّفت إلى شريك حياتها الجديد قبل أكثر من ربع قرن. وهي قد أحبَّته من النظرة الأولى، وأدركت أنه الرجل المناسب لها. لكن الكتاب يتضمَّن أيضاً تجربتها في الحياة ومفهومها للحبّ. وهي تصف كيف دهمتها هذه العاطفة بشكل مفاجئ، لكن «ليس من الضرورة وضع اسم لكلّ شيء، بل أن نعيش ما نشعر به». كما تتطرَّق إلى علاقتها المتوتّرة مع والدها وتفضيله شقيقتها عليها. وتكتب أنه كان قادراً على الحبّ، «لكنه لم يُحبّني». وهو وضع جعلها تشعر بالظلم وعدم الفهم لمدة طويلة، وترك أثراً مؤلماً لا يزال حاضراً.

أدريانا ومارك لافوان (بيست إيماج)

تروي أدريانا كاريمبو أنّ والدها، الذي كان مهندساً ميسوراً، هدَّدها ذات مرة بأن عليها العمل لدفع إيجار منزلهم. ومنذ صباها شعرت بعبء المسؤولية. وفي حين اتّسمت علاقتها بوالدها بالتباعد والألم، كانت علاقتها بوالدتها مختلفة تماماً. تتحدَّث عن رابطة قوية معها وهي تعدّها قدوتها في الحياة. ولهذا أرادت أن تكون طبيبة مثل أمها. لكن طموحها كان يذهب أبعد من حدود مدينتها. وحين جاءتها فرصة العمل عارضة في باريس، فلم تتركها تفلت من يدها.

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات، وبقيت 5 أيام من دون طعام، لأنها لم تكن تملك نقوداً ولا تتكلَّم سوى التشيكية والروسية. وبعد أشهر، كانت البنت التشيكية الجميلة تتصدَّر أغلفة مجلات الموضة العالمية. وحين اختيرت في إعلان عن صدرية نسائية فإنّ الشركة حقَّقت مبيعات تجاوزت ربع مليون قطعة في ذلك العام.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كتاب «فارغ» يوحّد آلاف الكتّاب ضدَّ شركات الذكاء الاصطناعي

صفحات فارغة تحمل احتجاجاً أدبياً واسعاً (شاترستوك)
صفحات فارغة تحمل احتجاجاً أدبياً واسعاً (شاترستوك)
TT

كتاب «فارغ» يوحّد آلاف الكتّاب ضدَّ شركات الذكاء الاصطناعي

صفحات فارغة تحمل احتجاجاً أدبياً واسعاً (شاترستوك)
صفحات فارغة تحمل احتجاجاً أدبياً واسعاً (شاترستوك)

انضمَّ نحو 10 آلاف كاتب، من بينهم كازو إيشيغورو وفيليبا غريغوري وريتشارد عثمان، إلى حملة لدعم حقوق النشر. وفي إطارها، نشر آلاف المؤلّفين كتاباً «فارغاً»، للاحتجاج على استغلال شركات الذكاء الاصطناعي أعمالهم دون إذن.

وحمل الكتاب عنوان «لا تسرق هذا الكتاب»، واقتصر محتواه على قائمة بأسماء الكتّاب. وتُوزَّع نسخ من الكتاب على الحضور في معرض لندن للكتاب، قبل أسبوع من الموعد المقرَّر لإصدار الحكومة البريطانية تقييماً للتكلفة الاقتصادية للتغييرات المقترحة في قانون حقوق النشر.

وذكرت «الغارديان» أنه بحلول 18 مارس (آذار) الحالي، يتعيَّن على الوزراء تقديم تقييم للآثار الاقتصادية، بالإضافة إلى تقرير محدَّث عن سير المشاورات المتعلّقة بالإصلاح القانوني، في ظلّ حالة من الغضب بين المبدعين، جراء استغلال شركات الذكاء الاصطناعي لأعمالهم.

في هذا الإطار، قال إد منظم الكتاب، نيوتن ريكس، وهو ملحّن وناشط في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية للفنانين، إنّ صناعة الذكاء الاصطناعي «مبنية على أعمال مسروقة... مأخوذة من دون إذن أو مقابل»، مضيفاً: «هذه ليست جريمة من دون ضحايا، فالذكاء الاصطناعي التوليدي ينافس الأشخاص الذين تدرَّب هذا الذكاء على أعمالهم، ويسلبهم مصادر رزقهم. يجب على الحكومة حماية المبدعين في المملكة المتحدة، ورفض تقنين سرقة الأعمال الإبداعية من شركات الذكاء الاصطناعي».

