الملك سلمان... تأثير الموروث الأُسري في مواجهة التحدّيات

عدد محدود من البحوث والدراسات تطرّق إلى نشأته المبكّرة وإلى صلته بوالديه

TT

الملك سلمان... تأثير الموروث الأُسري في مواجهة التحدّيات

أستهلّ الحديث باستذكار ما توافق عليه المعاصرون، عن القدرات القياديّة لشخصيّة مؤسّس السعودية المعاصرة (الملك عبد العزيز 1876 - 1953) والتأمّل في الوقت نفسه في العوامل الفكريّة والفسيولوجيّة الموروثة عند خلفه السادس (الملك سلمان المولود أواخر عام 1935) فهما أبرز شخصيّتَي هذه المشاركة.
لقد ظلّ المجتمع السعودي يستعيد على مدى قرن ونيّف، قصص الملك المؤسّس وقسماته الذهنيّة، ويستذكر العابرون في أرجاء شبه الجزيرة العربيّة أسطورة إنجازاته في توحيد معظم أركانها، وكيف ساد محيطه بالمعروف، وأسَر شعبه بالمحبّة، ووطّد علاقاته بالدّهاء، في وقت لم تكن الشهادات مقياس النبوغ ومبعث التفوّق، لكنه قرأ تاريخ أسلافه منذ صغره، وأدركت بصيرته توازنات المنطقة، والتزم في منهجه فوق هذا وذاك بتحكيم الشرع، وبأخلاق الإسلام في سلوكه.
ولد في الرياض، وأجبرته الظروف وهو في الخامسة عشرة للرحيل عنها مع والده وأسرته بدءاً من عام 1891 ثم عاد مع صفوة من رجاله بعد أحد عشر عاماً من الغربة في الكويت، ليسعى وهو في السادسة والعشرين، من أجل تأسيس الدولة من جديد، على مدى حقبة زمنيّة استغرقت ثلاثة وخمسين عاماً متّصلة، قضى نصفها في مداواة رواسب الضغائن ومعالجة الفتن، وفي الفتوحات والمناورات ومقارعة الخصوم بين انتصار وانكسار، وأمضى النصف الثاني في البناء والتحديث، وإقامة دولة المؤسّسات والنظام.
ولمّا وحّد شتات المملكة الجديدة وأرسى أُسس بنائها، وبلغ من العمر ثمانية وسبعين عاماً ميلاديا، استودع اللهَ الكيانَ الكبير أمانة في أيدي أبنائه وحفَدته من بعده، وقد اكتسبوا قدرات قياديّة على مواجهة التحدّيات، ومعرفة عميقة بتاريخ الدولة، وبالأحداث التي مرّت عليها منذ تأسيسها قبل ثلاثة قرون، وإلماماً شاملاً بالمراحل الثلاث التي اجتازتها، وعلماً بأسباب قوّة الدول وضعفها، وأصبحوا أكثر خبرة بجغرافيا الجزيرة العربيّة، وإحاطة بحاضرتها وباديتها وبموروثها الحضاري والثقافي، بعد أن تلقّنوا من مدرسة والدهم دروساً عمليّة في التعامل مع نوازل السياسة وصروفها.
لقد تناول عدد من الباحثين العرب والغربيين الذين عرفوا الملك المؤسّس عن قرب وكتبوا في سيرته - ومنهم عبد الله فيلبي وأمين الريحاني وخيرالدين الزركلي ومحمد أسد وفؤاد حمزة وحافظ وهبة - تناولوا ملامح شخصيّته، وسجّلوا نماذج من مشاركة عشيرته وأسرته ومستشاريه في الأحداث وإدارة دفّة الحكم، واطلاعهم على شؤون الدولة، وعلى اتّصالاته الخارجيّة، فجاءت كتب المؤرّخين الغرباء، على قدر أكبر من التحليل والتجديد، لكن معظمها لم يسلم من الأهواء والخيال الإنشائي.
وظل الأبناء على الدوام يستعيدون في ذكرياتهم تعامل والدهم وعلاقتهم به، توجيهاً وممارسة، حيث لم تكن تشغله أمور الدولة عن الاهتمام بتنشئتهم، فنشأوا متأثّرين بطباعه وأسلوب معالجته للأمور.
وحفظت عشرات الكتب جوانب من تاريخه، وأفاضت في وصف سمات شخصيّته، وركّزت على مواهبه الفطريّة والمكتسبة، وعلى جهوده في حفظ الأمن والاستقرار في البلاد، وكان من أبرز الكتابات المحلّيّة التي حفظت تلك الموضوعات، مؤلّفات إبراهيم بن عيسى وخالد الفرج وأحمد عبد الغفور عطّار وعبد الله بن محمد البسّام ومحمد بن عبد الله امانع وحمد الجاسر ود.عبد الله العثيمين وغيرهم، لكن كتبهم التي تفاوتت من حيث الشمول والتجديد والشفافية، لم تستوعب كل ما يتّصل بتأثير الموروث الأُسَري على تكوين الأبناء وشخصيّاتهم، وتأثّرهم به، وكان من الواضح أن بعض المثقّفين المحليين خضعوا لحذر بالغوا فيه، فضاعت عليهم بنسب مختلفة، فرص الإسهام في قراءة الحوادث والشخصيّات التي مرّت بهم وتحليلها، ومن المعلوم ما للمؤرّخ المحلّي في كل المجتمعات من فضل الأصالة في معرفة المعلومات ودقّة تشخيصها والحكم على ظروفها، متى ما تمكّن من روايتها، وتوافر لديه التأهيل المعرفي لها.
والكلام نفسه، يمكن أن يُقال عن معظم الكتب التي تناولت حياة خلَفه من أبنائه الملوك، فلم تتضمّن أبحاثاً معمّقة عن تكوينهم الأُسَري وتأثير الجينات الوراثيّة عليهم من أصولهم، مع أنه من الواضح وجودَ قواسم مشتركة، وعلاقة تأثّر بوالدهم وأمهاتهم، مما يستلزم أن يُؤسّس له المتخصّصون في الاجتماع والعلوم السياسيّة، لمقارنة الثابت والمتحوّل بين الأصل والفروع، من تشابه الخصائص الفيسيولوجيّة، وفي منهج الحكم وقدرات التعامل والإدارة، بشكل خاص.
في ندواتهم العامة ومجالسهم الخاصة، تحدّث الأبناء والأحفاد عن سيرة والدهم، واجتهد بعضهم بالإضافة إلى ذلك بالتدوين المنشور، ومنه ما كتبه عام 1948 الأمير (الملك) فيصل عن والده، وعدّ من خصاله قوّة الإيمان ومتانة الإرادة، والحكمة والأناة والحزم، والجمع بين الرحمة والشدّة في تربيته، مع العطف على الجميع، وأنه كان لا ينفكّ عن التفاؤل بجمع كلمة العرب والمسلمين، وعن حب الانتفاع بالعلوم الحديثة والأخذ من المدنيّة بخير ما فيها، ومن هذه الذكريات المدوّنة، ما سجّله الأمير طلال والملك سلمان في كتب مطبوعة، مع تخصيص جوانب من مكتباتهم المنزليّة لما أُلّف عن تاريخ السعودية وسير حُكّامها السابقين من المراجع، بينما حَرَص الملك سلمان مع ذلك على إلقاء محاضرات في الجامعات عن سيرة والده.