ومن بين المؤلّفين الآخرين الذين أسهموا بأسمائهم في الكتاب: ميك هيرون مؤلّف رواية «الخيول البطيئة»، والكاتبة ماريان كيز، والمؤرّخ ديفيد أولوسوجا، ومالوري بلاكمان كاتبة رواية «الصفر والصلبان».

وقالت بلاكمان: «ليس من المستغرب بأيّ حال أن نتوقَّع من شركات الذكاء الاصطناعي دفع مقابل استخدام كتب المؤلفين».

يُذكر أنّ الغلاف الخلفي للكتاب يحمل عبارة: «يجب على حكومة المملكة المتحدة ألا تُقنِّن سرقة الكتب لمصلحة شركات الذكاء الاصطناعي».

ومن المقرَّر أن يُطلق الناشرون مبادرة ترخيص الذكاء الاصطناعي في معرض لندن للكتاب. وتعمل «خدمات ترخيص الناشرين»، وهي هيئة غير ربحية في هذا القطاع، على إنشاء نظام ترخيص جماعي، ودعت مختلف عناصر القطاع إلى الانضمام إليه، على أمل أن يتيح الوصول القانوني إلى الأعمال المنشورة.

بوجه عام، يتطلَّب الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من البيانات، بما في ذلك الأعمال المحميّة بحقوق الطبع والنشر والمأخوذة من الإنترنت المفتوح، لتطوير أدوات مثل برامج الدردشة الآلية ومولّدات الصور. وقد أثار هذا الأمر استياءً واسعاً بين المبدعين والشركات في جميع أنحاء العالم، ممّا أدّى إلى رفع دعاوى قضائية على جانبَي المحيط الأطلسي.

العام الماضي، وافقت شركة «أنثروبيك»، الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي ومطوّرة برنامج الدردشة الآلي «كلود»، على دفع 1.5 مليار دولار (1.1 مليار جنيه إسترليني)، لتسوية دعوى قضائية جماعية تقدَّم بها مؤلّفو كتب زعموا أنّ الشركة الناشئة استخدمت نسخاً مقرصنة من أعمالهم لتدريب منتجها الرئيسي.

وقد أبدى فنانون بريطانيون غضبهم الشديد إزاء المقترح الحكومي الرئيسي في المشاورات الدائرة، ويقوم على السماح لشركات الذكاء الاصطناعي باستخدام الأعمال المحميّة بحقوق الطبع والنشر من دون إذن مالكها، إلا إذا أبدى المالك رغبته في الانسحاب من هذه العملية. وكان إلتون جون من بين الفنانين الذين احتجّوا على احتمال تخفيف صرامة قانون حقوق الطبع والنشر، واصفاً الحكومة بأنها «فاشلة تماماً».

إلى جانب المُقترح الحكومي الرئيسي، اقترح الوزراء 3 خيارات أخرى: الإبقاء على الوضع الراهن، أو إلزام شركات الذكاء الاصطناعي بالحصول على تراخيص لاستخدام الأعمال المحمية بموجب حقوق الطبع والنشر، أو السماح لشركات الذكاء الاصطناعي باستخدام الأعمال المحمية بحقوق الطبع والنشر من دون أي خيار للشركات والأفراد المبدعين.

كما رفضت الحكومة استبعاد التنازل عن حقوق الطبع والنشر لمصلحة استخدام المواد لأغراض «البحث التجاري»، الأمر الذي يخشى المتخصّصون في المجال الإبداعي أن تستغله شركات الذكاء الاصطناعي للاستيلاء على أعمال الفنانين من دون إذن.

وقال متحدّث باسم الحكومة: «ترغب الحكومة في صياغة نظام لحقوق الطبع والنشر يُقدّر الإبداع البشري ويحميه، ويكون جديراً بالثقة، ويُحفّز الابتكار. سنواصل التواصل الوثيق مع القطاع الإبداعي بشأن هذه القضية، وسنفي بالتزامنا بإطلاع البرلمان على آخر المستجدات بحلول 18 مارس».