من جانب آخر، عُني عدد من المؤرّخين والرواة السعوديين، كحمد الجاسر وعبد الله بن خميس وأحمد علي أسد الله الكاظمي وسعد بن رويشد وعثمان الصالح وعبد الرحمن الرويشد، بالحديث عن حال التعليم في العاصمة عند منتصف القرن الهجري الماضي قبيل ولادة الملك سلمان، فوصفوا أجواء حلقات التعليم الديني في المساجد والكتاتيب في تلك الفترة وذكروا معلّميها، في وقت لم يكن التعليم الحديث قد بدأ بعدُ في الرياض، حيث سبقتها مكة المكرمة والمدينة المنوّرة وجدة والهفّوف بسنوات تزامنت بوجه خاص مع تأسيس مديريّة المعارف العموميّة عام 1925 واختيار مديريها من الشخصيّات اللّامعة في ذلك الوقت، من أمثال صالح شطا ومحمد كامل القصّاب ومحمد ماجد كردي وحافظ وهبة ومحمد أمين فودة وإبراهيم الشورى ومحمد طاهر الدباغ ومحمد عبد العزيز المانع، بمدد متفاوتة انتهت بتأسيس وزارة المعارف في مطلع عهد الملك سعود وتعيين الأمير (الملك) فهد وزيراً لها.
وذكر هؤلاء المؤرّخون أن الملك عبد العزيز كان وجّه بتأسيس مدرسة خاصة في قصر الحكم عند إنشائه عام 1910 فالتحق فيها أبناء أسر الرياض، وانضمّ إليها فيما بعد الأمراء فهد وناصر ومنصور وسعد وعبد الله وبندر ومساعد ومشعل وعبد المحسن وسلطان، وقد حضر لها عدد من المعلّمين روّاد التعليم الحديث، الذين يُدين كثير من الأمراء لهم بالفضل، ومنهم أحمد العربي وصالح خزامي وعبد الله عبد الغني خياط وأحمد علي أسد الله الكاظمي وحامد الحابس ومحمد الحساوي ومحمد بن عبد الله العماني (السنّاري) وكان الملك يستقبل الأساتذة ويتحدث معهم بصراحة عمّا يرغبه للتعليم، ويوجّههم بالاهتمام بالقرآن الكريم والكتابة ثم بقية الدروس، وكيف يحسن أن يكون سيرهم باللّين والحسنى مع الجميع، وألا يشدّدوا عليهم في أول الأمر حتى لا ينفروا من التعليم.
في هذه الأثناء، قُدِر لسلمان بن عبد العزيز، الخامس والعشرين في ترتيب الأبناء، أن يولد في يوم الحادي والثلاثين من ديسمبر (كانون الأول) عام 1935 في المنزل الطيني المخصّص لوالدته (الأميرة حصّة بنت أحمد السديري) في محيط قصر الحكم وسط الرياض، وأن ينتقل - وهو في الخامسة تقريباً - مع إخوته وأخواته إلى قصور المربّع الطينيّة الحديثة آنذاك، حيث وُلد شقيقهم الأمير أحمد بن عبد العزيز، أما موقع منزل والدتهم القديم بجوار قصر الحكم، فقد أوصت في حياتها بجعله وقفاً خيريّاً.
لم يكن غريباً، أن يُقارب الملك سلمان خطى والده في بعض أسلوب حياته، وأن يترسّم تاريخه المعيش والمروي والمدوّن، وأن يكتسب مهارة القيادة وإرث استحقاقات الحكم وهيبته، من خلال فرص تراكميّة متنوّعة تجلّت فيه عبر السنين، فكان - شأنه شأن إخوته - يشترك مع والده بدرجات متفاوتة، من الاستعداد الفطري وشَبَه الملامح والعادات والتقاليد، وفي حضوره الاجتماعي، ومقاربته في اتّخاذ القرار.
ويلحظ من يدرس شخصيّة الملك سلمان، ما تأثّر به من أعمامه وأخواله، ومن والدته المعروفة بريادة العمل الخيري والإنساني، تضفي على ذريّتها من الرعاية والتربية والتنشئة الفاضلة مما فصّلت فيه حكايات وروايات شفهيّة مأثورة من أبنائها وبناتها وأحفادها، ومما يتذكّره إلى اليوم بعض من كان قريبَ الصِلة بها، وهو ما يجري البحث في هذه الأيّام لتدوينه.
رُصدت سيرة الملك سلمان وأخباره ومبادراته الإنسانيّة ونشاطاته الإداريّة في مقالات كُثر، وفي بعض المحاضرات والمؤلّفات، لكن عدداً محدوداً من البحوث والدراسات تطرّق إلى نشأته المبكّرة في مرابع طفولته، وإلى صلته بوالديه وإلى نواحي تأثّره بهما، خلال السنوات التسع عشرة التي عاشها بجوار والده حتى وفاته عام 1953 والأعوام الخمسة والثلاثين التي عاصر فيها والدته حتى وفاتها سنة 1969.
من المؤلّفات القليلة التي صدرت عن سيرته قبل تولّيه الحكم، كتاب زين العابدين الركابي ذو العنوان «سلمان بن عبد العزيز، الوجه الآخر 2008» لخّص فيه عشر خصائص مشتركة في فنّ الحكم بين الملك عبد العزيز وابنه، وهي: الصِلة بالقرآن الكريم، وعمق الإيمان، والفطنة المتوهّجة، وقوّة الذاكرة، وتقدير الوقت والالتزام بالمواعيد وبرنامج العمل، والتنوّع المعرفي، والاطّلاع المتجدّد عَلى الأحداث من حوله، واستحضار حوادث التاريخ، والتوفيق بين شؤون الحكم والتزاماته الأسريّة، ثم ختم بيانَ تلك الصفات المتماثلة بين الوالد ونجله بالقول «كان الملك عبد العزيز متسامحاً جداً، يتجاوز ويعفو إلا في ثلاثة أمور؛ العقيدة، والدولة، وحقوق الناس ودمائهم وأعراضهم، وإن سلمان رجل التفكير الخلّاق، ذو الرؤية الواضحة، المتّسمة بالمبادأة والاستقلال والنزوع إلى التنوير، صاحب رؤية فكريّة سياسيّة في الجمع المتناغم بين الدين والدنيا، والوطنيّة والعالميّة، والإثبات والمرونة، والشورى والعزم، والأسرة الخاصة والوطن الكبير» انتهى.
والواقع أنه ليس من السهل حصر الخصال الشخصيّة والأسريّة والقياديّة المثيلة التي ورثها الأبناء من والدهم، فالموضوع أوسع من أن يُطال في مقام محدود، لكنها تتّضح للعيان، عند قراءة ملامح شخصيّة الأب القدوة، وعند مشاهدة تطبيقات الملوك الأبناء المقتدين، يأتي في مقدّمتها قدراتهم الواسعة على الإحاطة بمجريات الأمور، والمتابعة المستمرّة للأحداث، والإدراك المتوازن لما حولهم، واستباق المخاطر، ومواجهة التحدّيات، بتوفيق الله ثم بعزيمة معاونيهم ومستشاريهم ومساندتهم، بذاكرة ممشوقة تُحرج موظّفي الدواوين.
لكن تلك السمات المتماثلة بين الأب والأبناء، لا تكتمل إِلَا بإبراز صفة موروثة عمّقتها خبرة سلمان بن عبد العزيز الطويلة من الحكم الإداري للعاصمة، وهي حزم يصون بإذن الله حدود البلاد من المخاطر، وعزم لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يُجامل على حساب الدين والأمن الاجتماعي والسياسي، مما لمسه المجتمع عين اليقين، وتفاجأ به العالم الخارجي بأسره عبر السنوات الخمس التي يعبرها في الحكم، وإذا كانت تلك الصفة من أوضح ما جمعه مع والده ويُجمع عليها المراقبون، فإن الأشباه الأخرى التي يلتقيان بها أكثر، من موروثات كُليّة تظهر بنسب متفاوتة في العديد من الأبناء.
ثم إن هناك عاملين إضافيين، أحسب أن لهما أثراً ملموساً في تحقيق الانفراد والتميّز في شخص الملك سلمان:

- العامل الأوّل:
فرصة بقائه أميراً للعاصمة، مما يُذكّر بفرصة مكوث الملك عبد العزيز في الكويت في معيّة والده (الإمام عبد الرحمن الفيصل) وذلك من زاوية كونها بمثابة تأهيل للأمير الشاب عبد العزيز قبل إقدامه على استعادة الحكم وممارسته فيما بعد.
فلقد تمكن الشاب عبد العزيز في مقتبل عمره، عبر معايشته المبكّرة لأحداث المنطقة، من الاطّلاع عن كثب على تقلّبات السياسة وعلى صراعات النفوذ وعلى التوازنات الإقليميّة، من خلال إدراك الحجم الحقيقي للقوى الموجودة في الخليج وتلك المحيطة ببلاده داخل الجزيرة العربيّة؛ وهي البريطانيّة والعثمانيّة بخاصة، وكانت فرصة له لفهم حركة التاريخ، وللتعمّق في العوامل والأسباب التي أدّت إلى سقوط الدولتين السعوديّتين الأولى والثانية، وصار الأمير عبد العزيز على يقين بأن القوّة الذاتيّة هي البُعد الحاسم في تحجيم تلك القوى، وفي الحيلولة دون أن يكون أداة في التبعيّة لها.
في المقارن، كانت الفترة التي أمضاها سلمان بن عبد العزيز في إمارة منطقة الرياض فرصة لقراءة الأحداث على الصعيد الداخلي والإقليمي والعالمي، من خلال قربه المكاني والأسري وموقعه السياسي ومعايشته للأحداث الدائرة في محيط العاصمة بخاصة وفي البلاد بعامة، خلال عهود إخوته الملوك الخمسة السابقين، كان فيها معهم مستشاراً وفاعلاً ومشاركاً وصانعاً للحلول.