عملة دُفعت أجرةً لحافلة في بريطانيا تحمل أصلاً فينيقياً عمره 2000 عام

قطعة نقدية عَبَرَت القرون قبل أن تبوح بسرّها (مجلس مدينة ليدز)
قطعة نقدية عَبَرَت القرون قبل أن تبوح بسرّها (مجلس مدينة ليدز)
TT

عملة دُفعت أجرةً لحافلة في بريطانيا تحمل أصلاً فينيقياً عمره 2000 عام

قطعة نقدية عَبَرَت القرون قبل أن تبوح بسرّها (مجلس مدينة ليدز)
قطعة نقدية عَبَرَت القرون قبل أن تبوح بسرّها (مجلس مدينة ليدز)

عُثر على عملة معدنية غريبة الشكل، كانت تُستخدم لدفع أجرة الحافلة في ليدز في خمسينات القرن الماضي، وتبيَّن أنها تعود إلى حضارة قديمة يتجاوز عمرها 2000 عام.

ووفق «الإندبندنت»، وصلت العملة، التي سُلِّمت إلى سائق حافلة محلّي قبل عقود، إلى رئيس أمناء الصندوق السابق في هيئة النقل بمدينة ليدز، جيمس إدواردز، الذي كان يتولّى مَهمّة جمع الأجرة ويحصيها في نهاية كلّ يوم.

ولأنها لم تكن صالحة للاستخدام، حملها إدواردز إلى منزله وأهداها لحفيده الصغير بيتر، الذي احتفظ بها في صندوق خشبي صغير لأكثر من 70 عاماً.

اليوم، اكتشف علماء الآثار من جامعة ليدز أنها تعود إلى القرطاجيين، وهم جزء من الحضارة الفينيقية، في مدينة قادس الإسبانية خلال القرن الأول قبل الميلاد.

وقال الحفيد، البالغ الآن 77 عاماً: «كان جدّي يعثر على عملات معدنية غير بريطانية ويحتفظ بها جانباً، وعندما كنت أزوره كان يعطيني بعضها». وأضاف: «لم يمضِ وقت طويل على انتهاء الحرب حينذاك، لذا أتخيّل أنّ الجنود عادوا ومعهم عملات معدنية من البلدان التي أُرسلوا إليها. لم نكن من هواة جمع العملات، لكننا كنا مفتونين بأصلها ورموزها. بالنسبة إليّ، كانت كنزاً ثميناً».

من جهته، حاول بيتر الكشف عن أصل العملة، وانصب تركيزه على نقشٍ معين.

يحمل النقش على أحد وجهيها صورة الإله ملقارت، الذي يشبه البطل اليوناني هيراكليس، مرتدياً غطاء رأسه الشهير المصنوع من جلد الأسد.

رحلة غير متوقَّعة لعملة عمرها 200 عام (مجلس مدينة ليدز)

من ناحيتهم، أفاد خبراء بأنها أتت من مستوطنة قرطاجية قديمة على الساحل الإسباني. وقال بيتر: «لطالما أثارت هذه العملة فضولي لصعوبة تحديد مصدرها». وأوضح: «أول ما خطر ببالي عندما عرفت أصلها، أنني رغبت في إعادتها إلى مؤسّسة تُتيح للجميع دراستها، وقد تفضّلت متاحف ليدز ومعارضها مشكورةً بعرض توفير مكان مناسب لها».

وبالفعل، تبرَّع بالعملة المعدنية إلى متاحف ليدز ومعارضها، وهي الآن جزء من مركز ليدز للاكتشاف، الذي يضمّ عملات معدنية وورقية من ثقافات مختلفة حول العالم، تمتدّ لآلاف السنوات.

وقالت العضوة التنفيذية في مجلس مدينة ليدز لشؤون الرعاية الاجتماعية للبالغين وأنماط الحياة النشطة والثقافة، سلمى عارف: «من المذهل أن نتخيّل كيف وصلت هذه القطعة الصغيرة من التاريخ، التي صنعتها حضارة قديمة منذ آلاف السنوات، إلى ليدز وإلى مجموعتنا». وأضافت: «لا تقتصر مَهمّة المتاحف، مثل متحفنا، على حفظ القطع الأثرية فحسب، إذ تتعدّاها إلى سرد قصص مثل هذه، وإلهام الزوار للتفكير في التاريخ الذي يحيط بنا، حتى في أكثر الأماكن غير المتوقَّعة».

Your Premium trial has ended