- العامل الثاني:
اطّلاعه الواسع على التاريخ، فلقد كان الملك سلمان منذ صغره شغوفاً بالقراءة بشكل عام، وبكتب التاريخ الوطني بوجه خاص، ثم ازداد الولع بها بحكم إشرافه المباشر منذ عقود على أهم مؤسّستين توثيقيّتين في البلاد؛ مكتبة الملك فهد الوطنيّة التي تبنّى مع أعيان العاصمة (الرياض) فكرة إنشائها عام 1983 ودارة الملك عبد العزيز (لحفظ التاريخ الوطني) فكان يطّلع بشكل واسع على المؤلّفات السعودية والعربيّة والمترجمة التي كُتبت عن تاريخ المملكة وسيرة مؤسّسيها، وعلى كل معلومة تاريخيّة نادرة تصل إلى المكتبة والدارة.
ولأن الابن ورث «بكوريّة» النشاط منذ نشأته، بما يماثل طباع أسلافه، فإنه يحاول السير على منوالها، فيبدأ برنامج تواصله في الصباح المبكّر، بينما يعمل موظفو ديوانه على هذا المستوى الدؤوب من النشاط، ومكّنه سحر الشخصية وعلاقاته الواسعة في الداخل والخارج، من أن يحتفظ بسجل طويل من الصلات مع المواطنين والمثقّفين، مما يدلّل بجلاء على جاذبيّة شخصيّته للتواصل معه، خاصة أنه لا يهمل أي اتصال، وأنه يستقبل زائريه بعفويّة وتلقائيّة وبساطة تمثّل أركاناً أساسيّة في القبول والانصهار الكيميائي والاتصال الجماهيري، لا يحوزها إلا الندرة من الزعامات.
ومن الفضيلة في هذا المقام، التذكير بخصلة الوفاء التي تلقّنها سلمان من أسلافه، حين تستعيد الذاكرة على مرّ العقود مواقفه الموجبة مع كل من يرتبط به بصلة قرابة أو صداقة أو عمل، وتقدير من كانت لهم جهود مشهودة في خدمة الوطن من الأُسر والقبائل والمدن، فهو الذي يكتظّ برنامجه المسائي بعيادة المرضى ومواساة التعازي بالحضور أو بالمهاتفة، والمشاركة في المناسبات الاجتماعيّة والمعايدات، وملازمة أسرة أحبابه في بأساء المرض مهمّاً بعُد مكان الاستشفاء أو طال زمنه. وكما بدأ الحديث باستدعاء صفات موروثة، يعرّج بالتذكير بإيجاز، بديوان إمارة الرياض، الذي يُمثّل منذ القِدَم ولا يزال مكتب الحاكم الإداري، وقصر الدولة التاريخي في وسط العاصمة، ومقرّ المناسبات الوطنية الكبرى، حيث تُعقد فيه بيعات الملوك وأولياء العهود، وكان سلمان بن عبد العزيز إبّان ولايته أميراً للرياض، يواظب على العمل اليومي، في هذا المبنى المطلّ على ساحة العدل، حيث تُقام أمامه الحدود، والقصر تُذكّر رمزيّة أرجائه بهيبة الملك المؤسس، وببرنامجه اليومي في إدارة شؤون الحكم، واستقبال المواطنين والوفود والزوّار، كما يرتبط المكتب وجدانيّاً بالمنزل الذي ولد فيه الملك سلمان وإخوته، فقال عنه يوماً «بدأت حياتي العمليّة هنا في قصر الحكم حيث وُلدت، وعُدت إليه أعمل لخدمة بلادي».
والأمل كبير في أن يسعى الباحثون والدارسون، لتسجيل ما تختزنه الوثائق وذاكرة التاريخ الشفهي عن تلك الحقبة التاريخيّة المهمة، فالبيئة التي توارثها جيل اليوم من أسلافهم ظلّت من أقوى المؤثّـرات في تكوينهم ومنهجهم، وفي صقل شخصيّاتهم وطباعهم، وكانت مَعيناً نهلوا منه معارفهم الأساسيّة وتقاليدهم الأسريّة، وسمات الإقدام والجسارة في مقارعة التحدّيات التي واجهتها الدولة في عهودها.
وبعد؛ إن من حقّ الأجيال أن تعرف تاريخ ماضيها وحاضرها، وإن تشخيص مواهب القادة لا يكتمل الإحاطة به إِلَا عند تدوين هذا التاريخ، والمرجوّ من المراجع العلميّة والتوثيقيّة الوطنيّة أن تعمل على كتابة فصول مسيرة الرموز والأعلام، والحوادث بكل مراحلها ومكوّناتها، ومن حسن حظ هذه المراكز أنها تعيش عهد خازن التاريخ الوطني المعاصر، وقارئ الكثير فيه، والعاكف على تصويب ما وقع في كتب السيَر من أغاليط وأخطاء.

- محاضرة في ندوة «الملك سلمان: الإنجاز في مواجهة التحدّيات والمستقبل» جامعة أم القرى بمكة المكرمة



محمد زين الدين: استعرتُ بعض تفاصيل «حتى الفجر» من طفولتي

واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

محمد زين الدين: استعرتُ بعض تفاصيل «حتى الفجر» من طفولتي

واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج المغربي محمد زين الدين إن علاقته بعالم الكاتب محمد زفزاف، الذي عاد إليه في فيلمه «حتى الفجر»، بدأت بلقاء جمعهما في الدار البيضاء عام 1992، حين كان يفكر في إنجاز فيلم وثائقي عنه. لكن اللقاء تجاوز غرضه الأول، وتحول إلى تجربة ألهمته الكتابة، بعدما أمضى ساعات في الإنصات إلى صاحب «محاولة عيش»، ليخرج بأفكار أسهمت لاحقاً في ولادة فيلمه الروائي الطويل الأول «يقظة».

واستعاد زين الدين، في حواره مع «الشرق الأوسط»، تفاصيل ذلك اللقاء، موضحاً أنه جلس مع زفزاف نحو 4 أو 5 ساعات من دون أن يسجل شيئاً، إذ انصرف تماماً إلى الإنصات إليه. وما إن وصل إلى الفندق حتى شرع في الكتابة، وكأن الحديث الذي دار بينهما فتح أمامه طريقاً إلى حكايات وصور لم تكن قد اتخذت شكلها بعد.

المخرج المغربي محمد زين الدين (الشرق الأوسط)

وبعد نحو 30 عاماً، أعادته مصادفة في الشارع إلى ذلك العالم، حين عثر على رواية «محاولة عيش» لدى بائع كتب يفترش بها الأرض. اشتراها وجلس يقرأها في مقهى، لتستوقفه الشخصيات والأجواء والأماكن التي تزخر بها، وشعر بأنها تحمل عناصر قابلة للحياة على الشاشة. وهكذا تحولت القراءة إلى بداية مشروع سينمائي عاد من خلاله إلى عالم زفزاف، عبر حكاية فتى يحاول العثور على موقعه في واقع يضيّق أمامه خيارات الحياة.

وتدور أحداث الفيلم المغربي «حتى الفجر» في مدينة القنيطرة المغربية خلال سبعينات القرن الماضي، متتبعاً حكاية «حميد»، وهو فتى في الـ16 من عمره، تدفعه أمه إلى بيع الصحف وتحميله مسؤوليات تفوق سنه، فيما ترتب زواجه من شابة تمتلك قارباً صغيراً لنقل السكان عبر النهر.

وبين شوارع المدينة وحانات الميناء، يتعرف حميد إلى امرأة تمنحه الحنان والإنصات اللذين يفتقدهما، ليجد نفسه ممزقاً بين مشاعره الخاصة وتوقعات أسرته، في رحلة تتداخل فيها أسئلة النضج والرغبة والبحث عن الذات.

وعن انتقال الحكاية من الرواية إلى السينما، رأى زين الدين أن الاقتباس يحتاج إلى حرية تتيح للمخرج إعادة بناء العمل بأدواته الخاصة، لأن لكل فن قوانينه وأساليبه في التعبير. وأوضح أن الوفاء للنص الأدبي، بالنسبة إليه، لا يعني الالتزام الحرفي بتفاصيله، بل الحفاظ على روح الكاتب والخلفية التي تنطلق منها نظرته إلى شخصياته، بينما تظل المعالجة قابلة للتغيير بما يمنح الفيلم لغته وإيقاعه واستقلاليته الفنية، من دون أن يقطع صلته بالعالم الذي استُلهم منه.

اهتم المخرج بإبراز مشاعر إنسانية في العمل (الشركة المنتجة)

ومن أبرز الإضافات التي أدخلها على الحكاية موقع تأوي إليه أعداد كبيرة من طيور اللقلق، كان يُعرف باسم «قمامة الأمريكان»، حيث كان الأميركيون الموجودون في مدينة القنيطرة يلقون مخلفاتهم، ويقصده مغاربة بحثاً عما يمكن الانتفاع به.

وأوضح زين الدين أن هذا المكان غير موجود في الرواية، لكنه وجد فيه مساحة تجمع بين تفاصيل العيش الهش ودلالات الطيور التي تحط فيه، ليصبح جزءاً من التصور السينمائي الذي بناه حول الشخصيات وبيئتها. واختار اللقلق لما يحمله من إيحاءات تتصل بالهجرة والولادة، مستحضراً الحكايات الشعبية التي تربطه بمجيء الأطفال إلى العالم، فضلاً عن انتقاله الموسمي من شمال أوروبا. وأضاف: «استعرتُ تفاصيل من طفولتي رأيت أنها مفيدة لشخصية حميد».

وتتصل هذه الإضافات برؤية المخرج لشخصية البطل، الذي تتشكل ملامح أزمته حول سؤال الهوية. فحميد، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة، يجد نفسه مطالباً بالعمل والزواج والتصرف كأنه رجل مكتمل، في وقت لا يزال فيه يحاول فهم ذاته واكتشاف رغباته.

ويرى زين الدين أن هذه الحيرة لا تقتصر على البيئة المغربية، بل تمتد إلى تجارب المراهقين في أنحاء مختلفة من العالم، ممن يبحثون عن تعريف لذواتهم وسط توقعات الآخرين. فحميد غير راضٍ عن واقعه ويسعى إلى تغييره، فيما تدفعه علاقته بالمرأة التي يتعرف إليها في الحانة إلى اكتشاف مشاعر ورغبات تسهم في إعادة توجيه مساره.

وفي سياق حديثه عن اختياراته الفنية، توقف المخرج عند الجمع بين العربية الفصحى في السرد والدارجة المغربية في الحوار، مؤكداً أن هذا الأسلوب يستند إلى طريقة زفزاف نفسه في الكتابة، إذ كان يصف الأماكن والشخصيات بالفصحى، ويترك لشخصياته أن تتحاور بلغتها اليومية. وأشار إلى أن هذه السمة من الخصائص التي لم يجرؤ على تغييرها، لارتباطها الوثيق بطريقة الكاتب في بناء عالمه الأدبي.

ينطلق عرض الفيلم من مهرجان تالين في إستونيا (الشركة المنتجة)

ولم تقتصر عودة زين الدين إلى أجواء القنيطرة على استحضار الأماكن الواردة في الحكاية، بل امتدت إلى البحث عن مواقع تحمل آثاراً من ماضي المدينة. وفي هذا السياق، قاده البحث إلى مطبعة تعود إلى خمسينات القرن الماضي، كانت مغلقة وغير مستخدمة، فاختارها لتصوير المكان الذي تُوزع منه الصحف، في استعادة بصرية لأجواء المرحلة التي تدور فيها الأحداث.

ويشارك «حتى الفجر» في ثلاثة مهرجانات سينمائية خلال نوفمبر (تشرين الثاني)، إذ يشهد عرضه العالمي الأول ضمن مسابقة «اختيارات النقاد» في الدورة الثلاثين لمهرجان تالين «الليالي السوداء» في إستونيا، وينافس ضمن مسابقة «آفاق السينما العربية» في الدورة السابعة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، كما يُعرض ضمن قسم «بانوراما السينما المغربية» في الدورة الثالثة والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش في المغرب.


الأسطورة «شوشو»... أضحك جمهوره ومات حزيناً عن 36 عاماً

مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
TT

الأسطورة «شوشو»... أضحك جمهوره ومات حزيناً عن 36 عاماً

مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)

نحن في بيروت، يوم كانت مركزاً عربياً للكتاب والمال والحرية، وتعيش أوج ازدهارها، في مطلع ستينات القرن الماضي. في تلك الحقبة، وفي وسط العاصمة التجاري الذي يُعرَف بـ«نص البلد»، نشأ «المسرح الوطني»، على بعد أمتار من ساحة الشهداء. في هذه الظروف المؤاتية أنجب لبنان النجم الكوميدي الكبير شوشو، الذي سيصبح بمثابة أسطورة. هو حسن علاء الدين، الذي رهن حياته للمسرح، وواجه المصاعب، وقدَّم تضحيات جساماً، وتوفي في قمة عطائه، وهو في الـ36 عاماً، بعدما شكَّل علامةً فارقةً في تاريخ المسرح اللبناني.

غلاف الكتاب

بعد 50 عاماً من ذلك الغياب، يطلُّ فارس يواكيم، الموهوب الذي لازم شوشو 10 سنوات وكتب له أشهر مسرحياته، بكتاب «شوشو في الذاكرة»، الصادر عن «دار الفرات». يوثِّق يواكيم المرحلة، ويصحِّح معلومات خاطئة شابت بعض ما كُتب عن سيرة الفنان، ويقدِّم شهادةً حيةً. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب.

كان شوشو بحاجة إلى بيئة حاضنة ليعلن مولده، وكانت المدينة بحاجة إلى موهبة فنية بارزة تدعم ازدهارها. هكذا استمرَّ «المسرح الوطني» في تقديم عروضه على مدى عقد، بفضل فرقته الثابتة، ليصبح ظاهرةً لم تشهد بيروت مثيلاً لها.

البداية المبشّرة

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965، ارتفعت الستارة للمرة الأولى في «المسرح الوطني» عن مسرحية «شوشو بك في صور»، التي أعدَّها وأخرجها نزار ميقاتي، مقتبسة من «رحلة السيد بريشون» للفرنسي أوجين لابيش. يصف الكتاب العرض بأنه كان «أنيقاً، سخياً، بهر جمهور بيروت»، واستمرَّ 21 أسبوعاً. وكرت السبحة بعد ذلك بكوميديات شعبية، خاطبت الجمهور العريض بالمحكية اللبنانية، في قاعة تتسع لـ450 متفرجاً، وتعمل طوال السنة باستثناء شهرَي الصيف، حين كانت المسرحيات تجول المناطق. كانت أعمالاً مبهجةً وطريفةً، لكن المسرح تحوَّل، مع مرور الوقت، إلى منبر يعبِّر عن الرأي العام والمطالب الشعبية، فازداد تعلق الجمهور به.

شوشو الذي سرقه المسرح حتى الموت (الشرق الأوسط)

شوشو، المولود في بيروت عام 1939، والده خضر الجوني من الشوف، ووالدته نوّار حيدر من بعلبك، أما زوجته فهي فاطمة، ابنة الفنان محمد شامل، الذي تسبب زواجه منها بقطيعة بينه وبين والدها، صاحب الفضل عليه في إدخاله إلى الإذاعة والتلفزيون.

يتيم الأب منذ كان في السابعة، ربَّته أمه حتى اشتدَّ عوده. عشق التمثيل منذ صغره، واتَّخذ لنفسه اسماً فنياً هو «مبروك». شارك في مشاهد هزلية، وقلَّد شخصيات، وغنى للأطفال، متنقلاً بين فرق الهواة، ومشاركاً في حفلات نظَّمتها جمعيات كشفية.

شاهده محمد شامل في أحد العروض وأُعجب بأدائه، وأسند إليه دوراً في برنامج للأطفال في «تلفزيون لبنان والمشرق». كانت تلك بداية خطواته نحو الاحتراف. وشامل هو الذي أطلق عليه اسم «شوشو»، وأعطاه أدواراً في مسلسلات تلفزيونية وإذاعية، مثل «يا مدير»، و«شارع العز»، و«يا صبر أيوب». لكن ارتباط شوشو بابنة شامل، من دون موافقته، أغضب الأخير، فاستغنى عن خدماته، وكانت تلك ضربةً قاسيةً له.

ولادة مشروع

أصبح شوشو عاطلاً عن العمل، يسير على غير هدى، إلى أن وقع على سينما «شهرزاد» وأقنع صاحبها بتأجيرها. ورغم الصعوبات المالية فإنه استطاع، بالتعاون مع المخرج نزار ميقاتي، إطلاق مشروع «المسرح الوطني» الذي يقدِّم عروضاً يومية.

بعد 3 سنوات على افتتاح المسرح، تعرَّف فارس يواكيم إلى شوشو، الذي حضر إلى المسرح ليكتب مقالة نقدية، بعد عودته حديث التَّخرُّج من مصر. لكن العلاقة بينهما امتدت لـ10 سنوات. فقد تابع شوشو بصفته ناقداً، وعاشره وصادقه وجالسه، والأهم أنه كتب له نصوصاً مسرحية وسينمائية وإذاعية. كانت المعايشة يومية ومهنية، واستمرَّت حتى آخر عرض قدَّمه شوشو في أواخر يونيو (حزيران) 1975.

عرفت بيروت «فرقة منير أبو دبس» وفرقة «ملتقى»، إلى جانب مسرحيات متفرقة ذات طابع تجريبي جاد، لكن لم يتشكَّل جمهور مسرحي مواظب بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا بعد افتتاح مسرح شوشو.

صار المسرح شغل نزار ميقاتي الشاغل؛ يدرِّب الممثلين، وينحت المواهب، ويتابع العمل. قدَّم مع شوشو 12 مسرحية، منها «مريض الوهم» و«البخيل» لموليير، و«توباز» لمارسيل بانيول، و9 مسرحيات من نوع الفودفيل، مقتبسة من أعمال لكتاب معروفين. وبعد 5 سنوات، فُضّت الشراكة، وباع ميقاتي حصته في «المسرح الوطني» إلى محمد الطوخي.

شوشو في السينما

لم يكن شوشو حبيس المسرح، فقد أطلَّ في 8 أفلام، بدأها عام 1962 بفيلم «شوشو والمليون» مع محمد شامل، وبعده بعام قدَّم «يا سلام ع الحب». وبعد أن لمع نجمه على الخشبة، شارك في فيلم «مغامرات شوشو» وغيره.

كان يريد من السينما أن تكون نافذته إلى شهرة عربية واسعة، على غرار نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين وفؤاد المهندس. لهذا لجأ إلى أفلام مشتركة لبنانية - مصرية. وكان آخر أفلامه «سيدتي الجميلة»، الذي كتب فارس يواكيم السيناريو والحوار له، من بطولة نيللي ومحمود ياسين. وعُرض في مصر بعنوان «النشّالة»، وأنتجه شوشو لتأمين بعض الإيرادات والتخفيف من ديونه. وقد حقَّق إيرادات بالفعل، لكن شوشو كان قد رحل قبل بدء عرضه.

مزاج صعب... وظروف أصعب

يحكي الكتاب بإسهاب عن الصعوبات المالية التي واجهها شوشو كي يتمكَّن من تأسيس مسرحه، وعن صعوبة إدارة نفقاته، والديون التي أثقلت كاهله، وكذلك عن شخصيته البوهيمية، وانسياقه وراء هدف واحد هو النجاح على المسرح. ويقول يواكيم إنه كان معجباً بشارلي شابلن، ولا يملُّ من مشاهدة أفلامه ومراقبة حركاته الصامتة وتعابير وجهه، كما كان يتابع أفلام نجيب الريحاني، الذي لم يتسنَّ له أن يراه.

بجسد نحيل، وشارب كثيف، وبنية ضعيفة، وعينين تشعان ذكاء، كان شوشو لا يتوقف عن التدخين وشرب القهوة، ويسهر حتى لا يذهب إلى فراشه قبل طلوع الفجر. كثير الإنصات، قليل الكلام والطعام. في قرارة نفسه، كان رجلاً حزيناً. يأتي إلى المسرح قبل العرض بساعتين؛ فالمسرح بالنسبة إليه الأكسجين، والشفاء من همومه المالية وآلامه المرضية. كان يُضحك الآخرين، لكنه هو نفسه يتألم.

مع عصام رجي في و«صلت لـ99» (من الكتاب)

ساعدته بنيته النحيلة على تأدية الأدوار الكوميدية والإيمائية. وكان موهوباً في تلوين صوته والارتجال السريع وتوزيع النكات. لهذا لم يبلغ نجاحه في السينما والتلفزيون الذروة التي بلغها على المسرح لمهارته الاستثنائية في التفاعل المباشر مع الجمهور. قال عنه المخرج المسرحي روجيه عساف، بمناسبة عرض مسرحية «أخ يا بلدنا»: «إنه صاحب الفرقة اللبنانية الوحيدة التي لها جمهور. فالوصول إلى 70 ألف مشاهد إنجاز كبير. إنه فريد في لبنان بمسيرته».

كان شوشو فناناً متعدد المواهب بالفعل. وإلى جانب السينما والتلفزيون، شارك في المهرجانات الصيفية الكبرى، مثل «مهرجانات بعلبك» و«مهرجانات الأرز». كما أسَّس مسرحاً للأطفال، رغبة في زيادة دخله وتأهيل جيل يتذوق المسرح.

تراكمت الديون على شوشو، رغم أن صالته لم تكن تهدأ، والجمهور لا يكلّ من حضور عروضه. ويشرح الكتاب أنه تورَّط في الديون عند تأسيس المسرح، لأنه لم يتمكَّن من الاستدانة من المصارف، واضطر إلى اللجوء إلى المرابين، الذين فرضوا عليه فوائد خيالية. وأخذت الديون تكبر مثل كرة ثلج، حتى أصبحت أحد أسباب تدهور صحته. وكانت ميرنا البستاني قد وعدته بتسديد ديونه من خلال «بنك الصناعة والعمل»، الذي كانت تملك حصةً وازنة فيهً، ليصبح مديناً للمصرف بفائدة أقل بكثير. لكن الحرب الأهلية اشتعلت، وأطاحت بالوعد والمسرح وشوشو.

وفاة شوشو

كان الدكتور روبير خوري يحضر مسرحية «آخ يا بلدنا»، حين لاحظ أن ملامح وجه شوشو المرهقة قد تشير إلى مشكلة في القلب، فاستدعاه إلى عيادته. وبعد الكشف، تبيَّن وجود خلل في القلب، وطلب منه التخفيف من التدخين وأخذ قسط من الراحة.

لكنه لم ينفِّذ شيئاً من ذلك. وبعد سنة، تعرَّض لنوبة قلبية حادة، ونُقل على عجل إلى مستشفى البربير. خرج بعدها من المستشفى وبدأ التحضير لموسم 1976. وبما أن الحرب كانت قد بدأت، لم يكن ممكناً افتتاح موسمه البيروتي. فسافر لتقديم مسرحيتين في الأردن، وحضر العرض الأول العاهل الأردني يومها الملك حسين، وأبدى إعجابه به.

شوشو في مسرحية «اللعب عالحبلين» (من الكتاب)

عاد شوشو مع الفرقة من عمّان، وكان يقود سيارته بنفسه. كان الإجهاد كبيراً، خصوصاً أنه أُرهق بالعروض المتوالية والهموم النفسية وتراكم الديون، إلى جانب عجزه عن فتح أبواب مسرحه. وفي الثاني من نوفمبر 1975، توقف قلبه عن النبض.

«مات البطل، واحترق المسرح، وانهارت المدينة»، يقول يواكيم في كتابه: «مات النجم مع مسرحه الذي أحبه، لكنه بقي أسطورة في تاريخ المسرح اللبناني».

تكمن أهمية الكتاب في أنه يؤرخ لحقبة مهمة من حياة شوشو ويوثِّقها، ويحاول الإحاطة حتى بفترات لم يعايشها الكاتب أو يشهدها، متى توافرت المعلومات الموثوقة. وفيه تفاصيل تهم كلَّ مَن يرغب في دراسة هذه الظاهرة الفنية، وهو مزوَّد بفهرس لأسماء المسرحيات والأعمال السينمائية، وكذلك أسماء الصحافيِّين الذين كتبوا عن شوشو. ومن الطرائف التي يتضمَّنها الكتاب فهرس للأخطاء التي تمكَّن يواكيم من جمعها فيما يخص شوشو، في كتاب محمد كريم «كما عرفتهم».

بعد 50 عاماً على وفاة الفنان المسرحي الكبير شوشو، قرَّر كاتب أشهر مسرحياته، فارس يواكيم، أن يصدر كتاباً يسجِّل فيه ما شهده وعرفه من حقائق عايشها بصحبته، أو سمعها عنه، أو تقصّاها، اعترافاً بفضله الكبير، ولأنه فتح له باب الشهرة في المسرح اللبناني.


هل تتعرض مصر لسيول عنيفة في الشتاء؟

بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
TT

هل تتعرض مصر لسيول عنيفة في الشتاء؟

بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)

شهدت مناطق في سيناء وأخرى بمحافظة البحر الأحمر، (جنوب شرقي مصر)، خلال فصل الخريف، موجات من الأمطار الغزيرة التي تسببت في تشكل السيول، وأدت إلى جرف المياه في بعض المناطق، وسط تحذيرات متكررة من تداعيات التقلبات الجوية الحادة. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن احتمالات تعرض مصر لموجات أكثر شدة من السيول خلال فصل الشتاء، ومدى ارتباط ذلك بالتغيرات المناخية التي يشهدها العالم.

وقبل أسبوع، شهدت محافظتا جنوب سيناء والبحر الأحمر، موجة من التقلبات الجوية الحادة والأمطار الغزيرة التي تسببت في سيول جارفة، وسط امتداد تأثير منخفض البحر الأحمر الموسمي.

وتسببت التدفقات المفاجئة للمياه في وادي وتير، التابع لمدينة نويبع بجنوب سيناء، في جرف سيارة «خلاطة أسمنت» كان على متنها ثلاثة أشخاص، ما أسفر عن وفاة أحدهم وإصابة آخر، ما يثير تساؤلات بشأن احتمالات تكرارها أو اشتداد حدتها خلال فصل الشتاء في ظل التغيرات المناخية.

وفي هذا السياق، قال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق ونائب رئيس هيئة الأرصاد الجوية السابق، إن فصل الخريف يتسم عادة بالتقلبات الجوية الحادة والسريعة، ويشهد حالات من عدم الاستقرار في الطقس، خصوصاً في محافظات جنوب مصر والبحر الأحمر وسيناء، حيث تزداد فرص سقوط الأمطار التي قد تتحول إلى سيول بفعل الطبيعة الجغرافية لهذه المناطق.

وأوضح قطب لـ«الشرق الأوسط» أن «المناطق الجبلية والمرتفعة تشهد أحياناً هطول أمطار تتجمع مياهها وتندفع بفعل الجاذبية نحو الأودية والمناطق المنخفضة، مما يؤدي إلى تشكل السيول التي قد تكون سريعة وقوية، حتى في المناطق التي لا تشهد سقوط أمطار مباشرة. وحدث ذلك خلال موجات الأمطار الأخيرة في سيناء، إذ اندفعت مياه السيول باتجاه مناطق في شرق سيناء، ومنها محيط خليج العقبة ونويبع، ما أسفر عن خسائر بشرية».

لقطة جوية لأحد أودية سيناء عقب هطول الأمطار (تصوير: عبد الفتاح فرج)

في المقابل، تختلف طبيعة المخاطر في المناطق الساحلية والمستوية، مثل الإسكندرية والساحل الشمالي ومطروح، حسب قطب، إذ قد تشهد هذه المناطق أمطاراً غزيرة، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى سيول جارفة مثل التي تحدث في المناطق الجبلية ذات التضاريس الوعرة والأودية والمنحدرات. وتتمثل الخطورة هناك بصورة أكبر في تجمع مياه الأمطار أو تراكمها في الشوارع والمناطق المنخفضة، لا في اندفاع كميات كبيرة من المياه عبر الأودية من مناطق مرتفعة إلى أخرى منخفضة.

هل تزداد فرص السيول خلال الشتاء؟

وعن احتمالات تعرض مصر لموجات أشد من السيول خلال فصل الشتاء، قال قطب إن التغيرات المناخية أسهمت في زيادة تطرف بعض الظواهر الجوية، سواء في صورة موجات حر شديدة أو انخفاضات حادة في درجات الحرارة، إلى جانب الأمطار الغزيرة التي قد تتسبب في حدوث السيول.

وأضاف قطب أن البلاد تشهد خلال الفترة الحالية انخفاضاً في درجات الحرارة، لتصبح أقل من معدلاتها الطبيعية في بعض المناطق خلال هذا الوقت من العام، بالتزامن مع نشاط الرياح الذي يزيد الإحساس ببرودة الطقس، فضلاً عن اضطراب حركة الملاحة البحرية في البحر المتوسط وخليج السويس، واستمرار فرص سقوط الأمطار على السواحل الشمالية وشمال سيناء.

وأوضح قطب أن فرص هطول الأمطار على مناطق من الصعيد والبحر الأحمر وسيناء تظل قائمة خلال ما تبقى من فصل الخريف وخلال الشتاء، وقد تتسبب في حدوث سيول، مشيراً إلى أن فصل الخريف يظل من الفترات التي تستدعي قدراً أكبر من الحذر، نظراً إلى التقلبات السريعة في الأحوال الجوية والتحولات بين الموجات الدافئة والباردة.

وربط قطب هذه التقلبات بتفاقم الظواهر المناخية، مشيراً إلى ظاهرة «النينيو» وتأثيراتها في أنماط الطقس العالمية، وما قد يصاحبها من تغيرات في درجات الحرارة ومعدلات الأمطار في مناطق مختلفة من العالم.

آثار سلبية خلفتها مياه السيول في مصر (وزارة الري المصرية)

وتُعد «النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح المياه في أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي عن معدلاتها المعتادة، وتؤثر في أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة على نطاق واسع من العالم. وتختلف تأثيراتها من منطقة إلى أخرى حسب قوة الظاهرة وتوقيتها وتفاعلها مع أنظمة المناخ الأخرى، ولا تعني بالضرورة زيادة الأمطار أو حدوث السيول في جميع المناطق.

وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع انطلاق فعاليات مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «كوب 31» (COP31)، في مدينة أنطاليا التركية، خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، بمشاركة ممثلي الدول والمنظمات الدولية والخبراء المعنيين بقضايا المناخ.

ووفق أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق فإن «عدداً من دول العالم، بينها الولايات المتحدة والصين واليابان وتايوان، تواجه ظواهر جوية عنيفة، من بينها الأعاصير والعواصف، في مناطق مختلفة من المحيطين الهادئ والأطلسي، بما يعكس اتساع نطاق التأثيرات المناخية».

وأكد قطب أن مصر ليست بمنأى عن هذه التغيرات، إذ تتأثر بدورها بالتحولات التي يشهدها النظام المناخي العالمي، وتظهر انعكاساتها في صورة تقلبات حادة في درجات الحرارة، بين الارتفاع والانخفاض.